ترجمة بوكروح وليد
لكوني أهتم بالتغيرات التاريخية بقدر ما يهتم علماء الأرصاد الجوية بالظواهر المناخية، فقد أثار اهتمامي ما يسمى في هذا العلم “تأثير الفراشة” منذ مارس 2011 والمقالات الأولى التي كتبتها عن ثورات الربيع العربي. وأثناء بحثي في علم النفس لَعَلّي أجد فيه مقابلا لهذه الظاهرة الجوية، اكتشفت مفهوما يسمى بالفرنسية ” « l’effet quidamus، وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بالعربية “بتأثير عامة الناس” أو “تأثير فلان من عامة الناس”.
كان أغلب المحللين في العالم وقتها يتحدثون عن “تأثير الفراشة” و “تأثير الدومينو” و “تأثير كرة الثلج”، لكن أحدا منهم لم يتطرق إلى “تأثير عامة الناس”. وتلخص هذه العبارة كيف يمكن لشخص عاد من الجماهير، دون أن يقصد ذلك، ونتيجةً لفعل ما يصدُرُ عنه، أن يَتَسبَّبَ في أحداث جسيمة الانعكاسات والعواقب. هذا المفهوم في نظري هو أنسبُ ما يُمكنهُ تفسيرُ تلك الأحداث، لكنه رغم ذلك لم يخطر على بال أحد.
ألقيت في ذلك الوقت إلى الساحة بفكرة استبدال عبارة “تأثير عامة الناس” في هذا السياق، وتعويضها بمصطلح “تأثير بوعزيزي”، بيد أن البطلَ العادي مجهول الهوية الذي تَرمُزُ إليه العبارة الأولى، والذي يمكن أن تختبئُ ملامحهُ خلف قناع “أنونيموس”، قد صارَ لهُ لأول مرة في التاريخ وجهٌ وهويةواسم: محمد بوعزيزي. ولكونها أيضا المرة الأولى التي يُفجّرُ فيها واحد منا نحن الأمازيغ إعصارا تاريخيا، اعتقدتُ أن المناسبة تستحقُ أن يُخَلَّدَ اسمهُ ويُنقَشَ على الرخام.
منذ ذلك الحين أمكن للطغاة العرب وغيرهم أن يقيسوا مدى النتائج التي يمكن أن تترتب عن أثر الفراشة، ومدى تأثيرها على حياة الأمم وحياتهم. شخصيةُ بوعزيزي التي دخلت التاريخَ العالمي، وُلدَت عندما ماتَ بوعزيزي الشخص فلان من عامة الناس. وذاتُ الشخص لم يُضَحّ بحياته من أجل قضية، فقضيته لم تولد إلا بعدَ وفاته، ولا هو استُشهدَ في سبيل فكرة أو عقيدة، بل ارتكب فعلته بعد أن طفحَ كيلُ السخط عنده إثرَ التعسّف الذي تعرض إليه على يد شرطية ظالمة. التيارُ الإسلامي السياسي الدولي كان أوَّلَ وأكبر المستفيدين مما فعله بوعزيزي، لكنه وبطبيعته الجاحدة ونكرانه للجميل، يبقى الوحيد الذي لا يحيي ذكراه لأنه لا يرى في تضحيته غير الانتحار الذي يعتبره حراما وكفرا.
كنت قد وجدتُ وقتها بدايةَ تفسير لسبب انفجار الثورات العربية في بلدان عديدة في آن واحد، وذلك في نظرية قديمة لعالم النفس السويسري الكبير “كارل غوستاف يونج”، الذي خصص في ثلاثينيات القرن الماضي كتابا لأحد اكتشافاته الذي أطلق عليه اسم “نظرية التزامن” (la Synchronicité). هذه النظرية التي رُفضت في وقتها بسبب افتقارها إلى القيمة التجريبية الكافية لإثباتها، تظل الوحيدة القادرة على تسليط بعض الضوء على لغز التشابك المعقد الذي يُمَيّزُ الثورات العربية. ويعطي عالم النفس السويسري لنظريته هذه التعريف الآتي: “…
الحدوث المتزامن لحدثين على الأقل، يُستبعدُ حدوثهما مع بعض و لا تربطهما علاقة سببيةٌ ظاهرة، لكن اشتراكهما يأخذ مع ذلك معنى مُعَيَّنا لمن يشهدهما… هذه الأحداث تشكل صدفا غير متوقعة… أحداثا تزامنيةً تبلغ من الأهمية عند الإنسان ما يجعلها تحدث في نفسيته تحولات عميقة … و أسس الظاهرة ترتكز على النماذج الذهنية… و النموذج الذهني هو مركب نفسي مستقل بذاته، يكمن في لا شعور الحضارات، و هو الأساس للصورة الذهنية التي يحملها الفرد عن محيطيه الداخلي و الخارجي…و يتميز بحمله شحنات عاطفية و غريزية عظيمة… “
قوبلت نظرية يونج في البداية بالارتياب لقربها من الصوفية، وهيالحجة التي عوتب بها العالمُ في ذلك الوقت، فتطلب الأمر مضي قرن من الزمن حتى تثبُتَ صحتها. الآن نملك الدليل القاطع بأن “لا وعي الحضارات” أو عقلها الباطن هو شيء موجود فعلا: فما يحدث في أقصى أرض حضارة ما، يمكن بأعجوبة أن تكون له آثار نفسية ونتائج ملموسة مشابهة في الطرف الآخر منها.
