بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
” إنّ نصيب اللاّوعي (inconscient) كبير جدا في كل أفعالنا، ونصيب الوعي ضئيل. ومادام نصيب من الأفكار القديمة يتمتع بالحياة والقوة التي لا يستهان بها، والأفكار الجديدة التي يفترض أن تأخذ مكان القديمة لا تزال في طور التشكل والنمو، مادام الأمر كذلك، فإنّ المُعاصرة تمثل دوما مرحلة انتقالية فيها كثير من الفوضى”( غوستاف لو بون “سيكولوجية الجماهير”- (Gustave Le Bon, « La psychologie des foules »
إنّ مصير الأفكار الجديدة هو أنْ تُغيِّر العالم عن طريق تغيير الأفكار القديمة التي لم تَعُدْ تصلح ولم تَعُدْ قادرة على إنتاج حقائق اجتماعية إيجابية ومُحفِّزة، بل إنها قد تُوَلّد أفكارا إجرامية لدى البعض وأفكارا انتحارية لدى البعض الآخر.
ونحن نرى بأم أعيننا أن هذه الحال تنطبق على الإسلام، إذ أنه لم يسجل لحسابه أي إنجاز علميّ ومعرفيّ منذ خمسة أو ستة قرون، وآلت به الحال إلى أن أصبح شعارا لنشر الموت وحجة للقتل والإجرام بغير طائل. من جهة يصبو الإسلام إلى أن لا يبقى مجرد دين فقط، لكنه من جهة أخرى عجز على أن يقدم نموذجا لنظام اجتماعي واقتصادي وسياسي كامل يتماشى و العصر.
و رغم ما يحدث في العالم الإسلامي فإنه لا مناص من ظهور أفكار جديدة وانتشارها، بل إنّ ما يحدث فيه هو الداعي إلى ظهور تلك الأفكار اليوم أكثر من أي وقت مضى.
و فكرة الإصلاح جزء من هذا الأمل الذي يراودنا، ومع ذلك فهي ليست بالفكرة الجديدة إذ أن النبيّ (ص) نفسه كان ينظر فيها حتى قبل اختتام رسالته. ولم يُكتَبْ لهذه الفكرة أن ترى الوجود لأنها لم تجد الطريق الذي يؤدي إلى الهدف. فأولئك الذين نادوا بها خلال القرنين 19 و 20 كانوا يفهمونها كما فهمها ابن تيمية قبلهم بـ ستة قرون. أمّا الذين يتكلمون عنها اليوم فهم يميلون إلى نوع من اللائكية التي رأت النور رسميا في تركيا، وطُبِّقت بشكل غير رسميّ في كل من تونس والعراق وليبيا…إلخ، لكن بدون جدوى.
إنّ الإسلاموية والإرهاب هما سبب بقاء المسلمين في الفوضى الفكرية التي يتخبطون فيها. سيخرجون من هذا النفق متشرذمين تشرذما سياسيا وجغرافيا، وسيكون أمامهم أحد هذين الخيارين: فإمّا أن يتخلّوا عن دينهم ويتركوه بين يدي جنون الجهل والوحشية الذي سيؤدي به إلى الدمار الشامل، وإمّا أن يسلكوا سبيل الإصلاح كي يصبح الإسلام مؤهلا للتعايش مع مختلف الشعوب والحضارات والأديان والفلسفات والثقافات المتواجدة على الكرة الأرضية. وإذا اختاروا الإحتمال الثاني فإنهم سيشاركون في انتقال العالم إلى مرحلة الحضارة الكونية بدلا من أن يضمحلّوا ويسقطوا بأجسادهم وممتلكاتهم في الفوضى العارمة.
إنّ إصلاح الإسلام فكرة قديمة، إذ أن الرسول (ص) نفسه تنبّأ أيامَ الوحي بأن الله سيرسل لأمة الإسلام على رأس كل قرن “مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ” إنه هنا يتحدث عن تجديد الإسلام بالفعل، وهذا أمر بعيد عمَّا ذهب إليه ابن تيمية عندما دعا إلى “إصلاح الراعي والرعية “.
