الاشكالية الجزائرية

by admin

ترجمة عمار بوكروح

تميز تاريخ الجزائر على مر العصور باضطرابات متوالية سادتها تناقضات جدلية بين الاحتلال تارة ‏والتحرير تارة أخرى وعرفت هذه الاضطرابات نهايتها سنة 1962، دون أن تمحي من ذاكرتنا ذلك ‏الحظ المحزن الذي جعل منا أوّل بلد عربي اسلامي يعاني الاستعمار في العصر الحديث.‏

إنّ لحظة تأمل في الغزوات الأجنبية المتواصلة طيلة عدة قرون ومقاومتها من أجل الاستقلال، يجعلنا ‏نبحث عن أسبابها أوّلا وقبل كل شيء، في نوع العلاقات التي كانت سائدة بين القوات الدولية خلال ‏تلك العصور.‏

غير أنّ دراسة معمقة لمقدمات ونتائج تلك الأحداث، تجعلنا نركزّ على وضع الأنظمة الاجتماعية ‏السائدة في بلادنا خلال تلك العصور، للكشف عن الاسباب الداخلية التي هي بالتأكيد مرآة عاكسة ‏للأسباب الخارجية.‏

ينكشف لنا حينئذ أنّ الجلدية احتلال-تحرير وجه آخر يتمثل في الوضع الاجتماعي السائد آنذاك، ‏والذي ادى الى احتلال أجنبي كعقاب حتمي نتيجة التمزق وفقدان التلاحم العضوي بين سكان الوطن، ‏أمّا التحرير فكان دائما نتيجة الضمير الجماعي الراسخ في الذاكرة المشتركة التي تتجسد في الأعمال ‏الوحدوية ذات النفس الطويل.‏

إنّ الاجيال التي عايشت الحركة الوطنية وحرب التحرير تدرك الفرق بين النظام الاجتماعي الذي رضخ ‏لـ “قانون الأهالي”، وذلك الذي مكّن ثورة نوفمبر من تحقيق الاستقلال‎‎

فالسيطرة الأجنبية بالأمس والتخلف اليوم بالنسبة الينا وبالنسبة لأمم أخرى، ناتجان الى حد ما عن ‏عدم الكفاءة والتقصير في بناء هيكل اجتماعي قادر على الدفاع على كيانه والحفاظ على توازنه الحيوي ‏فوق عتبة الانهيار.‏

يمكن لكيان من هذا النوع أن يتكبد هزيمة عسكرية بصفة مؤقتة ولكن لا يمكن أن يرضخ لاحتلال ‏يدوم قرنا، وقد يفتقر إلى ثروات طبيعية ولكنه لا يستسلم للتخلف رغم عدم توفر امكانات اقتصادية ‏هامة.‏

فاذا كان البحث عما يبرهن على هذا التقصير في ماضينا الغابر غير ضروري، فمن الاهمية بمكان ان ‏نحاول اعادة تشكيل تسلسل الاسباب ونتائجها طيلة الربع القرن الاخير من تاريخنا لنوضح الحالة ‏المريضة المتعددة الابعاد التي يتميز بها حاضرنا.‏

ان عدم الكفاءة التي هي موضوع هذا التمهيد لا تعبر عن تقصير معين بصفة مطلقة، بل تعبر عن خطا ‏في الرؤية في سياقه التاريخي الخطير وعن عجز في تقييم الامور في وقت حاسم، كما انه خطأ في الاتجاه ‏الذي يؤدي لا محالة الى وضع كارثي.‏

وهكذا فان النظام الذي حكم الجزائر منذ سنة 1962 لم يفشل في بناء الاقتصاد الوطني بسبب ‏تسييره السيء للثروات الطبيعية والبشرية ولكنه فشل في بناء المجتمع الجزائري ذاته لافتقاره الى ‏الرؤية.‏

ان لعدم كفاءة “النظام” جذور عميقة في تاريخه وحتى فيما قبل تاريخه. ‏

حيث يعود الى الفترة التي كان يسقط خلالها البعض في ميدان الشرف في سبيل تحرير الوطن، بينما ‏البعض الآخر، في المؤخرة، يعقدون اجتماعات مشبوهة ويدبرون مؤامرات للاستيلاء على السلطة ‏عندما تتاح الفرصة.‏

ولمّا وصل الوقت المنتظر كرّس النظام كلّ جهوده للحفاظ على السلطة بدلا من تسخيره لتحقيق ‏الهدف الأسمى المعلن عنه أوّل نوفمبر ‏‎1954‎، بل انشغل هذا “النظام” بتسيير الجماهير والوسائل ‏والأوضاع التي تساعده على ذلك، ولم يهتم أبدا بالمجتمع.‏‎

وبدلا من اعتبار هذا المجتمع ككل متناسق ومتألف على مرّ الزمن انطلاقا من مبادئ أخلاقية ‏وقانونية واجتماعية واقتصادية، سعى الى تكوين جمهور يفتقر إلى النضج السياسي يصلح لاستعماله ‏كحقل لتجارب أنماط اجتماعية-سياسية مستلهمة من نماذج أجنبية.‏