وخلال استمراري في التفكير والبحث في الموضوع، امتد إدراكي لأشياء أخرى، فرغم أني كنت أعرف من قبل أن علم الفيزياء يُسَلّمُ بوجود ثابت كوني يسمى “قانون المزامنة”، والذي يفسر بعض الحالات التي يستعصي تفسيرها بقوانين السببية؛ إلا أني اكتشفت أن الفيزياء الكمية (Physique quantique) بدورها تعترف بمفهوم مشابه يدعى ” التشابك الكمي” (Intrication quantique)، ويَنطبق على ميدان الذرة والجسيمات الأساسية، كما ينطبق أيضا على عَالَم الروح والنفس.
بيد أن هذه الامتدادات العلمية تبقى افتراضية في الوقت الراهن، إلا أن الظاهرة الأساسية التي تستند إليها دُرسَت من قبل في الطبيعة، وجرى التحقق منها تجريبيا منذ زمن طويل: إلكترونان اثنان يتفاعلان داخل ذرة. نقوم بعزل أحدهما عن الآخر بحيث نبقي على الأول في مكان التجربة بينما ننقلُ الثاني إلى مكان آخر بعيد عنه. ثم نفحص الإلكترونَ الأوَّل بالمجهر الالكتروني فنلاحظ أَّن الثاني، وهو في مكانه البعيد، يتجاوبُ مع الفحص كما لو كان الاثنان يشكلان جسما واحدا، وكما لو لم يَعُد للوقت أو للمكان أو حتى للسببية أيّ وجودٌ أو تأثير عليهما. في هذه الحالة لم يكن الرابط متزامنا فقط بل كان أيضا فوريا: إنها أعجوبة “التشابك الكمي”.
إذا كان الشيطان يختبأ في التفاصيل كما يقال في المثل العالمي المعروف، فإنه يمكن كذلك للإعصار أن يترصد خلف رفرفة جناح الفراشة. نحن لا نرى الشيطان لكننا ندرك أن نتائج أفعاله تكون في غالب الأحيان كارثية؛ من جهة أخرى يمكننا رؤية أجنحة الفراشة ترفرف، كما أن تأثيرها على الهواء لا يذكر، لكنها رغم ذلك يمكن أن تُشكل مصدرا لأعاصير عاتية ومدمرة. يجب علينا نحن في الجزائر أن نفهم أنَّ الشيء الذي تسبب في عدوى “دولية”، كما حدث في الربيع العربي، يمكنه أيضا وبسهولة أن يتسبب في عدوى مماثلة على مستوىً “وطني”.
كنا ننتظر أن تأتينا الضربة من الشمال وها هي اليوم تبدأ في التشكل في الجنوب، بعد أحداث ورقلة، تيغنتورين، عين صالح وغرداية، ناهيك عن القضايا القديمة مثل اختطاف السياح الأجانب أو هجمات الموجاو ضد أهداف عسكرية في تامنراست وورقلة.
جنوب الجزائر يمثل 90% من أرضها و10% من سكانها. هناك توجدُ أبارُ النفط ومنابعُ الغاز العادي والصخري، وهناك يمكن وضع مرايا الطاقة الشمسية بأعداد تكفي لإمداد البشرية بالطاقة خلال آلاف السنين القادمة، ويوجد الماء الذي يكفيها لعشرات آلاف السنين. هناك أيضا يوجد اليورانيوم والذهبوالمعادنالنفيسة، وتتوفر الأراضي باتساع، المستوية منها والمرتفعة، ويقلعدد السكان. وفي الجنوب أيضا يحتاج العالَمُ لوضع القواعد العسكرية التي ستمكنه من السيطرة على إفريقيا. تحدَّثتُ أيضا في مقال سابق عن إمكانية صنع الآجر من الرمل، إنها حجة اقتصادية صغيرة لكنها تضاف إلى العوامل السابقة.
