Home مقالاتاقترب اليوم الذي…

اقترب اليوم الذي…

by admin

ترجمة بوكروح وليد 

عندما نؤمن مثل معظم الجزائريين بمصادفات القدر والخرافات، فإنه يتعين علينا الارتفاع عاليا في السماء إذا أردنا العثور على جواب للسؤال الذي يراودنا أحيانا عمَّا إذا كان مصيرنا مكتوبا منذ قبل أن نظهر على وجه الأرض، أم أنه لا يعدو أن يكون ثمرة الأفكار التي تحملها ذهنياتنا، وما ينتج عنها في واقعنا من خلال ترجمة هذا العتاد الفكري إلى تصرفات اجتماعية، ثم إلى أحداث تاريخية تتوالى عبر الأزمان والعصور. حتما سيَميلُ رجلُ الدين المتخفي داخل كل واحد فينا إلى الفرضية الأولى، فيعيد حينئذ صياغة السؤال بطريقة مختلفة: بأي واحدة من هاتين القوتين يَتّسمُ مصيرنا: بالبركة أم باللعنة؟ 

يبقى الجزائريون في هذا أوفياء لحالة “المسلّمين مكتّفين” التي آلوا إليها منذ أن أوصدت في وجوههم أبواب الاجتهاد والعقلانية. تُريحُهُم فكرةُ أنَّ الله يَتَكَفَّلُ بهم واحدا واحدا فَيَرَونَ بصمات إرادته في كل أحداث وتفاصيل حياتهم اليومية. وبيد أنهم يعرفون سبحانه وتعالى فإنهم لا يتخيلون للحظة أن يصيبهم فرحٌ أو مصيبةٌ إلّا وكان ذلك مكتوبا ومقررا عليهم من فَوق. إن لم يكن بالمعنى الحرفي، أي من عند الله، فبالمعنى المجازي أي من عند حاكمهم.

يمكن أن يكون تفكيرهم هذا صحيحا فعلا عندما يتذكرون أنهم عمَّروا ثلاثين قرنا من الزمان في التاريخ الذي نعرف كونه لا يرحم الكائنات الضعيفة. فنحن تمكنا بأعجوبة من البقاء على قيد الحياة طيلة كل هذا الوقت، نقتات يوما بعد الآخر، في غالب الأحيان برغيف يابس أو “قرنينة حافية” فقط، دون أن نُشَيّدَ مدناً أو نخترع ونساهم بشيء يمكن أن تَشهدَ به لصالحنا الحضارةُ الإنسانية والعلمُالحديث، أو أن تُدَرّسَه للخلف. 

لكننا من جهة أخرى، ورغم إفلاتنا من الزوال لم نتمكن أيضا من معالجة مشكلة التطور لا باشتراكية بومدين ولا بليبرالية الشاذلي ولا بفلسفة “قش بختة” لبوتفليقة، رغم تهاطل مليارات الدولارات علينا باستمرار ودون انقطاع منذ بداية حكمه حتى الأيام القليلة الماضية. اليوم ها نحن بدأنا نرتعش رعبا من ظهور أول علامات الجوع والفقر التي تلوح في الأفق، وها قد انتابنا التوجس من فكرة اقتراب اليوم الذي…

يبدو على ضوء هذا أن الله أحاطنا ببركته طيلة ثلاث ألفيات، ثم أحل علينا بعد ذلك لعنته عند الاستقلال بأن وضع تحت أقدامنا كميات هائلة من المحروقات، اعتدنا على بيعها خاماً حتى جعل ذلك منا بلدا ريعيا وشعبا كسولا متواكلا نسي ما تَعَلَّمَهُ في السابق عن العمل والتكفل بالنفس. هل يجب أن نُذكّرَ بأن الفرنسيين هم من اكتشف النفط في بلادنا بدئا من أربعينيات القرن الماضي ووصولا إلى بداية استغلال حاسي مسعود في 1956؟ أم أن ذلك لا يهم أمام بديهية سيادة القدرة الإلهية على كل شيء؟

