Home مقالاتإشكالية الإسلام1979-1970العرب لم يغزو ابدا اسبانيا

العرب لم يغزو ابدا اسبانيا

by admin

ترجمة بوزيان فرحات

توسعت الحضارة الإسلامية في ثلاثة قارات، بضعة عقود فقط بعد وفاة مؤسسها. و لم تعرف تاريخ البشرية تمددا سريعا كهذا لأية حضارة من قبل. 

و حتى نهاية القرن السادس ميلادي، لم يكن هناك شيء ينذر بأن هذه القبائل البدوية في الجزيرة العربية الصحراوية يمكن أن تحمل المشعل الذي سينير العالم على مدى ثمانية قرون. بدأت الفكرة الإسلامية تبرز، وسيكون قدر كل البشرية أن تعهد بنفسها لراية هذا الهلال الخصيب.

في سنة 635، سيطر المسلمون على سوريا، ثم فلسطين في639، ثم بلاد ما بين النهرين في641، بعدها مصر في642، تلتها الفرس في643، ثم طرابلس في647، و قبرص في649، ثم البنجاب في 664، شمال إفريقيا في701 و اسبانيا في713  …، حاول المؤرخون بعد ذلك، شرح هذا الانتشار المذهل للإسلام بوضع مجموعة من النظريات كان القاسم المشترك بينها أن الإسلام انتشر بالقوة.

لقد كرس اغناسيو أولاغ Ignacio Olague جهده في أن يضع نقطة نظام لهذه التأويلات المتحيزة، حيث كتب : ” يبدو لنا من خلال دراسة حركات مشابهة، إن انتشار الإسلام نتج عن قوة الفكرة وليس قوة جيش هجومي. كما كان الحال أيام الإغريق” hellenisé” واليوم التغريب “occidentalisé“.” أسلمة” العالم لم تكن إلا ثمرة حركة فكرة قوية” (” العرب لم يغزوا ابدا اسبانيا” Les Arabes n’ont jamais envahi l’Espagne » ” ص 50 الصادر عن فلاماربون Flammarion)

مبحث هذا الكتاب التاريخي هو عن أن دخول الإسلام في شبه الجزيرة الأيبيرية لم يكن أبدا كما يظن بعض المؤرخين، أي انه كان نتيجة قوة السلاح، لكنه كان نتيجة أزمة لم يكن ممكنا الخروج منها إلا بتبني الإسلام كدين وكأسلوب حياة.

غزو العرب لإسبانيا خرافة تكذبها الوقائع التاريخية: “ الإصرار على الاعتقاد أن شعوبا مزدهرة ومتحضرة تركت معتقداتها وغيرت أخلاقها، بسبب كمشة من بدو رُحل خرجوا من الصحراء، أخضعوها، يُنبيء عن جهل تام للحياة الاجتماعية. ينبغي أن تختزل السمة العسكرية للأحداث في دور صغير، بخصوص تفاصيل الحياة اليومية يجب ان نستوعب أن المشكلة هو على المستوى الثقافي. لم يكن هناك اعتداء عسكري بل أزمة ثورية” (ص51). 

حمل المؤرخ على عاتقه كتابة صفحة مهمة في تاريخ بلاده ينسف معها هذه الخرافة، و لقد حاول اوغانسيو اولاغ.

و بكل أريحية خلال هذا المبحث من هذا الجزء من التاريخ الاسباني، أن يوظف الخرائط و الأرقام ليؤكد أطروحته حتى تكون مقبولة عالميا. 

المسيحية التي بدأت في القرن الثالث ميلادي في الانتشار لم تكسب ابد لذاتها عدد الناس كأولئك الذين اعتنقوا طواعية مذهب الاريانية (Arianisme- مذهب يرفض فكرة التثليث) .

