الغثائية

by admin

ترجمة فوضيل بومالة

‏” يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول ‏الله؟ قال: بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ” (حديث شريف)

لقد تجاهل الجزائريون بعضهم البعض لغاية أكتوبر 1988 .كان ذلك نتيجة حرمانهم من التعارف ‏والنظر في ذواتهم أو معرفة كنه أنفسهم من خلال الآخرين أو وسائل الاتصال أو الأحزاب السياسة التي ‏تتوسط كمرآة كاشفة عاكسة…لم يكونوا تقريبا على علم بالمديونية التي تثقل كاهلكم ولم يتصوروا ‏قط خطر الفساد ولم يتخيلوا أبدا حجم الطامة الكبرى التي أصابت المنظومة التربوية ولم يكونوا على ‏علم أن الجهوية قد نخرت عظام الوطن إلى حد يصعب مداواته وان التطرف الديني قد أخذ من الأمة ‏مأخذه واعد لنفسه فرقا لموت… باختصار …لا يعرفون من هم ولم يكونوا على وعي بالبركان الذي ‏ينامون عليه وكذا الهشاشة التي تميزهم عن الشعوب الأخرى.‏

وفي عشية الخامس من أكتوبر، سقط القناع عن جزائر الراحة والسعادة والبذخ، الوفية لثوابتها ‏الواثقة من الأسس المبني عليها والفخورة بـ ” الخشم ” فسقطت معه مرة واحدة، ورغم ذلك، لم ‏تكن البلاد قد عرفت بعد كل مآسيها.‏

وبين أكتوبر 1988 وديسمبر 1991 (قبل الانتخابات) . اكتشفت انها تراكم من المفارقات ‏والتناقضات ودواعي التنافر والتناحر، ولغاية هذا الحد، كان بإمكاننا إخفاء مواصفاتنا وخصوصياتنا ‏وطبائعنا.فقد كانت اختلافات مستترة ملثمة…ولكنها بعد ذلك التاريخ أصبحت حقيقة عميقة يتعذر ‏كبتها واخذت دور الخصومة والعداء. لقد دق جرس اختبار كل واحد فينا لهويته وحزبه ومعسكره ‏ومشروعه للمجتمع وورقة انتخابه.‏

في السابق، كنا نلتقي وكلنا، يخفي عيوبه غير مكشر عن أنيابه. واليوم وحتى نلتقي، وجب علينا نزع ‏قناع التمثيل وكشف عوراتنا وإبراز مخالبنا . في السابق، كنا نتصارع بلغة التلميح والإشارة والقلم ‏‏…واليوم أصبح السيف البتار هو الحكم بيننا لأننا لم نعد نكتفي بالإعلان عن اختلافاتنا بل نحملها ‏الآخرين بالعنف ونرميهم بقناعاتهم ومنطقتهم وملبسهم واعتقادهم.‏

وهاهم لجزائريون اليوم يكتشفون شيئا عظيما: لم يتشكلوا معا في بيئة واحد وفي الان نفسه تباعا ‏لمعايير‎‎واحدة وتصميم واحد. لقد اتضح ان التأثير العائلي والجهوي والديني أكبر واشد من تأثير ‏المدرسة.‏

لقد اتضح ان المسجد والشارع اشد توجيها من البرامج الدراسية والتلقين الإيديولوجي للتلفزيون، ‏وأننا لم نتأثر اجتماعيا واحدا.‏

وفي عشية السادس والعشرون من ديسمبر 1991 تحطمت خرافة جزائر مجمعة على رفضها وبغضها ‏السلطة تسير كرجل واحد لمحاربة الفساد والعجز بمختلف أنواعه وتتجه نحو هدف واحد هو ‏الدخول في عهد جديد لقد ايقن الجزائريون من خلال الأرقام أنهم لا يبغون الشيء نفسه ولا يريدون ‏العيش في زمن واحد تحت راية قوانين ومؤسسات واحدة، لقد رفعت راية الإسلام وبدأت راية اللائكية ‏تلوح من بعيد. 

