ترجمة ساعي عايـــدة
” دوما ما يريد الشعب الخير، لكنه لا يحصله دائما. ويرى ممثلو الشعب الخير غالبا، لكن لا يريدونه دوما” (روسوJean-Jacques Rousseau)
في الأنظمة السياسية حيث مفاهيم المعارضة الشرعية لا معنى لها، يستحسن التمسك على الأقل، بتشجيع بروز فكر نقدي، لأن تجربة أنظمة الحزب الواحد التي سبقتنا برهنت أن غياب هذه الوظيفة – والتي يبررها الإجماع المزعوم الذي لا غبار عليه – قاد على أقل تقدير إلى أشكال من المعارضة، تظهر بملامح الطفيلي الذي يبحث دوما على المزيد، المنافق السياسي، المتمرد غير المعلن أو المنشق المستقبلي.
تنتمي هذه الظواهر التي زودت الصحافة الغربية بمادة للسخرية من منطق الحزب الواحد، فهي من صُنعها، ولا يمكن إذن أن ننكرها لمجرد طبع “الخشونة” فينا، أن نتظاهر بجهلها، أو الأسوأ من ذلك، أن نعتقد أننا أكثر ذكاء ومكرا من غيرنا، بل يجب اتخاذ إجراءات نافعة لإنقاذ بلدنا منها.
في البلدان ذات نظام الحزب الواحد، ظهر جليا عجز مبدإٍ كـ”حرية التعبير في إطار الحزب الواحد”. أكّدتطور الأفكار في العالم بما فيها العالم الاشتراكي، التطور الباهر للإعلام والدعم العالمي لحقوق الإنسان، الخاصية تقريبا الشاذة لهذا المبدأ العتيق.
لا يكمن استحقاق سلطة ما، في مجرد قبولها بالبحث عن أسباب الرضا و اليقين أنها على الدرب الصحيح، من خلال الصمت الظاهري لرأيها العام، بل في مجابهتها للفكر النقدي الصحي و المسؤول.
أثبتت التغطية التلفزيونية للنقاش حول إثراء الميثاق الوطني في بلدنا هذه الأيام، كما فعلت من قبل النقاشات حول السياسة الثقافية، قانون الأسرة أو قانون الإعلام، أن هذه المجابهة لا تدل على مواجهة ولا على أن حزب جبهة التحرير، مستعينا بتجارب الغير، يؤسس نهجه على أوسع نطاق ممكن للتعبير الديمقراطي. كما بيّنت هذه التغطية أننا لم نتخلص بعد من عادة الصمت الذي يُقطع كل عشر سنوات بجلسات تعويذات جماعية، لإبعاد العقل الخالص والتفكير السليم. لقد أثبتت انه إذا كان نقص التنظيم هو مصدر للفوضى فإن زيادة التنظيم سبب في الجمود، الاستئثار بالسلطة والآلية، لدرجة أن النقاش استحضر في لحظات من الجلسات العامة خطابات من” نصوص مختارة “.
إن عملية إثراء الميثاق الوطني التي دُعي الشعب إليها كان من الممكن أن تكون مهمة سهلة للمواطنين إذا كان قد سبقها، عدة أشهر من قبل، تحسيسٌ حول التقييم العمومي، ونقد حصيلة 23 سنة من الاشتراكية في الجزائر خلال المؤتمر الخامس لجبهة التحرير الوطني. حوصلةٌ كهذه كان من الممكن أن تساعد المواطنين على فهم ما هو مطلوب منهم بالضبط، إذا جُعل منها موضوعا للدراسة والتعاليق المتخصصة، مدعمة بالأرقام، تشمل كل القطاعات والخبرات اللازمة. الأكثر لفتا للإنتباه، هو هل المهتمين بالراهن الوطني العمومي على علم أن عملا مثل هذا تم انجازه أم لا؟
في الواقع، أمام الكاميرا و ” مجمع حكماء” المسؤولين، أعطى الكثيرون، وهم مأخوذون بذلك الجو المهيب، الانطباع أنهم هناك لأداء فرض أو للقيام بامتحان شفهي. من جهة، تظهر أحيانا مداخلات مبدعة مدهشة من كثرة الوضوح والنضج. ومن جهة أخرى، تدخلات طيبة، مثيرة للمشاعر من كثرة صدقها. وبالموازاة شاهدنا لقطات تشبهالأدوار الإيمانية التي لا فائدة منها، التأكيدات والإعادات المملة، ” التحاليل ” التي لا طعم لها والتي ينفيها الواقع، الذي يعرب عن إرادة حازمة في عدم التخلي عن اشتراكية البقرة الحلوب أكثر من كونه رغبة في إثراء الميثاق، عزيمة همجية ليس للاستمرار في الأكل من مزود العلف بل في أكل المزود نفسه إذا فقد العلف...
