لن نصل الى سنة 2000

by admin


ترجمة
 نورة بوزيدة

الحق أقوله لكم، لن يزول هذا الجيل إلا ووقعت كل هذه الأهوال.. ستكون أيام شديدة الضيق وتبلغ المأساة ذروتها ..” عیسی علیهالسلام (1)

الآن وقد ترتيت أجزاء اللغز وأخذت مكانها، ومر من الوقت بما فيه الكفاية، يمكننا ويسمح لنا بالحكم على الإنجازات السياسية التيتمت منذ الانتخابات الرئاسية، أن كل ما تم يذكرنا ، في آخر المطاف، بتلك الأحياء التي بنيت لتدوم بضع سنوات فقط قبل أن تتدهورحالتها وتنهار (لقد أطلعتنا الصحافة مؤخرا أن مآل 500.000 سكن بنيت بعد الاستقلال هو الهدم).

يجب إذن إعادة بناء كل شيء باستمرار إلىأن يتم إنجاز البناء الذي يمتثل للمعايير التي تقومعليهاالمؤسسات في العالم. وهذه المعاييروالقواعد بسيطة تقوم على إيمان الشعب بمؤسساتهمن جهة وعلىمصداقية الرجال والنساالمتواجدين بها. وبما أن الحال ليس كذلك فيوضعيتنا الآنية، فإن مصير الحل المرسوم هوالتفكك.

لم تسر الأحداث في الاتجاه الذي آمله الجميعوسعي من أجله. لنفترض أن الثورة الجزائرية لمتنته بتحرير البلاد من نیر الاستعمار الفرنسي،بل فقط عوضته باستعمار آخر يحمل جنسيةأخرى. منذ نوفمبر 1995 نحن نعيش الوضعيةالنفسية التي كنا قد نعيشها لو تحقق الإفتراضالسابق. وماذا نستنتج فيالأخير؟ لقد تم النظرالى الفراغ والتمعن فيه، ثم بدأت عملية ملئهبألف “لا شيء” وألف “صفر”. لا يمكننا ، بهذاالزاد ، الوصول الى عام ألفين…

يوشك المجلس الوطني الجديد على إقفال سنةمن عمره، لكن بدأنا نسمع هنا وهناك همساتتقول بعدم إتمام عهدته. أما ستة أشهر فقط بعدتنصیب مجلس الأمة كانت كافية لظهور غرفةأبعدهم عنثالثة بداخله (1/25 من الأصوات) لها القدرة على تجميد الغرفتين الأولى والثانية من جهة،لكن من جهة أخرى، فإنهذا المجلس بكاملأعضائه لا يملك قوة فاعلة في التأثير علىمشاريع واقتراحات القوانين. ولذا فهو لا يفيد فيشي، حسب أقوال أعضائه أنفسهم، الذين بدأوافي المطالبة بمراجعة جديدة للدستور.

ومعنويا ، لقد بدأ الكثير يحن لفترة الشاذليالتي أصبحت تبدو جميلة لأن الظلم و الرعاعةوالرشوة والفقر لم يبلغوا الحدود التي بلغوها الآن.وشعر الجميع ان البلاد تراجعت نحو الأسوا ولمتتغير نحو الأفضل سوى في نظر أولئك الذينیکنون له الكراهية لأسباب شخصية أو لأنهالسلطة أو لأنه عرقل أطماعهم. 

لمیکی الرجل سینا بهذا القدر عند تحرير باريسوبعد ان استقبل رئيس الجمهورية الفرنسية انذالالبرليان سنة 1944 كال ديغول و كله شفقةکرئیسدولة، أظن انه بنفس هذا الرجل شينانأن يكون قائدا، وأن تكون هناك دولة. ربا آنهذا القول ينطبق علىالشاذلي، لكنه ليس الوحيدالذي تنطبق عليه.

لم يحدث أبدا من قبل أن أصاب الإعوجاجوالإنحلال النظام القيمي لمجتمعنا بهذا الشكل:فقدان تام للثقة وتزویر متكرر في الانتخابات،ومنتخبون مزيفون وإحصائيات حكومية كاذبة،وغياب كل إنجاز اقتصادي حقيقي، وتمييز بينالمواطنين (المجاهدين وأبنائهم وابناء الشهداء منجهة، وباقي المواطنين من الجهة الأخرى) وهجومجحافل البراغيث والجرادعلی شعب لا یکسیعظامه الجلد. أن الشوائب والمخالفات التيحدثت خلال عملية الاستحواذ على السلطة،جعلت من ممارسة هذه الأخيرة شيئا غیر طبیعیولا أخلاقي. هذه هي الآفات السبع التي لحقتبالجزائر ونالت منها

وباستثناء البعض منهم، فإن الرجال الذين وقععليهم اختيار السلطة هم أشباح الماضيوالأصدقاء المقربون، والذين خانوا أحزابهم وأناسلهم من الفراغ قدر الإستسلام، والوصوليون الذينيتربصون الفرص السانحة والمتطفلون الأبديون..وإنما يدلنا هذا الإختيار على نوايا المخططين للحلالمقترح للخروج من الأزمة ومدى العمى الذيأصابهم ومدى رداءتهم.

