الايمان و الجبال

by admin

ترجمة وليد بوكروح

توجد في إنجيلَيّ ماثيو ومارك عبارة مجازية وَرَدَت على لسان المسيح عليه السلام في مناسبتين على الأقل، ونجدها كذلك بصيغة أو أُخرى في جميع الثقافات البشرية التي عرف تاريخها فكرًا دينيًا: “الإيمان يحرك الجبال!”. 

وذاتُ الاستعارة موجودة أيضا في عُمق الثقافة الصينية في أساطيرَ مثل “جَبَل يو غونغ ” وغيرها. ويَنسُبُ الأدبُ الغربي من جهته عبارةَ مشابهة إلى رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم): “إذا لم يأتي الجبلُ لمحمد فَعَلى محمد أن يذهبَ إلى الجبل”.

نعم، في الأساطير و الحكايات يُمكنُ للإيمان فعلاً أن يُحَرّكَ الجبال.الإسلامَ الذي وُلدَ بين جبال مكة ثم ترعرع في المدينة المنوّرة تَمَكَّنَ في ظرف قصير من توسيع حدوده الأولى لتَبلُغَ جبال سيناء و زغرس و تورس و الأطلس المغربي و جرجرة و البرانس و حائط الصين و القوقاز و كلمنجارو إلخ. وفعلا لم يذهب الرسول (صلى الله عليه و سلم) إلى كل هذه الجبال في حياته لكنها جاءت إليه بعد مماته عندما اعتنقَ أهلُها الدّينَ الذي جاءَ به.

لم يكتفي الإسلام بتحريك الجبال بل حملَ العالَمَ على ظهره وسار به لمسافة طويلة طيلة سبعة قرون من الزمن. حتّى جاءَ يومٌ تَمَلَّكَهُ فيه التعبُ من كل هذا الوقت والجهد فَخَلَدَ إلى السبات واستسلمَ لنوم “أهل الكهف”، أو بالأحرى نَوم مَن يرادفُ هؤلاء في أساطير المسيحية: “نيَّام أفسس السبعة” (Les sept dormants d’Ephèse) الذين ناموا تحت حكم الإغريق واستيقظوا تحت الرومان معتقدين أنهم لم يلبثوا غير ليلة واحدة. 

هذه القصص الدينية تُعَبّرُ على أحسن وجه عّما يقع للإسلاميين في عصرنا. يَحسَبونَ أن جفونهم لم تغمض للحظة بينما الحقيقة أنهم دخلوا منذ عهد ابن خلدون في غيبوبة عميقة لم يُفيقوا منها إلا في أَوج القَرن العشرين. وحين تفتحت أعينهم بعد السبات الطويل لم يَجدوا إلا ذكريات “الليلة السابقة” وآخرَ ما عَرَفَتهُ وتَوَقَّفَت عندَهُ عقولُهم، فاندهشوا عندما لم يجدوا أبا الحسن الأشعري أو ابن تيمية في الواقع الذي استيقظوا فيه. 

نظروا من حولهم ولم يتعرفوا على العالم الذي يحيط بهم وتَشَكَّلَ في غيابهم ودونهم، عندما كانوا يغطون في النوم. عالَمٌ اكتشفوا أنَّهُم لا يملكون لا شفرةَ الدخول إليه ولا الإرشادات التي يمكن أن تَدُلَّهُم على كيفية تشغيله. عالم لا يُدركون أسرار تكوينه ولا يفقَهونَ كيفَ تركّبَ ولا كيف يعمل. ومن ثَمَّ أمام المأزق الذي وصلوا إليه استنتج الإسلاميون أن هذا العالمَ الجديد ليس سوى بدعة من صنع الشيطان فقالوا لأنفسهم أنَّ الحذر والأمان يقتضيان العودةُ إلى الكهف الذي ناموا فيهقبل أن يصيبهم من الواقع الجديد رصاصة أو صاروخ طائشين.

هذا هو منبعُ سوء التفاهم الذي أدَّى إلى انفصال الإسلام عن باقي العالم المعاصر.