بالنسبة للبعض، المسألة تلقائية آلية، إنهم هنا، صارمون، حريصون على ألا ترِد أي كلمة جديدة قد تُفسد الجو العام الصافي للغة الخشب، على ألا تمر فكرة جديدة إلى متحف حفظ الأفكار الميتة التي تحتل مكانا في عقولهم. لكن للبعض الآخر،المسألة مسألة فكرة مسبقة، إنهم مدافعوا و حماة المواقع التي حصلوا عليها و حصّلوا منها العديد من المكاسب، هم هناك لتعطيل كل إثراء قد يسبب إضعاف مواقعهم في الحياة، الأمر الذي يخشونه كثيرا.
هؤلاء هم من نجد بينهم مرشحين لترقيات اجتماعية لم يكونوا ليستحقوها أبدا عن كفاءتهم الخاصة وقيمتهم الأصلية. الإثراء، موضوع الحديث، ليس ذلك الذي يتعلق بالأدبيات الموجودة في النص، بل بالحياة الوطنية من خلال مؤسساتها، جهازها الاقتصادي، نظامها السياسي، تطوير حظوظها لمواجهة مستقبل، لن يكون ساطعا كما يحاول بائعوا الأساطير الترويج له والتغرير به، بل سيكون صعبا كما تترقبه التوجهات العالمية.
على هذا النوع من المواطنين و المناضلين، و هم بالتأكيد أهل بلاغة بامتياز، أن يتعلموا الإستفادة من الاهتمام بلغة الأرقام كقراءة ميزان المدفوعات لبلدهم مثلا.عندها سيظهر لهم بلدهم على حقيقته، من ظرف دولي إلى آخر، و ليس ما يعتقدونه الوضع الدائم و بشكل قطعي ابدي. فإن اعتقدوا أنفسهم ماهرين في تحديد نهاية قلق ما بعد البترول مع أواخر سنوات التسعينيات، لن يكون لديهم الوقت الكافي للاستفاقة من مفاجئتهم إذا غامرت العربية السعودية ونفذت تهديداتها الأخيرة بتخفيض سعر البرميل إلى 15 دولار.
لأن اشتراكية البقرة الحلوب، اشتراكية مجانية وسهلة، هي كالشراب الذي يجعل النظر، وبالأحرى النظر القاصر، مغبشا غير واضح. من يرفض أن يكرس لها ولاءا خالدا إذا علم أنها أبدية؟ ما يحول دون ذلك هو كونها لا تملك هذه الخاصية فقط، فهذه الاشتراكية لم توفر ما توفره إلا لأن الجزائر هي عطاء الصحراء كما قيل عن مصر أنها عطاء النيل. لكن إن كان هذا النهر يجري منذ الأزل دون أن يفقر أو يغني الإنسان والروح المصرية، فان بترولنا سينفذ يوما ما وهذا مما صار معروفا حاليا، لكن ما لا نعرفه جيدا، أنه في انتظار ذلك ممكن له أن يسيل دون أن يكون له قيمة كبيرة.
