روح العصر

by admin

ترجمة ساعي عايدة

يهدد غضب أعمى بشرية تحمل على عاتقها ثقل عالم ذليل.لا يعرفالمنتفضون في مجتمعات الإستهلاك بماذا يعوضون ما يودون تدميره، مثلما أعلنها  الكاتب الروسي بريوسوف(Brioussov) في قصيدته “إلى مقربيّ”:” للهدم سأكون معكم أكيد لكن للبناء فلا تعتمدوا عليّ!”، هم لا يطالبون لا بلقمة العيش، و لا بمناصب شغل، لكن إلهامهم يبدو أكثر حيوية من ذي قبل، فهم يطالبون بشيء آخر، ما هو؟ هم لا يعلمون!

ما يعرفه رافضو المادية هو أن الإنسان ليس مجرد جهاز هضمي، و أنه لا يعيش فقط من أجل تحصيل لقمة العيش،كما أن احتياجاته لا تقتصر على برنامج مطالب و أن الدوافع الإقتصادية غير كافية لتحدث التغيير. لقد انتقلت احتياجاتهم من المجال المادي إلى الميدان الروحي. لقد ظهرت حينها فرقة “الهيبيز”(hippy) الفرقةالشبابية المتمردة، التي تساءل المنتسبون إليها عن ” معنى” حياتهم، و بحثوا عن القيم التي لم يجدوها حتى في لجوئهم إلى تعاطي المخدرات، لذا قيل عنها أنها كانت”فلسفة للهروب”.

“لا ماركس و لا المسيح”، ” نحو ثقافة مضادة “، ” لقد مات ماركس”، “2000 سنة …كفى”…هي عناوين كتب تعبر عن وضع فلسفي يبعث على الخوف و يثير القلق أمام فراغ فكري و روحي يجد الإنسان المتطور نفسه فيه. ” في الغرب الرأسمالي عجلة الإقتصاد تدور، في الشرق الاشتراكي الآلات تشتغل “. و بالرغم من ذلك هناك فراغ أعمق ينخر هذه البلدان الكبرى، فراغ لا يمنع حركة الإقتصاد في أحداها و لا المظاهر السياسية في الأخرى”(1).

فلنذكر كيف تزعزت الثقافة (في المفهوم الجرماني ويقصد بها الجانب الروحي للحياة الإجتماعية) من جذورها بإطلاق العنان للايروس و ذلك بتحريض من فئة “محرري” البشرية.

يجري الحديث في هذه البلدان عن صراع أجيال، عن أزمة في العلاقات الإجتماعية في وقت جد حساس، عن شباب عاقدي العزم..الخ، معتقدين أنهم حددوا الضرر في شرح أعرج لمشكل حضاري يعيد النظر في الأفكار المحصلة من طرح ” التطور التاريخي و الاجتماعي الذي انطلق من الحيوانية الأولى إلى عصر الوفرة، الوعي و الحرية”.  

يعاني إنسان العالم الثالث أكثر من غيره من غموض الزمن المعاصر، ليس لأن كوكب الأرض أصبح قرية صغيرة حيث سرعة الإتصالات تسمح لأي شر أن ينتقل إلى أي بقعة منه، لكن لأنه يجد نفسه معرضا للسقوط أو التدنس لأنه لا يملك كيف يتجنبه، و عليه أن يأخذ الحيطة منه.

وهو منشغل بحرث أرضه و بناء اقتصاده، منبهر بنماذج تتحداه بفخامتها و قوتها، ينسى نفسه و لا يبقى له سوى القليل من الوقت و هو يتابع بعين قاصرة صراع أفكار يجهلها، و الثقافة التي تمثل هذه الأخيرة.الخطر يدق بابه لكن الأمر لا يشغله كثيرا.كفاح التحرير الذي كان سببا في استعادته لحريته و تقرير مصيره، كان في الوقت ذاته سببا في تولد مركب نقص تركه فيه مدة الاستعباد الطويلة التي عاشها، إنها : عقدة ” المحرر من الإستعمار” و التي نعرفها باللإرتياح البسيكولوجي للضعيف أمام القوي، للجاهل أمام العالم، للمقلد أمام المبدع، لاإرتياحٌ يحمل على التفكير اللاإرادي أن الآخر هو دائما الأفضل، الفعال و الخبير. تريد النفسية المصابة بعقدة التحقير هذه و التي تظهر بذاتها أحيانا و تتمرد من جحرها أحيانا أخرى، أن ترتدي مظاهر الآخر. هذا الأخير غرسها جيدا في الأعماق حتى قبل أن يعود إلى أرضه الأصلية. لقد تقوقعت هذه العقدة على نفسها بداخله بل و حاربها كلما سيطر أناه لكن بمجرد ما تتحرر توظف تقنيات خاصة للبروز .

