الانسان مرآة ربه

by admin

ترجمة وليد بوكروح

مع احترامنا للكتابات المقدسة المسيحية إلا أَنَّه من الصعب التصديقُ بما جاء فيها عن كون الإنسانَ خُلقَ على صورة الله. فالإنسان في غالب الأحيان أسوءُ من أَن يُمكنَ لهُ الادعاء بأنّه يعكسُ صورة خالقه. وخلافًا لهذا الاعتقاد نَجدُ آخَرًا يَفتَرضُ بأنَّ الإنسان هو الذي يُعطي صورةً عن الإله الذي يعبُده. الفيلسوف الألماني غوته، و هو صاحب الاعتقاد الثاني، لخَّص فكرته ضمن عبارة من بضع كلمات لكنها تحمل دلالة قوية: “مثلما يكون الإنسان يكون الإله” « Tel homme, tel Dieu ». حكمٌ منصفٌ لا يضرُّ بطرف ولا بالآخر.

فعلا، يُمكنُ للفكرة الأولى أن تؤدي إلى مُماثَلَةً بين البشر والذات الإلهية وهو ما يجعلها في أغلب الأحيان خاطئة، بينما في الثانية يتحمل الإنسان وحده مسؤولية الصورة التي يعكسها عن إلهه، ومدى تأثيرها على التعريف الذي قد يعطيه من خلالها الغيرُ لربّه. وبهذا تُصبحُ الصورةُ التي يعكسها المرء عن الإله نسبيَّةً تتماشى مع طبيعته التي يُمكنُ أن يَصدُرَ منها الأحسن كما الأسوأ. وبالتالي عندما تكون هذه الصورة سيئة فهي لن تُلزمَ الإله و لن تَمسَّ بالفكرة التي يُمكن أن تُأخذَ عنه. 

إنّ غيرَ اليهود لا يَرَونَ الربَّ في وجه كل يهودي لكنهم يؤسّسون فكرةً عنه من خلال ما يَرَونَهُ في تصرفات اليهود. كما لا يرى أحدٌ المسيحَ في كل مسيحي لكنه يَحكمُ عليه من خلال تصرفات الكنيسة. وكذلك لا يرى غَيرُ المسلمينَ الله في كل مسلم لكنهم يُشَكّلونَ فكرة عنه من خلال ما يلاحظونه في شخص المسلم، شيعيا كان أم سنيا. فالحقيقة إذاً هي أن التصور الذي يُؤَسّسُهُ الناس لا يكون عن الله بل عن الدين فقط، وهو يَنتُج مباشرةً عن الصورةً التي يعكسها أتباعه عنه. كما يقول المثل: “قل لي من تصاحب أقول لك من تكون”. 

لو سألنا اليوم أيّ مواطن غربي نصادفه في الشارع عن رأيه في ما يُميّزُ المسلمَ أو يُعَرّفُه فإنه سيجيب بقليل من التردُّد: النقاب، الأكل الحلال، أو آخر مجزرة ارتكبها “داعش”. لو سألناه بعد ذلك عمّن هو أشهرُ مسلم سمعَ عنهُ فسَيَرُدُّ حتمًا وتلقائيًا: أسامة بن لادن. و لو كان هذا الشخص فرنسي الجنسية يمكنه أن يضيف: محمد مراح.

هذا هو الرابط الفكري الذي يُقَدّمهُ الإسلامويون اليومَ للعالَم بينهم وبين الإسلام. صورةٌ لا تعكس حقيقةَ الله ولا الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولا أغلبية المسلمين. 

لقد أعطى محمد عبده في وقته الحقَّ للفيلسوف الألماني غوته دون أن يعرف مقولته عندما كتب في “رسالة التوحيد” عن واقع المسلمين بأنّه: “أصبح يعمل ضد مصالحهم “. فالإسلاموية إذا لا تَمُتُّ بصلة إلى الله أو الإسلام ولا حتى إلى الإنسان، فهي تَقتُلُ هذا الأخير باسم تَصَوُّر خاطئ للإله.

