Home مقالاتإشكالية الإسلام1979-1970النقد: معاني و رسائل

النقد: معاني و رسائل

by admin

ترجمة ساعي عايدة

‏”أعطي لمن يقول الحقيقةَ حصاناً، سيحتاجه حتما للهروب” (حكمة أرمينية)

النقد هو ذلك الأصبع الماكر والمُدين الذي يوجَّه لأشخاص، أفكار أو أشياء خاطئة عندما يكون لها علاقة ‏بالوسط الاجتماعي. هو يرتكز على لفت انتباه الرأي العام إلى خلل، مبالغة ما أو ممارسة مغرضة، قادرة ‏على الإضرار معنويا أو ماديا بالصالح العام. يخشاها سيئِي النيّة ويقدرها القراء بشكل كبير.‏

يعتبر النقد ايجابيا عندما يحركه الانشغال بجعل المصلحة الجماعية أفضل، واتخاذ القرار الحازم للعمل ‏من أجل ذلك. يتفادى النقد كل عاطفية ويكبح كل شفاعة لصالح أفكار الناقد الخاصة حتى يحافظ على ‏حدوده ويحترم مهمته.‏

لا يعتمد تصور النقد كأداة عمل فكرية على رؤى شخصية محضة، بل على خيارات عامة ومعتقدات ‏مُجمع عليها. إنّ مرجعها ليس في رؤية الفرد بل مرجعها مبني على رؤية الكلّ الاجتماعي. هناك من ‏سيعترض على هذا بحجة أن لكل عقل نظرته الشخصية، والتي تحددها وتكيّفها عوامل خاصة والمتعلقة ‏بالتربية، التكوين الذاتي، الطبع…الخ.‏

لكن قبل التمايز والخصوصيات الفردية توجد المعايير العمومية، القوانين الاجتماعية وما نسميه التوجه ‏الوطني. فكل تجمع إنساني منظم يمتلك هذه العناصر، دون الأخذ بعين الاعتبار أسسه وطبيعته ‏الإيديولوجية. يُكتب النقد إذن في إطار اجتماعي، سياسي وإيديولوجي. لديه نقطة انطلاق هي أوجه ‏القصور، العيوب وكل ما يعتبر انحرافا بالنسبة لهذا الإطار، ولديه موضوع، وهو التشهير بالضرر من ‏أجل العمل عليه في اتجاه المصلحة العمومية، وأخيرا لديه أسلوب تتمزج فيه السخرية اللاذعة بـ ” ‏الوخزات المنغصة “.‏‎‎

“النقّاد هم قوم حازمون ” كما يقول منتج الحكم البارع في فن الهجاء (لافونتان). لكن إن كانوا هم ‏حازمين، فمحاربي الأقلام لا يحظون بقبول كبير بسبب ملاحظاتهم الباردة ويبدو ذلك بشكل مباشر أو ‏غير مباشر.

فينسب للنقاد أكثر النيات سوءا وسوادا، ويُشكك في انتمائهم إلى جماعات فكرية مشبوهة أو إلى ‏الماسونيين. يتوجسون منهم ولا يغفر لهم أنّهم يخيبون حماسة من ينقتدونهم ويحبطونهم. إذ بمجرد أن ‏يكشفوا فضيحة صغيرة أو يعلنوا عن خلل ما إلّا ونزلت عليهم وابل من الهجومات والتُهم كجندي أعزل ‏أمام جيش عاتٍ وكأنهم هم الجناة.‏

بيد أن للنقد وظيفة تصحيحية، هو ليس قدح وتشهير أو نية إضرار مبيّتة، هدفه هو الحث على الأفضل. ‏هو يُبعد كل مبالغة، يعتمد على معايير مقبولة، يطرح القضايا بواقعية ويجعل الجمهور شاهدا في انتظار ‏إصدار حكمه. ليس فيه أي شيء سلبي، عدواني أو مثبط. هو ليس للإدانة بل هو تشجيع فعّال ومحفز.‏

رفض النقد هو رفض كل مراجعة ومساءلة، والتي تعتبر وسيلة لكل تطور. فكلّ ما تمّ نقده بالأمس ‏يصبح اليوم بادرة تعلن عن غد أفضل. إن كان يجلد من جهة فهو يصلح من أخرى.هو في جملته تلازم ‏للعمليتين دون نية سيئة أو روح انتقام. من واجب النقد، حيثما كان ضروريا، أن يكون في الصدارة، ‏بموضوعية، بنزاهة وبصدق.‏

لطالما ردد أحد العقول النيرة، و الذي أعطى إسهاماته النبيلة للصحافة، على مسامع معاصريه ” لابّد أن ‏يكون هناك نقاد لاذعين حيثما تواجدت الأسباب لذلك”.على “الناقد” أن يقدم، بلا هوادة، على قدم و ساق ‏خدمته بكل ما يملك من وسائل للقضية الوطنية. عندما لا يكون هناك أي شيء ليُنقد هنا فقط يفتخر النقد ‏أنه شارك بدوره، في حدود المعقول والمعايير الصحيحة. ‏

الحرص واليقظة هي مهمة المناضل، النقد نضال، بهذا المعنى توضع النقائص موضعها وتبينها للعامة ‏وتعرضها لرأيها. حتى و إن سبب هذا ألما هنا أو هناك.هي شرط في نظام الثوري ووسيلة تحول و ‏تغيير لابد أن تدخل في السلوكات و تصبح جزءا منها.‏

أكيد أنّ الفن صعب لكن النقد أيضا ليس بالهيّن. لا يجب مقارنته بالافتراءات الحقيرة أو الثرثرة ‏الفارغة. البحث عن الشرّ، فهمه تقديمه للقراء والمسؤولين المعنيين، بدون شك ليس مجرد رغبة لملئ ‏بياض زاوية في جريدة. تتهاطل الاتهامات على النقاد حسب أمزجة و ثرثرة المتلقين فيقول البعض” ‏إنهم ينتمون إلى هذا أو ذاك”، والبعض الآخر ” إنهم كذا أو كذا”.لكن ألا يمكن أن يكون بينهم رجل ‏رشيد و يفكر من تلقاء نفسه فيقول: ربّما هم مواطنون مخلصون و كفى.

)جريدة “المجاهد” 1 مارس1972)

You may also like

Leave a Comment