بقلمنور الدين بوكروح
ترجمة ساعي عايــدة
” كما تعتمد كل حضارة في تنظيمها الإجتماعي و الإقتصادي على الرؤية للعالم التي تهيمن بين أفرادها، تُعتبر التغييراتُ في تصورات العالم الأحداثَ الأكثر أهمية في التاريخ الإنساني” جين ستون (Jean Staune) (“مفاتيح المستقبل”«Les clefs du futur»).
توارثنا مجموعة كبيرة من التقاليد والمأثورات المروية شفهيا بواسطة لغة أصلية وهي الأمازيغية، اللغة التي كادت تندثر لعدم تدوينها، واللغة العربية التي قُزّمت طويلا لحاجات دينية محضة، ولغة أجنبية منبوذة وهي الفرنسية لإرتباطها بذكريات سيئة. لا يقرأ الجزائريون الكتب إلا قليلا: نادرا بالأمازيغية لأنهم لا يتقنونها، وبنسبة قليلة باللغة الفرنسية، أما باللغة العربية فتشهد الكتب الدينية مقرؤية متزايدة. فهل يمكننا، بهذه الخصائص أن نصبوا إلى مكانة مرموقة بين مجتمعات العلم والمعرفة مستقبلا؟
نحن لا نولي أهمية كبيرة للعلوم والمعارف الموجودة بين ثنايا الكتب. يهتم أغلبنا بالمسائل الدينية وكأنّ الإسلام لم يُوحَى به إلاّ منذ زمن قريب، وكأن الرسول (ص) لم يمتُ إلا حديثا، وكأن يوم الحساب سيكون غدا.” وبالنسبة لنا ليس ما يهمنا هو المستقبل، التاريخ، تحقيق الأهداف الأرضية أو الكونية التي خُلق من أجلها البشر، بل” المُستقر الأخير” الذي سنرتحل إليه عما قريب لنعيش فيه حياة أبدية سعيدة.
لم يبق سوى المسلمين من لا يزالون يحملون هذه النظرة القاصرة للأشياء، و الأسوء من ذلك أن يموتوا أو يُقتلوا من أجل أفكار خاطئة لا زالوا يعتقدونها صحيحة. ما الفرق بين فكرة مجنونة وفكرةخاطئة؟ ألا يعتقد المجانين فيما بينهم أنّهم عقلاء؟ ومع ذلك، هل لنا أن نعتبر أنفسنا” خير أمة أخرجت للناس”؟
يخبرنا “العلم القديم” وهو يربت على أكتافنا و يخذر ضمائرنا أنه لا يوجد مخلوقات على الأرض إلا و الله يتكفل بحاجاتها، “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا… “(هود 6)، الفكرة التي قدمها لنا منذ أربعة عشر قرنا كضمانٍ لنا حتى لا نقلق على معيشتنا في حين يتحدث سياق الآية عن السلسلة الغذائية. فقد خصصت الطبيعة لكل جسم حي ليس الغذاء الأنسب له فقط، بل والمتصل بكائن حي آخر حتى تستمر دورة الحياة كما هي عليها. هذه الكائنات الحية مقسمة إلى “منتجين” أي النباتات،”مستهلكين” أي آكلات الأعشاب وآكلات اللحوم و “محللين” أي البيكتيريا والفطريات. ضمن أي صنف يمكن أن نضع أنفسنا يا ترى؟
نخدع أنفسنا بالدين، معتقدين بدون وجه حق أننا لم نُخلق إلا لعبادة الله. و هذا ما تردد فعلا مرار في القرآن الكريم، و الذي لا يكمن المشكل فيه إطلاقا بل في التأويلات التي استُنبِطت منه في حقبة لم يكن هناك أي مجال لإستنباط غيرها.عبادة الله من خلال ممارسة مجموعة شعائر أمر مفهوم، فضلا عن كونه مفيد للإنسان أكثر منه لله، لكن الأفضل أن يُعبد و يُتقرب منه أيضا بأداء الواجبات التاريخية و الكونية التي وُجدنا لأجلها.أليس لأننا نحمل علما مهجورا وجدنا أنفسنا في الإتجاه المعاكس لتطور البشرية ؟
يصدمنا التدمير الذاتي للعديد من البلدان الإسلامية و الذي لا نجد له تفسيرا، ترعبنا حمامات الدماء العبثية التي تسيل في كل مكان، تصم أذاننا الإنفجارات التي دمرت مدينة تدمر (Palmyre)، تدميرٌ ليس له نظير رغم ما توالى عليها من أحداث و مع كل جنون بشري عرفته منذ نشأتها، منذ توسعها و تجميلها على التوالي من طرف اليهود أولا (سليمان حسب التوراة)،ثم الإغريق، فالعرب الذين احتلوها بعد وفاة الرسول (ص) بسنتين (بقيادة خالد بن الوليد)، كل هؤلاء لم يلمسوا أيّا من آثار المدينة الساحرة بل أضافوا لها مباني عظيمة كالقصور و شبكة السير و المؤسسات التجارية، حتى تامرلان (Tamerlan) الذي سلب ثرواتها سنة 1401 حافظ على إرثها المعماري.
