Home مقالاتالإشكالية الجزائرية2016-2011العهدة الرابعة: هل جنت امتي؟

العهدة الرابعة: هل جنت امتي؟

by admin


ترجمة بوكروح وليد 

“يَعجَبُ الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل” الرسول (صلعم)

“القوة صنعت أول العبيد لكن جبنهم أبقاهم على حالهم. يفقد العبيد كل شيء في أغلالهم، حتى الرغبة في التخلص منها” ج.ج. روسو.

أليس صحيحا أن كل المقاييس العالمية تصنفنا في المراتب الأخيرة في عمل الخير، و في المراتب الأولى في فعل الشر (الرشوة، الفشل الاقتصادي و السياحي، حوادث المرور. على سبيل المثال لا الحصر)؟ لكن هذه الحصيلة المهينة لم تمنع فارس الأخلاق الحميدة بن يونس، من شتم الذين “لا يحبوننا” من جميع أصقاع العالم، بينما هؤلاء لا يبالون إن كنا موجودين على سطح الأرض أم لا، ولا يكترثون إلا بمشاكلهم وبالمضي قدما في مسيرتهم نحو التقدم. لو طرحنا السؤال لأجابنا الكون كله على نفس واحد: نحن في كل شيء، نحب ونحترم أصحاب المراتب الأولى لا الأخيرة.

نحن الشعب الوحيد الذي يعتقد أن الشعوب الأخرى في العالم لم تُخلق إلا لتتآمر علينا أو تترقب الفرصة السانحة للانقضاض علينا والإجهاز على خيراتنا. بينما الحقيقة أَن هذه الشعوب التي لم نضف إليها شيئا يذكر، تعيش دوناً عنا منذ آلاف السنين،ودوناًعن محروقاتنا والإرهابوالحراقة التي نصدرها إلى بلدانها، كما يُصَدر إلينا المغرب الأطنان من مخدراته، وتماما كما لن يتغير العالم مثقال ذرة لو هلكنا كلنا بمحرقة جماعية أو بكارثة طبيعية كالتي ذهبت بقوم “عد وثمود”. لا يعدو هذا إلا أن يكون ضَربا من “التوسويس الوطني” وجنون الشك والاضطهاد؛ أو كما يصطلح عليه في الطب: “الهذيان الارتعاشي”.

لقد تجول نظري كثيرا بين المساحات المأهولة من كوكب الأرض، وتوقف عند زيمبابوي الزعيم موغابي، و كوبا الأخوين كاسترو، و عند السلالة الشيوعية الحاكمة لكوريا الشمالية؛ لكني لم أجد بَعدُ شيئا قد يساعدنا على فهم حالتنا التي تقع خارج مجال العقل. يجب العودة بعيدا في التاريخ العالمي و الديني و التوقف عند قصص القرآن الكريم لإيجاد أمثلة يمكن مقارنتها بالحالة التي نعيشها. الفرق الوحيد أننا لا نَزَالُ على قيد الحياة بينما هلكت تلك المجتمعات لما ابتلعها الطوفان أو البحر, مثلما وقع لقوم نوح والأتلانتيس، أو دمرها الزلزال مثل مدين و ثمود.

في إحدى مشاركاته في نشرة قناة الجزائرية، سُؤل خبيرنا الجيوفيزيائي الوطني لوط بوناطيرو عن الزلزال السياسي الذي يمكن أن تُخَلفه انتخابات 17 أفريل. فَردَّ، متنازلا عن كل ارتباط بالعلم الذي كان يمدح فيه ثوان قبل ذلك، على الصحفيين المندهشين أن الزلازل تُرسل من عند الله لمعاقبة البشر على فسادهم، مفضلا على التفسير الجيولوجي لمجال عمله، ذلك الذي جاء به سلفه البعيد النبي لوط، و الذي لم يهلك قومه بالزلزال بل بالنيازك الفضائية، كما يسرد علينا القرآن الكريم “فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَة مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ”. (سورة هود – الآية82)…

الكل يعلم أن الرئيس أصبح شبه أخرس بفعل الجلطة الدماغية التي أصابته، ولا يستطيع أيضا استعمال لغة الإشارة لأن ذراعه الأيسر معاق. لكنه قام مؤخرا بتوجيه رسالة (دون أن يكتبها بنفسه) للشعب الجزائري يقول له فيها: “…لقد تلقيت ببالغ التأثر وبعميق الشعور بثقل وخطورة المسؤولية تلك النداءات الموجهة إلي من قبل المواطنات والمواطنين، والمجتمع المدني، والتشكيلات السياسية، والهيئات النقابية، والمنظمات الجماهيرية التي دعتني إلى الترشح للانتخاب الرئاسي المقبل.