وعندما اختتم الوحي (نظريّا) بنزول الآية الكريمة: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ” رُوِيَ عن الرسول ( ص) أنه قال لعمر هذه الكلمات التي تنطوي على لغز:” بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ”.
وقد اقترحْتُ هذا التفسير للحديث النبويّ السابق: بما أنّ الإسلام جاء في البداية كتجديد جذريّ للقيم الإنسانية، فإنّ عودته إلى صدارة التاريخ مرهونة بتجدّده. كيف يكون ذلك ؟ تلك هي المسألة التي نبحث عنها. إنّ عهد النبوّة والمعجزات قد ولّى، والإسلام اليوم يعيش انفجارا في خّمْسين بلدا عبر العالم، فلم يبق أمامنا غير خيارين: فإمّا أن تتبنّى البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي مشروع تجديد الإسلام، وإمّا أن تأتي المبادرة من دول العالم الأخرى بحمل تلك المنظمة على تحمّل مسؤولياتها.
ورغم أن فكرة تجديد الإسلام تستند إلى إقرار النبي (ص) فإنها كلّما ظهرت إلى الوجود غلب عليها الطابع الرجعي والنزعة المحافظة والغلوّ في الالتزام الحرفيّ، ذلك أن الجميع فَهِمَ من “العودة إلى المنبع” عودةً إلى الوراء، والحقّ أنّ الإصلاح والتجديد يتطلب المضي إلى الأمام والبحث في أغوار الإسلام غير المدروسة عمّا مِنْ شأنه أن يمثل مصدر إلهام، والتخفيف من وطأة العلم القديم على روح المسلم كي يتسنّى له أن يتنسّم هواء زمانه و يُثْلِج صدره بأفكار جديدة.
إنّ ما تتنعم به البشرية اليوم من امتيازات وأعاجيب الصّنع هو نتاج أفكار جديدة أتى بها أفراد في أزمنة محددة وأمكنة معينة، وهي أفكار لاقت إعراضا ورفضا، بل ومقاومة وحربا عند ظهورها، ثمّ صارت بالتدريج مقبولة نظرا لفائدتها و نجاعتها. ولا بدّ من الإنتباه إلى أنّه من بين المائة مليارا من البشر عمروا الأرض منذ ظهور الحياة، ومن بين السبعة ملايير التي تعيش على ظهرها حاليا، لم تسجل المعاجم ودوائر المعارف إلاّ 25000 من الخالدين في الذاكرة، يدخل ضمنهم حتى أولئك الذين تسببوا في الدمار والشقاء، كالديكتاتوريين والمجرمين والمتعصبين وكل الأرواح الشريرة الأخرى.
لولا الأفكار الجديدة، ولولا تجدد تصوّر الإنسان للوجود من فترة لأخرى، لما خرجنا من طور حياة الصيد وقطف الثمار البرّية، وفي أحسن الأحوال نكون اليوم في جوّ القرون الوسطى. وهكذا فإنّ الإسلام أصبح مصدرا للإنسداد الداخلي والسمعة الخارجية المشوهة بسبب غياب تجديد العلوم الدينية القديمة. إنّ هذا العلم الذي لم يأت ليجسّد الإسلام الأبدي، بل ليقدم تكييفا للقرآن مع الحياة البشرية، هذا العلم يبدو أنه قد وصل إلى نهايته.
لم يَعُدِ الإسلامُ إلاّ سجلاًّ لأفكار بلا روح، ولم يبق منه غيرُ “آثار و أطلال” حسب تصوير مالك بن نبي. صار عائقا في وجه التطور والنمو المعرفي والحرية والذكاء، صار يعرقل فعل الخير وقول الحق وفعله، وإنجاز الجمال وتذوّقه. وعن قريب سيظهر ديننا ـ وبسبب عدم تكييفه وعدم مسايرته للزمن ـ كخلاصة لكل ما هو خاطىء وقبيح وضار.
إن المسلمين يعيشون في عصر العلوم الدقيقة بأفكار أبي هريرة. فأمامهم خياران: فإما الاضمحلال البطيء، لكنه أكيد، وإمّا ثورة ذهنية بالغة الصعوبة، لكنها تَعِدُ بمستقبل زاهر.