برنارد لويس المفكر الأمريكي الذي لا يمكن أن نشتبه فيه بمساندة الإسلام و الذي ألهمت أفكارُهُ (مع سامويل هانتينتن) فريقَ المحافظين الجُدُد الذين قادوا الولايات المتحدة تحت إدارة بوش الإبن كَتَبَ سنةَ 2002 في كتابه ” الإسلام، الغرب و الحداثة” ما يلي:

” ساندَ الواقع طيلة قرون النظرةَ التي حملها المسلمون للعالم ولأنفسهم. كان الإسلام يمثل أكبر قوة عسكرية في العالم وكانت جيوشه تغزو في نفس الوقت أوربا وإفريقيا والصين. كذلك كان أكبرَ قوة اقتصادية حيث يُسَيطرُ على تجارة عدد كبير من المنتجات بفضل شبكات واسعة في أوربا وآسيا وأفريقيا. كما كانَ يفتخرُ في ميدان الفنون والعلوم بمستوى لم تبلغه أي حضارة أخرى من ذي قبل. ثم انقلبت عليه الموازين فجأة… و لم يشعر المسلمون ببروز النهضة الأوروبية و الإصلاح البروتستنتي و الثورة التكنولوجية فَمَرَّت عليهم هذه الأحداث مرور الكرام دون أن ينتبهوا لذلك. ثم أبرزت المواجهةُ العسكرية حقيقةَ اختلال التوازن الجديد القوى: فحسمَ الإبداعُ والحركيةُ الأوربيتين المعركةَ بينَ المعسكرين”.

ثم ذاتَ يوم من القرن التاسع عشر جاءَ نيتشه فيلسوف المذهب الحيوي الألماني متأبطا كتابه “المسيح الدجال” ليُعلنَ أَنَّ “الإيمانَ لا يُحرّكُ الجبال بل يضع الجبال أينما لا توجد” (الجبال بمعنى الصعاب أو الحواجز العقلية). وكان الهدف الذي قصده نيتشه بقوله هذا هو إنكارُ ما جاء به المسيحُ من تعاليم: “ضعوا ثقتكم بالرب فإني في الحقيقة أقول لكم: لو قال أحدٌ لهذا الجبل تنحّ والق بنفسك في البحر، و لو لم يشك بحدوث ذلك في قلبه، لرأى الجبل يفعلُ كما أراد “.

 جاءت بعد ذلك المواثيق البابوية (اتفاقياتٌ حَدَّدَت العلاقات بين الفاتيكان والدول الأوروبية Concordats). ووَصَلَ الوقت الذي يُفُصلَ فيه الدين عن الدولة وحُرّمَ على الكنيسةَ الحصول على رخصة بناء الجبال على الأرض المسيحية و أُجبرت على التقاعد منذ ذلك الحين حيث لم نَعُد نراها أو نسمع بها في غير المناسبات الدينية أو الأعمال الخيرية.

حلَّت محلّها دولةٌ معاصرةٌ مزودة بمُعدّات ردم ضخمة تُسقطُ الجبالَ دونَ حاجة للإيمان، لكن في نفس الوقت دون أن تحتاج إلى اقتلاعه من قُلوب ومُمارسات الناس. كُلُّ ما في الأمر أنها أَلحَقَت به منابعَ جديدة ومصادر إضافية للقوة الاجتماعية: حرية الاختيار، الطموح للسعادة، حرية الفكر، الإبداع والعقلانية، روح المنافسة، المعرفة العلمية، النظام الاجتماعي، التطور التكنولوجي.

أَمامَ وسائل الرفع والنقل الجديدة هذه لَم تَعُد من حاجةٌ لمعجزات الإيمان حتى تحرّك الجبال كما لم يَعُد هنالك من دورٌ ليلعبهُ الكهنةُ أو الأنبياء. فمُعظم القوى التي كانت تُنسَبُ في السابق للإله وَحدَهُ تَمكَّنت مَخابر الإنسان اليومَ من صياغتها: التجول في الفضاءالكوني، سبر أعماق أصغر الكائنات، الخوض فيما لا نرى، التواصل بسرعة الضوء، خلق الحياة… 

وهكذا مَكَّنَ نظامُ القيم الجديد من تحفيز المجتمعات الإنسانية وإحلال السلام فيها بينما كان سابقُه يَكبَحُ طاقاتها وازدهارها بسبب الحروب الدينية والحواجز الفكرية التي وضعها وشَجَّعَها رجالُ الدين.

لم يَعُد الغَربُ يَأمُرُ بالمعروف فقط بل صار يُحَقّقُهُ على أرض الواقع، بتواضع ويوما بعد يوم من خلال التطور الذي يصل إليه في المجال تلو الآخر والحلول التي يبتكرها للمشكلة تلو الأخرى. وما هو “المعروف” في الحقيقة؟  إنه التعليم، التربية، الرقي الاجتماعي، الصحة العمومية، أمن الأشخاص والأملاك، تساوي الجميع أمام القانون والضرائب، حرية التعبير والإبداع… إنه ببساطة كلُّ ما نادت وصَبَت إليه جميع الأديان على مرّ التاريخ لكن بتعبير مختلف. 