الانحطاط عبارة عن عكس للقيم وقلب للأشياء، ويُمكنه أَن يؤثر على معناها الحقيقي عندما يُغيّرُ زاوية النظر إليها. فعندما نفهم ما جاء به الإسلام حقيقةً، أي من خلال القرآن، ندرك بأن الديانات نُزّلت على البشر في مراحل معينة من مسار تطورهم، لتساعدهم على تنظيم حياتهم الأخلاقية والاجتماعية والمادية. 

لكن عندما نفهمه بالمقلوب، أي بوجهة نظر مشايخ الإسلام، نجد أن الدين سُلّطَ على الناس من أجل أن يعبدوا الله في انتظار أن يعودوا إليه، دون أن يفعلوا أيّ شيئا آخر تقريبا بما أنَّ النفط الذي تَزخر به أرضُ الإسلام يَسمَحُ بذلك. 

كذلك عندما ننظر للإسلام برؤية صحيحة، أي عبر ما جاء عن الرسول (صلى الله عليه و سلم)، نُدركُ بأن هذا الأخير ما هو إلا مُبَلّغٌ للرسالة و أنه لم يكن أبدا واسطة بين الله و البشر، كما ندرك أيضاً أَنَّ الله لم يكلّف أحداً آخر بهذا الدور. لكن عندما ننظر للإسلام بالمقلوب، أي حسب تعاليم الإسلاموية، نجد بأنها تُخول لعُلمائَها الحكم على إيمان الناس أو كفرهم، و قبولهم في الإسلام أو إقصائهم منه، و في بعض الأحيان الفصل حتى في حياتهم أو موتهم. 

قلب الموازين هذا يُلاحَظُ عند المسلمين في حالات عديدة. عند الشيعة مثلاً حين يُلَقّبونَ المرشد الأعلى للثورة الإيرانية “بالإمام المعصوم” بينما لم يتشرَّف حتى رسولُ الله بهذا الوصف. هل يمكن للإنسان أن يُصبحَ معصوماً من الخطأ لمجرد أن جمعًا من الأئمة اتَّفَقَ على أن يُسَمّيه “آية الله المعظم”؟ كيف يمكن لإنسان عاقل و حكيم أن يحمل وزرا كهذا أمام الأُمّة أو يقبل مسؤوليةً كهذه أمام التاريخ و الله؟

أما عند السُّنَّة، فجميعنا يَتَذَكَّرُ كيف ظهر الشيخ القرضاوي على قناة الجزيرة في بداية الثورة الليبية ليفتي بإهدار دم القذافي وجواز قتله. من يكون القرضاوي حتى يصدر مثل هذا الحكم؟ هل هو خليفة على المسلمين أو محكمة قائمة لوحده؟ بالطبع لا فما هو إلا “عالم”، وإن صار اليومَ يُلَقَّبُ “بالعلامة” منذُ أَن أصبحت صفةُ العالم لا تكفي مقامه. لاحظنا كذلك كيف أستبدل ذاتُ العلّامةُ منذ بضع سنوات في إطلالاته المتلفزة تَحيَّةَ الإسلام المألوفة “السلام عليكم” وعَوّضها بعبارة “حيَّاكم الله” الغامضة، كما لو كان خارجا لتوه من مقابلة مع الله جاءنا منها بالوحي. 

في نفس سياق الغرائب دائما، وصفَ زعيمُ حزب الله حسن نصر الله قَصفَ جيشه لبارجة إسرائيلية (دون أَن يُغرقَها) خلال الحرب التي خاضها ضد إسرائيل في 2006 بأنّهُ نصرٌ من عند الله. كان بوسعنا أن نسأله: ” هل تعتقد يا سماحة الشيخ بأن الله لو دخل في الحرب فعلا كان سيَكتَفي بنصر ضئيل كهذا؟” كذلك أعتادَ مقاومو حركة حماس في غزة أن يُشَبّهوا إطلاقَهم لقذائف على إسرائيل بالهجماتً الإلهية. هل هذا يعني أن اللهَ يُخطأُ التصويبَ إلى هذا الحدّ بما أن صواريخَهم قليلا ما تصيب هدفها؟

