ترجمة بوزيان فرحات
رأيت و سمعت مالك بن نبي مرة في قاعة متواضعة للجلسات في ثانوية عمارة رشيد، حيث جاء بشكل متخفي لإفتتاح جلسات أول ” ملتقى افتتاحي للفكر الاسلامي”.كان شهر ديسمبر 1968 أثناء عطلة الشتاء ، لا أحد كان يتخيل النجاح الباهر الذي ستحققه هاته التظاهرة ،و التي هي ثمرة مبادرة مالك بن نبي. كما انه لم يخطر ببالي ان هذا اليوم سيكون له اثر كبير في حياتي المستقبلية . علمنا بإقامة هذا الملتقى من خلال اعلان في الصحافة. وقد حرص ابي ان اذهب انا واختي الى الملتقى، من اجل تثقيفنا وان نسمع بعض المحاضرات، في البداية كنت مترددا ، حتى لا اقول الصراحة عنيدا ، رغم عدم اهتمامي الصريح بالموضوع كان لا بد بأن أرافق أختي لواجب صلة الرحم ،وأن لا نخرج عن التقاليد.
كان عمري وقتها ثمانية عشر،كنت أدرس بالداخلية في ثانوية ابن تومرت ببوفاريك، كانت هذه هي فترة التساؤلات الأولى ، وبدايات البحث التي لم تتركني من حينها، لكن لا يعني هذا أن لا أرضخ أثناء العطل لهوى الشباب، فأستمع إلى أنغام فرقة أدامو. و فرقة بيتلز، في ساحة مركز البريد بشارع فالنتين ( الجزائر العاصمة).
في هذه الفترة ، الإيديولوجيا التي كانت مسيطرة ولها صدى هي ” التقدمية” كنت أرتاد منذ 1963 فرقة شبيبة الأفلان (شارع باستور) التي لا تبعد عن بيتنا سوى 30 مترا حيث تتزين رفوف مكتبة دوما بمجلدات خشنة تستعرض حياة و أعمال ماركس ، لينين، ماوتسي تونغ. كيم 2 سوتغ…إلخ، وهي عبارة عن هدايا من السفارات و المراكز الثقافية الأجنبية التي لم يقرأها أحد بطبيعة الحال، مع الغزو الفضائي والسلاح النووي للإتحاد السوفياتي و الصين ، كانت الماركسية في قمة مجدها ، في بلد مثل الجزائر، ترى هذه الإنجازات كما لو أنها من عمل أيدينا، و يتحمسون بأنهم سيعيدون إنتاجها قريبا في بلدهم.
أما فيما يخصني ، فلم أشعر بارتياح لهذه الفلسفة، رغم الفرص الكثيرة التي أتيحت لي مثلما أتيحت لغيري لنعتنق هذه الفلسفة، فإنني لم أتقبلها أبدا ، الرفض الطبيعي تقريبا أتى من كوني أحسست أنها تضع مسلمة غير مشروطة لمحو أسس الشخصية الجزائرية، لكن نعارضها بماذا؟ فالإسلام لم يكن له تأييد لا من الجماهير و لا من الدول، وكنت عاجزا تماما أن أميز بين إيجابية الإسلام و سلبية المسلمين ، و لا أملك أي ميل نحو التدين المتشدد، لم يتوقف عقلي أبدا عند هذه إلاعتبارات. لكن كان يتساءل منذ مدة عن سبب هذا الـتأخر التاريخي، في بلد كالجزائر، يفترض أنه يملك أفضل قيم الإنسانية ، وفي الثانوية ، كان أساتذتي في الفلسفة، دانيال بوكمان في ثانوية بوفاريك ، و ماشينوا في ثانوية الأمير عبد القادر ، تميزا بالجدية والشهرة و النضال من أجل التقدمية، كانت علاقتي بالأول علاقة التلميذ بأستاذه، أما الثاني فكانت علاقتي به عنيفة وفيها شيء من الكراهية.
