بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة
يشكل الحوار الذي دعت إليه السلطة من جديد، الفرصة النهائية من اجل حل الأزمة الجزائرية من
قبل الجزائريين فيما بينهم، وذلك بالنظر إلىإخفاق التجارب السابقة وتدهور الوضع على جميعالمستويات.
أن هذه الدورة هي حقيقة الدورة الأخيرة، وفي حالة فشلها ، فلننتظر جميعا الطامة الكبرى وكذا
تدويل الحل، لذلك يعلق عليها الرأي العام الوطني آخر آماله وكذلك الخارج وما علق به من أوهام
حول قدرة السلطة على استتباب وضع كان قد انزلق.
وعليه، يجب على الحوار الجديد أن ينتهي إلى نتائج ايجابية بالضرورة.. يجب أن يخلص إلى
قرارات قابلة للتنفيذ في آجال معقولة وليس على السلطة والأحزابالسياسية إلاأن يجعلوا من هذه
المحاولة الجديدة” فرصة” للوصول إلى وفاق حول سبل الخروج من الأزمة عبر حل سياسي وسلمي.
إنإرجاء الحل عملية انتحارية والحق الحق أننا لسنا في حاجة لـ” القاعات” مهرجانية أو لنقاشات
بیزنطية”. على كل طرف في الحوار أن يصرح علانية بمواقفه ويقترح حلولا واقعية يخدم قبل كل
شيء الصالح العام.
يجب أن يكون الحوار في إطار الشفافية إلى النهاية، كما يجب إعلام الرأي العام والشعب بكل
سلوكات الأفراد والهيئات حتى يتبين الحق من الباطل ويتضح أمر من يعملون من اجل إعادة الأمن
وينكشف أمرأولئك الذين يتعنتون ويساومون ويخاتلون باسم أسباب مشبوهة.
فمنذ وقف المسار الانتخابي في جانفي 1992، فشلت كل الاستراتيجيات التي وضعت من اجل
استعادة الثقة الشعبية و إنعاش الاقتصاد واستئصال الإرهاب أو تطمين الخارج .
أن الواقع اليوم مرتبط بضرورة إعادة النظر بعمق في الأزمة، وكفانا من سياسة المؤقت والانتقالي
التي وصلت إلى نهايتها وكل ما تريد السلطة بناه، يأخذ الإرهابعلى عاتقه واجب تحطيمه أمام
مرأى ومسمع الشعب المغلوب على أمره، لقد بلغ السيل الزبى وما عادت البلاد تتحمل المواصلة
على هذا السبيل من دون خطر الانفجار الأعظم.
أن السلطة كما هي عليه اليوم لا يمكن أن تستمر ثلاث سنوات بالرغم من “حذلقة بعض الوزراء
الذين سيغادرون السفينة حينما يتأكد غرقها. أين هم أولئك الذين أوصلونا إلى ما نحن عليه اليوم؟
إن محاسن إعادة جدولة الديون والمساعدات الأجنبية لا يمكن أنتترجم في الواقع في ظل اللأمن
والوقتية ( بصفة عابرة).
انه بدون استثمار خارجي مكثف لا يمكن خلق مناصب شغل كثيرة ولا تلبية الحاجياتالاجتماعية التي تتزايد بقدر ما يتزايد النمو الديمغرافي.
إن الصمت المفروض على المجتمع وإستراتيجيةتشويه وضرب مصداقية الأحزاب السياسية قدعزلت السلطة وانتهت إلىإقناعالجميع أن هذه الأخيرة لا تريد لا دولة القانون ولا النظامالديمقراطي الحديث من أجل تلاعبات ودسائس جديدة.
والواقع، أن الإرهاب يستخرج حججه من تلك الممارسات مؤيدا في ذلك من قبل شعب انهکه
تعنت سلطة تعتقد واهمةأنها تجد نفسها بتغيير الوجوه بصفة مستمرة، بينما الداء يعود إلى
غياب الشرعية التامة.
والشرعية لاترجل ولا تؤسس على الغش.
إنها لا تكتسب عن طريق الحيلة، والمکر، ولكن تنتج عن التعبير الحر عن الوفاق والرضا
وعليه، فمفاتيح حل الأزمة الجزائرية من يدي الشعب الجزائري، والمفاتيح وحدها لا تكفي بل عليه
وفي الوقت المناسب أن يضعها الشعب في أقفالها.