أينما وُجِدتْ جماعات بشرية حريصة على التقدم و الإنسجام الإجتماعي واحترام حقوق الإنسان، نجد أن الثقافة الاجتماعية وفن التعايش الجماعي والمعرفة العلمية هي مظاهر الحياة الشائعة والمدروسة في المؤسسات التعليمية، والمعممة على كافة أفراد المجتمع، وليس ثقافة الموت الدينية أو ثقافة عذاب القبر وكراهية الغير. ولم يتقدّم شعب بتعليم أولاده إتّباع الأجداد لكونهم صحابة شيفا(Shiva ) أو موسى (Moïse) أو كونفوشيوس(Confucius) أو بوذا (Bouddha) أو المسيح(Jésus) ، أو أي عَلَمٍ آخر من أعلام التاريخ البشريّ، بتقديسهم وتقليد أفكارهم في الحاضر والمستقبل، و الإلتزام الحرفي بالتأويلات السطحية التي أعطوها لنصوص مقدسة منزلة أو نصوص من تأليف البشر منذ فجر التاريخ.
إنّ أكثر الكتب رواجا في الأسواق هي الكتب الدينية في البلدان الإسلامية لأنها تعفي الرجال والنساء من مهمة التفكير واتخاذ قرارات في حياتهم، وبالتالي فإنها تعفيهم من المسؤولية. إنهم يتعلمون منها لماذا وكيف يجبُ أنْ يُطاع الله والرسول وأولو الأمر والصحابة وأتباعهم وأتباع أتباعهم، وكيف ولماذا يجب أن يطاع “ورثة الأنبياء”، أي العلماء، وإمام المسجد وشيوخ الإيديولوجيا المشهود لهم، والدعاة المشهورون.
إنها كتب تُحدِّثهم عن الجنِّ، جيرانهم غير المرئيين، وعن تدخلهم وانغماسهم في حياتهم وأفعالهم وقراراتهم، وعن العقوبات الجسدية التي تنتظرهم إذا خالفوا الأوامر، ثُمَّ تُمْلِي عليهم ما يجب القيام به: الصلاة والتطبيق والتوبة من الأعمال السيئة والأفكار الخبيثة والإكثار من البكاء… و جزاء ذلك كله أن تُمنح لهم كل الأشياء التي حرمت عليهم في هذه الحياة الدنيا، وأن يُرزقوا بها في الآخرة بغير حساب.
إنّ الفرد المسلم الناتج عن هذه القولبة المكيفة، وعن غسيل المخ كهذا، مبرمج للإكتفاء بالإهتمام بفلاحه الشخصي في الدنيا والآخرة. لم يَحْظَ بتعلَم الروح الإجتماعية والحياة الجماعية والواجبات العامة والخير العمومي واحترام الآخرين مهما كانت مشاربهم، وكل ما تَعَلّمَهُ هو العبادات التي تُقَرِّبُ من الله والأفعال التي تأتي بـ “الحسنات”. إنّ الكتب التي تدعو إلى هذا النهج متوفرة بمختلف السبل، فإن افتقدنا الرغبة أو القدرة على قراءتها والإطّلاع على محتواها، فبإمكاننا الاطلاع على تعاليمها وتوجيهاتها مجانا في بيوتنا عبر قنوات التلفزة على أفواه أشخاص ذوي مظهر مُخيف، مفَوَّهين وجهَلَة.