مما سيصبح عندي حساسية حقيقية اتجاه الشيوعية التي لم يكن لها أبدا مبررا اقتصاديا كما سيتهمني البعض بعد ذلك، كانت عائلتي جد فقيرة ، و أنا كنت جد شاب لا يشغلني أبدا التفكير في امتلاك بعض” المنافع” أو ” الشعور بالطبقية” ، بالنسبة لي ، أن تصبح ماركسيا ليس تطورا، بل هو خيانة ، خيانة للماضي، و الثقافة ، و القيم الأخلاقية، و الاجتماعية حتى و لو كانت متخلفة. ومن جهة اخرى بينت أن هاته الايديولوجيا التي ضربت من الأمام العمق الفكري الجزائري ليس بإمكانها تحريك الجزائر العميقة، يكمن السبب الوحيد في نظري في نقطة إلتقاء بين عوامل نفسية و حضارية وروحية.
و لهذا لم يكن من الصدفة أن يكون أول مقال لي ” الإسلام و التقدمية”(1970) حيث بحثنا عن جواب الراعي إلى الرعية ، ، ثم نشرت نقدا عنيفا عن ماكسيم رودينسون (1971) الذي قدمه لنا الأستاذ ماشينو على أنه أحسن المراجع لدراسة الاسلام، ماكسيم رودينسون الذي اتهم الحكم ، أجابني بكيل من السباب في الفقرة الأولى من الصفحة الأولى لكتابه الضخم” الماركسية والعالم الاسلامي” الذي ظهر بعد أشهر من ذلك.
بعد وصولي في صباح ممطر إلى مكان الملتقى ، وعند دخولي إلى القاعة ، فوجئت بأطياف ” قشابيات” في قاعة ضيقة وباردة، بدوا لي كطلبة خرجوا من زاوية لا زالت تقاوم الحياة في خضم تقلبات الفترة ، هؤلاء لم يكونوا في الحقيقة إلا ممثلين بسطاء لهيئة نظامية، لا وارث لها في الجمهوريات التقدمية، إنهم أئمة المساجد ، ستدوي ساعة مجدهم في يوم من الأيام في الجزائر، و سيكون هذا هو الوقت الذي يصبون فيه جام غضبهم الذي كظموه طويلا، فقد بقوا يخزنونه عندما نبههم البعض أنه ليس المكان و لا اللحظة .
جلست بحذر متربعا في وسط القاعة، و من هناك أرى على المنصة يأتي صوتا حادا يذكرني بشيخ مشرقي يصرخ في الهواء بجمل يكررها للمرة الألف، كان قبله مسلمون في بلدان كثيرة منذ ألف سنة ، وهنا ترتفع الأصوات من كل جهة ” الله أكبر” مشحونة بالإيمان، و من بين الوجوه فيما أذكر ، حسبما أعتقد ، غفرالله لي ، صوت يتميز بنغمة صبيانية ، إنه صوت ساسي لعموري.
كنت أبحث عن اللحظة المناسبة لأختبئ في زاوية متخفية من القاعة. حينها قدم المنشط المحاضر التالي ، وهنا ظهر على المشهد، رجل ذو شعر أبيض ، طويل القامة، أنيق، ظننته أجنبي، دقائق بعدها تجمدت في مكاني، لم أستطع مغادرة المكان ، هنا أكتشف مالك بن نبي ، الرجل العظيم الذي يقنعك و يفرض نفسه من البداية، يتكلم شيئل فشيئا، كل الشكوك و الظنون التي تجمعت عندي عن كل ما هو إسلامي في الماضي بدأت تنزاح جانبا تاركة المكان إلى رغبة شديدة في الفهم، والمعرفة ، والتعلم، و الاستدراك ، اذكر جيدا من بين ما قال هاته الجملة ” أن الله متخفي من شدة الظهور “Dieu est obscure a force de clarte” بدأت أسجل ملاحظات بسرعة، ثم فهمت بعدها أن المهم الآن في هذه اللحظات ليس أن ألتقط كل ما يقول مالك بن نبي ، بل بالإفتخار الذي انتابني بعد أن عرفت أن مالك بن نبي جزائري، لقد نشأت احكامي المسبقة الواحدة تلو الأخرى في ضوء شمس حارة و مطهرة ( من التطهير) لنوع آخر من النزعة الوطنية.
بدأت حياتي تتغير ، مادام هناك توجيه، ومعنى واتجاه، و حتى أدلة قوية، مع مالك بن نبي بدأت في معرفة الاسلام الحقيقي ، غيرالاسلام البالي ، العاطفي ، اللاعقلاني، الثرثار، غير الفعال، القبيح الغير المنسجم….جسديا أصلا، غيرالصورة المنطقية عن ” العالم” المسيطر التي كانت في ذهني و الانسان “المتحضر”الفارغ روحيا ، كان بن نبي خطير جدا، مصيبا و على حق، يجسد كل ما فيه عندما يتكلم، أ ي المسلم “الأصيل”و ” الفعال” كان المثال والقدوة التي ينبغي الوصول إليها.