لقد استحوذت على هذا النظام فكرة بناء الاشتراكية في الجزائر حسب التصور الماركسي اللينيني، ‏ونسي أن المجتمع الجزائري الذي خرج من ظلمة استعمار دام قرنا وربع قرن وخاض معركة من أعظم ‏معارك التحرير، وهي حوادث غيّرت مظاهره النفسية ورفعته إلى أعلى مستوى من المثالية في نظرته ‏لمستقبله.‏

إذا كان هذا المخطط يهدف حقا الى انشاء دولة مركزية في بلاد كادت تفقد ذكرى ماضيها التأسيسي، ‏والى اشتراكية امتلاك الثروات الوطنية تجنبا لاستيلاء بعض الأشخاص عليها، وإلى تعزيز وحدة شعب ‏يترصده احيانا احياء القبلية والعرقية. إذا كان هذا المخطط يهدف إلى كل هذا، فانه يحمل في طياته ‏القضاء على القيم الوطنية ومواجهة الشعور بالحرية المستأصل في الجزائريين. ‏

إنّ المركزية في السياسة، ونظام الاقتصاد الموجه، و” الخشونية” في المذهبية كل هذه العوامل مهدت ‏السبيل لهذه العملية الضخمة الإخضاعية الرامية إلى تكوين نموذج اجتماعي يسمح بالتأكيد بممارسة ‏سلطة إحتكارية (أوليغارشية) تهيمن عليها جماعة صغيرة همها الوحيد السلطة والتسلط مارست هذه ‏السلطة في ظروف مثالية ولكنها على الخصوص قتلت عزيمة الشعب وأضعفت إرادته وحطمت آماله ‏واعتبرت البلد غنيمة حرب. ‏

لقد نصب “النظام” أصحاب الإمتيازات (النوماكلاتيرا) في القمة، البيروقراطية في الوسط وترك ‏الجماهير في الأسفل تتخبط في مشاكل نقص المواد وندرتها وفي الجهل والعدمية.‏

هذا الخطأ في الاتجاه هو الذي جعل كلّا من الرؤساء و المرؤوسين يهتمون طوال هذه السنين ‏بالسياسة أكثر من اهتمامهم بالاقتصاد، و بالتوزيع أكثر من الإنتاج، و بذلك بددنا كثيرا من امكاناتنا ‏من حيث الثروات و الوقت لنجد أنفسنا في نهاية المطاف في صف التبعية الكاملة: خاضعين لنزوات ‏الأوبيب، لتقلبات سعر الدولار، نسبة الفوائد و الصرف، للتضخم الدولي، لديون خارجية ضخمة و ‏لممونينا بالسلاح و القمح، و الأرصاد الجوية…الخ.‏

إنّ نتائج عدم الكفاءة هذه أصبحت عبئا ثقيلا علينا من الناحية النفسانية، فأخطر ما نعانيه اليوم ‏ليس أن 

نكون متخلفين، ولكن أن نكون مهيئين لتقبل ما تنطوي عليه هذه النتائج من تورطات لا مفرّ ‏منها.‏

لقد فقدت الثقة، وضاعت الحقوق وسقطت قيمة العدالة، واضمحلت روح المصلحة العامة، ‏وتضاعفت الفوارق الاقتصادية والاجتماعية… فلسنا معرضين للأزمات فحسب بل نحن معرضون ‏للإنهيار الكامل.‏

إننّا اليوم مجتمع لا هو زراعي و لا هو صناعي، لا هو اشتراكي و لا رأسمالي، لسنا أشخاصا سيئين و لا ‏جماعة صالحة، و لا من خيرة المسلمين و لا علمانيين حقيقين، لا معربين و لا مفرنسين، و ليست هذه ‏آخر أوجه المفارقات. 

هذا هو الثمن الذي يجب دفعه عندما تفقد الرؤية وعندما نظن أنّنا سنسد الفراغ بتفويض أمرنا إلى ‏مخططات رباعية وخماسية جعلت الجزائر مأساة “ما تبقى انجازه”.‏

يجب ألا ننتظر الحلول من الصرح السياسي القائم. فعلى الرغم من إدخال اصلاحات عليه يبقى نقطة ‏النهاية لنظام قادنا إلى الإفلاس، فلابد إذن من البحث عن الحلول في تجديد المناهج والرجال وبالتالي ‏تجديد الأمل.‏

انه لعمل ضخم يجب انجازه ولن نجني ثمارا الا بترسيخه في ذلك المبدإ الاساس الذي على شعبنا كله ‏ان يقتنع به الا وهو: لا استقلال ولا تنمية الا لمن يدأب كل يوم على الفوز بهما.‏

(مقتطف من “مشروع المجتمع” لحزب التجديد الجزائري المحرر من طرف السيد نورالدين بوكروح ‏والذي عرض على الصحافة في 03 نوفمبر 1989)‏

You may also like

Leave a Comment