ترجمة عبد الحميد بن حسان
أخيراً نطق الرئيس اليمين زروال (رئيس الجمهورية الأسبق)، وهو أمرٌ إيجابي يُسجّلُ لصالحه لأنه استجاب لرغبة الجزائريين الذين كانوا ينتظرون منه، وهم في حيرة من أمرهم، أن يقول شيئا عن الوضعية التي تمرّ بها بلادهم.والواقع أنهم كانوا ينتظرون أكثر من مجرد كلمة من طرف رجل يتمتع بمكانة خاصة في نفوسهم، ولأنّ لكلامه وزناً خاصاًّ في الساحة الوطنية. كانوا ينتظرون منه موقفاً واضحاً، بكلمات واضحة، واتّجاها واضحا يرجوه كثير من المواطنين.
وها هو زروال يجيب الجزائريين بأكثر من مجرّد كلمة، إذ أنّ ما نستشفّه من التعليقات الصحفية التي قلبت كلمته على كل وجوهها، هو تأويلات متباينة، بل ومتناقضة أحياناً. وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدُلّ على أن الرئيس الأسبق كان غامضاً في كلامه إلى الحدّ الذي أتاح لكلّ طرفٍ أنْ يفهم ما كان يتمنّاه. والسؤال المطروح هو: هل كان غموضه لا إرادياًّ أم مُتعمَّداً؟
لقد تكلّم زروال، لكن على طريقة نوستراداموس (Nostradamus)،ذلك المُستشرف الذي صاغ، خلال القرن 16ميلادي، نبوءات لم يتمكّن الناس من فكّ ألغازها بالكامل أربعة قرون بعد ذلك. وكان نوستراداموس هذا خبيراً في الصيدلة، كما أوتيَ قدرة عجيبة على رؤية المستقبل على مدى قرون من عصره. وقد عمد إلى صياغة رؤاه في رباعيات غامضة المعنى، لا لكي يُحرج بني عصره، لكن خوفاً من الكنيسة في حالة ما إذا فهم رجالها ما يكتب، إذ أنها ستقضي عليه بالموت حرقاً كما كان مصير علماء وكُهّان سبقوه ولم يبق منهم غير الرماد لأنهم لم يحرصوا على تمويه أفكارٍ كانت تُعتبر كُفراً.
أمّا زروال، فبالنظر إلى مكانته وسنّه وزهده في السياسة، لم يكن هناك ما يخشاه ولا يتمناه من أحد. غير أنه يخاف على بلاده، حسب ما جاء في تصريحه، ويُشارك بني وطنه في هواجسهم.
لقد عبّر عن رأيه في ” أزمة الثقة البنيوية” التي تنخر عظام بلادنا، وفي ” نزعة التشكيك المُفرطة التي سيطرت على الرأي العام الوطني الجريح”، وفي” غليان المواطنين الذي تشهده الساحة السياسية الوطنية “، وهو يعترف بشرعية هذا الغليان. كما عبر عن رأيه في الخطإ المُتمثل في فكّ قيد تحديد عدد العهدات الرئاسية سنة 2008، وأشار إلى شروط الصّحّة الجسدية والمعنوية والبروتوكولية لتحمل مسؤولية الرئاسة، وعبّر عن رفضه لوهم المهدي المُنتظر، ودعا إلى ضرورة استغلال العهدة القادمة كي يُتاح للجزائر أنْ تُقبِل على مستقبلها بحُكمٍ جديدٍ وجيلٍ جديد.
وإذا قارنّا تصريح اليمين زروال بالتصريح الذي أدلى به مولود حمروش (الوزير الأول الأسبق) منذ مدة قصيرة (وهو نقيضه شكلاً ومضمونا)، والذي افتتحه بطريقة مفاجئة بوعود وضمانات لجماعات مصالح غير واضحة، و” أقليات ” و” نواحي” لم يرها إلاّ هو، فإنّ رسالة اليمين زروال تُعدّ كلاماً مُنيراً.