المدهش إذاً في كل هذا الأمر هو أننا لم ننقرض مثل الحضارات ما قبل الكولومبية أو الهنود الحمر، وهو ما يوافق عادةً سُنَّةَ التاريخ الذي لا يسمح ببقاء الضعفاء. لكننا أيضا ورغم ذلك لم نتمكن من الالتحاق بركب الأمم المتطورة مثلما يريدهُ عادةً منطق الاقتصاد عندما ننظر بعينه إلى الخيرات الهائلة المتوفرة لدينا. فلا أمواج طوفان التاريخ العاتية تمكنت من إغراقنا وربما تخليصنا نهائيا من عناء قرون من المعيشة المُرَّة التي لم نستطع فعل شيئا إزائها؛ ولا نحن تمكنّا من الالتحاق بركب الأمم المتمكنة الجديرة لنستحق بذلك رضى شهدائنا ونضمن استمرار سلالتنا.

بقينا عالقين في مكان ما بين “الزلط” و “التفرعين”، بين الفقر والثراء، والنجاحوالفشل، والديمقراطيةوالأصولية، تماما مثل حمار “بوريدان”، الذي عكسنا لم يعمر طويلا في وضعية التردد الذي انتابه ومات جوعا وعطشا وفقا لما تسير عليه قوانين الطبيعة. لا أعتقد أنه يوجد تفسير عقلاني منطقي، أو مبرر ميتافيزيقي للتشويش الذي يلتصق بجلدنا منذ قرون. لكني خلال بحثي في أعماق مخزون حكمتنا الشعبية عثرت على واحدة من المقولات الغريبة التي تبرز جيدا هذا التناقض الوجودي: “ماعندناش وما يخصناش” (لا نملك شيئا ولا ينقصنا شيء). هل هذا معقول سيداتي سادتي؟

يمكن أن نفترض للوهلة الأولى أَنَّ حكمة كهذه تَشهَدُ على نوع من روح الزهد والتقوى عند أسلافنا الذين وإن لم يملكوا شيئا، فإنهم أكثر كبرياء من قارون وفرعون مجتمعين. قد يكون أوَّلُ من استعملها واحدٌ من أجدادنا “الموسطاش” الذي قد يكون ردَّ بها ساخطا على تعليق جارح مَسَّ حالته المادية البدائية، وضَربَبوقاحته الكبرياء الوطني في الصميم، فأصبح جوابه بعد ذلك منقوشا في ذاكرتنا الجماعية للأبد. لكننا عندما نتأمل فيها مرّات أُخَر نتساءل إن لم يكن لها معنى آخر، وإن لم تكن مجرد امتداد طبيعي لعبارة أتعس وأبغض منها هي ” المتسول المغرور”، وهوما يُحَوّل العبارة من فضيلة تُسجل لصالحنا إلى مجرد عاهة أخرى تضاف إلى رصيد عيوبنا الاجتماعية الثري؛ مديحٌ آخر للامعقول يدعم رأسمال أفكارنا الخاطئة.  

فالشعب الجزائري يَجُرُّ منذ آلاف السنين أفكارا خاطئة كانت السببَ في المآسي التي عرفها تاريخه، وفي عدم تمكنه من تأسيس مجتمع حقيقي ودائم، كما تُفسرُ أيضا حالة الفقر المادي والمؤسساتي المدقع التي يوجد عليها اليوم. مخزونه يزخر بالعديد من العبارات الشعبية الأخرى التي تفوق الأولى غرابة، لكن الناس مع ذلك يؤمنون بها بكل ما أوتوا من قوة ويطبقونها في حياتهم اليومية، وهي التي تتحكم في تصرفاتهم مع بعضهم حتى الطبيعية والعفوية منها. كما تزخر لهجتنا العامية بكوارث فكرية مماثلة توارثناها أبا عن جد من حياة بدائية قَبَليّة قروية وفوضوية. وهذا ما سمح منذ قديم الزمان لأي مغامر أو “جحاً” ممن يعبرون سبيل تاريخنا أن يكتشفَ بسهولة هذه الثغرة العظيمة في نفسيتنا، ويتمكن بفضلها من أن يبني تسلطه وإمبراطوريته.