فراشة الشؤم التي تطلق الأعاصير ترفرف في سماء غرداية منذ مدة لا يستهان بها،وبعد جولة قادتها مؤخرا إلى عين صالح، ها هي الآن تعود إليها مجددا. أقول ترفرف لأني لا أجرؤ على استعمال مصطلح “الطيران” لما تتميز به حركة الحشرة من البطء والضعف، لكن الفراشة رغم هذا، وخلافا لما نُصرُّ على نسبه للمعزة عندنا، فعلا تستطيع الطيران.
ومن غرداية يُمكنُ لتأثيرها أن يسلكَ أيَّ اتجاه يريد: أَبعَدُ نحو الجنوب لا ندري إلى أين، نحو الشرق أو الغرب أو شمال البلاد. حركتها لا تلتقط على شاشات أجهزة الرادار العسكرية ورؤيتهاأصعب من ترقب هلال رمضان، لكن الحشرة اللعينة تحلق في سماء وادي ميزاب منذ ما يقارب السنتين مخلفة حصيلة متزايدة العدد من الضحايا والخسائر. عندما نرى الصور التي بُثَّت ونسمعُ أرقامَ عدد الضحايا وكلفة الخسائر، نَخَالُ نفسنا نشاهدُ تقارير عن الواقع اليومي في اليمن أو العراق.
والآنَوقد دخلنا في مرحلة عدّ الضحايا بالعشرات في اليوم الواحد، فإننا حتما لا نبعدُ كثيرا عن النقطة التي لا رجوع منها، وعن اللحظة التي سينكسر فيها ما لن يُمكنَ إصلاحه. إذا كانت اليدُ الخارجية هي من يدبر للأحداث ويُنفذها هناك، فهذا يعني أن دورنا في مواجهة العاصفة قد وصل، ومن ثَمّ ينبغي أن نعي أنَّ المكان قد تَمَّ اختياره ولم يتبق إلّا انتظار التوقيت المناسب. أما إذا كانت المسألة متعلقة بقضايا الهوية أو الثقافة أو العرق أو الدين، وإذا لم يكن هنالك شيء آخر غير يدنا الداخلية المنهمكة في “التخلاط” وتحريك طبخة جهنمية في القدر الشيطانية؛ فإن النتيجة ستكون نفسها على أي حال، والمأساة ستنتظرنا في آخر الطَّريقين على حدّ سواء.
تماما مثلما يعلن الديكُ عن مطلع اليوم الجديد، والخطّافُ عن وصول فصل الربيع، فإن الصراعات الطائفية بدورها تؤذن باقتراب عهد التدخل الأجنبي. وإذا ما استمرت المجموعة الوطنية التي يناشدها الميزابيون بالتدخل، في الإجابة بالجمود الذي يطبعها اليوم، فإن المجموعة الدولية رهيفة السمع حادة البصيرة، وقادرة على الاستجابة للنداء في أية لحظة.
أن الميزابيين هم الأقلية الدينية الوحيدة ذات الأهمية في الجزائر من ناحية العدد (فعدد المسيحيين واليهود لا يذكر)؛ مع أن مصطلح الأقلية يبدو مبالغا فيه عندما ننسبه إليهم، فالاختلاف بيننا يكمن بالكاد في بعض الفوارق المذهبية الطفيفة. لهذا السبب يتوجب علينا المحافظة عليهم مثل قرة أعيننا: فهم أمازيغ ومسلمون سُنّيون مثل باقي الجزائريين، واختلافهم الوحيد أنهم ليسوا مالكيين، مع الملاحظة هنا أن المذهب الإباضي أقدم تاريخيا من المذهب المالكي. أما اجتماعيا فهم يشكلون فئةً يُضرَبُ بها المثل لمسالمتها، ولتنظيمها الاجتماعي المستقل والمحافظ، ولكفاءتها الاقتصادية. لو كان باستطاعتنا تغيير الماضي أو التاريخ، لأمكنني القول إننا كنا سنفلح لو التحقنا جميعا بالإباضية في مطلع التاريخ الإسلامي.