كيف لنا أن نأمل إنتاج فرد عادي ومتوازن، أو مواطن مؤمن بفكرة الخير العمومي، أو نموذج بشري يعيش منسجما مع الآخرين، كيف لنا أن نأمل ذلك من تلك الثقافة المصطبغة بلون الموت، ومن هذا الإرهاب اللفظي والمعنوي والفكريّ والذهنيّ والجسدي و الإجتماعي والسياسيّ ؟
إنّ الإنسان الناتج عن تلك الثقافة يكون جاهلا باحترام تعدد المعتقدات، ويرى في الديانات الأخرى ضروبا من الإنحراف، رافضا لمفهوم تبادل الأفكار والمشاعر، وهو المفهوم الذي ينبني عليه التعايش السلميّ بين البلدان، وهو لا يؤمن بالقانون الدوليّ إلاّ في الحدود التي تضمن له مصلحته هو. إننا في هذه العُجالة التي وصفنا فيها كيف صُنِعَتْ تلك الرؤية الغريبة للعالم، رؤية متردية ومتقهقرة، جنونية ومنافقة، إننا بهذا نكون قد بيَّنَّا المجالات التي ينبغي أن يمسَّها الإصلاح.
كثيرة هي الأشياء التي ينبغي أن نعرفَها ونحن لا نعرفُها، وأعمارنا لا تكفي للإلمام بالمعارف الضرورية لفهم العالم والحقيقة التي نحن منغمسون فيها. فعلم الأعصاب مثلاً يفيدنا بأن المخ الذي لا يزن إلاّ 2% من أجسامنا، يخصص 20 % من الطاقة التي نستهلكها من أجل تشغيل المائة مليار من العُصَيْبَات التي تُشكِّله وملايين الملايير من المشابك العصبية الرابطة بين الخلايا العصبية. وإذا ما غابت الإثارة والاستثارة والتنافس، ولم تُطرح على المخِّ أية مشكلة تستدعي التفكير، فإن الذكاء ينطمس ويستكين للجمود والتبعية العقيمة والتقليد العقيم. وتُسمّى هذه الظاهرة بـ ( تأثير فلين ) L’effet Flynn، ويُقاس بدرجة جمود أو تقهقر معدل الذكاء QI. وتلك هي الأضرار التي يؤدّي إليها العلم القديم على مستوى المخ لدى المسلمين اليوم. إنه علم يجرّ إلى الجمود ويُنْتِج الفظاظة، والمخ يحيا بفضل مرونة مشابكه الرابطة بين الخلايا العصبية، ويزداد نشاطا كلما وفدت عليه معلومات وأفكار جديدة تستدعي المعالجة باستمرار.
وهناك علم آخر في طور التأسيس، هو علم الجينات التطوّري أو علم التخلُّق Epigénétique ( والعَالِمَةُ الجزائرية ماية عميّر Maya Ameyarتشتغل بهذا الاختصاص، وقد خصصت لنشاطها صفحة على الفيس بوك) ، وهو علم يدرس تأثير المحيط في كيفية استجابة الجينات. كيف ذلك ؟ “إذا كان الحمض النووي ADNهو النص، فإن علم الجينات التطوري هو علامات التنقيط”. هذا ما يقوله علماء الوراثة. وإذا قصدنا التبسيط قلنا إنّ المخ الذي يعيش وسط أفكار معينة سيجد أن الجينات تتأثر بالمحيط الخارجي و بالأفكار الشائعة في المجتمع، سواء أكانت تلك الأفكار حبيسة الماضي أو تصبو إلى المستقبل.
وبناء على فكرة أن وظائف المخ تتراجع وتفقد مردودها في ظروف معينة، ينبغي أن ندرك أن العلم القديم تبذير لقدرة الذاكرة وللتقنيات المستعملة في الحفظ، وإهدار لمساحات التخزين على الذاكرة في المساحة المخصصة لذلك على مستوى المخ. إنّ العلم القديم يصبح مجرد مخزون معرفي أصابه التَّلَفُ ولم يَعُدْ صالحاً للاستعمال، وهو مجرد معلومات أكل الدهر عليها وشرب، لكنها لا تزال تشغل مكانا في الذاكرة كان يمكن أن يُخَصَّصَ لمعارف مفيدة وضرورية لتكيفنا مع الحياة المتطورة باستمرار.وربما هذا ما كان يلح عليه النبي (ص) كلما أشار إلى ضرورة العلم “النافع”.