يحث القرآنُ الإنسانَ “خليفة الله في الأرض” على بناء الحضارات، غزو الفضاء، وحماية الطبيعة، لكن العلم الديني يذكرنا بكل هذا في إشارة خفيفة عابرة بـ:”وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا “. هناك فرق كبير بين أن تقول لأحدهم “إفعل هذا” وأنتقول له “لا تنس أن تفعل هذا”، فالعبارة الأولى بقوتها تستهدف شيئا أساسيا فيما تشير الثانية إلى أمر ثانوي.
كيف سيكون وضعنا في مواجهة الإكتشافات المستقبلية التي تكاد تبتلع في مجملها كل إدراكاتنا الذهنية وتغمر العديد من معتقداتنا؟ ماذا سنفعل ونحن نراها تغرق الواحدة تلو الأخرى كقطع الجليد المتساقطة تحت تأثير التغييرات المناخية؟ يعرف العالم ثورات ابستمولوجية، علمية وتكنولوجية لم يسبق لها مثيل في غفلة منا، فنحن نكتفي فقط بإيجاد منتجاتها لاحقا في السوق لنقتنيها بمال البترول.
ستتغير ظروف الحياة البشرية خلال هذا القرن، وتتجاوز كل ما كنا نعرفه أو نفعله، سيسير كل شيء بوتيرة سريعة جدا، هذه التحولات ليست عبارة عن تنبؤات فقط، لقد تم التفكير فيها وتجريبها فعلا، ولن تتـأخر في أن تستخدم. ماذا سنفعل نحن في هذا العالم الجديد مع ذهنياتنا التي تقاوم كل إعادة نظر في تصوراتنا للكون، للإله، للآخرين ولسبب وجودنا فوق الأرض والتيترسخت منذ أمد بعيد؟
نحن نتلقى هذه التغييرات السريعة بصفة المستهلك ليس إلاّ، دون أن تتزعزع قناعاتنا أو تهتز نظرتنا البالية للأشياء، نتلقى كل ما يَرِدنا دون أن نتحدث عنه أو نفكر فيه. نكتفي فقط بالحصول على الترميز الضروري الذي يسمح بتشغيله والإفادة منه. و ما هذا إلا تدريب و تعليم يفرضه السوق و التقليد، و ليست الأفكار، ثم يستغله الجميع، إلى أن تأتي تقنية جديدة، “آخر صيحة” أو ما يُعتقد أنه الأفضل الذي سيعوض سابقه.عندما نصل إلى مرحلة لا نجد معها ما ندفع ثمن المعروض، سيلفظنا العالم و يلقي بنا في أقبيته مع جملة الشعوب تحتالتصنيف.
أحضر لي من باريس الصديق يوسف مسعودان، وهو باحث مستقل، انشغل بنقاط الإلتقاء بين العلم و الميتافيزيقيا، وناقشعلماء معتمدين في الفيزياء النظرية، علم الفلك و البيولوجيا، آخر كتاب لصديقه فيلسوف العلوم الفرنسي جين ستون “مفاتيح المستقبل: فلنبتكر معامجتمع، إقتصاد وعلم الغد”( Jean Staune, « Les clés du futur, réinventer ensemble la société, l’économie et la science ».) و هي دراسة و بحث من سبعمائة صفحة طبعته منشورات بلون Plon بمقدمة لجاك أتالي Jacques Attali ،و لقد أبهرني هذا المؤلَف، كما قدم لي كتابا آخر تحت عنوان” العلم و البحث عن المعنى”(« Science et quête de sens » ) أهداه لي الكاتب بعد مكالمة هاتفية معه.