هل منَ المعقول أن نفتقر إلى كل شيء وألّا نحتاج شيئا في الوقت ذاته؟ عقلانيا لا يمكن ذلك، لكن هذا لا ينطبق على الذهنية الجزائرية التي تهتم بإخفاء الحقيقة عندما تكون مهينة لها أكثرَ ممّا تهتم بالتفكير المنطقي. فالشَّكلُ في عقليتنا أهمُّ من المضمون، والذاتيُ أَولى من الموضوعي. وحكام اليوم، الذين يتحملون كامل المسؤولية عن نتائج الأزمة التي تدق بابنا، يَتَمَنَّونَ في هذه الأوقات المحفوفة بالخطر أن تعود هذه العبارة للحياة بكل ما تحمله من روح الاستقالة والاستسلام للقدر. لكن ما يجهلونه، فضلا عن أشياء أخرى كثيرة، هو أنها أصبحت اليوم سلاحا ذا حدين.

فهذه الحكمة الظرفية ظهرت في أوقات كان فيها الفقر محتوما على الجميع والتقشف إجباريا، لكنها منذ ذلك الزمان قد فقدت إطارها وأسبابها الاجتماعيين، وبالتالي مبرراتها النفسية والأخلاقية. لا توجد أدنى فرصة لأن نرى الملايين من جزائريي اليوم، الشباب منهم وغير الشباب، والذين تعودوا على أن تكفلهم العائلة أو الدولة يرددون مقولة كهذه ليسكتوا بها صراخ بطونهم المتضورة جوعا حين ستلقي الأزمة بأوزارها عليهم، هؤلاء سيحتضنون مقولة معاكسة تماما، خصوصاً بعد ما عرفَتهُ العشريةُ الأخيرةُ من فضائح للرشوة في الدولة. 

سوف يرددون بكل سذاجة وحسن نية: “عندنا ويخصنا“، إذ هم يعتبرون أن حقهم من المحروقات اختُلسَ من قبل حكامهم الطائشين، وبالتالي أَنَّ ما يملكونه مهما كان سيبقى دائما ناقصا. وعندما يصل اليَوم الذي تَسحقُ فيه الأزمةُ القدرةَ الشرائية للعاملين وتجعل الحياة مستحيلة على البطالين والفقراء فالأكيد أن هؤلاء لن يقنعوا بالوطنية والخبزوالماء فقط. هذا اليوم قد اقترب الآن ولن يمكن لأحد أن يوقفه.

هناك أيضا سؤال آخر أصبح الكثير من الناس لا يخجل من طرحه نظرا لحالة المهانة والإفلاس التي وصلت إليها البلاد: هل الشعب الجزائري موجود حقيقة أم لا؟ السؤال مشروعٌ فعلا طالما هو يبدو ميتا في أجزاء كبيرة من جسده وروحه. حتى بعد الاستفزازٌ الأخير الذي ظهر هذه الأيام ليتحدى عقلهم وشرفهمدون أن يحرك فيه ساكنا وهو إعلان تحول “الجيش الإسلامي للإنقاذ” إلى حزب سياسي شرعي يعد الجزائريين مرة أخرى “بالإنقاذ”.

طوال الزمن الذي كانت فيه الجزائر منحنيةً أمام مهانة الاستعمار الفرنسي، لم تكن الأناشيد الوطنية الرنانة المؤثرة مثل “من جبالنا طلع صوت الأحرار…” قد خلقت بعد. الجبال الشامخة كانت موجودة منذ ملايين السنين، والأمازيغ كانوا يعيشون في سفحها منذ عشرات القرون لكنهم لم يكونوا قد ارتقوا بعد إلى مرتبة “الرجال الأحرار” (معنى كلمة أمازيغ). ظلَّ قَدَرُهم لوقت طويل أن يعيشوا تحت خزي الاستعمار و عاره مرارا و تكرارا، و لم تكن بَعدُ قد حانت ساعة ايقاظهم من الخضوع و الاستسلام الذي كانوا عليه، و الإلقاء بهم في تضحيات 8 ماي 1945 و 1 نوفمبر 1954 التي بفضلها استعادوا الحرية و الكرامة. 

