Home مقالاتماذا ستكون جزائر مابعد الحراك؟

ماذا ستكون جزائر مابعد الحراك؟

by admin

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة وليد بوكروح

تتوالى أيام الجمعة لكنها لا تتشابه في جزائر تبون “الجديدة” – بين علامتي الاقتباس – التي تختفي من ‏وراءها الجزائر القديمة في حلّة أكثر تعفّناً ورداءةً. ومن أسبوع إلى آخر يضاعف الحراك مجهوده ‏ويوسع في كل مرة الهوة بين هذه الأخيرة والشعب حتى تصل إلى نقطة اللارجوع، ويصبح من ‏المستحيل العودة إلى الجزائر القديمة وإلى عهد الخوف أمام استخدام القوة والاستسلام للقدر‎.‎

العزم على المضي إلى آخر الطريق والالتزام بمواصلة التظاهر السلمي حتى الوصول إلى الهدف النهائي ‏الذي هو رحيل “النظام” بأكمله، أصبحا يشكلان الفكرة الرئيسية لدى الحراك: “والله ما رانا ‏حابسين‎”‎‏… هذه الرسالة ليست موجهة إلى “الجيش” بل إلى قيادته، إلى الجنرالات الذين يُطلَبُ ‏منهم أن ينسحبوا من المؤسسات السياسية ليحلّ محلّهم مدنيون ينتخبهم الشعب في ضلّ ‏الشفافية، ويُراقبون من قبله في برلمان حقيقي وشرعي‎.‎

في هذه الكلمات و في هذا القسم نَجدُ شيئا من نَفَس “قسماً”، النشيد الوطني الذي كتبهُ أحد أبرز ‏المناضلين من أجل الاستقلال و هو مفدي زكريا الميزابي الذي نفته سلطة الجزائر المستقلة حتى ‏وفاته. ذلك لأن “الحراك” متجذّر بعمق في رمزية ثورة أول نوفمبر التي لم يصنعها الشعب الجزائري ‏بأكمله لكنه هو الذي نتج عنها بعدما بادرت بتفجيرها أقلية من الوطنيين. تماماً كما يحدث مع الحراك ‏الذي يصنع اليوم وحدة الشعب الجزائري كما لم يحدث من قبل‎.‎‏ ‏

إن “الجزائر الجديدة” التي جاء بها تبون والجنرالات الذين فرضوه هي مولود ميت. فهي لن تُشفى أو ‏تنمو أو تزدهر أو تنتصر، لأنها لا تستطيع أن تفرض نفسها على إرادة شعب استيقظ بصفة نهائية منذ ‏عامين كاملين. وبدلاً عن هذه الأخيرة وبموازاتها تتشكّل حاليا جزائر جديدة -‏‎ ‎بحروف كبيرة ودون ‏علامات الاقتباس – وتضع شيئا فشيئا أُسُسها انطلاقاً من الأسفل‎.‎‏ لا أعرف ماذا ستكون هذه الجزائر ‏بعد أن ينتصر “الحراك” لكنني متيقّنٌ بأن الشعب سيفوز لا محالة، بحكم قانون التاريخ وقواعد ‏الطبيعة التي تملك خاصية التكيف مع الزمن لكنها دائماً في النهاية تتغلب عليه هو الآخر‎.‎

في أكتوبر 1979 نشرت مقالاً بعنوان “عبقرية الشعوب” أثار وقت ظهوره ضجة كبيرة لأني وصفت ‏فيه أبناء وطني بصفة قاسية. وكنت آنها قد ختمته بهذا الوصف الذي لم يكن من الممكن فهمه في ‏ذلك الوقت لكنه اليوم يناسب بالضبط الوصف الذي يعكسهُ الشعب الجزائري في حراكه: 

‏”عندما يتمكّن منه المثل الأعلى للخير، وعندما لا يتسمع إلا لصوت الواجب فإنه يذهب إلى نهاية ‏الطريق: سواء في حرب ضد العدو، أو الصراع ضد الذات أو الانتصار على التخلف. “سعيدٌ هو الشعب ‏الذي ارتجفت روحه وأعاد خلق نفسه من طينته! إنّ اللحظة التي يستيقظ فيها شعبٌ هي صباحُ عيد ‏عند الملائكة الذين يحملون عرش الله” (محمد إقبال).‏

هل كنت أنا على حق وكان هو متأخراً؟ لا يهمّ، فحتى لو سبق وضيعنا بعض الفرص في الماضي يجب ‏ألا نضيّع هذه المرة المستقبل.‏

تساءلت وأنا أتابع المسيرات العازمة والاحتفالية في نفس الوقت للجمعة الأخير، عن متى وأين يتدرب ‏المتظاهرون أو يجرون “البروفات” لتصلَ شعاراتُهم إلى هذا الحدّ من التزامن والتنسيق والانسجام كما ‏لو كانوا جوقا مدرَّباً يشدو بانتظام بعد الكثير من المراجعة والممارسة. لم نعد في زمن شعارات “وان تو ‏ثري فيفا لالجيري” الفارغة، أو “الشعب يريد الفيزا!” التي ميّزت سنوات اليأس بل في فصل ازدهار ‏الشعارات التي تنبض بالحيوية والتعبوية، الأصيلة المتجددة التي تتكيف مع الأوضاع والأحداث‎.‎