لماذا نُقحمُ الله في كل شيء وفي أَيّ شيء عَوضَ أَن نُقَدّمَ أفعالنا، جيدةً كانت أم سيئة، على ما هي عليه فعلاً أي مسؤوليتنا لوحدنا؟ لماذا نلقي عليه بنتائج ضعفنا وأخطائنا وجهلنا في شتى الميادين؟ 

يحدث هذا كُلُّهُ في وقت يعكفُ الغربيون كُلَّ يوم على اختراع مختلف التكنولوجيات وتحقيق شتى الاكتشافات التي يضعونها بانتظام في متناول وخدمة البشرية جمعاء وبأرخص الأثمان. وما أن يبلُغُ أحد هذه الاكتشافات في الطب أو الفيزياء أو علم الفلك درجةَ البساطة التي تَسمَحُ بوصولَهُ إلى آذان علماء ومشايخ الإسلام، حتى أن يَظهَرَ أَحَدُهُم من برجه العالي ليُعلنَ لمليار المسلمين (الأُميين بنسبة 70% حسب دراسات الأمم المتحدة)، ويُبَشّرَهُم بأنَّ ذكرَ هذا الاكتشاف وَرَدَ في الآية الفلانية من القرآن التي يُسارع إلى سَردها بكل ما أُوتيَ من اكتفاء وغرور. وغالبا ما يخرُّ في نهاية وَعضه متَعَجّبًا من قُوَّة الخالق الجبارة، ومُهَنئُا نَفسَهُ لما وَضَعَ اللهُ فيها من علم.

لكن دون أن يُفسرَ لنا لماذا لم يَكُن هو الذي توَصَّلَ إلى هذا الاكتشاف قبل الكفار، أو لماذا لم يُخبر الأُمَّةَ قبل التوصّل إليه بأن هذه الآية سَتُمَكّنُ من هذا الاكتشاف، و دون أن يوضح لنا أيضا لماذا لم يكتب المسلمون أو يخترعوا شيئاً يُذكَر منذ ابن خلدون؟لأنّهُ يرى أنّ ذلك ليس من شأنه، فَعلمُهُ هو يقتصر على المراقبة الدقيقة لحركة عقارب مقياس الحلال و الحرام، في وقت يَنكَبُّ فيه اليهود و المسيحيون و الهندوس و البوذيون و الشنتو يون و الملحدون كُلَّ يوم، على تطوير علمهم و تحسين تربيتهم و كفاءاتهم في كل المجالات و تحقيق رفاهيتهم، و بالتالي رفاهيتنا نحن أيضا. 

كيف يمكن وصفُ شخص كهذا ينتظرُ أن يقوم غيره بالعمل ليأتي هو و يُرخّصَ و يَحُطَّ من قيمته، ثُمَّ ينفي عنهم العبقرية و يقلب ميزان الجدارة و الاستحقاق بحجة أن كونه مسلما يَجعَلُهُ تلقائيا أحسنَ و أفضلَ منهم؟ توجد في الثقافة الفرنسية القديمة حكمةً مناسبةً لوصف الجاهل الذي يريد أن يُعَلّمَ من هو أَعلمُ منه: “Gros Jean en remontre à son curé”.

وابن خلدون كتب في وقته حول هؤلاء الصوفيين الذين كانت تعج بهم أرض الإسلام قائلا: ” يتشبثون بالماضي وينسون أن الكمال لا يورث“. كذلك كان محمد عبده يلقب هؤلاء “بأهل الجمود“، أمَّا مالك بن نبي فأهداهم فقرة من كتابه “وجهة العالم الإسلامي” جاء فيها: 

” وهكذا غرق نظام المُثُل الإسلامية المفعمُ بالحياة والحركية في الغرور، وأكثر من ذلك في اكتفاء الوَرع بذاته، حين يَخالُ نَفسَهُ يَبلُغُ الكمال لمَّا يصلي خمس مرات في اليوم، دون أن يَسعى إلى إصلاح نفسه أو تحسين حاله… نعم لقد بلغ الغاية والكمال فعلاً ودون رجعة، فهو كاملٌ ومُطلقٌ مثل الموت و مثل الفراغ. هذا الرضا الكئيب عن الذات، الذي استفحل في أرض الإسلام حَرَّفَ جميع الآليات النفسية التي تُؤَسّسُ لتطور الفرد والمجتمع وشَوَّهَها. وهكذا برزت كائناتٌ متحجرة في الرداءة وفي نقص ما بعده نقص، وأَصبحت هي النخبةَ الأخلاقيةَ لمجتمعات لم تَلد فيها الحقيقة إلّا العدمية ” 