عُوّضَ قانون القصاص بالعين بالعدالة الحديثة وأُلغيت العقوباتُ الجسدية، ولم يعد في وسع القوي أن يسحق الضعيف أو الغني أن يستعبدَ الفقير أو الحاكم أن يَستَبّدَ المحكوم. أما العبودية فقد اختفت للأبد. بتعبير آخر أصبح كُلُّ ما طَمَحَت إليه الديانات دون أن تتمكن من الوصول إليه حقيقةً معاشةً نراها في العالم المتقدم.

 إذا كان كلامُ نيتشه لم يعد اليوم ينطبقُ على المسيحية فإنه بالمقابل يَقَعُ على مقاس الإسلاموية المعاصرة تماما. فَقَد تَمَكَّنَت هذه الأخيرة في أقل من عشريتين من وضع عدد هائل من الجبال حيثما لم يكن هناك مرتفع واحد. فقد وضعت مثلا بين غزة ورام الله جبلا ورَفَعَت آخرا بين جنوب لبنان الذي يحكمه حزب الله وباقيه الذي تتقاسمهُ ثمانية عشرة طائفةً التي يعترفُ بها الدستور، وثالثا بين سودان الترابي والبشير في الشمال وجنوبه المسيحي، و آخرا بينَ المجاهدين و الطالبان في أفغانستان. 

وقد بدأت مؤخرا تقترح تشييد ثلاثة جبال في نفس الوقت في مصر وهي الدولة التي اعتادت منذ الأهرامات على الإنجازات الفرعونية: الجبل الأول كبير لا يمكن تسلقه بين الأقباط والمسلمين، والثاني حجمه أقل بقليل ليفصل بين 85٪ من المصريين الذين صوتوا لصالح “الإسلاميين” و 15٪ الذين صوتوا لصالح”الحداثيين”، و الثالث و الأخير هو تلّ صغير جدًا حتى يمكن اجتيازه في أي وقت بين الإخوان المسلمين والسلفيين.

كان سيلائمهم أن يُبني جبلان فقط، المتوسط والصغير، “فالكفار” الأقباط يمكن أن تلقي بهم مرة واحدة وإلى الأبد في البحر، لو لم يكن هناك هذا “المجتمع الدولي” اللعين المسيحي في أغلبه، الذي لن يسمح بحدوث ذلك.

الإسلامويةُ استيقظت من سباتها بشهية فرعونية لتشييد الجبال. ففي الجزائر مثلاً وَضَعَت بالأمس القريب جبلًا من الأشلاء بينها وبين الجزائريين غير الإسلاميين. في “تونس الخضراء” من أغانينا الوطنية القديمة، يقوم بتجميع وسائله اللوجستية لمنحها جبلًا جديدًا.

واليوم يَصلُ إلى آذاننا دَويُّ آلات البناء من ليبيا ليعطي نظرةً عن وتيرة أشغال تشييد الجبال والنشاط المستَمرّ لورشاتها هناك. كما تنتظر مخططاتُ مشاريع أُخرى على طاولتها في انتظار بداية الأشغال: الصومال، العراق، سوريا، اليمن، نيجيريا، باكستان…

يُشَيّدُ الإسلاميون المعاصرون الجبال هنا وهناك لحماية نماذج “الشريعة لاند” التي يزرعونها كما كُنَّا نَحن الجزائريون في وقت ما نَزرَعُ القُرى الاشتراكية. 

لكن التي أسستها حركة حماس في غزة مثلا لم تُقمها للرَّد على دولة “اليهود لاند” التي وَعَدَ بها بالفور اليهودَ في 1917، بل وضعتها لتعزل نفسها عن الفلسطينيين غير الإسلاميين الذين يتمركزون بالجهة المقابلة لها في “فتح لاند”.كان ذلك أكثر استعجالا في نظرهم، و كانت هذه طريقتها لحل المشكل الذي أدّى إلى خمسة حروب عربية إسرائيلية، كما كانت السبب في اختفاء الملف الفلسطيني من أجندة السياسة الدولية.

