Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1999-1990هل من حياة لمن تنادي؟ (صودرم و العادل)

هل من حياة لمن تنادي؟ (صودرم و العادل)

by admin

ترجمة نورة بوزيدة

نخشى أن تضاف ما يجدر بنا تسميته ب “قضية نظام تعويضات النواب” إلى قضيتين رسختا في ‏مخيلة

شعبنا، قضية “صندوق التضامن” (1964) وقضية ” 26 مليار دولار (1989). إن الذاكرة الشعبية ‏

لا تنسى ولا تغفر! ‏

ربما غابت الأسماء والأدلة في القضيتين الأخيرتين، لكن الأمة الجزائرية جمعاء شاهدت وسمعت من ‏أخذ ماذا في القضية الأولى. لقد جسدت أغلبية النواب المزيفين أفضح صورة للرعاعة منذ الاستقلال، ‏تساندها في‎‎ذلك معارضة مزيفة هي‎‎كذلك. ‏

أين ذهب المدافعون عن العمال‎‎وحقوقهم الذين كانوا يهددون بأنهم سيقيمون الدنيا ولن يقعدوها؟ ‏أين العائلة الثورية، أين “نواب‎”‎اتحاد العمال؟ أين النساك المزيفون والديمقراطيون المزعومون؟ أين ‏اختفى حماة العدالة الاجتماعية؟ وكهنة التضامن الوطني؟ أين المتهافتون على إعطاء الدروس؟ أين ‏إحتجب الحياء ودولة القانون؟

إن المبررات التي تقدم بها النواب في تحديد‎‎أجرتهم تتلخص في عبارة واحدة: هذا ثمننا،‎‎لا يقبل ‏المناقشة والمساومة (أدي ولا خلي). وقد‎‎قيل بعد هذا، لا يحق لأحد أن يمنع باقي الجزائريين‎‎والجزائريات حق تحديد ثمنهم الخاص، ثمن عمله،‎‎وثمن مردودهم ومنفعتهم‎‎للأمة، وحتى ثمن‎‎حياتهم، لكن ما هو الثمن الذي يحق أن يطالب به‎‎أولئك الذين يعرضون حياتهم للخطر ويستعدون‎‎للموت في ميدان الشرف: التقني الذي يفكك‎‎القنابل، الجندي، الدركي، الشرطي والحارس‎‎البلدي؟ ‏

وكم هو ثمن الطبيب الذي يعمل في‎‎القطاع العام، ورجل القضاء، والمعلم الذين‎‎يحملون كلهم، على ‏عاتقهم عبء البؤس‎‎الاجتماعي؟ وماذا عن قائد الطائرة، والإطار،‎‎ومنظف الطرقات، الذين يغرقون ‏كل يوم أكثر فيوحل الصعوبات؟ وماذا يقول المنتخبون المحليون‎‎‏(رؤساء البلديات الذين يتقاضون ‏‏12.000دج)،‎‎الذين يواجهون مواطنين تخنقهم الاحتياجات‎‎الملحة، والتجار الذين تعاقبهم ‏الضرائب، والعمال‎‎الذين سرحهم الاقتصاد الموجه، وكل‎‎الذين “إقتطعهم” أويحيى، وضحايا الإرهاب.‏

هل يمكننا حقا أن نصنف المنتخبين المزيفين وشبه‎‎المعارضين‎‎في المرتبة الأولى على سلم ‏الاستحقاق‎‎ومنفعة المجتمع؟ بعد اليوم، يصبح كل واحد منا‎‎عرضة لاضطهاد أسئلة‎‎حول سبب ‏وجوده، ودوره‎‎الاجتماعي وقيمته، وغلائه المادي والمعنوي. ولم‎‎لا يحق لكل هيئة مهنية واجتماعية ‏أن تحدد‎‎بنفسها أجرتها الخاصة؟

وإذا تم الاستحواذ على المهمة التشريعية من‎‎قبل أولئك الذين أسندت لهم، يمكن لكل واحد منا‎‎يملك ‏شيئا ما، أو دورا أن يحذو حذو المشرعين في‎‎بلادنا، فالقبطان يتصرف في طائرته كما يشاء، والذين ‏يطبعون العملة الوطنية يمكنهم اقتناء ما‎‎شاء لهم من الأوراق النقدية، ومن حق الذين‎‎يحملون ‏السلاح استعماله كما يحلوا لهم، وتصبح‎‎المدارس رهينة المعلمين، وتصبح المستشفيات‎‎خاضعة ‏لأهواء الأطباء، والطرقات مملكة‎‎منظفيها. ‏