تعرفت على يوسف مسعودان عندما راسلني على عنوان بريدي الإلكتروني سنة2011، ليطلب مني مساعدته في مراجعة كتابة دراستين أتمهما، بنيّة إرسالهما بعد ذلك إلى جامعة الأزهر، واحد عن “نظرية ميم” والآخر عن “الشفرة الوراثية”.
التقينا بعد ذلك في رمضان 2014، لرغبته في الحديث معي عن مشروع شغله كثيرا: تنظيم مؤتمر دولي، تحت رعاية الدولة، حول الموضوع الذي طرحه في الكتاب المعنون ” الحوار بين العلم و الإيمان”، والذي وقّّعه بالإشتراك مع الأستاذ الفذ في الفيزياء، والباحث في CERN في جنيف والمتخصص العالمي في النوترينو الأستاذ فرانسوا فانوتشي. و هنا أيضا، كان لي شرف المساهمة في مراجعة الجزء المحرر من طرف ابن وطني في الكتاب.
عرض يوسف فكرته لعقد المؤتمر على السلطات (الرئاسة، وزارة التعليم العالي، وزارة الشؤون الدينية، المجلس الأعلى الإسلامي)، استقبله وزير التعليم العالي السابق لدعم محتمل للحدث، لكن و بعد خمسة أشهر، لم تظهر أي متابعة للاقتراح على أرض الواقع، و الذي كان يهدف إلى تزويد الجمهور الجزائري المتخصص، بمعلومات عن أحدث الاكتشافات العلمية. ناهيك عن الأثر الثقافي والإعلامي لمثل هذا التجمع من العلماء ذوي الشهرة العالمية في الجزائر العاصمة.
من الشخصيات التي كان من الممكن أن تشارك في هذا المؤتمر، بالإضافة إلى الأساتذة ستاون وفانوتشي: عالم الفيزياء الفلكية هوبير ريفز( Hubert Reeves) ، الأخوة إيغور وجريشكا بوغدانوف( Igor et Grichka Bogdanov) ،الأمريكي من أصل فيتنامي ترينه شوان ثوان( Trinh Xuan Thuan)، أستاذ الفيزياء الفلكية في فرجينيا، مؤلف الكتاب الأكثر مبيعاً اللحن السري (La mélodie secrète) والمكتشف لأصغر مجرة معروفة حتى الآن زويكي (I Zwicky، الدكتورة سيلفي ديثيولاز( Sylvie Déthiollaz)عالمة الأحياء الجزيئية في جنيف، الدكتور جيه. تشاربونييه (J. J. Charbonnier) متخصص في تجارب الحياة ما بعد الموت، الفيلسوف فريديريك لينوار( Frédéric Lenoir) المؤلف الذي تُرجمت أعماله إلى عشرين لغة، عالم العلوم التقنية فرانسوا دي ويت (François de Witt) الذي نشر مؤخرا “البرهان بالروح”( La preuve par l’âme) ، والعديد من العلماء والمتخصصين الآخرين.
أطلعني يوسف على رسالة أخبره فيها الإخوة بوغدانوف التالي: “يسعدنا أن نأتي إلى الجزائر العاصمة لتقديم عملنا حول ما قبل الانفجار الأعظم(l’avant-Big Bang) إلى الأكاديميين، وأفكارنا حول علم الكونيات لعامة الناس خلال مؤتمر عام غير تقني … ” كما أبدوا اهتمامهم بإنشاء مختبر عام للكونيات بمساعدة مؤسسة جزائرية.