آن مهمة القضاء على إرهاب عديم الصفة ولا يحتل على ارض الواقع مواقع معينة ويتجنب
المواجهة ولكنه يضرب ويختفي، تفوق قوة أي نظام في العالم مهما كانت فعاليته.
لقد كانت قوى الأمن مخلصة وتضحياتها كبيرة ولكنه أصبح من العاجل أن ترفع عنها مسؤولية
إيجاد حل ملح لمشكل سياسي.
الشعب وحده، أي القادر على الانتخاب، هو الذي يستطيع أنيهزم نهائيا الإرهاب حينما ينتزع
له مبرراته ودوافعه عن طريق التصويت الانتخابي، وفي تلك الحال، يكتسي تدخل قوى الأمن
والنظام کامل معناه لأنه يعتمد على دعم إرادة عامة تكون قد عبرت عن نفسها بكل وضوح
وعنها، نحن ومن ماذا يبقى الإرهاب يستلهم قوته وحضوره؟
ولكن على السلطة أن تقدم أولا الدليل على أن حيازة القوة ليست هي التي تؤسس حق الوصول
السلطة على حساب الإرادة الشعبية، وهاهي الفرصة تمنع لها من جديد.
إن الهدف الأول للحوار هو البحث عن سبل ووسائل الإيقافالعاجل للعنف، منذ اللحظة يجب
تحضير الشعب کي يلعب دوره کاملا ضد الإغراء وانحراف الإرهابيين، حيث يجب أن تشرح له
الرهانات الحالية مع إعطائه تربية انتخابية والسماح له بمناقشة قضاياه الكبرى التي تحركه بكل
هدوء(مكانة الإسلام، الأمازيغية. معنى الديمقراطية…).
آن عمل التعبئة والتثقيف والتحسيس هذا وكذا إشراك السلم والاستقرار يقتضي أن تعطى له الكلمة وتفتح وسائل الإعلامللأحزاب السياسية والجمعياتالتي تمثله وان يقدم له خطاب سیاسي جديد وعقلاني يحمله رجال جدد ذوو مصداقية وقدرة علىالإقناع لا من أولئكالذين كرههم حتى الماضي.
إن الحركة الإسلامية التي رفعت راية الحرب من اجل إنجاح ما تعتبره حقا من حقوقها تمثل نسبة
من ذلك السلك الانتخابي ومن الشعب. وعليه لايمكن الوصول لحل دائم من دون مساهمتها
الصريحة والواضحة والعلانية، ولكن أن تتهرب من انفتاح صادق يجعل الجميع يتنصل منها
وينكرها. أن الحوار الحالي يعنيها بالدرجة الأولى ويجب أن يصل إلى حل شامل لا يمكنها -أي
الحركة الإسلامية- أن ترفضه من دون أن تفقد مصداقيتها الداخلية والخارجية.
ومهما كانت أحكامنا ومقارباتنا للماضي القريب على أصل أو على المتسببين في الأزمة، فان
في اليوم الأهم من فتح محاكمات، فالأمر يتعلق بتصحيحالأخطاء وتقويم البناء واستعادة روح
التواصل واحترام الحق في الحياة واسترجاع حب الوطن والاستفاقة من الكابوس…
لكل نزاع وخلاف ومعركة ومشكل في التاريخ حل، فلماذا لا نعمل بإيجاد الحل وتحقيق الممكن
اليوم قبل أن يضيع إجباريا غدا، ونربح بذلك عددا هائلا من الأرواح البشرية ومن الخسائر المادية.
باستثناء حرب أو حزبين، تتفق كافة التشكيلات السياسية حول ضرورة العودة إلى الانتخابات
وتنفق السلطة وقرى أخرى مشروعة داخل الجبهة الإسلامية المحلة على الرجوع للمسار الانتخابي.
وما دام المبدأ مشترك بين الجميع، مابقي سوى الاتفاق على الوضع الذي ستتم فيه تلك العودة
وكذا على رزنامتها وطرقها التقنية.