لكن في نفسي وقد سيطرت علي هاته النشوة، حيرني لغز، كيف لرجل بهذه الصفة و العظمة غير معروف في بلده؟ لم تسعفني معرفتي بأي جواب، و لا أعرف أحدا في هذا الوسط ” الاسلامي” لأطرح عليه هذا السؤال، هذا الوسط الذي كدت أصدم به، أعرف تقريبا كل المؤلفين الجزائريين و أحب بعضهم ، لكنني أجهل اسم هذا الرجل،إذا كان الأوائل ينتسبون الى علم تقليدي يعود الى بداية القرن حيث الوجوه المعروفة اكتسبت الشهرة والخلود بفضل ما حكوه لنا عن حالات روحية مروا بها استلهموها من مشاهد حية و اخرى بعد الوفاة، فإن مالك بن نبي يفتتح مسيرته بمنهج جديد، يتعلق برؤية مغايرة ، برؤية غير معروفة في تاريخ العلوم و الافكار في بلادنا منذ ابن خلدون رحمه الله، المفكر المتكامل ، المتبصر الدقيق، لم يكن فقط رومانسيا ، أو عالم اجتماع ، أو مؤرخا ، بل كان كل ذلك و في نفس الوقت، رجل ينحت ، و يشخص، ثم يقدم الأدوية العظيمة ، رجل لا يمكن أن يكون إلا هو ، تكدست أفكاره من كل ما أنتجته البشرية مما هو ايجابي من سومر الى يومنا، مرورا بجبهات كل الأقوام و الحضارات ، وما وراء كل أفق من هاته الحضارات ، و إلى الغد من ذلك ، أذهب إلى المكتبة الوطنية أبحث عن مؤلفات مالك بن نبي ، فألزمت نفسي بهذا العمل بعزيمة صارمة ، كعزيمة مكتشف المغاور ، لن يخرج من واحدة حتى يبحث عن الأخرى ، و لم أخرج أبدا من هاته المغاور و لن أخرج ، لأنه طريقي و اختياري.
ثاني مرة، أرى فيها مالك بن نبي كانت بعد شهور في قاعة المؤتمرات ، حيث كان مقررا أن يلقي محاضرة بعنوان ” معنى المرحلة” ، هنا بالعكس أتيت لأرى أول مرة كاتبا مشهورا، و هو عبد العزيز خالدي، الذي عرفته بالاسم من خلال المقالات الرائعة التي كان ينشرها من حين لآخر في الجرائد، و هو أيضا كان له تأثير على حياتي، خالدي كان هنا لتقديم صديق العمر، مالك بن نبي ، كان مالك بن نبي ينشط في بيته الكائن بالحي روزفلت” دورة في التوجيه الثقافي” في نهاية الاسبوع من 16 و حتى 20 مساء للطلبة الناطقين بالفرنسية و العربية، و الى حد الآن لا أعرفه ، لكن سأعرفه نهاية 1969 عندما يأتي عمر بن عيسى ، طالب في النهائي بثانوية الامير عبد القادر ، و يفاتحني بخصوص تدخلاتي مع الاستاذ ماشينوا التي أحدثت ضجة.
لم يكن لدي اتصال مع أي كان ، و إن كنت قد شاركت في اعمال الملتقى الثالث في شهر ديسمبر 1969 بالمدرسة نورمال ببوزريعة ، لا أعرف هنا أي أحد ، الشخص الوحيد الذي يهمني هو مالك بن نبي ، بعيدا عن الانزعاج من التجاذبات الكبيرة للناس التي أراها حوله، و هذا يعود الى طبيعتي الخجولة و المحافظة، لكن أظن والله أعلم لم أكن أهتم بالانشغالات الروحية ، فمشكلتي ليست روحية و لكنها فكرية، لم أبحث لأغتنم فرصا أكبر لأذهب بعد ذلك الى الجنة، و لكن لأفهم حتى أتصرف بشكل صحيح، و هكذا إذن، فعيسى بن عمر سيكون من أكبر أصدقائي الذي يفتح لي الباب نحو منزل مالك بن نبي ، و إذا أردنا أن نسمي الأشياء اليوم بمسمياتها ، فأنا وعمر بن عيسى سنشكل الفرع الإعتزالي لملتقيات مالك بن نبي ، بخلاف وجوه أخرى كبوجلخة، براهمية، هدام و نحناح…، أذكر هذا الأخير حينها كان مرحا و أنيقا ، لا يحمل لحية و لا يرتدي قميصا ، بل كوستيم و كرافاطة ، خلال هاته السنوات الأربع، سأعيش أروع اللحظات في حياتي في ظل مالك بن نبي.