إذا كان على هذا الشعب أن يثبت مرة أخرى أنه لم يمت فسيُبرهنُ عن ذلك بانتفاضه ضد سياسة الإفلاس والإذلال التي تُفرَضُ عليه بمزيد من التهور والاحتقار كل يوم. وسيبرهن على هذا بإيجاد وسائل سلمية تنجح في التعبير عن رفضه النهائي وقطيعته الأبدية. ليس عليه هذه المرّة الانتقام من مستعمر أجنبي أو التخريب للمطالبة بخفض أسعار المواد الاستهلاكية، لكن أن يَقفَ لإعادة ترتيب البيت. بل لبناء البيت الذي استشهد هباءً في سبيله مئات الآلاف من الشهداء بين 1945 و1962: “الدولة الديمقراطية الاجتماعية” التي قرَّرَها بيانُ أول نوفمبر، والتي ما أن جاء الاستقلالُ حتى مَنَعَ قيامَها مغامرون ومحتالون اخترقوا القواعد الخلفية للثورة وظلّوا في الكواليس يتربصون ويتآمرون.

لقد اقترب اليوم الذي… من رحم هذا الشعب المخدوع بالأوهام والأكاذيب التي يُسقى بها منذ 5 جويلية 1962، سيولد 11 ديسمبر 1961 جديد. وسوف نسمع يومها نشيدا وطنيا جديدا يدوي عاليا و يعلن: “من صدورنا طلع صوت الأحرار…” ليحرر الجزائر من الشياطين و الفشل و المافيا السياسية المالية التي تحكم قبضتها عليها. ستعلن هذه الصرخة حينئذ عن ميلاد عهد جديد لها ولأجيال المستقبل، عهد لم تشهد مثله خلال الألفيات الثلاثة من تاريخها المعروف.

لا يجب لهذا اليوم الذي يقترب أن يكون موعدا للكارثة والفوضىالانتحارية، بل لنهضة الأمة الجزائرية، ليس بمبادرة “جيش إنقاذ” إسلاميا كان أم علمانيا والذي سيتحول لا محالة إلى زمرة حاكمة أو كهنوت ديني جديدين؛ بل انطلاقا من الإرادة الشاملة لجميع أبناء الوطن.

وراء كل حدث تاريخي عظيم في حياة شعوب العالم، وخلف كل ثورة سياسية أو علمية أو اقتصادية أو تكنولوجية فاصلة، نجد أن حجر الأساس هو دائما فكرةٌ جديدة، نظرةٌ مختلفة للعالم وطموحجماعي جديد. وقد بدأ اليومَ الكثيرُ من الجزائريين الذين كانوا لا يفرقون بين الولادة الديموغرافية والولادة الاجتماعية، يتقبلون فكرة أن البشر يولدون “شعوبا” يمكنُ لها بعد المرور على مسار طويل ومعقد من التربية المدنية أن تتحول إلى “مجتمعات”. عندما يتعمم هذا الإدراك في أذهان أجزاء كبيرة من الشعب، سيمكن لنا أن نفكر جماعيا ونردد معا: “ما عندناش و يخصنا“.

عندما سنقول ذلك لن نفكر في بطوننا، وإنّما سنفكر في تجميع وتحصيل المبادئ والتصرفات المدنية الضرورية لنصبح مجتمعا حقيقيا، وفي تحقيق الإنجازات الاقتصادية والاجتماعيةوالسياسية التي تنقصنا لنحقق ذلك. سوف نبدأ حينها بجمع الوسائل والرجالوالأفكار اللازمة لبناء الأمة الجديدة، ولبناء “نحن” الذي سيعوض مجموعة “الأنا” التي نحن عليها اليوم.