هل تجب العودة للدور الأول من انتخابات تشريعية جديدة؟ أم البدء بانتخابات رئاسية جديد
البلديات والولايات ؟ أم يجب ربط ذلك بانتخاب مجلس تأسيسي هدفه التنظير لدستور جدید ؟
إن مواقف وآمال أطراف الحوار المؤيدة لفكرة الرجوع للانتخابات محتواه في هذه الإشكالية.
ولكن، بم يجب البدء ولماذا هذا الاختبار بدلا من الآخر؟
يجب الاعتبار مبدئيا أن كل الانتخابات يجب أن تنعقد بشكل أو بآخر، وما هو مطلوب اليوم هو
الاتفاق على إجرائها في العاجل القريب آخذين بعين الاعتبار الضغوط الموضوعية ومعرفة ايجابيات
وسلبيات كل نوع من الانتخابات المذكورة، أي صيغة تتم قبل الأخرى ؟ وأيها بعد؟
انه ما لاجدل فيه، إن ترتيبها الزمني حاسم والآثار المنجرة عنها كبيرة من اجل استقرار وتطبيع
الوضع. إن نظرية الدومينو تجد هنا جدواها كاملة.. لان نتائج الانتخاب الأول يمكن أن تجر وراءها
ردود فعل ايجابية كما يمكنها أن تهدم كامل المسار، وهل للانتخابات في حد ذاتها من معنی اذا
لم تكن وسيلة أكيدة بمقدورها توجيه البلاد نحو الاستقرار والسلم والتنمية والديمقراطية.
وكم هو صعب الوصول إلىإجماع في هذا الجو المشحون بالمطالب التعجيزية والمخاوف
والواقعية من قبل هؤلاء وأولئك. وعليه، يجب ألا ننتظر اتفاقا مطلقا على صيغة من الصيغ،
ولكن يجب التقدم نحو الحلول النهائية والوصول إلى القول الفصل ومعيار ذلك يجب أن يستلهم
مما يمكن أن يكون في الظروف الحالية للبلاد انطلاقا من مبدأ البحث عن اكبر المنافع واخف الأضرار
بالنسبة للجميع.
إن الوقت ليس وقت التعنت والانسداد والمزايدة والابتزاز والتشهير أو الذاتية المريضة. وإذا كانالانسداد إلى غاية اليوم ناتج عن السلطة، فالخوف أن يصبح ناجما عن المعارضة وثمة الكارثة.وبذلك ستفقد مصداقيتها ويفقد الشعب آخر آماله.
وفيما يتعلق بحزب التجديد الجزائري، فانه لا يدافع عن أي موقف متصلب دوغمائي وسيقبل أيتصور آخر غير تصوره في حالة ما إذا كان قادرا على تحقيق السلم.
ويبقى، انه في رأي حزب التجديد الجزائري تتمثل أحسن الصيغ الانتخابية كالتالي:
1) الانتخابات الرئاسية في الأشهر الست القادمة. تشكيل حكومة وحدة وطنية اعتمادا علىالنتائج المحصل عليها من قبل الأحزاب المترشحة.
2) الانتخابات التشريعية في الأشهر الست التي تليها .
3) مراجعة الدستور عبر الاستفتاء الشعبي
4) الانتخابات البلدية والولائية: إن الهياكل الحالية للفترة الانتقالية يمكنها بالتعاون مع الأحزابالمشاركة في الحوار آن تعبدالنظر وتكيف قانوني الانتخابات والأحزاب مع المطالب والحاجيات الجديدة.
وفي تلك الأثناء يكون الحوار قد عالج مشكلة إعادةإدماج الجبهة الإسلامية المحلة في الحياةالسياسية
القانونية، كما يكون قد وضع المعايير والشروط من اجل المشاركة في الانتخاباتالرئاسية.
إنالأزمة القاتلة التي تعيشها بلادنا منذ ثلاث سنوات قد زعزعت المعطيات الأولية وطرائقالتفكير.وينتظر أن تعطي هذه التغييرات ثمارها عندما يسترجع الشعب الكلمة. وليس هنالك منسبب يجعلنانخشى المستقبل أو نشك في قدرتنا على بناء امتنا. والاهم إنأطراف الحوار يجب ألاتعرقل مسار الحلبدعوى أن طروحات ما لم تؤخذ بعين الاعتبار أو تكرس في الواقع وعلى كل حالالشعب والتاريخ هما اللذان سيحكمان.
الأربعاء 17 أوت 1994