وبغض النظر عن المبلغ، فان الأسباب التي تعلل بها النواب غير الواعين بمدى تأثیر‎‎أقوالهم هي التي ‏خدشت نفسيا وهزت معنويا أمة‎‎كانت قد عانت من أوجاع أخرى من قبل‎.‎

إلى غاية اليوم، كان بالإمكان التصدي‎‎لت‎‎الحركات الإضراب بحجة شروط صندوق النقد‎‎الدولي، ‏وضرورة الاشتراك في التضحيات‎‎واقتسام الأعباء” والصرامة المالية، والتضخم،‎‎وتتوالی ردود الأفعال.‏

‎لكن غدا؟ لكن اليوم؟ ماذا نقول وماذا نعمل‎‎وقد ضرب المواطنون بقوة، ومست کرامتهم بفعل‎‎سابقة‎‎نتائجها الحتمية لا تحصى ولا يمكن‎‎تفاديها؟‎‎إن زیف مبررات “ممثلي الأمة” الذين أصابتهم‏‎‎حمى‎‎الإثراء كان بقدر زيفهم هم أنفسهم أولا،‎‎تلك المبررات المتعلقة باستقلاليتهم، كيف يمكن‎‎لمنتخب مزيف أن يفكر بأنه مستقل الفكر، وهو‎‎الذي يعلم جيدا لمن يدين بهذا النعيم السهل، ‏ولماذا؟ ثانیا: هم لم يفكروا أن المرجعية التي‎‎اعتمدوها في حساباتهم (أجرة النائب الفرنسي‎‎التي ترتفع ‏إلى 35.000 فرنك فرنسي، أي 350.000 دج في نظرهم)‏‎‎تعد في بلدها الأصلي فرنسا ستة أضعاف ‏أدنی‎‎الأجور و لیس أربعين مرة. كما لم يستنتجوا انه لو‎‎طبقنا فعليا نسبة الصرف الرسمية لكلفتنا خبزة‎‎‏10 دج، ولتر‎‎البنزين 60 دج، وفنجان قهوة 100 دج، وكراء منزل في حي بسيط 30.000 دج، وفحص ‏طبي 1500 دج.‏

‎وإذا كان لا بد من الإستناد إلى مرجعية لماذا‎‎لم يستندوا في حساباتهم إلى أجرة متوسطة‎‎النواب قبل ‏إنتخابهم، أي ثمنهم الحقيقي قبل‎‎أن يجعل‎‎منهم التزوير الإنتخابي أناسا سعداء‎‎يحظون بأحسن أجرة ‏في سلم الوظيف العمومي؟ من‎‎فليقدم كل واحد منهم وصل أجرته وليضعه‎‎بجانب المبررات التي ‏يستعملها بحماس كبير في ا‎‎تحديد أجرته الجديدة‎.‎

ولم نلاحظ بهذه المناسبة فصل السلطات،‎‎حيث كان النواب طرفا في القضية والقاضي‎‎الذي يصدر ‏الحكم فيها ومهما كانت الأسباب‎‎أدت التي حدوث هذه السابقة الخطيرة سواء‎‎أكان ذلك عن جهل أو ‏عن قصر في النظر، أو عن‎‎رعاعة متعمدة، فإن هذا لا يمنع كون هذه السابقة‎‎حاملة لأكبر المخاطر في ‏المستقبل، فنحن لم نشهد‎‎مثيلا لما رأيناه من رشوة وفساد أخلاقي ونهب،‎‎لقد تم الاستحواذ على ‏أجود الأراضي الزراعية‎‎وہبضعة ملايين، إقتنى الأسياد الحاليون دیارا‎‎في “موريتي” (سيدي فرج) تقيم ‏بملايير، وتمّ‎‎تشکیل احتكارات هائلة في‎‎مجال الاستيراد‎‎و أمتلاك أسهم في ميدان المحروقات من قبل ‏رجال‎‎كانوا في السلطة. لقد فقدت البلاد‎‎توازنها ولم تعد تدري إلى أين تتجه، فقد فقدت معالمها ‏وقيمها الأخلاقية. نحن نتساءل كيف يمكن‎‎والظروف هذه ألا يعشش الإرهاب في البلاد و يصبح‎‎قبلة ‏الأمة جمعاء؟