لم تُولَد هذه التشوّهات من الإسلام، و لقد رأينا بأي روح مبدعة و حرة عاد الأسبوع الفارط، بل من جنون العظمة و المُيول المَرَضيَّة التي يحملها بعض البشر للتسلط الفكري. ميولٌ بلغت من القوة و الجبروت ما يجعلها تطالب بإحاطتها بالقداسة و الألوهية كي يكتمل رضاها…

في القرون الوسطى كان للمسيحية أيضا “علمائها”. ووقتها كان يخوّلُ لأضواء الكنيسة الخافتة وحدها إنارة عالم غربي غارق في الظلمات. قبل أن يأتي وقت الفلاسفة والمصلحين والعلماء والمخترعين الذين رأت فيهم الكنيسة وقتها علامات لقدوم المسيح الدجال الذي يحاول تحطيم الإيمان المسيحي وبعث الفساد فيه. فاضطَهَدَت وعَذَّبَت ولاحَقَت واغتالت العديد منهم لمجرد أنهم حاولوا التوغل في مسالك الرب الغامضة. لكن الأمر انتهى بها مع مضي الوقت وتقدم العقل والعلم إلى أن غيرت رأيها وراجعت أخطائها و لو بعد فوات الأوان. فالفاتيكان لم يُعد الاعتبار لغاليليو مثلا إلّا في 1992، قُرابة أربع قرون بعد حُكم محاكم التفتيش عليه في 1633.

أمّا عند المسلمين فالعكس هو الذي حدث. فالإسلام ما أن ظَهَرَ حتى أَشعلَ عندهم أضواءَ العقل والعلم وأَنارَ العالمَ أجمعَ بها. لكن بعد مضي بضعة قرون تشكلت طبقةٌ من رجال الدين في ضل الاستبداد السياسي الذي تَمَكَّنَ من العالم الإسلامي، وراحت تعمل جاهدة لإطفاء هذه الأضواء الواحد تلو الآخر بحجة أنها تضر بطهارة الإيمان أو تَمسُّ بعظمة الخالق. واختصر هؤلاء “العلماء” الإسلامَ في الخضوع للقضاء والقدر و في الممارسة الشعائرية، و نجحوا تدريجيا في مَحو كل أثر للحركية الفكرية و العلمية فيه. سَدُّوا جميع المنافذ التي يمكن أن توصل عبره إلى المستقبل، وصادروا في نهاية الأمر حتى صفة “العالم” التي انتزعوها من العلماء الحقيقيين ليستحوذ عليها الشيوخ والدعاة. 

اذهبوا إلى غوغل واكتبوا “علماء الإسلام”. سوف تصادفون في النتائج اسم الشيخ الألباني، “بحرُ العلوم” الذي يتذكرُ الفلسطينيونَ جيدا إحدى فتاواهُ التي دَعَتهُم إلى ضرورة الرحيل عن أرضهم لأنها أصبحت “دارا للكفر”. 

كذلك عالمٌ آخر: ابن باز، أو “شيخ الإسلام” كما يلقب، الذي نَفى في حياته دائريةَ الأرض التي بَرهنَ عليها البيروني ستة قرون قبل غاليليو. كما نفى أيضا أن يكون الأمريكان قد وصلوا إلى القمر لأن الإنسان “لو كان يستطيع الوصول إلى القمر لأخبرنا بذلك الرسول (صلى الله عليه وسلَّم) ” على حد قوله.

حاولوا أن تغيروا علماءً مثل هؤلاء، وحاولوا أن تغيروا الأيديولوجية الوهابية التي تُغذّي الإسلاموية السنية، ثم حاولوا بعد ذلك أن تغيروا العالم الإسلامي. يمكننا أن نراهن على أن لا الألباني ولا ابن باز كانا من سيُخَفّف من عقاب غاليليو ولو بعد أربع قرون. بل الأرجح أنّه لو وقعَ بينَ أيديهما لتابعاه إلى يوم الدين. عندما مات ابن باز في 1999 اعتُبرَت وفاتُه خسارة لن ينهض بعدها الإسلام ورأى الكثيرُ فيها علامةً من علامات قرب الساعة. 