أي شعب في العالم يريد مصلحته وخيره دون أن يعرف أين توجد في مرحلة معيّنة: يوجدان في التخلي عن الأوهام والأساطير، في تجاوزا المصالح الشخصية العاجلة، في العمل الذؤوب والمضني الذي يضمن المستقبل، وليس في الحياة السهلة بلا قيود، بين ثدي البقرة الحلوب والكلام الفارغ لبعض ”المفوضين عن الشعب”، والذين لن يتصوروا أبدا أن يروا كلامهم المعسول وامتيازاتهم الصغيرة قد يُعاد النظر فيها.
يمكنهم أن يروا ويستشفوا قليلا خير شعبهم، لكن لا يريدونه لأنه سيتسبب في زوالهم كطفيليات أو مواطنين من الدرجة الأولى. وتجدر الإشارة إلى أن الشعب إن كان قد فوّض بضعة أشخاص، هناك كثيرون ممن فوضوا أنفسهم بأنفسهم كي يقرؤوا له الكف ويوشوشوا له أين يكمن خيره الكبير.
أراد الشعب الجزائري وقبِل بنظام الحزب الواحد، لأنه رأى فيه باكرا أسلوب التنظيم الذي يتلائم مع فترة التحرير وبعد الاستقلال على السواء. التعددية الحزبية لم تكن لتقوده إلى الاستقلال، فهو لم يكن مخولا لأن يسيّرها، بمعنى أن يجعله سريعا من الشروط اللازمة لتشييد الدولة المركزية، لترسيخ الوحدة الوطنية ولجمع كل الطاقات البشرية والمسارعة في التحكم في الثروات الاقتصادية الوطنية.
إذن فقد تثبت هذا النظام منذ البداية كضرورة تاريخية وسيظل كذلك حتى وإن علمنا، من تجربتنا وتجربة دول أخرى، انه في نفس الوقت يمثل التنظيم السياسي الأكثر ملائمة لتشكيل الأوليغارشيا التي تجد نفسها في الوضع الأمثل للحكم دون تكليف أو مُسائلة.
سنقتبس من أبطال التعددية، رغما عنهم، هذه الحجة التي تبدو صحيحة: لا يكمن المشكل في مجرد مناقشة وحدة الحزب أو البحث عن بديل لحزب جبهة التحرير، بل في البحث على إيجاد وسائل لإبطال الأضرار التي يمكن أن تنتج من هذه الوحدوية، وتؤثر سلبا على تطور مجتمع لم تبق تشكله الطبقات التي عرفت وحاربت المستعمر، والذي يجد، من جهة أخرى، نفسه خاضعا لقوة جذب عالم عصري تشغله الفعّالية على الكلام المعسول الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
هذه المساوئ موجودة في العلن وهي: الإنغلاق والجمود النافي لكل قيمة فردية، الفقر الفكري، التركيز على مكاسب الإستحقاقات الانتخابية وحسب، خلق مناصب خاصة فقط للمسيرين التابعين للحزب الواحد، الانشقاقات بين المناضلين وغير المناضلين.
أما فيما يخص التجديد الاجتماعي المثبت بإحصائيات معروفة لدى الجميع، علينا أن نتعلم أيضا مع توكفيل ((Tocqueville أن:” المجتمعات لا تهرم وتشيخ بنفس كيفية شيخوخة الإنسان، وكل جيل يولد في أحضانها كأنه شعب جديد سُلم ليد المُشرّع “.
يمكن أن يتشكل ويتبلور فكر سياسي جزائري محض، جزائريّ بامتياز انطلاقا من التفكير في هذه المساوئ و سبل معارضتها.من المُسلّم به أن الإعتراف و محاربة هذه المساوئ من الداخل، سيكبح تغذية المزايدة الديماغوجية للمنشقين الذين يعملون من باريس، الرباط، جنيف و طرابلس على زرع الشك و تحطيم الروابط الأخلاقية و السياسية للشعب الجزائري بالهمس له أن الجزائري لن يجد خلاصه
سوى بين أيديهم المباركة.