و بالضرورة ستأخذ الدولة ما تحتاجه من أجل الع‎‎تمويل كل المصاريف (800 ملیار ) التي تتطلبها‎‎عهدة كل نائب ( 250.000 دج‎‎‏*524 ‏‎‎نائب*5 سنوات) من مداخيل الشعب البسيط الذي‎‎مازالت ‏بحوزته وظيفة، ومن مداخيل الطبقة‎‎المتوسطة التي‎‎ينالها الحرمان كل يوم أكثر، ومن‎‎مداخيل ‏المنتجين والتجار المضطهدين، وبعبارة‎‎أخرى وكما تجري العمليات الحسابية عادة في‎‎بلادنا، فان ‏الدولة ستصرف على النواب ما بکن‎‎أن نبني به 8000 سكن (بكلفة 100 مليون لكل‎‎سگن)، وما يمكن ‏أن يتقاضاه کأجر ادنی‎‎‏ 1.330.000عامل، وما يمكن أن نقتني به 800‏‎‎مليون خبزة بتعبير لويزة حنون‎‎‎.‎

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بعد أن يقضي النواب الحقيقيون منهم والمزيفون ثلاث أو خمس‎‎سنوات في البرلمان سيتمتعون طيلة حياتهم بمرتبهم‎‎الادني أي بمعدل 30 سنة‎. ‎ولا ننسى الـ 100 ‏مليون التي يأخذها كل واحد‎‎و منهم لشراء سيارة دون فائدة ويعيدها تدريجيا‎‎على مدى 10 سنوات. ‏وإذ ما حسبنا الفائدة‎‎المعمول بها حاليا، فان إقتراض هذا المبلغ وإعادته‎‎على مدى عشر سنوات دون ‏الفائدة، فان هذا يعني أنهم أخذوا ضعف المبلغ نفسه.‏

أخيرا، هناك 20 مليون سنتيم يجب على الدولة أن تدفعها‎‎لكل حزب سیاسیي بقدر عدد نوابه في ‏المجلس‎‎‏(‏‎‎أي عشرة ملايير سنويا ). في الأيام القليلة‎‎القادمة، ستتم المناقشة التقليدية حول قانون ‏المالية‎‎التكميلي، الذي نعرف عنه تتابعا وتسارعا‎‎حتميين في زيادة الأسعار والتعريفات والضرائب‎. ‎وهنا ‏بودنا معرفة المعايير التي سيقيس عليها‎‎البرلمان في تحديد مصلحة الشعب: هل هي نفس‎‎المعايير التي ‏اعتمدها في تحديد أجرة أعضائه‎‎الموقرين، أم هي‎‎تلك المعايير المستعملة عادة‎‎الإنزاف المداخيل ‏الوظيفية والتجارية أكثر فأكثر؟

لكن، لكي يدخل هذا القانون المتعلق‎‎بتعويضات النواب حيز التطبيق، يجب أن يضع‎‎رئيس‎‎الدولة ‏ختمه في أسفل الوثيقة، التي تعتبر‎‎صورة رديئة عن نظام الإمتيازات الأجنبية القديمة‎‎‏(المعاهدات التي ‏نظمت بصفة خاصة حقوق‎‎الأجانب المتواجدين في أراضي الإمبراطورية‎‎العثمانية وفي الصين) ، هل ‏يضع الرئيس ختمه،‎‎مع العلم أن ثمن ذلك هو إصابة الأمة بجرح خطير جديد؟

‎کاد قوم لوط أن ينجوا لو وجد من بينهم ضمير‎‎هي واحد، كما ورد في التوراة. لكن الرعاعة‎‎نصبت ‏كمدرسة سياسية منذ أن عادت هذه الأمة‎‎إلى وضح التاريخ، ولذا نخشى أن تكون هذه‎‎القضية خطوة ‏جديدة حاملة في طياتها الشرور‎‎كلها‎‎تؤدي إلى الهاوية، خطوة أخرى على طريق‎‎بلاد عازمة على العودة ‏إلى ظلمات السدیم‎ .‎

‏‎‎

الخبر الأربعاء 27 ماي 1998

You may also like

Leave a Comment