بقدر ما هو معقولٌ ومفهومٌ وعادي أَن نَمُرَّ من الظلمات إلى النور، بقدرما هو غيرُ معقول وغير مفهوم وغير عادي أن نترُك النور ونتوَجُّه نحو الظلمات. الحالة الأولى، حالة المسيحية، تُمَثّلُ تقدما وتحسنا ونموا بينما الثانية، حالة الإسلام، ما هي إلا تقهقرٌ وانحطاط. فقد انتقلنا من الانفتاح إلى الانغلاق، ومن الاجتهاد إلى التقليد، ومن الفكر الحر الخلاق المبدع الناقد إلى الفكر التقليدي الممتثل والمتسلط.  وقد كلّفَ هذا الانحراف العالمَ الإسلاميَّ تباعًا الانحطاطَ فالتخلفَ فالاستعمارَ فالاسلامويةَ فالإرهاب فعداءَ المسلمين (islamophobie)، ولا ندري ما ينتظره في المستقبل. 

الفلسفة هي ارتقاء الأشياء البسيطة في الحياة إلى مرتبة تكشف فيها عن طبيعتها الفكرية السامية. على عكس ذلك، فإنّ الإسلاموية هي انهيار الأشياء الإلهية إلى أدنى دَرَجَة من الاستخفاف والتفاهة، وتقزيم الفكرة الروحية السامية إلى مستوى عبادة المظاهر. إنها المرضيةُ مختبئةٌ داخل القداسة، والجهلُ متنكرًا في زيّ العلم… إنها مرضٌ عقليٌ وفكريٌ ونفسيٌ لا اسم له، وتفكيرٌ أحاديٌ مُتَحجّر لم يكتفي بفرض الانحطاط فحسب، بل سوف يُديمُهُ إلى الأبد.

أب الحَرفيّة والسلفية والوهابية في الإسلام، ابن حنبل، أقفلَ على المسلمين مبكرا في حكاية البيضة والدجاجة عندما حذرهم من الخوض في مسألة لم يسبقهم إليها أحد العلماء. لو أخذنا قولَهُ هذا مَحَلَّ الجدّ أو حاولنا تطبيقه، فكيفَ سيُمكننا أن نجدَ حلّا لمسألة لم تظهر إلّا في وقتنا هذا إذا كان من الواجب أن يكون السّلف قد سبقنا إليها؟ ماذا لو لم تظهر تلك المسألة إلا بالأمس أو اليوم صباحا؟ وماذا عن المسائل التي تبقى تطرح نفسها منذ قرون، مثل مسألة التطور، دون أن يتمكنَ العلماء والمشايخ من إيجاد حل لها؟ 

هذا الجبلُ الذي رفعه ابن حنبل شكّلَ سابقة لجبال أخرى وضعها بعدهُ المئات من العلماء، بمثابة حواجزً لا يمكن للتطور أن يجتازها. وهكذا أُغلقَ وكُمّمَ وحُنّطَ الفكرُ الإسلامي مثلما تُحَنَّطُ المومياء عند الفراعنة. 

في المجتمعات التقليدية يسود الاقتصاد الموازي وكذلك تسودُ الإسلاموية. وعادةً ما يُنشّطُ نفسُ الأشخاص كلا السّوقين. الأوّل سوقُ المنتجات المادية بينما الثاني يتداول المنتجات الروحية. سوقٌ سوداء تتداول فيها الأفكار دون فاتورة، وتُلقى فيها “الدروس” وتعقد “الحلقات” على عجل، وتُباع “الحسنات” بالصياح في المزاد، وتُقايَض الأحاديث وأشرطة الفيديو… 

في سوق الفكر الموازي هذه لا توجد قوانين ولا مراقبة للجودة و لا ضمانات. كل شيء من الفم إلى الأذن والثقافة شفهية: لا وصولُ تسليم ولا كتابات محاسبة. إلى هذا السوق يأتي معظم المواطنين ليتسوّقوا لاحتياجاتهم الثقافيّة لأن المنتجات المعروضة جذابة وفي متناول “القلّيل”. كذلك هو المكان الذي تسوّق فيه البضائع التالفة أو المقلّدة، التي يمكنها بسهولة أن تعرّض للإصابة بأمراض كالجنون القاتل.