ربط يوسف علاقة صداقة مع ستون الفيلسوف، الرياضي، الأنتروبولوجي (علم الأناسة)، المتخصص في الإعلام الآلي والبروفيسور في إدارة الأعمال من مجمع الدراسات التجارية العليا، منذ أن ذهب إلى باريس حيث حمل له إعتراضا مبنيا على بعض المفاهيم البيولوجية و الأنثروبولوجية التي لها علاقة بالمواضيع التي عالجها كتابه. اقتنع يوسف أن البحوث المستخلصة من دراساته ورؤيته غير المألوفة يمكن أن تساعد على دفع النظريات الحالية في علوم الكونيات والفيزياءوالميكانيكاالكمية والبيولوجيا إلى الأمام. الغريب في الأمر أن هذه “الإعتراضات” التي تهدف لتحقيق هذا التقدم، لو أخذت بعين الإعتبار من طرف المجمع العلمي الدولي، يُنظر إليها بجدية من طرف علماء أصليين وأكاديميين وهم ستون، فانوشي (François Vanucci) وغيرهم.
لم يكن ليلفت انتباههم إن لم يدهشهم بمعارفه الرائعة، رغم أنّه تلقى دراسات بسيطة، وكان يمارس حياته المهنية في مجال الفنون المطبخية، لكن هذه العصامية في تكوين نفسه، التي جعلته في مصاف أساتذة جامعيين ومؤلفين معروفين في مجال اختصاصهم، هي التي خولته لربط صداقات معهم ودعوتهم لإلقاء محاضرات في الجزائر.
في سنة 2012، كان علماء الفيزياء في جميع أنحاء العالم مقتنعين بأن عائلة النيوترونات Neutrinos كاملة مع ثلاثة أنواع: الإلكترون، الميوني Muonique و التاوي Tauique.أصر يوسف مسعودان في مبادلاته مع البروفيسور فانوشي على إحتمال وجود نوع رابع. في سنة 2013 وصلته رسالة من هذا الأخير كتب له فيها:” يجري الحديث عن نيوترونات جديدة تسمى” غير المخصبة” ولها وزن أهم من الثلاثة المعروفة و قد تشكل إحداها المادة الناقصة في الكون”… و إذا كان مسعودان قد كسب الرهان في هذه النقطة، إلا أنه لا يزال ينتظر اكتشافا آخر: و هو أن ازدواجية الأمواج و الجسيمات غير موجودة، بل لابد من الحديث عن ” تكاملية “…لا ينتظر أن يرتد إليه طرفه حتى يرى أبحاثا و اكتشافات جديدة تصادق على يقينياته الحدسية.
قدّمنا أحد أعمال الدكتور ستون متعدد التخصصات و الذي يحوي رصيده كتابا آخر من أكثر الكتب مبيعا أيضا صدر سنة 2007 ” هل لوجودنا معناً؟”« Notre existence a-t-elle un sens ? ».. ذكرني كتابه الأخير” مفاتيح المستقبل” بكتاب الأمريكي الفان تفلر Alvin Toffler الذي صدر سنة 1970 تحت عنوان” صدمة المستقبل”« Le choc du futur » ، و الذي كان له صدًى عالميا، و قد خصص له مالك بن نبي على ما أذكر جلسات عديدة في حلقاته.
بادر جين ستون عملا ضخما عرض من خلاله هذه الحوصلة للإكتشافات الحديثة، والتحديثات التكنولوجيّة حتى لتلك التي مازالت قيد الإنجاز لعرضها على شريحة واسعة من الجمهور بلغة واضحة بهدف بسطها على عالم الغد الذي ستعيشه البشرية. وأناأقلب صفحات الكتاب أخذ سؤال حياتي يكبر تدريجيا بداخلي:كيف سنصير نحن الجزائريون في عالم يقترب إلينا في الزمن لكن نبتعد عنه بسنوات ضوئية بسبب أفكارنا الحالية، ذهنياتنا البالية، بمردوديتنا الضعيفة في كل مجالات الدراسة والأعمال، بمراتبنا المتأخرة في جل المجالات؟ لأني دائما ما أُسقط الأمور على حالتنا، على مستوانا وعلى واقعنا، لدي انطباع أننا على أعتاب لحظات في التاريخ الإنساني شبيهة في انعكاساتها بتلكالتي فصلت الإنسان عن القردة (بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون بالإنتقاء الطبيعي).