ولم أكتف بقراءة تصريح اليمين زروال قراءة واحدة، بل عمدْتُ إلى تفحّص مضمونه عن قرب مُحاولة مني لاستنتاج ما لم يُصرّح به الرئيس. وقد خرجتُ من ذلك بانطباع أنّ هذا التصريح ينطوي على لغز: فالانتقادات اللاذعة التي وجّهها إلى بوتفليقة لا تتوافق مع تفاؤله بما بعد 17 أفريل.
ففي النص غياب للاتساق بين ما لاحظه من وضعية مزرية في الحاضر وبين الرؤية المستقبلية التي تدعو إلى الاطمئنان. وغياب الاتساق يدلّ عليه كون الرجل الذي تسبب في الوضعية المُزرية الحالية هو ذاته مُهندس هذا «الوضع السياسيّ الجديد” الذي يشير إليه زروال. واستنتجتُ من ذلك أنه إذا كان اليمين زروال قد تكلّم بطريقة نوستراداموس فلأنه يعرف ما لا نعرفه نحن، أو ما لم يحِن الأوان لنعرفه بعدُ.
وما الذي منع الرئيس زروال مِن نشر هذا النّص قبل أن يعلن بوتفليقة عن ترشُّحه، أو بعد ذلك مباشرة، وفضّل التريّث إلى عشية افتتاح الحملة الانتخابيّة، أي بعد أنْ رُتِّبَتْ كلُّ الأمور؟
ولو أنه نشره قبل ذلك فالناس كلّهم سيفهمون أنّ حكيم باتنة مُنْضَمٌّ إلى المواطنين الذين يرون أنّ الرئيس بوتفليقة، وبالنظر إلى حالته الصّحّية وإلى سنّه، هذا دون ذكر حصيلة السنوات الخمس عشرة التي حكمها، ينبغي ألاّ يترشّح لعهدة رابعة. وهل اقتنع الرئيس زروال أخيراً بأنّ خليفته مُقبلٌ على مسؤولية أكبر من إمكاناته، وهو بذلك يُعرِّضُ البلاد لمواجهة مستقبل مجهول؟ وما هي الحُجج التي جعلته يتخلى عن تردّده الذي نستشفّه من هذا النّصّ؟
وممّا جاء في تصريح الرئيس زروال: ” وبغضّ النّظر عمّا يمكن أنْ يتمخّض عن استحقاق 17 أفريل القادم، يجب الانتباه خاصةً إلى أنّ العهدة الرّئاسية القادمة هي عهدة الفرصة الأخيرة التي يجب اغتنامها لإدخال الجزائر في مرحلة التحوّل الحقيقي”. فهناك غموض يلفّ عبارة ” بغض النظر”، خاصة وأنّنا نعرف أنّ كلّ شيء مُتعلِّق بالرّئيس-المترشّح، والذي قام بكلّ الترتيبات اللاّزمة من أجل جعل هذه الانتخابات مُرتبطةً به هو وحده.
وما يُمكن أنْ يُستَشفّ من تصريح زروال هنا هو أنّ ” التحوّل الحقيقي” قادمٌ سواء أكان بوتفليقة أم غيره. فما الذي يُثبتُ صحة هذه القناعة بأنّ ” وضعاً سياسياًّ جديدا” سيرى النور، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ميل الرئيس- المترشح إلى الالتواء واللّف والدّوران بطبيعته؟
وهذا تساؤل آخر: مِنْ أين للرئيس زروال أنْ يعلم أنّ «العُهدةالرئاسية القادمة يجب أنْ تكون جزءاً من مشروع وطنيّ كبير، وأنْ تتيح الفرصة التاريخية من أجل توفير الشروط المناسبة لتحقيق وفاق وطنيّ حول رؤية مشتركة بشأن مستقبل الجزائر، وهي النظرة التي يُفترض أن تلتفّ حولها أهمّ الفعاليات الوطنية والتي يجب أن تتكلل في أعلى القمّة بقبول كلّ الشعب الجزائري بطريقة حُرّة”.
