Home مقالاتالحراك بين السيء و الأسوأ

الحراك بين السيء و الأسوأ

by admin

بقلم نورالدين بوكروح

ترجمة وليد بوكروح

” الذين يجعلون ثورةً سلمية مستحيلة، يجعلون الثورة العنيفة حتميّة “. جون كيندي

كما لو كان يعيش بيننا، يبدو الرئيس الأمريكي و كأنه يوجه هذه الكلمات إلى السلطة الجزائرية ليحذّرها من العواقب القريبة والبعيدة لموقفها السلبي تجاه الحراك. فهي بالفعل تتّخذ جميع القرارات الخاطئة التي ستجعل من ثورة سلمية تهدفُ إلى ما هو أفضل للبلاد مستحيلة.

لكن يوجد بين نصّ هذه المقولة و حقيقة الواقع الميداني جانبٌ يتمُّ تجاهُله، هو وجود فاعل يختبأ في الظل و يتربص من الخارج، يمضي وقته في تسخين الحراك ليجعل منه ثورةً عنيفةً “حتمية”.

هذا الفاعل الخارجي هو “الزيطوطية”، من الشخص الذي يحمل الاسم لكن أيضًا من الشبكات التي تتبعه بدرجة أو أخرى على غرار عبود هشام الذي، مثل بوّاب في نهاية حياته المهنية، يقومُ بنقل الشائعات والافتراءات التي تصل مسامع أذنيه، بغرض الإساءة ودون التحقق منها أو إثباتها.

ما هو غريبٌ في الأمر هو وجود قنوات اتصال بين السلطة و الشبكات الزيطوطية، حيث لا يمكن للمعلومات والوثائق التي تستخدمها هذه الأخيرة في إثارة تطرّف جمهورها داخل الحراك أن تأتي إلّا من السلطة، وبشكل أدق من أطراف داخل المؤسسة العسكرية.

السلطة تنشط من أَعلى بينما تتحرك الزيطوطية في الأسفل، في قاع النفس البشرية التي تصبُّ داخلها دون هوادة خطابًا بدائياً يمزج بين التحريض على الكراهية وغريزة الانتقام و المطالب المتعصبة و الخطابات القديمة لصراع الطبقات.

آخر اكتشاف تأتي به السلطة في مواجهة الحراك يعود إلى يوم أمس أو قبله: إنشاء حزب موالاة جديد كما أنشأت في 1997 التجمع الوطني الديمقراطي، هدفه الإيهام بمعجزة ظهور دعم “شعبي-إلهي”، لتبون هو في أمسّ الحاجة إليه.

بعد فشل سياسة الاعتقالات والسجن والتهديد بسحب الجنسية من معارضي الخارج، هاهي السلطة تكشف النقاب عن مشروع “طفل الأنابيب” الذي مثل الأرندي سيولد “بشلاغمه”. و ستستعين السلطة في ذلك بخبرة التحالف الذي كان يدعّم بوتفليقة و بعدد من المساعدين الجدد، لتجعل منه بفعل سحر التزوير الانتخابي بطلاً أولمبياً دون منازع للانتخابات المقبلة.

كونها لم تبحث طويلًا و لا بعيداً فقد أطلقت عليه اسم “نداء الوطن” الذي إن لم يُنتحَل من ذلك الذي أطلقه قايد السبسي على الحزب الذي أسّسه في تونس في 2012 ومات معه في 2019، فقد انتُحلَ من الاسم الذي أطلقه علي بن واري على حزبه. تبون لا يبحث عن الحلول في المستقبل بل يكتفي بالعودة إلى الماضي الذي نشأ و تكوّن فيه.

الزيطوطية من جانب آخر تبحثُ عن حلولها في مشاعر الاستياء و الأحقاد القديمة و ذهنية الانتقام. كان أرخميدس يقول “أعطني نقطة ارتكاز وسأرفع بها العالم”. و الزيطوطية تعتقد بأنها تستطيع رفع الحراك بتسجيلات الفيديو المطابقة بعضها لبعض، و تريد أن تلعب دور “مسرّع الجسيمات” (Accélérateur de particules) في عملية إعادة بعث العشرية السوداء.

إنّ الحراك يعتبرُ أول عمل جماعي يُنجزهُ الجزائريون من جميع أنحاء البلاد و يشمل كافة الحساسيات الأيديولوجية والسياسية. الأول والوحيد بحيث حتى 1 نوفمبر 1954 بدأ بمبادرة بضع مئات من مناضلي حزب الشعب و ليس من ملايين الجزائريين مثل هذه المرة.

هذا الحراك الذي تباركه الجزائر العميقة و تلعنه السلطة ويرى فيه التعصب الزيطوطي حصانَ طروادة في مسعاه للانتقام من العسكر، هو الذي وقّع فعليّا شهادة ميلاد المجتمع الجزائري. إن هو تمكن من الصمود أمام الزمن، و إن حافظ على وحدته و تخطّىَ الفخاخ التي تنصبها في طريقه السلطة، وبقي بعيدًا عن متناول عمليات السّحر التي تشنّها عليه الزيطوطية، فإنه سيصل إلى مبتغاه ويحقق هدفه النبيل في استبدال “النظام” بضمير مواطنة سيُشرفُ بسلام على تحقق تناوب الأجيال و الانتقال التاريخي الذي تنتظره الجزائر.

لكننا لا نزال للأسف بعيدين عن ذلك حتى لا نقول أنّ الخطر دخلَ عقر دار الحراك. إذ نلاحظ منذ استئنافه قبل أسبوعين أو ثلاثة، و من مسيرة إلى أخرى، بأن هنالك تغييرا في تركيبة المتظاهرين ومحتوى الشعارات. فقد استبدلت بهجةُ الأيام الأولى بتصلّب في المواقف و السلوكات يصل إلى حدّ النبذ، كما نراه في الفيديو المرفق أسفل هذا المقال والذي يعود إلى يوم الجمعة الماضي في وسط العاصمة.