يخبرنا “مفاتيح المستقبل” أن العالم الجديد سيكون منتوج شركات عالمية تنشط في مجال تكنولوجيا الإعلام و الإتصال، مثل غوغل الذي يتلقى 3.5 مليار طلب يوميا، و فايسبوك الذي يمتلك مليار شخص حسابا فيه، و آبل أكبر شركة بورصة مالية في العالم و التي تمتلك رصيدا ماليا يفوق رصيد الولايات المتحدة الأمريكية، و التي يمكن أن نضيف إليها منظمات عمومية كوكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية DARPA. تحتل هذه المنظمة وغوغل القمة على المستوى الدولي في مجال البحث والذكاءالإصطناعي.
لقد غير الإنترنيت حياتنا فعلا، علاقاتنا، أفكارنا، مشاعرنا، تنظيم أوقاتنا وميزانيتنا.، لقد ساهم أيضا في قلب أنظمة حكم سياسية، فأنقذ شعوبا من الإستبداد وألقى بأخرى في حرب أهلية أو سلمها للهمجية. سيسمح لنا مستقبلا بأشياء أسطورية أخرى، كأن نصنع في بيوتنا أشياءا بفضل تقنيات جديدة كالطابعة ثلاثية الأبعاد. طابعات بعدة أمتار في الطول يمكن أن تنسخ حلقات من 125 غرام ويمكن أن ترفع مركبات تزن الطن، تركيب أعضاء بشرية وأيضا منازل خلال أربع وعشرين ساعة بمزج الإسمنت وبقايا البناء مرسكلة… كل شخص سيتمكن من صنع ما يريد لحاجاته من منزله.
ويشير الكاتب إلى أن مجموعة من المهندسين الجزائريين نجحوا في صناعة لَبناتٍ باستعمال رمال الصحراء التي كانت تُعتبر غير صالحة لهذا الإستعمال، فدوّن التالي:” تصوروا قوة جمع لبنات مصنوعة من رمال الصحراء بطابعة عملاقة ثلاثية الأبعاد قادرة على بناء مسكن” ويزودنا بعنوان الكتروني للإلتحاق بأبناء بلدنا هؤلاء:www.greenprophet.com/2013/04 .هل سمع أيّ منا بهذا الإبتكار والذي سيخفض سعر السكن في بلدنا؟ وهل سيهتم أحدهم سواء مؤسسات عمومية أو شركات بالموضوع؟
منذ الآن وإلى غاية عشرين أو ثلاثين سنة، كما أعلن ستون، استعمال الرجال الآليين في الإنتاج الصناعي سيكون سببا في زوال 150 إلى 200 مليون منصب شغل خاصة في البلدان البارزة التي قامت بالعديد من عمليات تحويل النشاط لتخفيض التكلفة خلال العشريات الأخيرة. ستُعاد المصانع إلى أراضيها واليد العاملة غير المكلفة سيتم استبدالها بالآليات التي ستكون سببا في اندثار العديد من المهن:” لابد من استيعاب فكرة بسيطة: كل ما يمكن أن يكون آليا سيصبح آليا. السؤال الكبير إذن: ما الذي لا يمكن أن يكون آليا؟ هل سيكون سائقو السيارات في منأى من هذا التطور؟على الأرجح لا.على الأقل في المدن الكبرى، فاحتمال أن تظهر سيارات بدون سائق كتلك التي يعمل غوغل على تجريبها حاليا .السكريترات؟ لقد بدأت تختفي بالجملة مع تطور المعارف الصوتية… محولي الهاتف؟ لم يعد الحديث قائم عنهم أصلا لأنه تم تعويضهم باللوائح الصوتية. المترجمين؟ مستقبلا سيكون واحد فقط كافيا لإعادة القراءة وتصحيح عدة ترجمات آليا… الأساتذة؟ولا حتى هؤلاء، لأن أستاذا واحدا يمكنه أن يدرس آلاف الطلبة. لن تكون فيديوهات مسجلة بل آليات مبرمجة كي تقدم، إنطلاقا من قاعدة معلومات، إجابات الأسئلة الأكثر تكررا…”(الصفحة 44-45).