وإنه لمن واجبي، من منطلق احترامي الدائم للشعب الجزائري الذي شرفني وحباني بخدمته طيلة ثلاث عهدات، أن ألبي النداء، وهذا من حيث إنني لم أتملص قط، طوال حياتي، من أي واجب من واجبات خدمة وطني. ويعز على ألا أستجيب لندائكم. من ثمة، قررت، حتى لا أخيب رجاءكم، الترشح للانتخاب الرئاسي المقرر في 17 أفريل 2014 وتسخير كل طاقتي لتحقيق ما تأملونه “. هكذا إذا لا يحتمل المترشح بوتفليقة أن يُقر أنه هو الذي يريد البقاء في السلطة، يجب أن يكون الشعب هو الذي يناشده ويترجاهألا يرحل.

تقول العادات والأعراف أنه يجب الرد لَما تصلنا رسالة من أحدهم،فعلينا إذا كلنا أن نبعث بجواب إلى المترشح، لنطمئنه على وصول رسالته أولا، ثم لنمده بأخبارنا ونتمنى أن “تَجده رسالتنا بخير”. وبعد ذلك ندخل في صلب الموضوع مباشرة. هذا ال «أنتم” الذي يخاطبه، هو نحن جميعا الذين لم نرى رئيسنا إلا نادرا خلال السنوات الأخيرة ولم نسمع منه شيئا منذ فترة ليست بالوجيزة. وبما أننا ندرك جيدا حالته الصحية المتدهورة، فلم يخطر أبدا على بالنا أن نُبقي عليه بالقوة في مسؤوليات لم تعد له القدرة على تحملها أكثر من هذا…

لكن علينا نحن أيضا أن لا نكون عُميًا أمام الحقيقة التي اعترف بها الرئيس بنفسه في رسالته و هي أن مرضه كان يَجب أن يقصيه من المنافسة، و أنه كان يجب أن يُعفى من المسؤوليات الثقيلة التي أرهقت كاهله، مكذبا باعترافه المجلس الدستوري الذي قبل ملف ترشحه للانتخابات و مؤيديه الذين يقسمون أنه بخير. فهو يكتب: “…عديدون أنتم الذين ناشدتموني مواصلة قيادة مسعى التقويم الوطني الذي قطعنا في ظله أشواطا بعيدة منذ أن استلمت الحكم في بلادنا عام 1999 .

إن الصعوبات الناجمة عن حالة صحتي البدنية الراهنة لم تثنكم على ما يبدو عن الإصرار على تطويقي بثقتكم وأراكم أبيتم إعفائي من أعباء تلك المسؤوليات الجلي التي قوضت ما قوضت من قدراتي. وأمعنتم في إلحاحكم على أن أبذل بقية ما تبقى لدي من قوة في استكمال إنجاز البرنامج الذي انتخبتموني من أجله المرة تلو الأخرى”. هكذا إذا, و بكل وضوح, الخطأ فينا نحن الأنانيون و المجانين الذين نريده أن يبقى معنا. لكن الإنسان العاقل أو الطبيب النفساني كان ليرد عليه بحجة أخرى هي أن من يُنَفذ ما يطلبه منه مجانين لا يعتبر أقل منهم جنونا.

فضلا على لهجة الترجي والأسف التي تحملها الرسالة، نجد كذلك الوعود المعتادة وكثيرا من الرضا والاكتفاء الذاتي. الإنجازات التي ينسبها لنفسه هي انجازات كل الأمة بمساهمة الطاقات البشرية في صفوف الدولة،والمُحققة بفضل موارد المحروقات. العديد من رجال السياسة من جيل الاستقلال، كان و لا يزال في وسعهم إنجاز ذلك أو أكثر في مكانه. وحصيلته التي يتكلم عنها مصطنعة و “غير مخلصة” كما يقال في لغة المحاسبة؛ لا يمكنه المصادقة عليها بنفسه لأنه لا يمكن أن يكون اللاعب والحكم في نفس الوقت. وأَي حصيلة يجب أن تعرض دائما على سلطة مراقبة وتخضع إلى تدقيق موضوعي وموافقة محايدة. لكنه لم يطلب موافقتنا على حساباته ولم نمنحه إيّاها.