هي إذن استعراض كبير و إستيراد فوضوي بالجملة. نقابل القديم بالجديد للحصول على ثورية شفوية.نجعل المرأة ندا للرجل و نخلق بينهما صداما كي تحصل هذه الأخيرة على نفس حقوقه. نواجه الإقتصادي الممجد مع الإيديولوجي المنبوذ، نرافع  بالعلمي ضد الأخلاقي، نلوح بالضروري في وجه الحقيقي، والفعال ضد الأصيل في شكل من أشكال الجدلية المقدسة.

تبرز هذه النقيصة البسيكولوجية لدينا في كل ما هو صادم و شاذ. نحن نرث رغبة الإحتجاج المبررة لدى الغير لكن لا دلالة لها لدينا. نتمادى في تعطيل الثأر على التقاليد المطبوعة بقوة فينا، و نحيا التفسخ الإجتماعي لحضارتهم المنحطة. نعكس القيم لأن لدى الغير “عصر العالم المحدود ابتدأ”. نشترك في معايشة لحظة الإخفاق، ناكرين كل خصوصية اجتماعية تاريخية، كل شخصية نزيهة، كل مفاضلة. نرافق الآخر في سقوطه المعنوي، نمسك بيده و نبدأ معا نهاية القيم.

هذا هو روح العصر.من منا لم يسمع الرد الحاسم و المتكرر ضد غرائب و أعاجيب: ” لابد أن  يكون الشخص ابن عصره ، نحن في القرن العشرين”. بمعنى آخر، كل ما يمكن أن يحدث، حتى و إن كان سيئا، سيعتبر شرعيا لدينا.إذا تصدّعت في منطقة ما، لابد أن تتصدع لدينا أيضا: منطق مضحك!

هناك حقوق لا نطالب بها لأنها لا تعطى. ممن عليك أن تطلب حق الإختلاف؟ من السذاجة البحث عن إجابة، فلن تحصل عليه سوى من كفاح قوي، مثل الاستقلال، لكن في هذه الحالة هو كفاح ضد جزء منك و الذي كونه الآخر بداخلك، و نوقفه عندما يتم الفهم و التسليم بحتمية أنه لا يمكن الذوبان فيما لا يمكن أن يكون أنت.

ما معنى” التميز”؟ ” هذا المفهوم ( التميز) يعبر عن شيء يتعلق بالماضي، يدل على شيء يعني الممكن… فهل نحن سائرون لفقدان تميزنا ؟ هذا السؤال لا معنى له.ها هو أنت، ها نحن و كل واحد بيننا في هذا التمييز.أما ذلك الذي لا يريد و لا يستطيع أن يقتدي من بعيد بنماذج عظيمة، و لا أن يحدد هويته هو، هو بالنهاية لا يريد إلا إن يكون الآخر. و هو كذلك فعلا”.(2) 

يكمن خلاص أي ثقافة في قدرتها على التميز، و يكمن موت مجتمع من المجتمعات في مدى سهولة تنازله و ذوبانه في الآخر.أما نجاح الثورة فيكمن في قدرتها على حماية نفسها بطوق إيديولوجي فعال يوفر لها الحماية من ” شر هذا القرن” و الذي ضحاياه هي الأرواح المُشبعة.  

(1) (2) هنري لوفابفرH. Lefèvre  ” ظاهرة التميز”« Le manifeste différentialiste ».

جريدة “المجاهد” 22 مارس 1972.

جريدة الحوار الجزائرية 04 جوان 20172

You may also like

Leave a Comment