هذا ما وصلت إليه الجزائر حتى اليوم، لا نعرف أكثر من هذا. كما لا نعرف أيضاً إن كان انتصار ‏‏”الحراك” سيدفع الجزائر إلى الأمام أم إلى الوراء. هذا الشك الخبيث وهذا التساؤل الكبير هما ما ‏يقسّمُ الشعب الجزائري حالياً إلى “شعب الحراك” وباقي الشعب الذي كان الكثير منه سينضمّ إلى ‏الأول لو لم يُثنهم الخوف من “الأسوأ”، ومن الفوضى أو حرب أهلية جديدة كبديل عن السلطة ‏العسكرية. هو يفسر أيضا الصمت الملاحظ في جميع أنحاء العالم تجاه الحراك.‏

باستثناء أنها لن تعودَ لتُحكمَ من قبل الجيش وأجهزته السرية التي تظهر أكثر من اللازم فإننا لا نعرف ‏عنها أكثر، لكن الجميع يشعر بدرجة أو أخرى بالخوف من عودة “الفيس” و مليشياته المسلحة تحت ‏اسم أو آخر، ما سيفتح البلاد أمام “طالبان” و “الشباب الصومالي” و “داعش” و “بوكو حرام” و ‏‏”القاعدة في بلاد المغرب والساحل”، و باقي الطبقة الإسلاموية-الفاشية التي تعتلي السلطة في عدة ‏دول محترمة في ظاهرها.‏‎ ‎

هذه هي الحقيقة المرّة: فبين دولة العصابات التي أدّى إليها نصف قرن من الاستبداد العسكري ‏المتخفي وراء الزّي المدني وبين البديل الإسلاموي، لا يكاد يوجد شيء. رغم ذلك فإنّ هذا الوسط و ‏هذا الفراغ هو الذي يجب أن يلدَ البديل المدني والديمقراطي الذي سيحقق استقرار الجزائر و يرسّخ ‏الديمقراطية والحريات العامة التي ستؤدي بدورها إلى التنمية الاجتماعية والثقافية والفكرية ‏والاقتصادية والسياسية، و تجعل بناء الوحدة المغاربية ممكناً‎.‎

طالما لم يتمكن “الأفضل” من فرض نفسه على “السيئ” الذي تُجسّدهُ منذ 1962 سلطةٌ عسكرية ‏أصبحت تختفي وراء واجهة خانعة أكثر ممّا هي مدنية، وأمام ” الأسوأ” الذي تجسده الإسلاموية ‏الشعبوية العدمية والانتقامية؛ فإن الجزائر لن تعرف الاستقرار ولا الديمقراطية ولا التنمية. ستبقى ‏تتأرجح بين الواحد والآخر كما تفعل أفغانستان منذ 1975. لكن إذا كانت أفغانستان فقيرة وبعيدة عن ‏المراكز الحيوية في العالم فإن الجزائر غنية بالموارد الطبيعية وقريبة من الجميع ومن كل شيء‎.‎

الخوف من “ما بعد الحراك” ليس مجرد وجهة نظر بل حقيقةً يدفعُ إليها النفوذ الذي تحاول ‏‏”الزيطوطية” أن تمارسه على الحراك. لا أقصد بهذه الكلمة الشخص فقط بل الحالة الذهنية التي ‏تمثلها والتي هي خلطةٌ من الأحقاد الشخصية والكراهية الطبقية والإسلاموية التي تدعي زوراً تحوُّلَها ‏إلى أفكار الدولة المدنية والديمقراطية. إنها لم تبادر بالحراك لكنها تفعل المستحيل لركوبه بالخداع ‏والتملّق، بدافع خفي هو استدراجه إلى قفص الإسلاموية الذي يقرب إلى الجحيم أكثر من الجنة‎.‎

الحراك الذي هو في أمسّ الحاجة إلى أفكار تحضّرُ للمستقبل، يَعدُّ من بين شعاراته المفضلة ذلك الذي ‏يعارض بين “الدولة المدنية” و “الدولة العسكرية”. رغم أنّ كلمة “مدني” تعني في اللغة العربية “ساكن ‏المدينة”، وهي نقيضٌ لكلمة “ريفي” و “بدوي” وليس لكلمة “عسكري”. 

لكن الزيطوطية جعلت منها ‏نقيض “عسكري” رغم أن مفهومي “الدولة المدنية” و “الدولة العسكرية” غير موجودان في الفكر ‏الغربي الذي ظهرت فيه كلمة “مدني”، ليس لتناقض صفة “العسكري” بل “الديني”. فما هو غير ديني ‏هو مدني؛ والشخص المدني هو الذي لا ينتمي لطبقة رجال الدين؛ والزواج المدني نقيض للزواج ‏الديني؛ والمجتمع “المدني” نقيضٌ للمجتمع “الديني” وليس “المجتمع العسكري” الذي هو تعبير لا ‏وجود له في الغرب ولا في الشرق.