يجب علينا أن نستعد ليوم التغيير، وأن نُحَضّرَ للمنعرج التاريخي، للثورة الأخلاقية والفكريةوالسياسيةوالاجتماعية التي ستقودها الأجيال الجديدة بمساعدة البيولوجيا التي تنجز عملها بتجديد الأجيال. لا نزال نجهل إن سيكون هذا يوما مشئوما أم يوما سعيدا. لكن المؤكد أن العشريات والقرون التي ستتبعه سوف تُصنَعُ من المعدن الذي يأتي به. 

هذا بدوره مرتبطٌ بالأفكار التي ستصنع هذا اليوم: فإن هي كانت ذات طابع رجعي فإننا سنلتحق بالصومال و اليمن و أفغانستان و سوريا؛ أما إذا كانت ذات طابع واقعي و عقلاني و تقدمي فإننا سنسير على الطريق الذي سبقنا إليه إخوتنا التونسيون. إن كان لنا هذا كله فإننا سنكتب دستورا جديدا من أجل مستقبل جديد يحقق القطيعة الحقيقية مع قرون قابلية الاستعمار التي أدت إلى احتلالنا عديد المرات من عديد المستعمرين، وقادتنا إلى قابلية الإذلال التي وَضَعَت على رأسنا الجهلة واللصوص.

يُمثلُ الدستورُ للشعب ما يمثلهُ القانونُ الأساسيُ للمؤسسة الاقتصادية. فمن هذا المنظار، المؤسسة الاقتصادية والمجتمعهيكلان متماثلان. كلاهما ينبثق عن مبادرة متفق عليها وعملمشترك، واتحاد لجهود جميع الأطراف من أجل هدف مشترك: أرباح توزع وأخرى يعاد استثمارها، إبداع، تجديد، تنافسية، نمو… دستور الدولة وقانون المؤسسة كلاهما يحدد حقوق وواجبات الشركاء (الشعب)، ويُعيّنُ هيئات التسيير (الحكومة، الرئاسة)، ويُفَصّلُ الصلاحيات المخولة لكل طرف، ويضع هيئات للمراقبة (البرلمان، المجلس الدستوري، مجلس محاسبة، مجلس دولة…) 

مدير المؤسسة أو رئيس الجمهورية عندما يُعَيّن لا يمكنه أن يتجاوز حدود عهدته وصلاحياته ليحل محل الشركاء، أو أن يغير صلاحيات هيئات التسيير والمراقبة الأخرى من أجل مصالحه الخاصة أو ليبقى في منصبه إلى أن يموت، أو أن يتصرف في الأملاك المشتركة كملكية خاصة له. لكن هذا بالذات هو ما حدث مع مسيرينا السياسيين والاقتصاديين منذ أول يوم من الاستقلال ويستمر في الحدوث، وسط تواطؤ وصمت الجميع.

في اليوم الذي سيستوعب فيه الجزائريون هذه الأفكار الأساسية والعالمية، سوف يدخلون في مسار تغيير واقعهم الذهني والسياسيوالاجتماعيوالتاريخي. لكننا للأسف لا نعرف هذه الأفكار ولا نسمع بها إلا عند الآخرين، الأمريكان والأوربيينخاصة. ما نعرفه نحن من أفكار عن التنظيم السياسي للمجموعة هو أنها ينبغي أن تخضع لقائد واحد فقط (“وإلّا ستغرق السفينة عندما يكثر رُّيَّاسها” كما يقول المثل). زعيم يمكن إن يكون صالحا فيخدم الله قبل كل شيء ثم الناس والبلد، وإن كان عكس ذلك فمصيره في الآخرة جهنم أين سيتكفل الله وحده بحسابه وليسنحن. 

هذا كل ما نملكه من الفلسفة السياسية. فلسفةٌ سطحيةٌ باليةٌ أكل عليها الدهر وشرب، نتوارثها عبر التقاليد عندنا وفي باقي البلاد العربية-الأمازيغية-المسلمة، وذلك منذ قبل مجيء الإسلام. أفكارٌ ترجع إلى تراكم قرون من الحكايات والأساطير، ومن وعظ ديني يخدم ويتماشىويتلاقى مع مصالح أصحاب الحكم السياسي: الله يهيمن في السماء والحاكم في الأرض.