و من جانب آخر يمكن معالجة ما تجب معرفته حول الدين بطريقة جديدة مُسايِرة ومرتبطة بشبكة المعرفة الحديثة التي تصبو دوما إلى المساعدة على خوض غمار الحياة والتصدّي للمستقبل. إذاً، فما يجب مراجعته هو كل ما يحتويه عقل المسلم اليوم من معلومات، وتنقيته من كل ما لم يعد صالحا، وتثمين ما هو مفيد. فما الفائدة من حفظ الأحاديث النبوية عن ظهر قلب، وكثير منها مدسوس، وما الفائدة من حفظ آلاف الأبيات الشعرية ومعرفة قصص الأزمنة الغابرة ؟
أصبحت المعلومات التي يزودنا بها العلم القديم بلا فائدة تُذكر، لأنّ بإمكان المسلم أن يؤدي جميع فرائض دينه دون أن يثقل كاهله بـعلم لا فائدة منه. إن المسلم اليوم متعلق بعلم متجه إلى الماضي ومتسمّر فيه، شأنه في ذلك شأن الذي يحاول أن يجلب الماء من بئر على وشك النضوب، فهو يرفع الدلو إليه بما فيه من ماء صالح وغير صالح، عذب ومالح، لذيذ ومُرَ، مُحْيي ومُميت.
إن الذكاء بحاجة إلى التنشيط بالأشياء الجديدة، وبالمعادلات متعددة الأطراف من أجل معالجتها، وبالأعاجيب الكونية أو المادية التي تستدعي الدراسة والتحليل، وبالظواهر المتعلقة بذواتنا و شفراتنا الوراثية، وبتاريخ الإنسان.
إنّ العلم الحقيقي هو الذي يراجع نفسه باستمرار، وتلك هي أهم نقطة قوة فيه، أما العلم القديم فهو يدّعي أن الحقيقة متجسدة فيه، وتلك هي أهم نقطة ضعف فيه. إن بين أيدينا أشياء كثيرة تنتظر إنجازها في حياتنا، وقصارى ما يقترحه علينا العلم القديم أن نتمذهب ونتبع شيخا ونقدسه، أو نختار داعية نسير على حَدْوِهِ، ثمّ نحفظ عن ظهر قلب آلاف الصفحات. و كأنّ الله هو ضد التطور، التكنولوجيا، الرقمنة، و الانترنتيت و الذي يمثل أحد الوسائل التي تجسد فكرة ” كن فيكون”…
لقد قام العلم بصياغة ما يسميه القرآن بـ”سُنَن الله” في معادلة، ثمَّ لخّصها في قوانين. إنها قوانين الله الثابتة وأساليب تسييره للكون ولحياتنا. إنّ الله هو الذي وضع للطبيعة قوانين تسير عليها، وجاء الإنسان ليكشف عنها ويحاكيها على مستواه من أجل خير البشرية. إن الله في خلقه للأحياء والجماد قد استعمل مواد متمثلة في جزيئات قاعدية و ذرات. والعلم لم يعُدْ يؤيِّد إنكار وجود الشعور والروح، بل أصبح يبحث عنهما في أصغر الأجزاء التي يمكن أن يصل إليها تجزيء الجسم المادي، وفي ملتقى ارتباط الجسم بالشعور. إن العلم صار يعرف أن هناك صلة بينهما، وأنّ الشعور يؤثر في المادة. وعلم الفيزياء الكميّة على وشك إثبات ذلك من خلال دراسة حركة الجزيئات القاعدية.
إن العرب اليوم هم أكثر الشعوب تشبثاً بالماضي. أليست اليونان هي التي أتت للبشرية بالعلم والرياضيات والفلسفة والرياضة البدنية ؟ بلى، إنه كذلك، وأعلام الإغريق لا تزال آثارهم تُدرس في جامعات العالم بأسره. ورغم ذلك فإنّ الإغريق اليوم لا يحلُمون بماضيهم التليد. إن اليونان تتخبط حاليا في مآسٍ مزرية دون أن يضطرّها ذلك إلى إزعاج آلهة الأولمب بالدعاوى والشكاوى، ودون أن تركن إلى النواح على عقوق أوروبا تُجاه أمّها التي لولاها لبقيت أوروبا حقلا عاريا تسكنه كوكبات المتشردين. وكذلك الشأن بالنسبة للرومان والصين والمايا والآزتيك و الماغول. أمّا البربر ففيهم شيء من الميل إلى التعلق بالماضي مثل العرب، لكني أعتقد أن ذلك ليس طبعا فيهم، بل هو موقف ينافحون به عن أنفسهم في مواجهة العرب الذين لم يعودوا يحبونهم بسبب الأضرار الجسيمة التي جاءت مع التيار الإسلاموي.