إن مسار الجنون الجماعي الذي فُرض على الأمة قد تعمم وأصاب الكثير من الناس في وسط الشعب والأحزابوالمجتمعالمدني. نجد نفسنا اليوم في “مسرح ظل” وساحةمعجزات،مكتظة بأناس “صم بكم عمي فهم لا يعقلون” كما جاء في القرآن الكريم (سورة البقرة: 171). الرئيس الذي تنتهي وتبدأ ولايته هو شخص مُنتَه وغائب عن حملته الانتخابية،وأنصاره يرتكبون ويكررون الهفوات في قاعات فارغة ولا يكترثون بذلك لأنهم يعلمون أن مرشحهم فائز لا محالة، بالانتخاب أو بدونه وحيا أو ميتا…

المجتمع المدني، الذي يَحمل حاليا اسما أكبر مما يمثل حقيقةُ،يمر بمخاض عسير ليولد عبر محاولات “بركات” أو أساتذة جامعة بوزريعة المحتجين أو بعض “الأجنة” الأخرى. فكيف يُفَكر وأينهم إذا الملايين من الموظفين والعمالوالإطارات في القطاعين العام والخاص؟ وماذا يفعل مليون ونصف من الطلبة ومئات آلاف الأساتذة وعشرات آلاف الصحفيين والمحامينوالأطبةوغيرهم؟

السلطات عندنا تواجه مشاكل عويصة في التواصل والتحدث إلى الشعب. يبدو أنها لا تستطيع الكلام إلا باستعمال عبارات غامضة، مبهمة أو مُلمحَة. لقد وَرثت هذا الأسلوب من العهد الذي كان فيه فتح الفم يؤدي إلى فقدان الأسنان. فتمسك ذلك بجلد كل من احتكوا من قريب أو بعيد بالسلطة حتى فقدوا قدرتهم على الكلام بوضوح مثل عادي البشر.

رغم أننا لا نطلب منهم أن يطلعونا على سر تزوير الانتخابات الذي لم يتمكن بعد أحد من اكتشافه، أو أن يزودونا بشفرات السلاح النووي أو مخططات تدمير المغرب في حالة قيام الحرب. بل كل ما نطلب أن نعرفه هو ما ينوون عمله في البلد ومستقبلالأجيال الصاعدة.

طريقة الكلام هذه تبنتها منذ ذلك و دون وعي, باقي الطبقة السياسية التي تعلمت جيدا من السلطة. فأصبحت بذلك أكثر ازدراء منها عندما تتكلم بهذه اللغة لأنها تُجبر قرائها وسامعيهاإلى بذل مجهودات جبارة لفك شفرتها وألغازها؛ ضف إلى ذلك أنه مهما كانت القراءة التي تعطى لكلامه، يستطيع المتحدث أن يجيب إذا لم تلائمه: لم أعني هذا وأنتم وحدكم مسؤولون عما اعتقدتم أنكم فهمتموه. هذا مثلا ما قاله حمروش للحاضرين في الندوة الصحفية التي عقدها لتفسير تصريحه الأول.

الشخصيات الوطنية التي تدخلت لمحاولة إدخال بعض الوضوح على الارتباك السياسي الحالي زادته في الواقع غموضا. فعندما تكلم الرئيس زروال اعتقدنا أن حكيم باتنة سوف يُنوّر بصيرتنا ويَدُلّنا على الطريق إلى “بر الأمان”, تلك الأرض الأسطورية الموعودة لنا منذ 1954 دون أن نتمكن من الوصول إلى سواحلها بَعدُ. لكن الظلمات لَفَتنا بعد كلامه أكثر من قبل: كيف يمكن أن يتشكل “نظام وطني جديد” من القديم؟ …

آه لو استطعنا رفع الجزائريين دفعة واحدة إلى السماء، ليتفرجوا على أنفسهم من بعيد ومنأعلى، ليَرَوا حالتهم وما يفعلون في هذه المرحلة المحفوفة بالمخاطر من حياتنا الوطنية القصيرة (52 سنة من بين آلاف السنين من الوجود). التاريخ هو الماضي، ما ترويه لنا الكتب ولم نعشه بنفسنا. و ما يجري اليوم في بلادنا سوف يصبح هو التاريخ للأجيال التي ستأتي بعدنا و التي ستتسائل عندئذ لماذا قبلنا بالعهدة الرابعة و عواقبها (التي و إن لم ندركها بعد، إلا أننا نعرف أن سابقة سيئة لا يمكن أن ينتج عنها خير).