الوحدة الوطنية هي التي تُقَوّضُ وتتلقى اليوم الضربات في غرداية. بدأت التعليقات في المواقع الاجتماعية تتحدث عن حرب قائمة أو قادمة بين “الأمازيغ” أو “البربر”، وبين “العرب بنو هلال”؛ وإن عَرَّضَنا هذا لشيء فإنَّما يُعرّضنا لخطر استفحال الشرخ وانتقال العدوى إلى مناطق أخرى من الوطن. في الوقت ذاته نلاحظ أنه كلما ازداد تعفن هذا الملف، كلما ساء تسييره من قبل السُّلطة، فهذه الأخيرة لا يهمها شيءٌ غير استعادة الهدوء أينما تبرز الاضطرابات.
فالدولة اليوم مريضة ولا تريد المشاكل لكي تضطر لحلها، بل تحتاج إلى الهدوء والسكون لتستريح. بل يمكننا حتى أن نعلق لافتة “ممنوع الإزعاج” على باب المرادية، كما يفعل الزبائن على أبواب غرف الفنادق عندما يحبذون التنعم براحة البال.
كما كان الحال في المراحل المظلمة من تاريخ الجزائريين و التي لم تكن لهم فيها دولة، و كما هو حال سكان عين صالح حين يتضرعون إلى الله برفع اليدين إلى السماء راجين منه أن يقيهم شر استغلال الغاز الصخري في أرضهم، و مثل وفد “العلماء” الذي نزل من العاصمة واثقا من قدرته على إخماد نار “الفتنة” بالوعظ والنحيب، و ترك خلفه عندما عاد أدراجه نارا أشد اتقادا من ذي قبل ؛ فإننا نجد اليوم أن لا حول لنا و لا قوة إلا بالتوسل إلى السماء حتى تُعيدَ السلام إلى وادي ميزاب، و تُنزلَ “الرحمة” في قلوب سكانه الإباضيين و المالكيين.
لكن لنتساءل أوّلا لماذا ذهب عن الوادي وعن قلوب سكانه السَّلامُ والرحمةُ المنشودان بعد استقرارهما هناك لمدة ألف سنة؟ أو لماذا نجدُ في جميع ولايات الوطن “أمازيغا إباضيين” و “عربا مالكيين” (العبارات ليست من صنعي) يعيشون سواسية دون أدنى مشكل منذ قرون، بينما في غرداية وحدها وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من الحقد المدمر؟ هل الأسباب محلية بحتة؟ هل يتعلق الأمر بإشكال حول مجال الحياة المشتركة بين الطرفين، حول التوسع أو ملكية الأراضي والعقار؟
هل وصل الأمر بالطرفين إلى درجة لا يحتمل فيها أحدهما رؤية أو مجاورة الطرف الآخر؟ هل بقي للطرفين حلُّ الاقتتال لاستحالة رحيل أحدهما؟
طالما لم نجد لهذه الأسئلة جوابا لن نجد للمشكلة حلا، وسيختفيغصن الزيتون في المنطقة تماما مثلما اختفى بين الصرب والبوسنة في تسعينيات القرن الماضي. الحديث اليوم جار عن بناء جدار فاصل على غرار الذي أقامه الإسرائيليون في فلسطين، أو ذلك الذي يفكر المغرب في بنائه على حدوده معنا، أو الذي تريد تونس رفعه على طول حدودها مع الجار الليبي؛ لكننا ننسى أن للطائفتين عاملٌ مشتركٌ لن يمكن لأي جدار التخلص منه، هو باقي الجزائر. فيمكن لأي واحدة منهما التعرض أو نصب الكمائن للأخرى وقتما شاءت في مخارج المدينة، على قارعة طريق أو وراء كثيب من الرمال.
أنا شخصيا تابعتُ الأحداث الأخيرة على قناة France 24الفرنسية التي حاوَلَت تغطيَتَها على المباشر ونظمت الندوات حولها خلال نهار وسهرة الأربعاء، لأني لم أجد شيئا على قنواتنا الوطنية المنهمكة في برامجها “الرمضانية”، والتي لم تر ضرورةً لقطعها أو إيقافها لمواكبة خطورة الحدث. ولا زلت لم أفهم ما الذي يجري في هذه المنطقة، وما الذي أوصلها إلى هذا القدر من الدراما والكراهية المتبادلة.