ماذا سيفعل كل هؤلاء الرجال والنساء العاطلين عن العمل بسبب التطور التكنولوجي الذي أصبح منذ نصف قرن السبب الأول والحقيقي للبطالة؟ من أين سيكسبون لقمة عيشهم؟ وبماذاسيشغلون أوقاتهم؟ أي مجتمع سيكون ممكنا مع أغلبية بدون عمل لا تحتاج أن يتم تكوينها أو تعليمها، لأن الإقتصاد لن يكون بحاجة لها؟ سيجعل تعويض الطاقات الحفرية بالطاقة الشمسية الإنتاج أقل تكلفة، لكن كيف سيدفع المستهلك ثمن هذه المنتجات و هو بدون دخل و لا قدرة شرائية لديه ؟:” حسب استشراف رياضي، سيحدث انهيار كبير للإقتصاد مستقبلا، يبقى توقيته فقط مجهولا، ينتج عنه مجتمعات تعيد إرساء استقرارها،مجتمعات زراعية، ثابتة لا تسعى لأي نمو كالذي سعت له شريحة واسعة من البشرية منذ ألفيات عديدة”(صفحة 74).
تبدو التوقعات المفتوحة بسبب الإستخدام الآلي و التصميمات الصغيرة و الدقيقة بناءا على قاعدة أن «كل ما هو صغير قويّ”،غير محدودة بل ومخيفة : “و ماذا لو كان بالإمكان جعل الإنسان آليا إجمالا؟”…يوما ما، بفضل دراسات معمقة لآليات المخ، سنصل إلى فهم طريقة عمل الوعي و من ثم يمكن صناعة آلة قادرة على تحقيق نفس المستوى من الوعي و بالتالي التطور في النوع البشري…
“سيكون ما فوق الذكاء آخر ابتكار للنوع البشري والذي قد يسجل نهاية هذا الأخير فوق الأرض…فلو تجاهلنا مخاطر النووي المدني والعسكري، الإحتباس الحراري، التلوث: في القرن الواحد والعشرين، أكبر تهديدٍ للجنس البشري هو أبعد من ذلك، فهو الإحتمال الذي ذكرناه من ظهور ما فوق الذكاء…، يمكن أن نكون متأكدين من أنه مادام احتمال أن الذكاء الإصطناعي يمكن أن يتفوق على الإنسان قائمٌ، فسيحدث ذلك حتما يوما ما” (الصفحة 47 و 56). سيوفر التقارب بين الذكاء الإصطناعي و البيوتكنولوجيا (المعالجات الجينية، النانوتكنولوجيا) في سنوات 2045 النانو الآلي القادر على الدخول إلى الجسم البشري لترميم الخلايا و الطائرات بدون طيارالقاتلة والصغيرة جدا(micro-drones-tueurs) “السلاح الأكثر دقة و ترويعا الذي اخترعته البشرية”(الصفحة 60).
بعد كل هذه الأنباء التي نسجت الجزء الأول من الكتاب، خُصص جزؤه الثاني لإستعراض المذاهب الإقتصادية الليبرالية و السياسات الإقتصادية المتبعة في الغرب في فترة ما بين نهاية القرن الفارط و أزمة 2008 الإقتصادية التي نظر إليها ستون كأزمة نموذج و قطيعة نظامية :” كما بينته أزمة الرهن العقاري جيدا، الرغبة في تحصيل المصلحة الإقتصادية الفردية لعدد صغير من الفاعلين يمكن أن يخالف مصالح كل الفاعلين الإقتصاديين تقريبا و يهدد التوازن في المجتمع بشكل خطير…و لهذا تعقّدَ دورُ الدولة في المجتمع، ما بين سلطة الدولة وتدخلاتها، و الليبرالية و الخوصصة المتوحشة، أمّا في القرن الواحد و العشرين فلابد أن يُعاد النظر فيه كلية”.