و في نفس الوقت ، سجلت في كلية العلوم الاقتصادية، و بدأت في العمل في وزارة الشؤون الدينية مع رشيد بن عيسى، عبد الوهاب حمودة، و سليمان بن عزيز، و بقيت هناك من أكتوبر 1970 حتى ديسمبر 1971 حيث استقلت بعد افتتاح الدائرة الثقافية الاسلامية بشارع علي بومنجل لإدارة هذا المركز ، و من جهة أخرى ، فقد بدأت الكتابة بانتظام في الصفحة الثقافية لصحيفة المجاهد، و كان هناك عمود خاص بي بعنوان “من قلم نزيه d’une plume désintéressée” في إحدى هاته المقالات و بتاريخ 24 نوفمبر 1971 كتبت مقالا بعنوان ” الصالح ، الصحافة. واللص” ( في إشارة إلى عنوان فيلم أمريكي مشهور “the good, the Bad, the ugly”) بعد ظهور هذا المقال استدعاني محافظ الشرطة بالعاصمة.
الرجل الذي دفعني نحو الصحافة هو الدكتور خالدي ، و قد أعد العدة ليبعثني أتم دورة تكوينية في جريدة “لوموند” حيث كان لديه أصدقاء هناك، لكن الموت فاجأه 1972 في سن 57 و قد كان لي الشرف أن أكتب مقال تأبين الأخ خالدي، و هذا ما فعلته و قد استلمت جريدة المجاهد المقال، على أن يمر في المطبعة على الساعة العاشرة ليلا لتصحيح النص، و حملت معي بعد نهاية العمل الدليل على أن المقال سيظهر في الصفحة الثامنة ، مصحوبا بقصيدة لمحمود براهيمي ألفها في ذكرى وفاة المرحوم خالدي ، و في الغد من ذاك، اشتريت الجريدة، وكم كانت مفاجأتي غريبة حيث لم أجد شيئا بخصوص المرحوم، و أحتفظ الى يومنا هذا بدليل حي على مراقبة أحمد طالب الابراهيمي، وزير الاعلام الذي وصل الى هذا المنصب بفضل خالدي رحمه الله، كان هناك صديق آخر ، عبد الكريم غريب، رئيس الودادية لمسلمي أروبا، و كان ممن يرتاد صالون خالدي الذي يعده صبيحة كل اثنين، فأخبرته بالأمر و نشره في مجلة ( Algérien en Europe) عدد ماي 1982.
عندما اتذكر هذه الحادثة و استخرج من الارشيف هذه الورقة الممنوعة من النشر ،ليس فقط لأعيد قراءتها ، لكن لأتأمل بشعور عارم قصيدة مومو، لقد ارتجلها ساعات فقط من خروجنا من مقبرة سيدي أمحمد، حيث وارينا التراب الأخ خالدي بجانب على الحمامي ، هذه “الأمانة ” التي لم استطع ايصالها الى محبيه بسبب خطأ نايت نازي، و احمد طالب الابراهيمي ، هي من أفضل القصائد موموا، الرجل الأكثر نزاهة ، و الأكثر كرما و احتراما في حياتي، قد أجد الفرصة في يوم من الأيام لأتحدث عن هذا الرجل، الشخصية المثالية ، و قد عرفني بــ” ريني غينون” و ” ميشال فالسان” و ” فرانسوا بونسوي” و الثلاثة من علماء الميتافيزيقا و قد اعتنقوا الاسلام.