الفيديو يُظهرُ امرأة و رجلاً مسنّين يحملان لافتة كُتب عليها بالفرنسية والعربية “دولة مدنية ماشي عسكرية و لا زيطوطية”. فجأة تحتشد حولهم “كتيبة” من الرجال و تحاول إجبارهم على نزع اللافتة بحجة أنها تؤدي إلى “الفتنة”. هذا دليلٌ على أن هنالك وصاية قد فرضَت على الشعارات و أنها لم تعد تسمحُ إلا بالزيطوطية منها.

هناك أيضا مقاطع فيديو تتداول على اليوتيوب يُسمَعُ فيها حامل الاسم و هو يشرح لعناصر من شبكاته كيفية تنظيم أنفسهم للقيام بأعمال إرهابية حسب مخطط استخدمه في الماضي ياسف سعدي إبّان معركة الجزائر. و في تسجيل آخر يصف نفس الشخص البطل الوطني علي لابوانت بأنه صعلوك (voyou). 

ما رأيناه وسمعناه خلال مسيرات الجمعة الماضية يكشف عن حدوث تغيّر خبيث، و هبوط في المستوى، و تراجع في حافز التظاهر لدى الطبقة المتوسّطة، و تقلص في مدى مشاركة العنصر النسوي والعائلي. اليومَ عندما تمتدُّ يدُ الأخوة لحراكيّ نحو من يجاوره في المسيرة أصبح من الممكن لها أن تقع في يد إرهابية تختبئ في قفاز مخملي. يدُ الزيطوطية و “الأسوأ” و الظلامية و الطالبانية.

قبل أيام تكلم زيطوط في تسجيل فيديو عن بريطانيا العظمى التي تستضيفه منذ سنوات ضمن مبدأ “الإحسان المسيحي” (هو يعتقد أن الله هو الذي شاء أن تستقبله). هذا الرجل الغارق في الكراهية والحقد، فظُّ الملافظ و خشنُ الطّباع يتبخترُ بكونه يملك الحق في شتم (سب) رئيس الوزراء وحتى الملكة إليزابيث دون أن يتعرض له أحد. ذلك هو كلّ ما يساهمُ به هذا الشخص في تلك الأمّة، وهذه هي طريقته في التعبير لها عن امتنانه: أن يرمي في وجهها بنزعته الطبيعية التي لا تُكبحُ في السب و الشتم.

عيشهُ لخمسة وعشرين سنة في هذا البلد المتحضّر العظيم لم يعلّم هذا الكائن الذي يشكّلُ عاراً على الإسلام والجزائر والإنسانية جمعاء، مبادئَ الأدب الأساسية: ألّا يزدري الآخرين، أن يمتنعَ عن السب والقذف دون دليل و عن نشر الشائعات و الأخبار الزائفة، ألّا يقول كلاما فاحشا، ألّا يسمّم زبائنه عندما يكون خبازًا في لندن مثله، أن لا يحرق حيّه أو بلاده و لا يمارس الإرهاب اللفظي أو الفعلي … لكن الأوان قد فات و الوقتُ ضاعَ أمام زيطوط، فلم يعد من الممكن تلقينه ذلك لأنه تجاوز سن تعلّم الأخلاق الحميدة.

إلى أين يذهب الحراك؟ إن كان يتوجّه نحو الزيطوطية فعلينا أن نودّع ثورة المواطنة السلمية والحلم الديمقراطي و الحياةً المسالمةً داخل مجتمع حرّ ومتسامح وحديث ومتطور. فالزيطوطية لا تقود إلّا إلى داعش و بوكو حرام و “الشباب” الصومالي، و إلى الأشكال الأخرى القاسية والمتخلّفة من الثيوقراطية سواء التي تجسدت في الماضي أو التي لم تفعل بعدُ. 

لا يزال من الممكن إعادة الأمور إلى التوازن، و أن تُطردَ من صفوف الحراك الأفكارُ العدمية التي تدفع إلى الحرب الأهلية و الإرهاب الفكري و صراع الطبقات و كراهية الدولة، و التي تهدف لتحرير الأسوأ و الأشد ظلامية في قعر نفسيّة الإنسان الخارج عن مجال الحضارة.

غاية الحراك ليست في الخروج للمشي يوم الجمعة لمجرد المشي حتى لو بلغ عدد المتظاهرين 40 مليونًا، بل اقتراح بديل عن السلطة التي هي “السيئ”، و كذا عن الطرح الطالباني المضاد و المعاكس لها الذي هو “الأسوأ”… اقتراحٌ سينبعُ من تجاوز كلا السيئَين، و يمثّلُ “الأفضل”.

هذا هو التحدي الذي تحاولُ الجزائر أن ترفعه منذ استقلالها، والذي لن يُواجهَ بقوةُ سلطة فشلت في بناء دولة متطورة وحديثة و لا بالإسلاموية السياسية المشعوذة التي ستعيدنا إلى العصر الحجري، بل بشيء جديد لا يأتي من الأرجل التي تمشي بل من العقول التي تفكّر. 

هل حان وقت ذلك؟ أم يجب علينا أن ننتظر نهاية القرن الحادي والعشرين حتى نرى إن كنا أخيراً مستعدين كأمّة لأن نَلدَ “الأفضل”؟

النسخة الفرنسية 08/03/2021                   

صفحة فايسبوك ن.ب: (الترجمة)09/03/2021

You may also like

Leave a Comment