الإسلاموية لم تَعُد تُضاعفُ مساحات أرضها مثلما كان الإسلامُ يفعل في السابق فهي اليوم تضيّعُ الأراضى من الأمم التي تنشأ فيها. الجبل الوحيد الذي فكرت يومًا في خلعه هو الذي كانت تقف فيه تماثيل بوذا في أفغانستان التي انهال عليها الطالبان بالمدفعية الثقيلة لأنهم اعتقدوا أن ذلك كلُّ ما بقي لهم ليفعلوه حتى يكتملَ رضا الله عنهم. من في وقتنا بقي يتذكّرُ أن أفغانستان كانت في يوم ما مملكةً مسالمةً ومستقرة؟

إذا كان الإسلام قد وَسَّعَ من أُفُق المسلمين في زمن ازدهاره فإن الإسلاموية عادت لتضيّقه. فالإسلام تفتّح على الفرس وقدامى المصريين والبربر والسلافيين والهنود والأتراك والمغول والأفريقيين والأوروبيين. أما الإسلاموية فتقوقعت حول نفسها وانغلقت عليها وفرقت بين الشعوب في البلدان التي ظَهَرَت فيها. 

الإسلام طَوَّرَ شتَّى العلوم الدقيقة والإنسانية والطبيعية، بينما لا تعترف الإسلاموية إلّا بالعلم الديني.والإسلامُ طوَّر الفن والهندسة والموسيقى كما لم تفعل أي حضارة أخرى قبله بشهادة برنارد لويس نفسه، أما الإسلاموية فحرَّمَت كل صغيرة وكبيرة: السينما والمسرح، الموسيقى، الحدائق العامة… أنها تُريدُ منا أن نجلس على الأرض ونأكل بأصابعنا وننظف أسناننا بالسواك وألا نلبس غير العباءات والنعال، ربما لنتخلص من عناء تلميع الحذاء كل صباح. 

هذه هي “جاهلية القرن العشرين” الحقيقية التي في الواقع تعاكس المعنى الذي قصده صاحب العبارة سيد قطب عندما استعملها.

كَتَبَ ابن خلدون (1332-1406) في عهده صفحات رائعة عن مسار خروج العالم الإسلامي من الحضارة، لكن للأسف، لم يتمكن أحدٌ من معاصريه من فهم ما كان يكتبه. فقد كان هؤلاء وقتها يغطون في نوم “أهل الكهف” العميق.

وتَوَجَّبَ انتظار القرن التاسع عشر ليَكتشفَ الغربُ عمله، ثم منتصف القرن العشرين ليَبدأَ مفكرو المسلمين في الاهتمام به. لقد كان الرّجُلُ آخرَ العُقول العظيمة التي عرفتها الحضارة الإسلامية، والشاهدَ الأخير الذي حَظَرَ متَحَسّرًا دُخولَها في عصر الانحطاط.

من المثير للدهشة، أن لم يذكر أيّ عالم أو مفكر مسلم (على حد علمي)، أنّه رسم نظرية التطور خمسة قرون قبل شارل دارون:

“ثُمَّ أَنْظر إِلَى عَالَمِ التَّكْوِينِ كَيْفَ اِبْتَدَأَ مِنْ المَعَادِنِ ثُمَّ النَّبَات ثُمَّ الحَيَوَان عَلَى هَيْئَةٍ بَدِيعَةٍ مِنْ التَّدْرِيجِ. آخرُ أُفْقِ المَعَادِنِ مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِ أَفُقْ النَّبَاتَ مِثْلَ الحَشَائِشِ وَمَا لَا بَذْرَ لَهُ وَآخرُ أُفْقِ النَّبَاتِ مَثَلُ النخل وَالكَرم مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِ أَفُقْ الحَيَوَانَ مِثْلَ الحَلَزُونِ وَالصّدَفِ وَلَمْ يُوجِدْ لَهُمَا إِلَّا قُوَّةُ اللَّمْسِ فَقَطْ وَمَعْنَى الاِتِّصَالِ فِي هَذِهِ المُكَوِّنَاتِ أَنَّ آخَر أُفْقٍ مِنْهَا مُسْتَعِدٌّ بِالاِسْتِعْدَادِ الغَرِيبِ لِأَنْ يَصِيرَ أَوَّلُ أُفْقٍ الَّذِي بَعْدَهِ وَاِتَّسَعَ عَالَمُ الحَيَوَانِ وَتَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهُ وَاِنْتَهَى فِي تَدْرِيجِ التَّكْوِينِ إِلَى الإِنْسَانِ صَاحِبَ الفِكْرِ والروية. تَرْتَفِعُ إِلَيْهِ مِنْ عَالَمِ القُدْرَةِ الَّذِي اِجْتَمَعَ فِيهِ الحِسُّ وَالإِدْرَاكُ، وَلَمْ يَنْتَهِ إِلَى الروية وَالفِكْرُ بِالفِعْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ أُفْق مِنْ الإِنْسَانِ بَعْدَهِ، وَهَذَا غَايَةُ شُهُودِنَا.” (مقدمة ابن خلدون، الجزء الأول، المقدمة السادسة في أصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة، ص 207).