هذا ما حدث مؤخّرا لأحد زبائن هذا السوق والذي أصبح شهيراً، محمد مراح، الذي تصدرت جرائمُ القتل التي ارتكبها لتوه في فرنسا عناوين الأخبار في العالم بأسره وركزت الاهتمام مجدّدا على الإسلام. حتما يقال اليوم في الغرب بأسره: “مثل المرء، مثل ربّه”، من قاعات الأخبار إلى الأكواخ الريفية. مات محمد حاملاً السلاح في يده وهو يصيح “الله أكبر!”، فخوراً بكونه يموت “مجاهداً في سبيل الله”، متأكداً من نيل رضا الله ومطمئنا لدخول الجنة مباشرةً، وفقا لما باعه له الفكر الموازي من عقيدة مغشوشة. 

مات من أجل قضية زائفة، تلك التي زوّده بها سوق الأفكار القاتلة. قد يكون شرّف بفعلته هذه الإسلاموية المشعوذة لكنه دون شكّ شوّه الإسلام الأصيل. من الأرجح أنه لم يخطأ تجاه تعاليم “الجهاد” السرّية، لكن من المؤكد أنه كان مخطئًا تجاه الإسلام الحقيقي. فهو لم يمنح بفعلته أيّة قيمة مضافة للإسلام أو المسلمين بل على العكس، زاد من صعوباتهم وعقّد حالتهم في العالم أكثر ممّا هي عليه من تعقيد. كيف يمكن أن يتمنى أحدٌ إرضاء الله من خلال قتل الأبرياء؟ وفي هذه الحالة ماذا سيكون هكذا الإله؟

أخشى يا محمد مراح أنك متّ من أجل لا شيء. فتجّار المعبد وشيوخ أكشاك الشارع الذين ملئوا رأسك، بشكل مباشر أو غير مباشر، ليسوا في عجلة من أمرهم ليواجهوا بصدورهم قوات التدخل الخاص أو مكتب التحقيقات الفدرالي أو الموساد. فهم ليسوا متشوّقين للعودة إلى خالقهم والاستمتاع بالجنة، رغم أنهم يحسبونها مضمونة. 

هم “المستشارون” فقط بينما أنت والضائعون أمثالك “دافعو الثمن”. هم واضعو استراتيجيات الإرهاب بينما المسحورون أمثالك غذاءٌ المدافع. إنّهم يحتاجون إلى “ذئاب وحدانية” مثلك ليظهروا قدرتهم على إلحاق الضّرر؛ بحاجة إلى البسطاء مثلك، باعةُ دجاج وميكانيكيون وبطّالون ومبعدون من المدارس وكلّ من تركهم المجتمع وراءه. 

أنت نفسُكَ كنت بطّالاً لكنك كنت تعيش على مساعدات البطالة التي تأخذها من “الدولة الكافرة”، وتعيش بمفردك في منطقة سكنية راقية بتولوز، وتقود السيارات الضخمة رغم أنّ سنّك لم يتجاوز العشرين. كنتَ في الأوّل ترغب في التوجّه إلى مهنة السلاح، ولو لم يمنعك سجلّ سوابقك الإجرامية من ذلك لخدمت تحت لواء العلم الفرنسي، ربما في أفغانستان حيث كنت ستقتل إخوانك في الإسلام. عندنا في الجزائر أيضا، هناك عشرات الآلاف ممّن فهموا الإسلام على طريقتك، ودأبوا على ارتياد سوق الإسلام الموازي، وأخذوا باعةَ أماكن الجنة في المزاد العلني محلَّ الجد. هؤلاء الشيوخ “الطرابنديست” لا زالوا على قيد الحياة ولا يستعدّون بتاتاً للتخلّي عنها، تاركين المهام القذرة للشباب مثلك. أنتم جميعًا ترقدون تحت التراب تاركين مصيبة ذلك لعائلاتكم بينما هم “أحياءُ يرزقون”.