مبدئيا فإن الدولة هي التي تطارد السارقينقصد معاقبتهم وليست هي التي تحمي أكابرهم.إن الدولة تقضي على اللامساواة في الحقوقوالمزايا وليست هي التي تدونها في نصوصاونرسمها، أن الدولة هي التي تضع القوانين الاوتسهر على احترامها من قبل الجميع وليستالتي تنخرنها قبل غيرها، لكن وعلى سبيل المثال فإن الدولة المالية منع التدرب على المنظمات و المسماة بالوطنية (منظمة المجاهدين ومنظمة أبناء الشهداء وإتحاد العمال). لكننا نرى أن مسؤولي هذه المنظمات بترأسون الحزب الوطني الديمقراطي ولا أحد يؤاخذهم ملی ذلك،ولا القانون يضايقهم ..لن نذهب الى الألفية الاالقادمة هكذا.

لقد تحققت أكبر المعجزات وأعجبها خلالالعقود الثلاثة الأخيرة. لقد مشى الانسان علىالقمر واندثر الاتحاد السوفياتي وأصبح مانديلارئيسا في جنوب إفريقيا واستقال سوهارتو بمجردان مات 500 شخص في شوارع جاکارتا الخ.. :لكن الجزائر تجمدت في مكانها ويا ليت.. بلساعت أوضاعها ومازالت في تدهور حيث تعممالفقر فيأوساط الشعب في الوقت الذي ينقضفيه المتواطئون مع السلطة على ثروات البلادوتجري عملية التعريب كمن يضع كمينا لعدوخطير. أما الأرهاب، فها هو يدشن عامه السابعوكل التأشيرات تنبئ بأنهسيدوم أكثر من حربالتحریر نفسها، وعدد الجزائريين الذين تماغتيالهم أكبر من عدد الفرنسيين الذين قتلتهمالثورة الجزائرية ( أقل من 20.000 ). نحن نعيد اقتراف المناکر ونسي، فعل الخير .

إن ما تم إنتاجه منذ نوفمبر 1995 ليس فيآخر المطاف مضاد للارهاب بل منشط له وتقومسياسة الحكومة بتكسير وهدم كل ما تحقق معقوات الامن. على أية حال، كنا نعلم أن الحكومةهذه لا تخلق مناصب شغل بل تضيعها على منكان يملكها، لكن ما يجب أن تعلمه كذلك هو انالمناصب الوحيدة التي سيخلقها أويحيى قبلتلك المناصب التي يهديها لكلالمستائينواليائسين الذين سيرمي بهم بين أحضانالارهاب والاجرام. هذا معناه أنه لا يمكن التفكيرفي فوز شامللقوات الامن ما دامت السياسةالحالية متواصلة، أي السياسة التي تكسرالمحفزات المعنوية للشعب وتفقره، آن حرث البحاروسقيها لا يذر الخير الكثير.

إن كل العراقيل التي نصبت في وجهالاستثمار وكل الموانع التيالاستيراد التي تسري على البعض دون البعضاخر و الزيادات التي تمت مؤخرا في الأسعار دونان يشفطن لها النواب من خلال رفع “القيمالادارية الجمركية لكل المواد ما عدا الكحولواسعة التي قضت قيمتها الجمركية ) كل هذه “العوامل ستهدر أكثر القدرة الشرائية للمواطن ،وبالتالي النمو وأيضا الحد من خلق مناصبالشغل والمداخيل الضريبية، أن الأجور الضخمةالتي أهداها النواب الحقيقيون منهم والمزيفونأنفسهم (ما عدا 12 منهم) ستؤدي الى ظهورمطالب وردود فعل متتالية ومتسارعة. وقدأعطى لنا في ذلك مثالا سلك القضاء والنوابالمحليون وحنما سبحذو حذوهم عن قريب كل منالاستاذ وقائد الطائرة والطبيب والعامل والموظفوالاختبار حينذاك حلان لا ثالث لهما، إما أنيرجع النواب الى مستوى الامة، أو ترتقي الأمة

الى مستواهم . حين ترتفع أسعار البترول لآ يمتلكالمسؤولون أنفسهم من الفرحة والفخر ويمسحون

علی شنباتهم كبرياء واختيالا وحين تنخفض هذهالاسعار تراهم يؤكدون لنا أن ذلك لن يؤثر البتةعلىالتوازنات لأن عبقريتهم حسبت لهذاالانحفاضوتوافه السلع لا أحد يقلقهم قد کامن محاولة نشر صلابت احمرت وجسدهاعنوة، فهل وصل على هذا السواد ونصلیبه حل اجرت حتی نسی لبعض حيةزنان حاوياتهم دون عراقيل؟ والحق أنه أصبحمن بين تقاليد بلادنا الوصول الى السلطة عاريا والذهاب منهاكاسيا غانما.