حمل جزء الكتاب الثالث عنوان ” الحداثة، ما بعد الحداثة، و ما وراء الحداثة”، و استُهِل بهذه الحكمة:”ماتت الحداثة لكن لا علم لها بذلك بعد”.و يقصد الكاتب منها أن القدرة على التنبؤ بالمستقبل أو وضع نموذج له لم تعد ممكنة، كما لم يتوقع أي كان أن تضحية البوعزيزي بنفسه سيشعل فتيل الربيع العربي، لكنّ أحداثاً مثل هذه ” ستتزايد بشكل مضاعف” (الصفحة 319) .ستكون ثورات بدون قائد، لن يصبح العلم ملكا لـ”أساتذة” و مكتبات الأرض كلها ستفتح في وجه الجميع، يمكن الإطلاع على محتواها من المنازل دون تنقل، دون حدود و دون مقابل. لم يعد العلم فطريا طبيعيا، بل هو معروض على نسيج باتصال مجاني وموضوع في شكل شبكات غير محدودة، لقد عُمم وجُعلديمقراطيا، الأمر الذي يسبب تغيرا جذريا في العلاقات الإجتماعية.
لن تكون العلاقات عشوائية مستقبلا، بل ستكون أفقية وعرضية، لقد تجددت أشكال الإتصالات والتواصل، وستُغيّر أساليب التفكير وتوسع امتداد هذا التواصل الذي لن ينحصر داخل مجتمع و حسب بل سيتعداه إلى ما بين كل الأجيال المتعاقبة، كل البلدان، كل الثقافات واللغات…
بحث الكاتب طيلة الجزئين الأخيرين من الكتاب قواعد اقتصاد جديد لا يرتكز على الموارد المالية أو الطبيعية، لكن على المعرفة، المعلومة والإبداع:” القوة الفكرية هي الثروة الأساسية” (الصفحة 395). ستكون الثورة الثالثة في الغرب خلال ثلاث قرون، كانت الأولى تطبيق العلم على التقنية (مهارة الحرفيين)، والثانية في تطبيقه على العمل (التايلورية)، أما الثالثة ففي تطبيق العلم على العلم نفسه.” ظهرت تصورات علمية جديدة سمحت لنا بالتوجه و بشكل أفضل نحو العولمة المعقدة التي أصبحت من يومياتنا.غيّر التعليم باتحاده مع ثورة المعلوماتية و الإنترنيت، و بشكل جذري، القوة و التركيبة الذهنية للأشخاص العاملين بالمؤسسة…لقد تم توظيفك في أكبر مؤسسة صناعية حيث يعرف أحد منتجاتها رواجا في العالم كله.عند وصولك للمؤسسة لأول مرة تطلب من أول شخص يستقبلك أن يوجهك إلى مقر عملك ، كم ستكون حجم مفاجئتك و هو يجيبك:” أنت من عليك ابتكاره” (الصفحة 534-540).
في الخاتمة، يخبرنا البروفيسورستون، مكونات التحول التي ستنقلنا إلى حقبة جديدة:
1) الثورة التقنية لأجزاء الأنترنيت الأربعة (الإتصال، المواد المنسوخة في المنزل، مواد التواصل والطاقة) والتي ضاعفت من قدرة معالجة، تخزين ونقل المعلومة.”هذه الثورة هي الأكثر وضوحا، والأكثر تأثيرا على حياتنا لأنها ستغير أسلوبنا في الإنتاج، الإستهلاك، التصرف، وستقلب العلاقة ما بين الأفراد، الدول و المؤسسات” (الصفحة 660).
2) ثورة المفاهيم والتصورات (تغيير النظرة للعالم التي تسببت فيها الإكتشافات المستحدثة في العلوم القاعدية، كالفيزياء الكمية، الأسترو فيزياء، نظرية الفوضى الفيزيائية والرياضيات)
3) ثورة اجتماعية (الإنتقال من الملكية إلى الكينونة)
4) ثورة اقتصادية (الإنتقال من عالم مؤسس على الآلات والأموالإلى عالم مؤسس على العلم والإبداع).
هل نحن جاهزون كجزائريين لإيجاد مكان لنا في مسارات التطور هذه؟
) “ لوسوار دالجيري “ 09 جويلية 2015
(جريدة “الحوار“ 04 سبتمبر 2016)
(موقع الجزائر اليوم 09 فيفري 2017)
تنبيه: توفي الباحث يوسف مسعودان فيجويلية 2017، وقد قدم له نعي في صفحة الأستاذ بوكروح على الفايسبوك.