ليس الإسلام هو الذي أوجد الحضارات التي ساعدته على الإزدهار والتطور العلمي والتقني عبر حقب التاريخ. فالآشوريون و الشاميون والمصريون والحيثيون والفرس والإغريق واليهود والآراميون والمسيحيون والهنود والصينيون، كلهم كانوا أهل حضارات سابقة للإسلام بآلاف السنين، وقد أنجزوا طفرات عجيبة في مختلف المجالات، وكان للإسلام أن استفاد من ذلك. وقد تمّ هذا بفضل استمالة أهل تلك الحضارات الذين وجدوا في الإسلام إطارا أخلاقيا وروحيا أكثر تحفيزا من معتقداتهم السابقة وطرق معيشتهم القديمة. لقد أراحهم الإسلام، وفي المقابل منحوه ذكاءهم واكتشافاتهم.
إنّ أهمّ ما يميّز الإسلام أنّه أيقظ مختلف الشعوب وحفّزها وقوّاها وزادها طاقةً، ووحّد بينها روحيّا وفكريّا وثقافيّا واقتصاديّا وسياسيّا. فقد كانت أرض الإسلام كالولايات المتحدة التي انضوت تحت رايتها ملايين البشر خلال القرنين 19 و 20. كانت دار الإسلام أرضا للتسامح الديني، ولحرية المبادرة، ولتكافؤ الفرص، ولروح الإبداع، والـتعايش في الاختلاف ( الإنصهار في بوتقة واحدة Melting Pot )، مع إخضاع ملايين المسلمين أنفسهم لمقتضيات ذلك التعايش.
وبظهور طبقة اجتماعية من رجال الدين الذين أصبحوا أداة في أيدي السلطة الجائرة، بدأ الإسلام يفقد مميزاته وأصبح الدين الإسلامي “أفيونا للشعوب” على حد تعبير كارل ماركس. وبدأ العلم القديم يأخذ مكان القرآن الكريم تدريجيا، وتحوّل القرآن من كتاب أبديّ إلى سجين مرتبط بظرف محدد تقادم عهده وتراكمت عليه أطنان من التأويلات التي تجاوزها الزمن، والتي ثبت خطؤها بفضل التطور، حتى أصبحت عرضة للسخرية لأنها مناقضة لمقاصد الخلق.
و نظرا لقصور الفكر الديني عن سبر أغوار المستقبل فإنه يدعو المسلمين السّذّج الذين هم بحاجة إلى رعاية ذهنية، يدعوهم إلى استلهام “السّلَف”، وهم الذين سبقونا إلى الوجود وعاشوا قبلنا منذ أربعة عشر قرنا. إنّ كل ما نسمعه في المساجد وقنوات التلفزة هو كلام عن السلف دون أن يحدث تغيير أو أن يتحرك شيء من مكانه أو يطرأ عليه تحسّن ملموس. الشيء الوحيد الذي يتغير مع كل خطاب هو وجه الخطيب. فلماذا نرضى بهذا الوضع ؟ وإلى متى ؟ أليس هذا ضربا من الجنون أو العبث الكوميدي الذي لا يقبل به إلاّ المتخلفون عقليّا ؟
بإمكاننا أن نُصنِّف “السلفية” ضمن أعراض مرض فقدان الإحساس بالاتجاهات. وهو مرض يؤدّي إلى الخلط بين الأمام والخلف، وبين الماضي والحاضر، وبين الدنيا والآخرة، وبين السماء والأرض، وبين الأحياء والأموات. وقد أتيح لهذا التيار أن يفرض نفسه في البلدان ذات الأنظمة الهشّة بقوة السلاح، إذ تمّ التنازل له عن تلك البلدان في إطار استراتيجية لا نعرف دوافعها، لكنها رغم ذلك حقيقة موجودة. و أمثلة ذلك ما حدث في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن. وفي حالات أخرى نجد السلفية مفروضة بالعنف الكلاميّ في بعض النواحي والأحياء و الفضاءات الإعلامية التي تتنازل عنها بعض الدول التي تهاب مواجهة السلفية. وأمثلة ذلك ما يحدث في باكستان ولبنان والجزائر ونيجيريا.