لكن عندما سينفجر الحل بصيغته هذه، وصالةالنجار لا محالة، لكن عندما تنهار الترسانةمرة واحدة، ومآلها الانهيار لا محالة، مست طایر شظايا دولة الأرندي كما تفسحت دولة الافلان اکتوبر 1988. وسبب أعضاؤه منالجيش أن يعيد الاستقرار من جديد و يعيدوا”هم في سياق ذلك، برونيتهم.

لا يمكن اعتبار الذين عزموا على هدم البلادبالإرهاب اکثر ذنبا واکبر خبثا من الذين يعملونعلى تحطيمه بتحويل مؤسساته عنغاياتهاوباختلاس ما تبقى من مواردها، وفي أعين هؤلاءالمتطفلين علىالثورة التحريرية، التي إمتصوادمها حتى الثمالة، والذين تشكلوا في طبقةمتميزة و “بریفیلیجنسيا” Priviligentsiaفان الإرهاب أقل ضررا وأقل خطرا عليهم منالاستقامة والنزاهة والقانون والشفافية.ولذا، فهملا يتمنون زواله في قرارة انفسهم، بل هم بحاجةالى بنائه في حدود “مقبولة” لنقل في شكلبقایا” حتى يتفادوا المواجهة المحترمة معالشعب.. هل سنمر، والظروف هذه، الى الالفيةالمقبلة؟

لقد تعبأت قلوب المواطنين بالبغض المكتوم،وامتلأت عقولهم برغبة ثأر دفينة، وتشبعتذاكرتهم بالاستفزازات المسكوت عنها، والغضبالمكبوت.. ما اصعب الحياة في بلادنا ، وما أخطرمهمة، كم هو مر مذاقها. الحق في الحياة فيهامرفوض، مطارد، معرقل… في الماضي كان ذلكمن فعل الطبيعةوالأوبئة والتخلف.. أما اليومفإن الحرب المعلنة على الحياة بلغت اشدها بفعلمسیرین جهال ودون أدنی شفقة تجاه أبناء أمتهم.

ان العروة التي تشد الجزائريين الى الحياة اصبحترهيفة لدرجة انهم يشعرون أنهم أقرب الى الموتمن الحياة. وعلى أية حال، فان من عايش أحداثحماد وحدالشكالةوبني مسوس، قد عرفوا معنى القيامة، ومن ذاقاهوال جهنهم، ليس لديه ما يخاف وما يخسر بعدالرايس وبنطلحة وسيديمروحة وسيديوحد الشکلعن اللحياة. وعلى أية حال، فان من عاش أحداثالراب وحمارقد عرفوا معنى القيامة، ومن ذاقهر جههم، ليس لديه ما بخاف وما يخسر بعدذلك يوم الانفجار سنقرع الأجراس.. لكن عننهاية من سنعلن هذه الأجراس؟

يجب أن نعلم أن الطبقة الفقيرة الجديدة متكونةمن اطارات عالية دخلها قليل،وقدرات محالةعلى التقاعد أو على البطالة، وشبان حاملينالشهادات أوصدت الأبواب كلها في وجوههم، ولمتعد تلك الشريحة المتشكلة من حفاة عراة أميينلا يقدرون على المبادرات الجماعية، لن يكونالتمرد المقبل من صنع “صبيان” فقط، بلسيشاركهم الكبار واليد في اليد، سيحطمون كلشيء في طريقهم وسيطالبون كلهم بالافراج عنعلي بن حاج، لأن الشعوب عندما تثور لا تفكرولا تخص، بل هي تثأرلنفسها فقط. وفي هذهالأوضاع، توجد دائما فتحات يدخل منها أناسمثل سافانارللي (savonarole) للأخذ بزمامالحقد والغبض المتدفقين ، والاتجاه بهما نحو حلولخطيرة لا يتصورها عقل الشعوب؟ آه الشعوب،لقد قال نيتشه: “الشعب منهاج الطبيعة المشتريتسلكه للوصول إلى أعظم الرجال.. هم ستة أوسبعة لا أكثر.. لتبتعد عنهم بعد ذلك.

قد يقال ان هذا تشاؤم، أو احباط معنوياتالأمة ، أو نداء للانتفاضة، لكن كلا، هذه الجرائمعندما تفضح لا تعيب من يتاسف عليها وينددبها، بل تعيب من يقترفها . ماذا يحمله لنا عامألفين ؟

(1) الانجيل حسب القديس مارك (ترجمة)

الخبر الثلاثاء 20 جوان 1998 

You may also like

Leave a Comment