بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة وليد بوكروح
في 4 جانفي 2016 نشرت على جريدة “Le soir d´Algérie” مقالاً بعنوان “ماذا لو كانت الجزائر كلها منطقة القبائل؟”
كان ذلك غداة تشييع آيت أحمد رحمه الله إلى مثواه الأخير بعين الحمام، وكانت السلطة قد فوضت لتمثيلها في مراسم الجنازة كلّا من رئيسيّ غرفتيّ البرلمان والوزير الأول وآخرين، إلا أنّ موكب جميع هؤلاء أُعتُرض على بعد كيلومترات من مكان الجنازة ودُعيَ المعنيون إلى العودة من حيث أتوا من قبل سكان المنطقة الذين لم يرغبوا في حضورهم الحدث لاعتبار ذلك غير لائق. في ذلك اليوم وفي ذلك الأسبوع، وَضَعت منطقةُ القبائل السلطةَ قبالة الحائط.
وبعد أن أشرت في مقالي إلى أن “المثل يأتينا غالبًا من منطقة القبائل التي تعطينا بشكل دوري دروساً ينبغي علينا التأمل فيها بعمق”، ختمته بالجملة التالية: “لو كانت الجزائر بأكملها منطقةَ القبائل، كم من الوقت ستلبثُ السلطة؟
“.
ثلاث سنوات بعد ذلك انطلق “الحراك” الذي قطع رأس “النظام” لكنه ترك جسده سليماً معافى. وخلال استفادته من الهدوء الذي تسبب فيه وباء كوفيد 19، عاد هذا الجسد واكتسب في ظرف سنة واحدة رأسًا مدنيًة جديدةً، ورأساً عسكرية جديدة، ودستورًا جديدًا، وهو منشغل حاليًا بإنشاء برلمان مفبرك جديد.
في جوان 1991 كان للجزائر كما هو الحال اليوم موعدٌ لانتخاب أول مجلس وطني في عهد التعددية. وقد قامت سلطةُ ذلك الوقت من أجل ضمان سيطرتها عليه بفرض قانون انتخابي جديد في أجواء من الاحتجاج الشعبي، كذلك كما هو عليه الحال اليوم.
أياماً قليلة قبل التصويت تمّ إُعلان حالة الحصار، وتمت إقالة رئيس الحكومة (حمروش) واعتقال قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذين كانوا وراء المظاهرات، مثلما تُعتقل اليوم شخصيات “الحراك”.
ثم فتحت حكومةٌ جديدة تحت قيادة غزالي حوارًا مع الأحزاب ووافقت على تعديل قانون الانتخابات الذي سبّب الأزمة وعلى تحديد موعد الانتخابات في ديسمبر من العام نفسه وهي متأكدة من أنها ستفوز بها، لكنها في آخر المطاف خسرتها فاضطر الشاذلي إلى الاستقالة، وأُعلنت حالة الطوارئ وافتُتحت العشرية السوداء.
ثلاثون عامًا بعد هذه الوقائع تجد الجزائر نفسها في نفس التركيبة، بمظاهرات شعبية أكبر وأهمّ من الناحية العددية ومدى تغطيتها للتراب الوطني مما كانت عليه في 1991، وبرئيس فرضه الجيش و دستور رفضه 80٪ من الناخبين. وهنالك اختلاف آخر لا يصب في مصلحة السلطة هو أن الدستور كان في 1991 يتمتع بقبوله عبر استفتاء الشعب و رئيس الجمهورية يتبوأ شرعيةً لا يمكن إنكارها.
الشاذلي كان قد أعلن عشيّة الانتخابات أنه سيقبل بنتائج الاقتراع مهما كانت، وقد حافظ على وعده بالفعل وفضّل الرحيل على أن يعارض الإرادة الشعبية. أما اليوم فإنّ تبون الذي انتُخبَ في الظروف السيئة التي نعرفها يكرّرُ ويؤكّدُ للإرادة الشعبية بأن المجلس الجديد سوف يرى الضوء في جوان المقبل مهما كانت نسبة المشاركة، ما يعني بالناخبين أو بدونهم.
من المعروف أنّ الجزائر قد اعتادت على الانتخابات المزورة والأحزاب التي تولد كبيرةً وبالغةً ”بشلاغمها” شهرا قبل فوزها بالأغلبية الساحقة، لكن ليس في جو الغليان الذي نعرفه، وفي زمن الوباء والهشاشة الاقتصادية والخطر على حدودنا.