و لابد من الإشارة إلى أن المسلمين قضوا من الزمن في التدهور أو الاستعمار أكثر مما قضوا وهم أهل حضارة مستقلة. لقد مرّ على ظهور الإسلام 1436، وعلى الأصح 1448 سنة، والمسلمون اليوم لا يزالون يفكرون ويعيشون ويلبسون ويتكلمون مثلما كان يفعل المسلمون في بداية عصر الانحطاط. صحيح أنّ الساحة الدولية تغيرت، لكن الإنسان والروح لم يتغيّرا. المسلمون اليوم يُغّلِّبُون التجريد على التجسيد، والوعود على الإنجازات، والأبدية الإفتراضية على سيرورة التاريخ. هم في تبادلاتهم يعتمدون على قاعدة: شيئان موعودان خير من شيء واحد محقق.
وبما أن الوقت لا قيمة له عندهم، والماضي لا يختلف كثيرا عن الحاضر، فإن إرادة الإنسان عندنا مستمرة في الذوبان والتلاشي في إرادة الله. فلم يعد لتحسّب المستقبل والتخطيط و الإستشراف أية قيمة. وباستثناء التغيرات السطحية الناجمة عن التكنولوجيا الغربية ـ والتي لم تُؤدِّ إلى أي تغيير في البُنى الذهنية والثقافية ـ فهم لا يزالون يحلمون باسترجاع الأندلس والقدس و سمرقند، لكنهم لا يحلمون بغيرها، ولا بسبر أغوار المستقبل.
إن السلفيين لا يعرفون شيئا عن الثورة الزراعية ولا عن ثورة العصر الحجري أو ثورة القرن 18 أو القرن 20، لا شيء عن الثورة الصناعية خلال القرن 19 ولا الثورة الرقمية والعلوم الدقيقة في القرن 20. لقد هبطوا مثل الطائرة في عزّ القرن العشرين، ثُمَّ أقلعوا مباشرة بفضل البترول المنبجس من باطن أراضيهم، ووجدوا أنفسهم متربعين على ثروات طائلة دون أن يبذلوا أي جهد للحصول عليها. وعندما تحين الساعة، أي عند زوال هذه النعمة، سيعودون إلى رمالهم بدون عناء وبدون حسرة لأنهم شديدو الثقة في العناية الإلهية وهم راضون بحلوها ومُرِّها.
لم يسبق للمسلمين أن استُغِلُّوا كقوة مشتغلة عاملة، ولم يحدث لهم أن مرّوا على قالب التايلورية (نظرية الإدارة العلمية)، كما لم يذوقوا مرارة النضالات النقابية وصراع الطبقات، ولم يستفيدوا من التربية الإجتماعية التي تجعل منهم أفرادا يفيد بعضهم البعض الآخر. وفي كلمة واحدة: لم يتعلّموا قيمة الحياة البشرية. لم يسبق لهم أن حاولوا السيطرة على الطبيعة، ولم يضطروا إلى إكتشاف تقنيات جديدة في العمل من أجل تحسين المردود لأنهم يعيشون من لا شيء، ولا أمل لهم غير النظر إلى السماء.