في سنة 710، وبعد موت فيتيزا(Vitiza) نشبت حرب أهلية بين أولاد الملك المتوفى  وشيعته والمدعو روديريك(Rodéric)، الذي استولى على السلطة و أراد غزو الأندلس. كان أولاد فيتيزا اريانيين وروديريك وانصاره كاثوليك، طلب الأوائل تعزيزات من انصار لهم يقيمون في الشمال المغربي .وهكذا عبر طارق بن زياد المضيق الذي يحمل حاليا اسمه(Gibraltar) على رأس سبعة ألاف جندي ليساعد أولاد فيتيزا، اختفى روديريك المنهزم في معركة في غوادالا (Guadalete) سنة 711، وذاب المسلمون بين عشرة ملايين من السكان لكن المتقبلين لكل ما هو إسلامي. 

أما الموجة الثانية التي عبرت إلى اسبانيا كانت مع موسى بن نصير بجيش تعداده 18000. 

إذن كان المجموع خمسة وعشرون ألف جندي وطئ قدمه اسبانيا، هل يمكنهم أن يغزوا بلدا فيه عشرة ملايين من السكان آو عشرة ملايين روح بهذه البساطة ؟ أبدا، بل اسبانيا هي التي قدمت نفسها هدية للإسلام.  تطورآرينية اسبانيا وما نتج عنه من المذهب الرافض للتثليث جعل الناس يتوجهون إلى الإسلام بمجرد أن عرض عليهم.

ينقل المفكرون المسيحيون وخاصة في العصور المتأخرة إلى الأجيال المتعاقبة فكرة خاطئة عن الأحداث السابقة: “إقحام و اتهام الإسلام هو للتقليل من الحضور القوي للمسلمين في الماضي في بلد أوروبي غربي ” (ص 131).

دخل الإسلام في الذاكرة الاسبانية وانغرس بها، ازدهر ثم انتشر” بناء على الديناميكية الخاصة لحركة الأفكار وبنفس الطريقة التي لا زال ينتشر بها في أيامنا هذه ” (ص243).

الأريانيين الذين ساندوا فكرة الوحدة، انضموا بقوة إلى الفكرة الإسلامية حيث حققت كل آمالهم. ” الفكرة القوية” تفرض نفسها بسبب قوتها و ملائمة الوسط الذي يتلقاها: ” لقد فسرنا التحول الروحي ،الاجتماعي والثقافي الهائل الذي اثر في الشرق الأدنى والبحر الأبيض المتوسط في القرن السابع والثامن ميلادي كونه نتيجة لغزو عسكري : لقد تم فرض اللغة، الحضارة، الدين بالسيف… يخلط المؤرخون بين انتشار الأفكار المولدة للحضارة وممارسة القوة العسكرية. لقد أدمجنا القوة العقلية في القوة العسكرية” (ص45/47).

وحتى بعد فترة الغزو العربي المزعوم، رغم انه لا يمكن أن يكون الأمر مسألة هيمنة عربية، فإن الإسلام واصل انتشاره في آسيا الوسطى و إفريقيا الانجليزية والفرنسية والبرتغالية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين”.

جاء كتاب أوغناسيو أولاغ ليعيد النظر في أفكار استقرت منذ القرن الثالث عشر. لا نستطيع أن نكذب على التاريخ، ولا أن نجعل التاريخ يكذب علينا.” التاريخ هو الحكم ” كما تقول العبارة الألمانية. ومهمة المؤرخ أن يوثق التاريخ.

لقد اعتمد ” هذا الكتاب الموضوعية الكاملة الضرورية لنسف خرافة نابعة من التعصب والجهل والإهمال والمداهنة والخوف من مواجهة الأفكار الواردة “

. لقد نقب في الماضي، وحرك الرماد، وهز الشهادات وحقق في الأماكن. لم يكتب الكتاب ليرضي الناس بل ليعلمهم، من مزاياه أنه يذكرنا بأنه لا بد من إعادة كتابة تاريخ الإسلام من أجل الولوج إلى ” فهم أحسن للإنسانية ” (ص40).

قراءة كتاب كهذا لها بالغ الأثر، و المهتمون بالتاريخ سيجدون فيه أكثر من مفاجأة في هذه القراءة الجديدة لتاريخ إسبانيا.

جريدة “المجاهد” 23 فيفري 1972

موقع الجزائر اليوم 25 أفريل 2020 

You may also like

Leave a Comment