هذه النظرية عفا عليها الزمن بالطبع، لكن هل يمكننا أن نتخيل عالمًا يدعي أنه عالم إسلاميّ يكتب أشياء مماثلة اليوم ؟ بمقارنة حرية الفكر التي سادت القرن الرابع عشر مع الإرهاب الفكري الذي تمارسه الإسلاموية اليوم، يمكننا أن نرى مدى تراجع العالم الإسلامي، وربما بشكل مصيري. 

 الذين تابعوا أولى خطوات التيار الإسلامي الذي فاز بالانتخابات في تونس ومصر بعد ثورات الربيع العربي، يتذكرون كيف خصَّصَ المجلسُ التأسيسي التونسي الجديد جلساته الأولى لمناقشة نظامه الداخلي، و كيف استهلَّ عَمَلَهُ بإدخال مواد جديدة فيه تخص رفع الجلسات في أوقات الصلاة، و الأماكن المخصصة لها. 

وربما يتذكرون أيضا اللقطة المذهلة التي تخللت إحدى جلسات المجلس المصري المنتخب حين وقف أحد النواب، مرتديا بذلةً و ربطة عنق، ملتحيا بلحية بيضاء و علامة السجود تتوسط جبينه، و وَضَعَ كفّهُ على أذنه ليقيم الأذان، مقلدا بلالا يَومَ أَذَّنَ لدخول المسلمين إلى مكة. لم ينفع تدخل الرئيس ليذكره بعدم لياقة مبادرته الورعة، إذ لم يبالي بلالُ القرن الواحد والعشرين به إطلاقا، وواصل تَخَالُهُ يُعلنُ الشروقَ الجديد للإسلام في مصر.

 كذلك تفاجئ العالم برئيس المجلس الانتقالي يُعلنُ في أوّل خطاب بعد تحرير ليبيا، العودةَ إلى تعدد الزوجات، كما لو كان هذا هو كلُّ ما حاربَ وقُتلَ من أجله آلافُ من سقطوا في المعركة. وكما لو لم يَنتَظر مَن لم تَقتُلهم الثورة إلا هذه المكافئة.

لن يُمكنَ أَبَدًا للإسلام أو المسلمين التَّقَدُّمُ بالإسلاموية بسبب هذه العقليات بالذات. عقلياتٌ سيَثقُلُ حَمَلَتُها على مستقبل شعوبهم ثقلَ الجبال على الظهور.

عندما كان قادة الإسلاميين في عصرنا الحديث يضطهدون من قبل طغاة بلدانهم لم يجدوا ملاذا آخر غير الغرب المسيحي فلجئوا إليه وعاشوا هناك آمنين من الذل والاضطهاد، و حتى في بعض الأحيان على نفقة دافع الضرائب المسيحي.لكن ما أن رجعوا لديارهم حتى عادوا سريعا إلى مظاهراتهم و خطبهم النارية ضد الغرب حتى لا يفقدوا قاعدتهم الانتخابية. لكن بقية المسلمين لم تنس ماضيهم وهي تعرف كيف تميز الأشياء كما عرفت أمس كيف تميز بين الاستعمار والمسيحية.

في الشعر العربي يقال: “يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله به عدوه”. يمكن أن نسقط هذا القول على الإسلاموية المعاصرة التي تفعل بالمسلمين ما لا يفعله ألدُّ أعدائهم: دَفعُ العالم أجمع ليتحالف ضدهم، بَعثُ الفتنة بين الأخ وأخيه، تقسيم الأمم والشعوب، تجهيل العقول، تقليص البصيرة، طرد العقلانية من الحياة الخاصة والعامة.

في السابق كان يوجد كيان اجتماعي يُدعى “الإنسان المسلم” سواء كان الذي انتمى إلى العصر الذهبي أو الذي عاش الانحطاط. لكن هذا الكيان الرئيسي انكسر في جزائر بداية القرن العشرين إلى كيانين فرعيين، فتولّدَ عنه من جهة المسلم التقليدي (مثل ابن باديس) ومن جهة أخرى المسلم الحداثي (مثل فرحات عباس).