يجب علينا أن نعرف حقيقة المشكل مهما كانت، وعلينا أن نُحقق فيه دون أي تحيز وأن نفحصه بموضوعية وواقعية؛ فنحن نتعب أنفسنا فقط عندما نحاول كما نفعل الآن طردَ الأرواح الشريرة بالتعاويذ والنحيب. يمكن لنا أن نجمعَ جميعَ شيوخ الزوايا و “الطُّلبة” الذين يأويهم شمال إفريقيا ونرسلهم إلى هناك، دون أن يجدي ذلك نفعا.
يجب تشكيل حركية تضامن وطني مع المنطقة، وبعثُ تيار من التعاطف والتَفَهُّم تجاه الطرفين دون تحيز أو تفضيل؛ قد يجدر بنا تنظيم حوار تلفزيوني مشابه لعمليات “التيليطون” المفتوحة، يَجمَعُ كلا الطائفتين ويَفتحُ لهما باب الحوار عبر من يُمَثّلُهُم من الأعيان والمنتخَبينوالجمعياتوالمثقفينوالجامعيينوالشباب رجالا ونساء؛ وهذاكله تحت أنظار وشهادة باقي الوطن.
عشية الأربعاء الماضي عقد بوتفليقة، قايد صالح و أويحي اجتماعا طارئا. ما الذي أفضى إليه الاجتماع؟ تعاز لعائلات الضحايا، مطالبة أهل المنطقة بالمساهمة في عودة الهدوء، وأخيراإسناد جميع السلطات في الولاية إلى قائد الناحية العسكرية الرابعة. هل هذا كاف؟ هل من جديد في هذا؟ هل هذه هي الحلول الدائمة؟ هل سيُحَلُّ المشكل بعد هذا بسحر ساحر؟
بسطُ النظام العام واستعادة أمن الأشخاص والممتلكات هي أولوية الأولويات بالتأكيد، لكن يجب علينا في نفس الوقت أن ننكبَّ على جوهر المشكل، ونصلَ إلى فحواه الحقيقية، ثم نفحصه كما هو مهما كان، بواقعية وموضوعية، وأخيرا أن نقابله بالحلول التي يتطلبها مهما كانت أيضا. هذه هي الطريقة الصحيحة وليسالهراء الذي جاء على لسان سلال في أول ما تفوه به حول الموضوع يوم الخميس من غرداية وتناقلته وسائل الإعلام: ” فرض الأمن والاستقرارولوبالقوة! التصدي للفتنة! رفض اقتتال الجزائريين فيما بينهم…”
في أي بلد، وفي أي عصر، وتحت أي ظرف من الظروف، سمعنا قبل هذا وزيرا أوّلاً يتكلم علنا بهذه الطريقة؟ أين وُجدَ في وطننا أو في العالم المشكلُ الذي رأى سلال أن حلَّهُ أتى من استعمال القوة؟ حرب الفيتنام؟ حرب الجزائر؟ حرب الجزائر الثانية؟ هل يمكن لسلال أن يعطينا مثالا عن سلام داخلي أو خارجي، جرى فرضُهُ أو استرجاعهُ باللجوء إلى القوة؟ ثم ماذا عن باقي مناطق الوطن التي لازالت و الحمد لله تنعمُ بالسلم، هل يعود الفضل في ذلك لاستخدام القوة فيها؟ هل يرجع ذلك لنبرته المهددة أو هيئته الجبارة؟ ألا يعرف أن الجزائريين اقتتلوا مرارا وتكرارا طيلة تاريخهم القَبَلي، وأن آخر مرة جرى فيها هذا كانت بالأمس القريب فقط؟
ألا يتذكر السي سلال أن الفضل في تخلي تنظيمي الجيا و الأيياس عن السلاح يعود إلى المفاوضات التي أجراها الجيش معهم و ليس إلى القوة؟ هل يريد أن يساعده الماريشال مدني مزراق في إنعاش ذاكرته؟ هل يجهل أن بوتفليقة يعتبر “المصالحة الوطنية” بمثابة تحفة حياته، حتى أنه طمع لبرهة في نيل جائزة نوبل للسلام من خلالها (للسلاموليس للقوة يا سي سلال)؟ ألا يدري أن الجزائريين مقبلون على المواجهة مرة أخرى قريبا لا محالة، وأنَّ ذلك سيكون هذه المرة بسبب اتحاد العجز والخرفوالغباء، الذي يحكمهم رغما عنهم وعكس كلّ ما يمكنه أن يَمُتَّ بصلة إلى العقل؟