ولأول مرة استفهم الجزائريون أجابوا بإجماع: لا نريد العيش معا.‏

ولذلك أصبحت أطروحة الازمة الاقتصادية لا تشفي غليلي أحد منذ مدة طويلة. وهاهي أطروحة الأزمة ‏السياسة تنهار بدورها، وقد فهمت بعدها الجزائر انه إذا كان الهدف يبدو واحد – القضاء على النظام ‏الحاكم – فان ما يأتي بعد ذلك من اختلافات لا يمكن تضميدها والبحث عن حل وسط لها.‏

ان الصورة الأمثل التي يرسمها كل واحد عن الحياة التي يريدها ليست هي نفسها وان الأحلام التي تراود ‏الجميع لا تطبعها رموزا واحدة ولم تعد المصالح مشتركة، لقد استفاق الجزائريون وهم دهماء لا ‏يربطهم رابط فتشكلوا في مجموعات من اللوبيهات وقوى الضغط والعروش والقبائل والتطرف ‏والعصبيات الخشنة القطة الغليظة.‏

ان الخلاف الذي كنا نعتقده بين القمة والقاعدة لم ينصح مقاله الا بعدما تبين بالفعل ان هناك ‏ثغرات عميقة داخل الشعب ذاته… بين الرجال والنساء. بين المعربين والمفرنسين وبين الإسلاميين ‏والحداثيين، وبين العمال والمسؤولين وبين اللغات واللهجات والمذاهب.‏

وقد انضافت إلى تلك القطيعة العمومية هذه القطيعة الأفقية، ولكن الخلافات والصراعات الأفقية ‏أخطر لأنها تمس الوتر الحساس والعمود الفقري أي الدين واللغة والهوية والمرجعية الحضارية وإطار ‏الدولة والتعليم والمرأة والتوجه الاقتصادي وكذا نقاط تفصيلية أخرى.‏

ونحن أمام هذا المشهد الذي تطبعه الخلافات والانكسارات وإخطار الانفجار، لم نجد سوى التهجم ‏على التعددية الحزبية باللعن والطعن والتأسف على الاستقرار والانتظام والسكوت على المنكر. لقد ‏عبنا على الديمقراطية كونها السبب في قطع حبال الأواصر وزعزعة البناء وتحطيم السفينة التي كانت ‏تحمل الجزائر وكشف النقاب وإطلاق سراح شياطين الفتنة.‏

لقد رفعت دعوة قضائية على حرية التعبير بتهمة تعرية الجزائريين وإبراز عوراتهم أمام كل ناظر.‏

بالطبع ان الديمقراطية براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام بالطبع انها لم تتسبب في شيء، لم نثر ‏ما يدعو للريب ولكنها بينت للعيان تحديدا ما لم يرد له ان ينكشف مما حدث منذ 30 سنة من ‏الكذب والبهتان والتصنع والتلفيق. ومع ذلك نجد ان الجزائر هي التي أنجبت المثل الذي ينصح الا ‏تغطي الشمس بالغربال.‏

وفي الحقيقة، لا يمكن الاحتكاك المستمر بين العديد من الثقافات والمدارس وتصورات العالم إلا أن ‏يحدث منطقيا الاشتعال والنار. إن المزج بين الأنواع لم يكن ينتظر سوى عود الثقاب وقد كان ذلك ‏هو الديمقراطية.‏

إن مشاكلنا قديمة قدم تاريخنا ولكن اكتشافنا لها وليد اليوم.‏

ان البناء الذي اقيم على عجل منذ 1962 قد اتضح انه اعوج أعرج وعيوب أساسية أخرى لا تبشر ‏بخير، وإذا عدنا للبناء ذاته فانه لم يكن برملنا وإسمنتنا وعرقنا وإنما كان بما عاد به البترول علينا ‏والمديونية الخارجية على اختلاف أنواعها.‏

وعليه، فانه لم يكن قابلا للاستمرار لأنه لم يقم على أداء شعب لواجباته حق الأداء ومنه تحصيله ‏أحسن النتائج والإنتاجية وعلى حقيقة الأسعار والأشياء والأفكار وإنما على أساس أجهل والأوهام ‏والحيلة وفساد النية والسلوك.‏

ان الحكام السلاطين لم يكونوا بحاجة لشعبهم أو عمله حتى يوازنوا بين المداخيل والمصاريف أو ‏ليمولوا لعبهم التي تمت بصلة الى عالم الصناعة وكذا ليختلسوا ما يمكن اختلاسه، إنهم لم يعولوا على ‏إنتاجه وانما على مبيعاتهم من النمط التي لم تكن لتحتاج إلى أكثر من بضعة ألاف من السواعد، ولكن ‏وبمجرد ما أصبح البترول والمديونية لا يلبيان الطلب من أجل تمويل الفوضى والاختلال والتبذير، ‏أعلن الحداد ودق ناقوس الفقر والإملاق والأزمة. ‏

ان الجزائر قد بنيت على أعمدة من رمل والماء ينخر فيها ولذلك فهي من الوزال قاب قوسين أو أدنى.‏

وهاهي الأطراف التي أريد لها التزاوج على سرعة من أمرها ودون تعارف مسبق قد بدأت في تطليق ‏بعضها البعض وباتفاق كامل.. لأنه وبدل أن تحشى ” الوحدة الوطنية” بالمعاني والمعقولات راحوا ‏يفرغونها من روحها ويثقلوها بالأكاذيب والأباطيل. واليوم، يمكن إن يصيبنا خبل ومس من جراء هذه ‏الحقائق ولكن المثل يقول: ” كما تدين تدان ” او ” يداك أوكتا وقوك نفخ’‘.‏