كنت تعتقد مثل ملايين المسلمين أنّه قد خُوّلَ لهؤلاء “تفسير” الإسلام، بينما كان بإمكانك أن تفعل ذلك بنفسك عبر التفكير والدراسة والعقل والنقاش. فهؤلاء لا يستمدّون “التخويل” إلّا من جهل أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي الذي ثلاثة أرباعه أمّي. لكن بما أنّك لم تفعل، وسلّمت بدلَ ذلكَ أمركَ لعلماء ما هم في الحقيقة إلّا مجرد “جُهلاء”، فإنك متّ في النهاية ميتة القاتل. مع أنّ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حذّركم بأنّ: “مداد حبر العلماء أقدس من دم الشهيد”. 

إنّ ما علّمتك إيّاه الإسلاموية ليس حقيقةً بل هو مجرّد عالم افتراضي. عرَضَت أمامك أفلامًا ثلاثية الأبعاد وألبستك النظارات المصاحبة لها حتى تشعر بأنك تمثّل فيها وتلعب دور عنترة بن شداد (ستقول لي أنه بطل جاهلية)، أو عليّ أو خالد بن الوليد أو حمزة. لكن الفرق بينكم أن هؤلاء لم يقتلوا الفتيات الصغيرات؛ فأولهم كان يحترم ميثاق الشرف (حلف الفضول الذي كان محمد متّفقا عليه قبل أن يصبح رسول الله)، والآخرون احترموا قوانين الحرب التي سنّها الشّرع الإسلامي قبل أن يراجعها بن لادن.

أنت بنفسك ضحية وأوقَعتَ ضحاياً آخرين سبقوك إلى آخرة لا يوجد فيها إلّا جنة واحدة وجحيم واحد. فهذان مفهومان لا يمكن وضعهما في صيغة الجمع، لأنهما يوجدان بصيغة المفرد فقط في جميع اللّغات. لقد دفعتك الإسلاموية إلى الاعتقاد بأن الجنة مخصصة للإسلامويين وجهنّم لغير المسلمين، بمن فيهم المسلمون الذين لا يتبعونها. هذا سيجعل في الأولى عددا قليلاً جدًا من البشر وفي الثانية ازدحاماً كبيراً. 

وسيفضّل الكثير من البشر على هذه النغمة الكئيبة أغنيةً أكثر رأفةً للفرنسي ميشيل بولناريف: “سنذهب جميعناً للجنّة …” حتى القرآن يسمح للبشر بالأمل ولو في هذه الآية فقط: ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ” (الزمر 53).

في الواقع يا محمد مراح المسكين، لستَ أنتَ من أُخاطبُهُ لأنّك ميت. أنّي أتوجّه إلى كلّ محمد مراح مستقبليّ مسكين لا يزال على قيد الحياة في فرنسا أو غيرها من الدول الغربية، في الجزائر أو أيّ مكان آخر من العالم الإسلامي، قد يوجدُ حالياً في جلسة تدريس أو تدريب في أيّ معسكر أفغاني أو باكستاني أو ساحلي، وكذلك إلى الذين لم يولدوا بعد حتّى؛ على أمل أنهم لن يحذوا حذوك. عندها فقط لن يكون مَوتُكَ ذهبَ هباءً. ما عدا ذلك فإن كلّ ما فعلته هو أنّك نجحت في تعقيد مهمتنا أكثر قليلاً، لأننا سنضطر للرّد على أولئك الذين لن يتردّدوا ليرموا في وجوهنا: “مثلما المسلم، مثلما الله”. سنحاول أن نحفظ ماء الوجه بالرّد ببساطة: “مثلما الضائع، مثلما الإسلاموي “.

لوسوار دالجيري” 01 أفريل 2012

“جريدة الشروق اليومي” 08 نوفمبر2015

جريدة “الحوار” 20 أوكتوبر 2016

موقع “الجزائر اليوم” 28 ماي 2017

You may also like

Leave a Comment