لا يمكن منطقيا للحزب الواحد، وكانت هذه واحدة من مطالب المتدخلين في النقاشات، أن يكون من فعل رجال يودون أن يكونوا وحدهم، ويفرضوا فكرهم الوحدوي، ومعادلاتهم الشخصية الخاصة. لابد أن يثبت قدرته على أن يمثل بالفعل الطليعة، النخبة الأخلاقية والسياسية للأمة.
هذه العناصر بما فيها تلك الموجودة في المنظمات الجماهيرية لابد أن تُستأصل من حسّ الناس الذين يرون فيهم “مناضلين”، أو بالأحرى رجال ذوو التركيبة الغامضة والمؤهلات المشكوكة، الذين يملكون الوقت لممارسة فن لغة الخشب، وتنظيم اجتماعات بدون موضوع ولا نتيجة تذكر. لابد أن يصبح للنضالية تعريفا مقبولا ومقنعا، محتوى يتعلق بنشاط معروفِ الفائدة، دور خلاّق للثروة، وليس مجرد ”هواء وريح” أو تطفل.
على الحزب، من خلال مكوناته أن يتكيف مع الأزمنة الحديثة، وليس على هذه الأخيرة أن تبحث على مكانها في فضاء بقي يميزه الخطاب الغامض، رغم التحولات القيّمة لهذه السنوات الأخيرة!
بنفس الطريقة التي تَبلى بها الأشياء والمعدات ويلغى استعمالها، تنتهي اللغة التي تُستعمل كثيرا وأساليب التفكير المهجورة إلى عدم إعطاء أية مردودية. لابد إذن من إصلاحها وتعويضها خشية البقاء يوما ما كالضائع في أرض فلاة. لم يفعل القائد الصيني دانغ Deng Xiao Ping، والرئيس غورباتشوف، والزعيم كاسترو وآخرين شيئا سوى محاولة، كل واحد منهم حسب مشاكله وأسلوبه، تكييف مؤسساتهم لمتطلبات الأزمنة الجديدة: التغيير والانفتاح الديموقراطي…
ومما لا يمكن إنكاره، فإلى وقت قريب، و لا يمكننا إخفاء ذلك، لا يتحدثون في الخارج عن “جزائر جبهة التحرير” بل عن “جزائر الكولونال”. هو أكيد أسلوب لاستفزاز الجزائريين، وتشبيههم بالعديد من الدول الإفريقية حبيسةُ قدر الانقلابات. لكن لان حزب جبهة التحرير لم تظهر إلا كإطار نظري، كظل شبحي، وكأنها “وزارة الكلام الفارغ”تكلف بمهام غير حقيقية كقيادة حملة التشجير أو المشاركة المناسباتية كديكور في حملة انتخابات بلدية.
لابد أن نمحو مفارقة، رغم أن هذا لا يهم كثيرا، أنْ ليس الحزب هو من أقام دولة القانون، بل الدولة هي التي أقامت خلال السنوات الست الأخيرة حزب القانون. لكن الأهم هو أن يعود حزب جبهة التحرير إلى دوره الأساسي لإرضاء كل الجزائريين. مع معرفة المسؤوليات الحقيقية والسامية التي هي إلى الآن مسؤولياته، على الحزب أن يتحفظ من التطور إلى أنماط أصبحت تقليدية للحزب الواحد، كما عرفتها وكرهتها الشعوب التي سبقتنا في هذه الطريق.
هم على الأقل، لهم عذر أن لم يكن لهم أسلاف، لان الخطر الأكبر الذي يترقب كل حزب واحد هو إتباع الجسر السهل والمغري للديماغوجية، المحسوبية، العشائرية، وبدل أن تصبح الوحدة حجة لتوحيد الأشخاص، وذريعة لتكوين الوصوليين، لابد أن تكون الوحدة الذاتية لكل الأمة. فأي نظام أفضل للوقاية، للدفاع وللحماية من تشجيع الفكر النقديّ، المسؤول،الإيجابي والبناء؟
« Algérie-Actualité » 10 أكتوبر 1985
موقع الجزائر اليوم 07 فيفري 2019