المعنى الحقيقي لـ “الدولة المدنية” في ذهن الزيطوطية هو دولة البدو “الأَعراب” التي حذر منها القرآن ‏الكريم ثم ابن خلدون فيما بعد.‏

إنّ السلطة السياسية والمؤسساتية في أوروبا تحولت من “دينية” و “إلهية” إلى “مدنية” و “بشرية” ‏بعد صراعات دامية بين العقلانية وفلسفة التنوير من جهة، والظلامية-الدينية من جهة أخرى. هذه ‏الصراعات الفكرية هي التي وضعت حداً لممالك القانون الإلهي ولحكم الثيوقراطية باسم ما يسمى ‏‏”السيادة الإلهية” التي يتحكم فيها ويتلاعب بها رجال الدين، واستبدلتها بـ “السيادة الشعبية‎”.‎

في رسالته “‏‎ Encyclique immortale Dei‏”، كتب البابا ليون الثالث عشر في عام 1885 موقّعا ‏خروج الدين من الشؤون السياسية والعامة والمدنية والحضرية والريفية، ومُصدراً “رخص العلمانية” ‏لمن أراد:” إنّ الله قسّم حكم البشرية بين سلطتين، السلطة الكنسية والسلطة المدنية، الأولى تحكم ‏الأشياء الإلهية والأخيرة الأشياءَ البشرية.” 

جاء ذلك طويلاً بعد أن حرّرت دول أوروبا نفسها من القبضة الأخلاقية والقانونية والسياسية التي كان ‏الفاتيكان والمسيحية يُحكمانها عليها. و قد امتد الكفاح من أجل هذا التحرّر لعدة قرون، بدءًا من ‏المفكر الإيطالي مارسيليو دي بادوا ‏‎ Marsile de Padoue‏(1280-1343) والإنجليزي ويليام ‏أوكهامGuillaume d’Ockham ‎‏ (1285-1349)، و انتهاءً بالاتفاقيات ‏‎Concordatsبين نابليون ‏والفاتيكان، و مروراً بالنهضة الإيطالية والإصلاح اللوثري وفلسفة التنوير الفرنسية و تيّار ‏‎ ‎Aufklarüng‏ الألماني.‏

أمّا الإسلاموية فهي تعيش في القرون الوسطى من التأريخ الميلادي، وتبقى العقيدة السياسية السائدة ‏عندها هي “السيادة الإلهية” في إدارة الشؤون الإنسانية والسياسية والتي كانت تدفع مناضلي الجبهة ‏الإسلامية للإنقاذ في التسعينيات لينادوا بشعار “لا مِيثاق لا دستور قال الله قال الرسول!”، وهو ذات ‏الشعار الذي ستصرّح به الزيطوطية إن سمحت لها الظروف بذلك‎.‎

نفس الخدعة تم استخدامها مع كلمة “ديمقراطية” التي حاولت الإسلاموية المسمّاة “المعتدلة” أن ‏تجعل منها “شورى-قراطية”. فقد اعتقدت أن حل مشكلة الديمقراطية في الإسلام يكمن في الربط بين ‏كلمة يونانية(الحكم) ‏‎ «Kratein »‎‏ بكلمة عربية هي‎‎‏(“الشورى”)، بينما لم يكن ذلك زواجاً حقيقيا ‏بل مجرد إلصاق كلمتين مزيفتين. فكلمة “الشورى” بالعربية لا تعني “السلطة للشعب” بل “استشارة ‏الشعب”. 

وهي بالتالي عندما تلصق بالكلمة ‏‎”‎‏(السلطة، النظام السياسي) فهي لا تعني “سلطة ‏الشعب”، بل “استشارة الشعب”. بينما يفترض مبدأ التشاور وجوداً مسبقاً للكيانين الفاعلين، الذي ‏يستشير والذي يُستشار. وبالتالي فالسلطة التي هي من يستشير موجودةٌ بالفعل بصفة قبليّة، بينما ‏التعريف اليوناني “سلطة الشعب” يعني حتماً أن السلطة تلد من رحم الشعب وبداخله‎.‎

إن “الديمقراطية” و “المدنية” هما مفهومان وُلدا في حضن الفكر الغربي، أمّا الإسلاموية الحرفية ‏الجاهلة فهي تحاول فقط تكييفهما بما يناسب مشاريعها الثيوقراطية الاستبدادية الظلامية التي أكل ‏الدهر عليها وشرب، وذلك عبر خداع من يستمعون إليها.‏

إن لم يتمكن الحراك من استيعاب هذه الأفكار، وإذا تطلّب منه فهمُها أربعين سنة قادمة فإنه سيمضي ‏إلى خرابه ويأخذ الجزائر معه‎.‎

النسخة الفرنسية 08/05/2021

صفحة فايسبوك ن.ب:10/05/2021

You may also like

Leave a Comment