إذا كانت حياة مالك بن نبي كلها قساوة ، فإنها ستزداد ضراوة بعد موت خالدي، لقد عاش مالك بن نبي في الفقر المدقع، و كان مهانا ، و مراقبا ومحروما من الحرية و التنقل، خاصة إلى الخارج ، حتى وصل الأمر إلى الإعتداء عليه مما تسبب له في جروح في شرفة منزله الخاص، حيث هددوه بالطرد من منزله، لكن ورغم كل هذا لم تخر قواه، بل واصل مهمته و معركته ، ينشط الملتقيات في معظم العواصم العربية، كتابة وإلقاء ، حضور هاته الملتقيات كان من أكبر الشرف في حياتي، وكنت محظوظا جدا ان أرافقه و أقدمه للجمهور، حدث هذا مرة في مدرسة الأشبال بالقليعة، و مرة أخرى في دائرة الضباط بأميروتي، لقد وصل الأمر بنا ، أنا و عمر بن عيسى أن نقضي الليلة نحرسه في اللحظات الحرجة ، و عندما أتى قبل اندلاع النيران ليتأكد هل نحن بحاجة إلى شيء ، أحببنا أن نبقيه معنا بذريعة أن يحدثنا عن نفسه فرفض، القليل الذي نعرفه عن حياته انتزعه منه البعض بصعوبة، أو من خلال التراجم الذاتية.
لقد بدأت المناوشات الأولى في جامعة الجزائر، على مستوى المسجد بين بعض الطلبة الشيوعيين و ذوو الميول الاسلامي، هاجم الطلبة الشيوعيين في ليلة من الليالي المسجد و أحرقوا المكتبة و بعض النسخ من القرآن الكريم التي وجدوها هناك ، لقد تركت الحادثة حزنا عميقا، كنت في السنة الثانية ، أحد الأساتذة الماركسيين اللامعين كتب لي رسالة يحدد لي فيها موعدا في مكان ما من كلية الجزائر، لقد اقتنع الاستاذ ، لست أدري من طرف من ، أنني كنت الفاعل، و كان خائفا، لست أدري مم ؟ فأقنعته أنه على خطأ، بطبيعة الحال، في مدرج شارع شاراس، لم أكن محبوبا نوعا ما من طرف زملائي ” التقدميين”.
بعد مغادرتي وزارة الشؤون الدينية بشهور، استلمت الامانة العامة لمجلة جريدة في طور الولادة على مستوى ولاية الجزائر ، تحت اسم ” الوقائع الجزائرية” “Alger – realites” و بقيت أعمل هناك من مارس 1972 إلى جوان 1973 مع مواصلة العمل في جريدة المجاهد ، حيث سأمنع من الكتابة حتى جوان 1979 حيث نشرت تقريري عن الثورة الإيرانية.
التفاوت بين أفراد المجموعة التي كانت ترتاد منزل مالك بن نبي ، أنا وعمر من جهة ، والبقية من جهة أخرى ، كان واضحا ، نأتي إلى مكان واحد ، لكن نخرج بنتائج أساسا متعارضة، كان هناك من يسمينا ” اليساريين” أو ما يسمى اليوم ” العلمانيين” .ملتقى الفكر الاسلامي كانت بدايته مع مالك بن نبي ، ثم أصبح من بعد قضية السلطة، آخر ملتقى شارك فيه كان في قسنطينة ( جويلية 1971) و عاد من هناك معارضا بشدة ، وكان هذا بالنسبة لي ، على كل حال، آخر ملتقى أشارك فيه شخصيا ، كما كانت آخر سنة لي في شبيبة الأفلان .و لم أشارك أبدا في الأفلان و لوعلى سبيل الاشاعة.
مات مالك بن نبي بعد مرض طويل 31 اكتوبر 1983 و لم يتم تمريضه بشكل جيد، و انتقل من مستشفى إلى آخر، و بالكاد يظهر مقطع صغير في الصحافة يعلق فيه احمد طالب الابراهيمي الخبر ، مات مالك بن نبي كما عاش، بمعنى في كامل وعيه بواجبه اتجاه الناس بإبصارهم و إيضاح الطريق لهم ، آخر السطور التي دبجها كانت ترحب بالموت الذي رآه قادما ، وقد انتظره بقلق ليرتاح من واجب ألقته الحياة على كاهله، عانق رجل سجل إسمه في القدر ليقاوم، كان موته مأساة لي ، لم يبق شيء له ذوق أو معنى ، لقد أظلمت الدنيا في عيني و كان عمري أنذاك 23 ….
الوطن 11-12 نوفمبر 1992
