بقلم نورالدين بوكروح
خلال لقائه مع شبكة “الجزيرة” قبل أسبوعين، باح الرئيس تبون بأن الجزائر كانت مستعدة للتدخل في ليبيا في حال استولى حفتر أو الإرهابيون على طرابلس.
لم يدخل في ثنايا الموضوع، واكتفى بالقول إن طرابلس “خط أحمر” بالنسبة للجزائر قبل غلق الموضوع بكل فخر بقوله:” الناس الذين وجهت لهم الرسالة وصلتهم وفهموها”.
على الأرجح أن كل اعضاء الأمم المتحدة وحكومات العالم تلقوا هذه الكلمات باستغراب وتعجب ووجوه مقتضبة، حيث الجميع يعلم أن مثل هذه الكلمات قد تقال في سر مكاتب الحكام، لكن ليس في بلاتوهات التلفزيون.
لكن ما هو أكثر ترجيحا، هو أن الكثير من مواطنينا انتفخت صدورهم فخرا واعتزازا لسماعهم أقوال رئيسهم لأنه عادة ما يسمعونها فقط من الولايات المتحدة واسرائيل اللذين لا يأبهان بالقانون الدولي، وليس فقط كلاما بل فعلا.
وإن نام هؤلاء المواطنون وقلبهم فرح بكلام زعيمهم، فأنا انقض على القلق مما بدا لي استهتارا قريبا من ”الجنون” بالمعنى المجازي، وليس الطبي.
لنشرح الأمور:
1) بأي حق تتدخل الجزائر في ليبيا، وهي التي أسست لسياستها الخارجية مبدا رئيسا منذ منبتها وهو عدم التدخل في شؤون البلدان الأخرى؟ وماذا ستفعل هناك؟ وكيف؟ ولأي مدة؟
2) أليس في هذا التدخل خرقا للقانون الدولي؟ ألا يذكر هذا بهجوم صدام حسين على الكويت؟ أليست بهذه الطريقة بدأت الحرب العالمية الثانية عندما اعتبر بلد أن منطقة في بلد ثاني سيد كانت “خطا أحمر” بالنسبة إليه، واعتبرها “منطقة حيوية” لأمنه القومي؟
3) في الوقت الذي كان الرئيس تبون يتمتع بالكلمات التي نطق بها والتي لم يقدر أثرها، نسي أن المادة 31 من دستور 2020 تنص على “تمتنع الجزائر عن اللجوء إلى الحرب من المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها.
تبذل الجزائر جهدها لتسوية الخلافات الدولية بالوسائل
…”السلمية “.
4) حتى إذا دعته المؤسسات الرسمية الليبية إلى التدخل في بلدها، لا يمكنه إرسال الجيش الوطني الشعبي خارج الوطن، لأنه من أجل ذلك، يجب عليه الحصول على موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، الذي لم يتم تنصيبه بعد.
أما المشير حفتر فقد “فهم” الرسالة التي حملتها كلمات الرئيس تبون. لم يذهب بقواته إلى طرابلس بل أخذها مباشرة إلى حدودنا. إنها مقيمة هناك منذ ثلاثة أيام سيادة الرئيس.
بتاريخ 27 ديسمبر 2019، نشرت مقالا سميته “هل الجزائر على حافة حرب؟”، كتبت فيه ما يلي : ” لم يسبق وأن تمركزت في منطقتنا قوات أجنبية بهذا الشكل، ولن تخرج منها قبل أن تفتت ليبيا وتستولي على خيراتها… وبما أن الشهية تأتي مع الأكل، فإن القوات المتنافسة التي تتنازع لكي تكرس قبضتها في مختلف مناطق العالم والتحكم في ثرواتها، فإنها لن تتوقف عند هذا الحد إلى أن تعرف بلدان المغرب العربي نفس المصير.
وعندما تتمركز بقوة وعلى المدى الطويل في ليبيا وبلدان الساحل، ستحول أنظارها لا محالة إلى أكبر قطعة في افريقيا، البلد – القارة، الجزائر. إن القوات القديمة التي استعمرتها بين القرن السادس عشر والعشرين (الامبراطورية العثمانية التي أصبحت تركيا وفرنسا) متواجدة في ليبيا.
لن يتم الأمر بين ليلة وضحاها باجتياح عسكري، لكن بالتدريج، وبلمسات متتالية، بأن يتم تقسيمنا واهتزاز أمننا بتشجيع الانفصال، والتلاعب بالإرهاب وإضعاف الاقتصاد…”
بكلامه، قرب تبون هذا الاحتمال. لا يشكل حفتر في حد ذاته أي خطر على الجزائر التي ستمسحه في يوم واحد. وهو يعلم ذلك، بل هو معسكر على أراضيه، واقترب أكثر ما استطاع من حدودنا، فقط لاستفزاز تبون.
لكن إذا نشبت مناوشات في الحدود حيث يتواجد الآن الجيشان، فإن ذلك سيؤدي إلى حرب قد تصبح دولية بسرعة، وحينها سيحمل الملاحظون، حتى أكثرهم تعاطفا مع الجزائر، سيحملون مسؤوليتها للرئيس الجزائري، علما أنه الرئيس قد قام مسبقا بإضعاف بلده كما لم يحدث أبدا من قبل بأن فرض عليه دستورا رفضه الشعب وبرلمانا هو لا فضه أيضا والذي سيؤجج كل يوم أكثر الغضب الشعبي.