إنّ البدويّ إنسان حرٌّ، حالم بما هو أعلى وبما هو أبعد من التاريخ، ومن أجل ذلك فهو لا يشترك في صنعه. وهو لا يأبه بتحدّيات الطبيعة، إذ ينظر إليها ثُمّ يُغيِّر طريقه ليتفاداها وليبحث عن الهدوء والسكينة في مكان آخر لا يُلزمه بالقيام بأيّ عمل. أما حالة طبقة الأوزون فهي آخر اهتماماته، وكذلك المشاكل المتعلقة بالبيئة وبالمجاعة التي تقضي على شعوب و شعوب. إنه يكتفي بمراقبة المرأة و التقاليد والأعراف، ويحرص على اللباس المطابق للقواعد، ويبحث عن الشيطان في كل التفاصيل… إنه لا يُبْدِع ولا يُصَنِّع، إذ يكفيه أن يُبادل و يُقايض ما عنده بما ليس عنده، وإن لم يوجد عنده شيء قنع بحليب الناقة. إنه مستغني عن كل الفنون والثقافات والموسيقى والسينما، فشعره البدويّ يغنيه عن كل ذلك.
إنه إنسان سيطرت على كل شغافه أوصاف الجنة الساحرة وأرعبه زفير الجحيم المخيف، والخوف من الجن إلى درجة غير معقولة، و الإفتتان الأسطوري بالمعجزات. وكل انشغالاته الجيوستراتيجية تنحصر في منافسة أمثاله وإخوانه في الدين على وجه الخصوص. وهم تجار البترول وتجار الدين.
إنني أعتقد أنّ تغيير المسلمين يقتضي تغيير العرب، وتغيير العرب يقتضي تغيير العلم القديم الذي يسيّرهم ويزوّدهم بتصوراته الذهنية. ولكي يتغير العلم القديم فلا بد من تفجير الطاقات الكامنة تحت الأرض حوله، وهدم السياج العالي الذي بناه هذا العلم، وذلك بتحطيم الطابوهات التي زرعها في الأرواح، ثمّ نضع أيدينا عليه من أجل إخضاعه للفحص والتحكيم.
ولن يتحقق هذا الحلم إلاّ بمشاركة جماهيرية فعلية، وبمشاركة الدول المؤمنة بالإصلاح الجذري للتصور الإسلامي للعالم من أجل إنقاذ البلدان الإسلامية من الإنهيار. أما المفكرون المؤمنون بهذه النظرة فدورهم هو إعطاء شرارة الإنطلاقة للعمل وذلك بحمل الدول على تبنّي الفكرة، كما بإمكانهم أن يشرفوا على العمل الميداني وذلك بمرافقة تنفيذ التدابير الإصلاحية، أمّا فرض الإصلاح فرضا شاملا فأمر غير محمود.
وإذا تمكنّا من تخطّي هذه العراقيل وتوفير الشروط القاعدية سيكون لزاما علينا أن نعود إلى الفترة السابقة لظهور العلم الديني، وهي الفترة التي تبدأ في القرن 3هـ، وقد تمتد إلى الفترة التي لم يُجمّعْ فيها القرآن بعْدُ فيما سُمِّيَ بمصحف حفصة ثُمَّ بمصحف عثمان بعد ذلك بخمس عشرة سنة، وهي العملية التي اتسمت بمخالفة الترتيب الذي نزل به القرآن الكريم.
إنّ العودة إلى الترتيب الزمني لنزول القرآن ستكون فرصة للإستلهام من كتابنا المقدس والتزود منه بالحيوية التي لا بد منها لبناء تصور إسلامي جديد للعالم وللحكمة من وجود الإنسان على الأرض، ولنظرة المسلمين إلى غيرهم، كما أن القرآن بهذا الترتيب الصحيح سيحرر الإسلام من التناقضات والمفارقات التي طالته منذ وفاة الرسول (ص).
لو أنك اشتريت منزلا أو ورثته، ولم تكن بين يديك شهادة مطابقة له، ولا تعرف متى وكيف تمّ بناؤه، وليست لديك فكرة عن مدة صلاحيته المتبقية، فمن حسن التدبير أن تتفحص أساسات هذا المنزل وبنيته لتفادي انهياره فوق رأسك. كذلك الإسلام، هو الآن بحاجة إلى شهادة مطابقة فعلا. و الله أعلم.
« Le Soir d’Algérie » du 02 août 2015
جريدة الحوار 31 جويلية 2016
موقع الجزائر اليوم 02 مارس 2017