الأخطر من ذلك أنّ منطقة مركزية بالنسبة للبلاد، وهي منطقة القبائل التي لم تنتخب الرئيس الحالي ولم توافق على الدستور الجديد ولن تكون ممثلة في المجالس المقبلة؛ ستجد نفسها في حالة انعدام الوزن، دون مدار أو حبل مرسى يربطها بالجزائر
.
إن لم يكن بمقدور السلطة استيعاب فكرة أنها تعمل حاليا على رسم نقاط فكّ الارتباط مع منطقة القبائل وأنها على المدى البعيد ستدفع بهذه الأخيرة إلى الانفصال، فربما يجب أن نرسُمَ لها حتى تفهم. أكرر إذاً مرةً أخرى: لقد بدأت صورة الجزائر من دون منطقة القبائل في الاتضاح للعيان بعد عدم مشاركة هذه الأخيرة في الانتخابات الرئاسية، ثم قبول السلطة لنتائج الاستفتاء على الدستور بدونها، وعن قريب مع عدم مشاركة ذات المنطقة في الانتخابات التشريعية وهو ما أعلنت عنه أصوات مجتمعها المدني.
وعندما يحين وقت الانتخابات البلدية والولائية التي لديها أسباب أقلّ و أقلّ للمشاركة فيها، ستكون بذلك قد أتمّت مسار خروجها من النظام المؤسساتي الجزائري.
هذا هو الخطر الذي تعرّض السلطةٌ البلادَ إليه، فمنطقة القبائل عندما تتصرف كما تفعل اليوم ليس لأن شيطان الانفصال ركبها فجأة بل لأنها قبلت بمواجهة خطر أن تُنبذَ من قبل السلطة وتُستبعدَ من الحياة السياسية والمؤسساتية عقاباً لها على بقائها مخلصة لـ “الحراك” الذي كانت جزءًا لا يتجزّأ منه.
”الحراك” الذي ألغى منذ يومه الأول الانقسامات العرقية والسياسية بين الجزائريين، وأظهر بشكل لافت للأنظار رغبتهم في “العيش المشترك” ووحدتهم وتطلعهم لجزائر حديثة وديمقراطية واجتماعية رغم المحاولات الخبيثة والعدمية التي تشنّها من الخارج الشبكات الزيطوطية.
مفهوم النبذ «ostracisme» ظهر في اليونان القديمة قبل خمسة وعشرين قرنا وهو يشير إلى التصويت الشعبي الذي يمكنُ من خلاله للمواطنين إبعادُ السياسيين الذين تُغريهم ممارسة السلطة الاستبدادية. أمّا في جزائر اليوم فالعكس هو الذي يحدث: أقلّية من رجال السلطة يمكن لهم بمجرد ”نفحة” أن يقرّروا إبعاد منطقة تضم عدة ملايين من السكان عن الحياة السياسية.
مرة أخرى أعيد طرح السؤال الذي طرحته في جانفي 2016 وأوجّهه للضمير الجزائري: “لو كانت الجزائر بأكملها منطقة القبائل، كم كان سيبقى للسلطة من العمر؟” الجواب بين أيديكم يا جزائري وجزائريات المناطق الأخرى وجميع التوجهات السياسية والأيديولوجية.
لقد فعلت منطقة القبائل ما كان عليها أن تفعله وهو الثبات على قناعاتها وعلى التزامها بـ “الحراك” من أجل جزائر موحّدة وأفضل. الأمر متروك لكم لتقرّروا ما يجب فعله لتصبح منطقة القبائل اليوم تجسيدًا للجزائر بأكملها ولتجنب إقصائها من الذات الوطنية.
يجب ألّا نسمح للسلطة بأن تخرجها من الدستور والبرلمان ومن إدارة مجتمعها المحلية، كما لا ينبغي أن نتركها وجها لوجه مع وضع في غاية الخطر على مستقبل البلاد. يجب أن نرفض من الحدود إلى الحدود فكرة أن تجد الجزائرُ نفسها ذات يوم تخوض حربَ انفصال.