لا تهم الألقاب التي تطلق عليه: أغليد، خليفة، شيخ، ملك، أمير، زعيم، رئيس أو …جحا، فكلها، عدا فوارق بسيطة، تتمتع بذات الصلاحيات ونفس السلطة المطلقة. عندما يُبايَعُ أحد هؤلاء فإن عهدته أبدية حتى يموت، و له علينا الطاعة الكاملة إلى أن يخلفه وريثه أو الذي ينقلب عليه أو يقتله. هذا هو الصرح الذهني والثقافي الذي بُنيَ عليه الاستبداد في بلاد الأمازيغ-العرب-المسلمين، و لا يزال يستمر. 

أفكار أخرى مختلفة عن هذه مثل “العقد الاجتماعي”، القانون الأساسي”، “عقد الشركاء”، “سلطة الشعب”، “حق الشعب الدستوري”، “الانتخاب”، “الديمقراطية”، “عدالة مستقلة يمكن أن تحاكم أخطاء المسيرين”، لا مكان لها في ثقافتنا، في لا شعورنا، في ماضينا وفي تاريخنا. هل اقترب اليوم الذي ستأخذ فيه هذه الأفكار مكانها كضرورة حيوية، وتُسَجَّلَ ضمن أولويات مستقبلنا ومشاريعه؟ 

يجب علينا لنتحرر من هذا التصور الاجتماعي والسياسيوالفلسفي المستوحى من الجوهر الديني أن نغير كل شيء تقريبا فينا: الدستور الحالي، مناهج التعليم السارية المفعول، الخطاب السياسي العام، تفكير الشعب، “العلم” الديني ونظرة الإسلام للعالم. ففي هذا المجال أكثر من أي مجال آخر يتداخلُ الدين مع السياسة ويتشابكان بما لا يدع مجالا لعلاجهما على انفصال. وهذا ما يحتم علينا الانكباب على المهمتين في آن واحد: إصلاح الفكر الإسلامي أولا ثم الدفع بفكر جزائري حديث يتماشى مع مسيرة عالم اليوم. هذا ما أسعى شخصيا لتحقيقه منذ سنوات عدة.

عرفت الجزائر منذ استعادت سيادتها أربعة دساتير (1963، 1976، 1989، 1996)، لكن أحدا منها لم يولد من رحم إرادة الشعب، من استشارة نزيهة له أو من مجلس يمثله. جميعها صيغت في السر وكُتبت في الظلام. حتى الانتقالُ من أحدها إلى الآخر أو التعديلات التي مسّتها من حين لآخر جاءت نتيجة صراعات كواليس على السلطة، كما لم يكن هدفها تأسيس السيادة الشعبية، الحريات الأساسية، التسيير الديمقراطي والشفاف للمؤسسات أو مراقبة التصرف في الثروات العمومية.

كذلك مع مرور الوقت، ساد خلط في الصلاحيات داخل مبدأين أساسيين في الدستور: “سلطة المدستر”، أو حق صناعة الدستور، وهي المهمة التي يتمتع بها الشعب وحده، وبين “حق المبادرة بتعديل الدستور” والتي يُفَوَّضُ لها رئيس الجمهورية. هذا الخلط المتعمد والمغرض الذي فرضَ نفسَهُ باطلاً سَهَّلَ من حدوث اختلاس الصلاحيات هذا، ومَكَّنَ من مصادرة حق سيادي يعود في الأصل وفي القانون للشعب، لكنه رغم هذا لم يُمارسهُ ولولدقيقة واحدة منذ الاستقلال. الآن اقترب اليومُ الذي يَجبُ فيه على الشعب أن يَستَعيدَ حقَّه. 

” لوسوار دالجيري”03 سبتمبر 2015

جريدة “الشروق اليومي”20 ديسمبر 2015

موقع الجزائر اليوم“26 أكتوبر 2016

جريدة الحوار الجزائرية 29 جانفي 2017

You may also like

Leave a Comment