انقسم مفهوم النهضة ما بين أنصار النزعة الإصلاحية الذين كانوا يدعون للعودة إلى القيم الأخلاقية والدينية، وبين أنصار الحداثة الذين يريدون الاستلهام من الغرب ليتمكنوا من تدارك التخلف. لم تكن الرؤيتان تتعارضان بل كانت كل منهما تكمّل الأخرى. وكانت كلاهما تتعايش وتتعاون مع الأخرى كما ظهر جليّا في وقت انعقاد المؤتمر الإسلامي الجزائري عام 1936، عندما قام الوطنيون والعلماء المسلمون والليبراليون والشيوعيون بلمّ شمل قواهم في مواجهة الاستعمار.

نصف قرن بعد ذلك، مع انتشار أفكار المودودي وسيد قطب لم يعد المسلمون التقليديون والحداثيون إخوة ولا حتى أبناء وطن واحد. أصبحا مثل زوجين فرّق بينهما شجار خارج عن إرادتهما، أو مطلّقين لم يتوافقا لسبب أملاه عليهم طرف من الخارج ثم صارا أعداء لا يمكن جمعهما، مع أنّهما يشغلان منزلاً واحدًا لا يمكن التنازل عنه لطرف أو الآخر.

ومع تفاقم الخلافات والتباعد التدريجي في وجهات النظر انهار الاحترام المتبادل القديم وأدّى للجوء إلى التطرف وولادة معسكرين متصارعين: الإسلاميون والعلمانيون. أما “المسلم” العادي فقد ترك في المنتصف بينهما لا يعرف ما إذا كان إسلاميًا أو حداثيًا. هو يرفض بالفطرة أن يقسّم إلى نصفين لأنه يشعر أنه كلاهما في نفس الوقت؛ لا يريد أن يكون إسلاميًا فقط أو حداثًيا فقط.

هذا ما كنا عليه نحن في الجزائر إلى غاية نهاية الثمانينيات ولو أنّ أغلبنا كان مسلما عصريا في شبابه وتقليديا في شيخوخته. لكن كلمتيّ الإسلاموي والعلماني لم تكونا موجودتين، ولم نكن نتمزق مثل اليوم ولا نسأل أنفسنا الكثير من الأسئلة لأننا كنا متشابهين إلى حد كبير. لم تكن الاختلافات صارخة في طريقة اللباس أو الكلام أو النظر أو التصرف. كنّا كما كنّا لكن كل شيء كان يسير على ما يرام.

إلى أن فازت الإسلاموية بانتخابات 1990 المحلية وجعلت من الجزائر “بلدية إسلامية” كبيرة لا يشعر فيها المسلم المعاصر أنه في موطنه بينما يشعر المسلم الإسلاموي أنه ليس في موطنه بما يكفي. لم نعد مجتمعا واحدا بل معسكرين اثنين.

وأثناء ذلك كان التصحر يواصل زحفه على أراضينا وسط الصمت واللامبالاة العامّين ويلتهم كل يوم المزيد منها. لكن تصحرًا آخر، ثقافيًا هذه المرة، كان يهاجم كذلك الروح الجزائرية. إن الثقافة عملية تراكمية. مع ذلك فإننا نقوم بعملية تصفية شاملة لكل ما كان عليه أسلوب حياتنا وعاداتنا العائلية وتقاليدنا الاجتماعية.

كنا شعبًا واحدًا لكننا أصبحنا مجتمَعين اثنين تقريبًا مثل الأمريكيين البيض والسود حتى نهاية الستينيات. مع أننا نعرف أن الطائفية عندما تُدفع إلى حدودها الأخيرة لن يكفيها حسن الجوار ولن تقبل بالتنوع أو الاختلاط، فهي تطمح بصورة طبيعية إلى الانفصال.

في الماضي كانت المخاوف تتوجه نحو حدودنا مع المغرب. لكن تلك التي تفصلنا عن مالي وليبيا والنيجر وربما حتى تونس في يوم ما إذا ما ظهرت هناك جبال جديدة، أصبحت هي الأخرى تثير القلق أكثر فأكثر. هل يجب علينا كذلك أن نستعد لحدود داخلية في يوم ما؟ 

لقد كان نيتشه محقّا في نهاية الأمر: فالإيمان السيئ يضع الجبال حيث لا توجد.

لوسوار دالجيري” 18 مارس 2012

جريدة “الحوار” 09 أكتوبر 2016

موقع “الجزائر اليوم” 03 مـــاي 2017

You may also like

Leave a Comment