ما الذي سيضطر لاعتقاد القوى الحية لمنطقة القبائل وشخصياتها السياسية والفكرية والفنية، ومئات جمعياتها التي تنشط في المنطقة وباقي البلاد والجالية في الخارج؟ ما الذي يجب أن يفعلوه عندما يغلب عليهم الشعور بأنهم طُردوا من الحياة المؤسساتية للبلاد فقط لأنهم تظاهروا جنبًا لجنب مع إخوانهم من أجل تحقيق المثل العليا لثورة 1 نوفمبر 1954؟
حتما سوف ينطوون بشكل طبيعي وآلي على ذاتهم، وسيسعون إلى تنظيم أنفسهم بوسائلهم الخاصة ويحلمون بمستقبل آخر سيرغبون في بنائه كبديل للمصير الذي فرضته عليهم السلطة.
سوف يظهر في نفوسهم وعيٌ جديد سيتطور على مدى الأشهر والسنوات حتى يجعل كل قبائلي من منطقة القبائل وباقي البلاد والجالية في الخارج يعتبر أنّه غير معني بالقوانين التي يصوت عليها مجلس وطني لا يمثله. لن تبقى لهم من العلاقات الرسمية مع الجزائر سوى وجود قوات الأمن التي سينتهي بهم الأمر إلى أن يرو فيها مجرد سجّان.
موقفُ السلطة تجاههم ليس أكثر ما سيؤثر فيهم، فهم يعرفون جيداً قسوة هذه الأخيرة لأنهم سبق وتعرّضوا لها بالفعل، ويعرفون جيداً إلى أي مدى يمكنها الذهاب لتُبقي البلاد تحت أقدامها. أكثر ما سيخيب آمالهم ويجرح أعماق نفسيتهم ويشعرهم باليأس هو عدم مبالاة إخوانهم من الولايات الأخرى والتخلي عنهم من جميع الجهات، سلطةً وحراكاً وشعبا في الولايات الأخرى.
ما لم يستطع تحقيقه ”الماك” (MAK)سيهديه له تبون بالمجان ويسمح له بأن يجني أكثر بما لا يحصى ممّا زرع. وبذلك سيُفتح أيضاً مجالٌ واسع للمناورة أمام الأطراف الأجنبية المهتمة بفصل القبائل عن باقي الجزائر. الفكرة معروفة وقديمة وكانت تنتظر فقط توفّر الظروف السانحة، حتى ظهرت فجأة جماعةٌ متحمسة ومستعجلة لتحقيق الحلم القديم لأعدائنا. هؤلاء هم تبون ومن معه من المساندين المحليين والأجانب لمشروعه لـ “جزائر جديدة”، جزائر بدون الجزائريين، بدون أصوات الجزائريين، بدون “حراك” و بدون القبائل.
لا يجب أن ننظر إلى الأمور بأعين اليوم بل بأعين الغد وبعد الغد، في أوقات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية القادمة لأن الجزائر سترتعد خلال السنوات القادمة من أُسُسها بسبب الانهيار الاقتصادي والعجز عن الدفع القادمَين لا محالة. عندئذ لن تجد من حولها سوى أعداءً مستعدين لتمزيقها، وستنقلب المبادئ التي دافعت عنها ضدها (تقرير مصير الشعوب، احترام الأقليات) وتُفرض عليها تلك التي تكرهها (حق التدخل، حقوق الإنسان، اتفاقية إبراهيم).
هذا ما ستنتهي إليه الانتخابات التشريعية المقبلة إذا ما تواصلت نية إجرائها بمخالفةً كلّ ما تنصّ عليه الفطرة السليمة ورأي “الحراك” ورغبة غالبية الشعب، والأدهى من كل هذا إقصاء منطقة القبائل من الحياة الوطنية.
سيرقى ذلك إلى مصاف الخيانة الوطنية والاعتداء الجسيم على سلامة ووحدة وسيادة واستقلال البلاد. لا شك أنّ كلّ من يشاركون في ذلك سيعتبرون شركاء في عملية تدمير الجزائر. ما الذي سيجنونه من ذلك؟
أليس من سمات التحلّي بالحكمة وتوخّي الحذر و درء المخاطر تأجيل هذه الانتخابات إلى ما بعد الحوار المباشر مع “الحراك”، الذي سيمكّن من إيجاد السبل والوسائل لبداية جديدة للعمل في اتجاه جزائر أفضل؟