وواضح أنّ المقصود في هاته الأسطر هو الدستور القادم الذي ” يجب” أن يكون نتيجة ” وفاق وطنيّ”، ثُمّ يُكلّل ” بالضرورة” باستفتاء. والحال أنّ مشروع تعديل الدستور الذي لا يعرف عنه أحدٌ شيئا موجودٌ بين يدي الرئيس الذي يعضّ عليه بنواجذه ويُحيطه بالسّرّيّة التامة كما يُفعَلُ بوصيةٍ خاصة بإرث غال أو عقد ملكية.
إنّ هذا المقطع لا يُعبّر عن الرجاء أو التمني، فقد جاء بصيغة آمرة. ولو أنّ الرئيس زروال كان مُترشّحاً لأَوَّلْنَا تلك التأكيدات على أنها التزامات ووعود منه أمام الناخبين، والحال أنه لم يكن مترشحاً. تبقى هناك إمكانية واحدة باستنتاج شيء غير معقول من كلامه، وهو أنّ بوتفليقة لنْ يُختار! وكيف يكون ذلك، إذ لو كانت تلك أمنية زروال لساهم في هذا المسعى منذ البداية. كان بإمكانه أن يجعل العهدة الرابعة غير مضمونة بترشّحه هو، أو بتقديم مُترشحٍ آخر، أو بدعوة الشعب إلى مُقاطعة الانتخاب. وكان كذلك بإمكانه أنْ يدعو صراحةً إلى مُساندة أحد المترشحين المُنافسين.
ويُواصل الرئيس زروال تصريحه قائلاً: ” إنّ عهدة التحوّل هذه ستُمثّل أولى المراحل الجادة في إطار قفزة نوعيّة باتّجاه تجديد جزائري أكثر مُطابقة للتطلعات المشروعة لدى أجيال ما بعد الاستقلال، وفي انسجام مع التحوّلات الكبرى التي يشهدها العالم. لقد آن الأوان لنُهدي للجزائر تلك الجمهورية التي يحقّ لها أن تُطالب بها شعبَها ونُخبتها الرّشيدة “.
إنّ هذا الكلام يمكن اعتباره كذلك بمثابة تصريح عن أشياء جديدة على لسان مُترشّح، وهي أشياء لم نسمعها حتى من جهة بوتفليقة نفسه. وهذا التحوّل الذي هو في مصلحة البلاد، كان بإمكان البلاد أن تُحدِثه سنة 2008 عندما كان رئيس الجمهورية يتمتع بالقوة اللاّزمة لذلك، أو أنْ يُحْدِثه هو هذه المرّة بعدم الترشّح للانتخاب، لكنه لم يفعل شيئا في هذا الاتّجاه منذ خمس سنوات، وهو إلى الآن لم يَقُلْ شيئاً عمّا ينوي فعله مستقبلاً. وفي هذه النّقطة نلاحظ أن اليمين زروال لم يستعمل الصيغة الآمرة، بل استعمل صيغة تدلّ على المستقبل، وكأنه مُتيقِن مما سيحدث. فإلاَمَ استند في هذا اليقين؟
إنّ فكرة التّحوّل يمكن تصوّرها وتقبّل إمكانية حدوثها مُستقبلاً في حالة ما إذا كان الرّئيس قاصراً مُقصِّراً. أمّا الآن فهي ليست ممكنة إلاّ إذا أعيد انتخاب بوتفليقة لأنّه لو اختير أي مُترشّح آخر غيره فسيعتبر نفسه بمثابة ” التحوّل ” أو ” التجديد ” أو ” الجمهورية الثانية”، وسيشعر بأنه مُستغْنٍ عن أي رُفقة لأنه انتُخِبَ كبديل عن ” مُرشّح النِّظام”. وهنا يفرض هذا السؤال نفسه: لماذا أُسْنِدَ أَمْرُ التخطيط لمستقبلنا للرئيس-المترشح بوتفليقة؟
أمّا ما يتعلّق برأيه في أنه ” آن الأوان لنُهدي للجزائر…”، فهذا التزام لا يُلزمُ إلاّ قائله لأنّ بوتفليقة بإمكانه أنْ يرى ألاّ واجب يربطه بالجزائر غير منحها شخصه العظيم، ذلك أنّ ما يُستفادُ مِنْ كلام وكلائه أنه قد منح لبلاده كلّ شيء. وأضيفُ إلى هذا أنّ وطننا الأم، الجزائر، لم يحدث له أنْ طالب أحداً بأي شيء، وأنّه لو حظي بهذا الحقّ لتوجّه إلى ” النظام”، لا إلى الشعب الفقير الذي لا سلطة له، ولا إلى نخبته التي قد تكون واعية و” مستنيرة “لكنها لا تستطيع فعل أيّ شيء. وهذا يُذكّرنا بقصّة الأبكم الذي طلب من زوجته الصّمّاء أن تُغلق النافذة لأنّ هناك أعمى ينظر إليهما.