إن الرغبة والأمل في الخروج من الأزمة عام وواضح ولكن لا أحد يعرف كيف يكون ذلك. ولا أحد قدم ‏تصورا أو نظرية شارحة حتى لا نتحدث عن حلول نهائية لمختلف الانحرافات التي أصابت بلادنا، ‏الرؤية منعدمة تماما وأطراف المأساة يناحرون في الظلام الدامس…‏

لقد عم القلق والاضطراب المدينة.‏

إن جزائر اليوم تفقد حتى لرجل واحد يقول الحمد لله ملء فيه تعبيرا عن رصاه، فقد بلغ السيل الزبى ‏حيث ذات الشحم وغلا اللحم وتهثم العظم. وعلى كل فالجزائر لم تعد مفردا بل جمعا والكل في سبو ‏شكوى ذهابا وإيابا: في السوق. في الحافلة. في المستشفى …. في كل مكان.‏

الكل يندد بالاختلالات المتتالية التي تعكر عليه صفو حياته وبعنف وبظلم الآخرين له وأنانيهم ‏المفرطة ولكن لم يدرك أحد فينا أنه هو ذاته سبب في هذه البلية أو تلك…من سوء للفهم وتقصير في ‏أداء الوجبات وخرق لقانون المرور…لا أحد يعتقد ان جهله وتقصيره يبرران جهل وتقصير الآخرين وأنه ‏معهم في الميزان سواء وما الجميع الا انعكاس لبعضهم البعض.‏

وفي خضم هذه المفارقات والأمراض، نجد الدولة عاجزة قاصرة مهملة جهلاء مجرمة، أنها اشد ضرار ‏من مواطنيها لأنه سيف العداء والحرب على الجميع: على العامل الاقتصادي والمبادرة الحرة وعلى ‏الحق في الربح والنجاح وغريزة الحياة وسنن الطبيعة في التغيير.. على الأمل والشباب، لقد أكلت أموال ‏الناس بالباطل وأعوانها بالقوة لأنها الخصم والحكم فوق كل شرع وقانون يمتص دم الضحية وتتركها ‏على الطوى الأبدي مصفرة شاحبة فراشها الأرض وغطاؤها السماء بين أنياب الجريمة والعنف ‏والخوف. 

ما اشد ان نختلف في كل شيء مثل كذلك كمثل الجسم الذي يصيبه السيدا فترى اجهزة الدفاع ‏المناعية تسقط الواحدة تلو الاخرى … كمتا الجسم الذي تنزع منه أعضاؤه عصوا في مناخ هستيري ‏مهيب.‏

كيف بنا نتحدث عن إمكان بناء امة في ظل كل هذه التناقضات واختلافات. ومن حقنا أن نتساءل: ‏ماذا ينقص البلاد التي تملك عددا محترما من السكان، ومساحة واسعة وثروات طبيعية مختلفة حتى ‏تصبح أمة عظيمة! ‏

بينما آخرون وبإمكانياتهم القليلة رفعوا التحدي وأصبحوا شعوبا متقدمة توجه العالم؟

إن الإجابة عن هذا تبدو سهلة ولكن كل ما يبدو سهلا فهو صعب وللوصول إلى ذلك، لابد من تحقيق ‏التآزر والانسجام ولعمل الدقيقة الحركية الجماعية وخصوصا الوعي والإدراك الواضح انه إذا كانت أمة ‏من الأمم خارجيا مدن ومنشآت وفنون وحماية اجتماعية وعمل الخ، فإنها داخليا استعداد ذهني ‏وتمثل للأشياء مشترك ونظام اجتماعي محدد.‏

في الوقت الراهن، ما نحن إلا قطعا للغيار لم تركب لتصنع الحركة، نحن أعضاء في فرقة موسيقية ‏تفتقد إلى قائدها الموسيقار والي كل توليفة.‏

اذا لم تدخل حركة كل واحد، محاسنه وميزاته في مجرد عيوب وشطحات وأعمال تخريب، وعليه ‏سيعمل الأفراد ضد الطبيعة والجنس ويصبح حلم الجميع كابوسا ويخيب الخاص أمل الناس أجمعين. ‏وعندها لا تكون سوى غثاء كغثاء السيل.‏

جريدة “الخبر” اليومية 27 أفريل 1993

موقع الجزائر اليوم 07 سبتمبر 2016

جريدة الحوار الجزائرية 26 فيفري 2017

You may also like

Leave a Comment