الحل الذي يستدعيه الصراع بين الميزابيين والشعانبة لن يكون عسكريا ولا أمنيا، بل يجب أن يكون أخلاقيا، إداريا، اقتصاديا وسياسيا؛ وهو حلٌّ يتطلب الذكاء وليس التاغنانت. إن هذا الصراع هو الأول من هذا النوع في الجزائر، لكنه لن يبقى الوحيد إذا كان في رؤوس من يتعاملون معه عصيٌّ بدل الذكاء. ضف إلى ذلك أننا نُدركُ وجودَ طموحات انفصالية في مناطق أخرى من شمال البلاد منذ زمن، فلماذا السعي إلى تشجيع بروز أخرى في جنوبها؟
إنَّهُ من الغامض ومن غير المفهوم أن يعجز الدرك والشرطةمجتمعين عن استعادة الأمن في المنطقة، وذلك رغم التعداد والإمكانيات المعتبرة (التي تبقى أعينُ سلال المتهورة تراها غير كافية). إلّا إذا رجع ذلك لكون هذه القوّات لم تتمتع بالحرية اللازمة للتصرف، أو لكونها لم تتلق الأوامر المناسبة في الوقت المناسب. الجيش لا يملك ما يلزم من معرفة ومعلومات، عن ميدان وأطراف صراع نُذَكّرُ بأنه يدور في مناطق مدنية، بينما هذه العوامل أساسية في مثل هذه الأزمات التي لا تَهُمُّ فيها قوة النار أو العتاد، ولا الصواريخ أو الأسلحة الثقيلة، ولا البحرية أو الطائرات الحربية، فهي لن تضيف شيئا ولن تجدي نفعا.
فلماذا يتدخل الجيش إذا؟ يبقى التفسير السياسي وَحدَهُ يستطيع الإجابة: إقحام الجيش في كل الأزمات (كما رأينا في عين صالح) بغرض تحضيره لمواجهة أي حركة شعبية تتعرض للنظام السياسي الفاشل، والذي يُعتَبَرُ السبب الأول والرئيسيفي تدهور الأوضاع هناك.
الجزائر مريضة في جميع الميادين ومستقبلها يتوعد أمامها بأن يكون حالكا مظلما. رئاسة الجمهورية لم تعد موجودة إلا عبر رسائل تُتلى في الأخبار ولا يستمع إليها أو يقرأها أحد. وبينماالحكومات في باقي أرجاء العالم تتطور كل يوم، والتسييريتحسن، ومردود المؤسسات العمومية يزداد، والمسيرون يبحثون ويَجدُونَ وسائلَ استشراف الأزمات التي تُمَكّنهم من تفاديها قبل أن تحدث؛ قمنا نحن هنا في الجزائر بوضع مفاتيح مصيرنا بين أيدي نظام هرم وغير مسئول، بالمعنى الأخلاقي والطبي.
وإن كنا نعترف بوجود كتائب من الكوادر الكفؤة النزيهة المخلصة للمصلحة الوطنية تَحتَ هذه السلطة المتهالكة، فإننا مع ذلك ندرك بأنها عاجزة ولا حيلة لها، بسبب تراكم جميع العوامل السلبية الممكنة واجتماعها على رأس الهرم. لقد قبلنا باستمرار وضعية مذهلة وفريدة من نوعها في العالم، تتمركز فيها جميع السلطات في الدولة بين يدي رجل معطوب وعاجز.
دستورنا لا هو ساري المفعول ولا هو معلق، ومجلس الوزراء ألغي وزال من الوجود، والحكومة لم تعد سوى مجموعة من الوزراء المستقلين الأحرار المتروكين لأمرهم، لا يراقبهم ولا يُسيّرهم أحد. لا توجد تركيبة أنسب من هذه للزّج بالجزائر في دوامة جهنمية، إذ لم يحدث من قبل أن بَلُغَ أعلى هرمُ الدولة هذا المستوى من الضعف، كما لم يحدث أن تُركَت البلاد هائمةً لحالها إلى هذا الحد.
لا أحد يتذكر كيف ولماذا استُعمرنا في الماضي؛ أو لماذا تقاتلنا هنا وهناك منذ قديم الزمان تماما كما يفعل الشعانبة وبنو ميزاب في غرداية؛ لكننا اليوم نرى بوضوح أننا متوجهون للكارثة، كما نعلم جيدا أن بلادنا ستنهار عن قريب. مع هذا فنحن لا نزال نتصرف كما لو كنا في العرس، وليحدث ما سيحدث، وليكن ما سيكون!
( “لوسوار دالجيري“12 جويلية 2015 )