وإذا كان هناك سرٌّ مَخْفيٌّ، ولو افترضنا أنّ العهدة قابلة لأنّ تتمخض على احتماليْن لا نعلم إلاّ بأوّلهما، فإنّ أسئلة أخرى تتبادر إلى الذهن: هل كانت هذه الطريق الوعرة والخطيرة هي الطريق الوحيدة التي من شأنها أنْ تؤدِّي إلى التّحوّل؟ أوليس من المجازفة الخطيرة جداّ أنْ نُراهن على رجلٍ قد تتدهور صحته، أو، لا قدّر الله، قد يموت قبل أن تصل الآجال المنتظرة بكاملها (تاريخ 17 أفريل، وتعديل الدستور، إلخ)؟ هل سيكون بوتفليقة قادراً على تحقيق ما بُرمِج في تلك الآجال؟
وقد تحدّث الرئيس زروال كذلك عن ” سلطات مُضادّة قويّة “. أين هي، ومن أين ستخرج في الوضع السياسيّ الراهن الرازح تحت نير خمس عشرة سنة من الانغلاق؟ هل يرى زروال، مثل نوستراداموس، ما لا يراه غيره؟ إنّ السلطة المُضادّة الوحيدة التي لا يشكّ في وجودها أحد هي الجيش الذي هو مصدر السلطة، لكنه في نفس الوقت قد ينقلب إلى سلطة مُضادّة في حالة الخطر الدّاهم، كما حدث سنة 1992 عندما اختلف مع الشاذلي بن جديد.
والحال أنّ هناك مؤشرات تدلّ على أنّ الجيش قد طلّق السياسية، وقد تبرّأ منها بدءاً من الآن، وهو بذلك يُثير مخاوف المواطنين المُعارضين للعهدة الرابعة، والذين يرون أنّ هذا الانسحاب قد يفسح المجال للمافيا السياسية المالية كي تستولي على السلطة (بطريقة ديمقراطية). وهذا ما يُفسّر مخاوفهم، كما يُفسّرُ إصرارهم على التنديد بمثل هذا المستقبل المُحتمَل. وهذا أيضاً ما قد يؤدّي إلى ثورة نوفمبرية ثانية…
وفي الختام أعبّر عن أمنيتي، ونحن في بداية الربيع (أقصدفصل الربيع الحقيقي وليس “الأيادي الأجنبية”)، ألاّ تستغرق نبوءات زروال قرونا عديدة كي تتحقق، كما كانت الحال مع نبوءات نوستراداموس، وأنْ نكون من الأحياء كي نرى حدوث “التحوّل الأعظم” الذي بشّر به الرّئيس الأسبق. وأنا من بين الكثيرين ممّن يثق فيه ويدعو الله أن تجري الأمور كما أعلن عنها في تصريحه.
جريدة ” لوسوار دالجيري” 23 مارس 2014
موقع الجزائر اليوم 07 جويلية 2018