سيتعجبون لماذا تَرَكنا نحن أجدادهم السابقون ذلك يحدث، لماذا لم نتحد مثلا في جبهة مشتركة لمحاربتها عبر الصندوق بمساندة مرشح واحد آخر، بالإجماع على المقاطعة، بالإضراب العام عن الطعام، باعتصام وطني أو بأي حركة سلمية أخرى تتفاهم عليها الأغلبية الساحقة منا.

كما تساءلنا نحن لماذا حارب الMNAجبهة التحرير رغم أن كلاهما انحدر من حزب الشعب وحركة انتصار الحريات،وكلاهماكان يحارب الاستعمار. ولماذا لم يُنَسّق الشيخ المقراني والشيخحداد ثورتيهما في 1871؟ ولماذا لم يُوَحّد بومعزة في الغرب والباياحمد في الشرق، قواتهما مع جيش الأمير عبد القادر لمنع استعمار الجزائر (استسلم بومعزة والأمير في 1847والباي سنة بعدها). ولماذا تقاتل سيفاقس وماسينيسا طوال عمرهما صانعين بذلك سعادة الرومان الذين احتلوا أرضنا لقرون.

جنوننا هذا، أوهواجعنا إن فَضَّلنا ذلك، تعود إلى قديم الزمان. والفخر الوحيد المُبَرر الذي بقي لنا اليوم هو امتلاك الغاز والنفطالذين نبيعهما لنأكل ونُجيزَ لأنفسنا شتم الآخرين الذين “لا يحبوننا”.

حديث الرسول الذي وضعته أول المقال يقصد الأشخاص والشعوب الذين لا يدركون أين يكمن خيرهم ولا يرون مصلحتهم بنفسهم وبالتالي يُضَيعون طريق الجنة (المقصود بالجنة هنا الصالح الوطني). هل يعني هذا الكلام أنه يجب دائما أن نُسحَب بالقوة، واحدا تلو الآخر لندرك مصلحتنا المشتركة وما فيه خيرنا جميعا مع بعض؟ ألهذا السبب يقف “المجتمع المدني” والأحزابحائرين لا يعرفون ما العمل بعد أن سمعوا أن الجيش انتقل إلى تأييد معسكر العهدة الرابعة؟

الجواب هنا بالإيجاب: نحن لا نتفاعل بصفة جماعية لَما يتعلق الأمر بالمصلحة المشتركة والخيرالعام، لم نتعلم أن نتفاعل بانسجام في مواجهة طفرة سياسية مثل التي نعيشها اليوم، لم نتربى بَعدُ على ضمير المواطنة ولا نرى العلاقة المباشرة الموجودة بين جيبنا أو مستقبلنا المهني وبينالسياسة، مع أنها واضحة كالشمس أمام أعيننا.

لكن عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الفردية، بمصلحة الهيئة أو الجانب الاجتماعي، تَعَلَمَ الجزائريون أن يخرجوا مسرعين بالآلاف للدفاع عنه كما رأينا مع الأساتذة، الحرس البلدي، الأطباء، عمال الشبه طبي، المحضرين القضائيين وأصحاب هذا المطلب أو ذاك. المُحَرك هنا ليس ضمير المواطنة وإنما مقياس المصلحة الفردية،المحترم في ذاته، مصحوبا بالتهديد باستعمال قدرتنا على الإيذاء: أعطونا ما نريد وإلا سَنُعَطل البلد.

انعكاس القيم هذا الذي تتغلب فيه مصلحة الفرد، القبيلة أو الهيأة، على مصلحة الجماعة كلها هو السبب الذي أدّى بنا لأن نُستعمر عدة مرات عبر التاريخ،وهو السبب في خضوعنا منذ 1962 إلى سلطة الفَرد وعبادة الشخصية وحكم الجهل والرداءةوالحيلة. سيكون من طبيعة الأشياء أن يَحكُمنا غدا المافيا و البلاطجة السياسيون أو أن يصبح يوما شكيب خليل رئيسنا. لم لا؟ فسيعرف كيف يقسم علينا حصص الريع تقريبا بالتساوي. وسيتمكنسعداني، الذي يجده كفؤا وملائكيا، أن يقنعنا بسهولة بماضي “الرئيس المجاهد”. أما نحن فسنصفق للمسيح الجديد بحرارة كما صفقنا للذي جاءنا به في المرة الأولى من العالم الجديد.

جريدة ” لوسوار دالجيري” 30 مارس 2014

جريدة “الخبر” اليومية 06و07 أفريل 2014

جريدة الحوار الجزائرية16 فيفري 2017

موقع الجزائر اليوم 10 جويلية 2018

You may also like

Leave a Comment