Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1989-1980نداء لتاسيس حزب التجديد الجزائري

نداء لتاسيس حزب التجديد الجزائري

by admin

ترجمة ساعي عايــدة

بعد سبعة وعشرين عامًا من استعادة سيادتها الوطنية، دخلت الجزائر العصر الديمقراطي من خلال ‏التعددية الحزبية. لكن التعددية الحزبية ليست غاية في حد ذاتها، ولا الديمقراطية هي ضمان خروج ‏الجزائريين من الإعصار.

كلاهما لا يعدو أن يكون وسيلة فقط، ليس لتكثيف الانقسامات وتثبيط ‏المجتمع الجزائري لأغراض انتخابية، ولكن لتنويع ومضاعفة طرق وفرص تحقيق مصالحة الجزائريين ‏فيما بينهم، وفيما بينهم ومؤسساتهم. يجب أن يكون التماسك والنهوض المعنوي والمادي للمجتمع ‏الجزائري هو غاية، والديمقراطية هي الوسيلة.‏

إذا كانت فكرة المعارضة، كمبدأ السلطة المضادة المعتدلة، هي أكثر ما يجذب في نظام التعددية الحزبية، ‏فلا يجب أن يتحول المجال السياسي غدا إلى حيث يتصادم وتتفاقم الاختلافات الثقافية والعداوات ‏الاقتصادية والطموحات الشخصية، كما لا يعني ذلك إعادة الإنتاج الشاحب والضعيف للألعاب والتيارات ‏السياسية الموجودة في دول أخرى. ‏

قبل التساؤل حول برامج هذه التشكيلات، يجب على المواطنين أولاً أن يتساءلوا عن جوهرهم الأساسي، ‏فلسفتهم الحقيقية، نوع المجتمع الذي يقترحون قيادتهم إليه. العقيدة تسبق البرنامج دائما. والبرنامج ‏السياسي، قبل أن يكون مخططًا منمقًا لعمل مصمم قبل كل شيء لإغراء وقيادة مروجيه إلى السلطة، ‏يجب أن يكون أولاً انعكاسًا لرؤية شاملة، لإدراك مجمل، لنظرة وحكم قادرين على احتضان كلّ المشاكل ‏وكل ترابطات حياة الأمة، من أجل معرفة ما يجب معالجته وكيفية تكييف الحلول.‏

إن الواجب الأول للعصر الديمقراطي هو إعادة الهيكلة الذهنية للشعب الجزائري، وإعادته إلى واقعه، ‏ومعنى الحقائق بما هي عليه، ما يريده وما يستطيعه في الوضع التاريخي الحالي.‏

فقير، متوسط أو ثري، جزائري اليوم هو رجل غير راضٍ بمصيره، غير مرتاح في ذاته، قلق على مستقبله ‏ومريض من التدهور الذي أحدثه النظام به منذ عام 1962.‏‎‎لم يمنح هذا النظام الجزائريين مياهًا جارية، ‏ولا سكنًا وافيًا، ولا منتجات غذائية أساسية وفيرة، ولا حريات أساسية، ولا متعة العيش.‏

عندما علمهم لم يربيهم. عندما قام بتوزيع الأرض على الفلاحين، فمن أجل تحويلها إلى “خماس” ‏وظيفي. 

عندما وزع أرباحًا وهمية على العمال، فلكي يقعوا في التضخم… إذا كان يقدم لهم أحيانًا تدليلات ‏غير ضرورية، مثل الأناناس أو الموز، فلكي ينتزع منهم ما تذوقوه بعد أن يكون قد لقنهم عادة سيئة ‏إضافية.‏

لقد وعد النظام بالازدهار، فوقع في الندرة، لقد وعد بالعدالة، لكنه أقام “الحقرة” والفساد. لقد وعد ‏بالديمقراطية، فكرّس الرقابة والترشح الفردي والاضطهاد السياسي.‏

عادة، تولد الأحزاب السياسية من مجموعة من الناس تجمعهم انتماءات وأهداف محددة. ثم يقدمون ‏أنفسهم للجمهور الذي يتعهدون من خلال السعي لجعله يرى نفسه فيهم. بشكل عام، أحزاب كهذه هي ‏منظمة بالفعل، وقادتها معروفون وبرنامجهم معلَن.‏

يرمي هذا النداء أن ينطلق من نهج مختلف بان يقترح على أكبر عدد من المواطنين والمواطنات المشاركة ‏منذ البداية في عملية إنشاء حزب التجديد الجزائري، لإنشاء هياكله، وتعيين قادته وإعداد وثائقه ‏القاعدية. وبهذا، فإن الطابع الديمقراطي الأساسي لحزب التجديد الجزائري قد تم اكتسابه منذ البداية.‏

يقترح حزب التجديد الجزائري نفسه كحزب سياسي ذو وجهة وطنية، متشبث بالقيم الحضارية ‏الإسلامية والتقاليد الوطنية الجزائرية، ومدون في تيار تطور العالم المعاصر. سينفذ برنامجه مع احترام ‏والدفاع على تنفيذ دستور عام 1989 بكل ما يقتضيه ذلك في المجالات الاجتماعية والاقتصادية ‏والثقافية والسياسية والخارجية.‏

لا يريد حزب التجديد الجزائري أن يكون لا مع للاشتراكية ولا ضد الليبرالية آليا، ولكن ضد المساوئ ‏المثبتة للأولى، و مع المزايا المثبتة للثانية، في إطار توليفة براغماتية خالية من أي مرجع للخارج وكفاتحة ‏لفكر جزائري منشغل بوضع الجزائري البحت.‏

يجب أن يركز حزب التجديد الجزائري أولاً وقبل كل شيء على تصفية الأسباب والآثار السلبية للسياسة ‏المتبعة منذ عام 1962، والتي أدت إلى تثبيط عام للجزائريين وإهدار إمكاناتهم الاقتصادية والاجتماعية. ‏إنها في الأساس مسألة إعادة الثقة للجزائريين في أنفسهم، في قيمهم الوطنية وفي مؤسساتهم؛ لزرع الأمل ‏فيهم في أن الإصلاح ممكن حقًا؛ لاستعادة أسبقية الواجب على الحق في أذهان الناس؛ لاستعادة مقياس ‏القيم الاجتماعية؛ لنشر وبث التحفيز الفردي والقدرة التنافسية والحماس.‏

‎يجب إعادة إضفاء الطابع الأخلاقي على الدولة والأعمال والخدمات العامة، نزع التباهي والبهاء والبذخ غير ‏الضروريين، إلغاء تقليد الفضائح الدورية التي تصب على كبار المسؤولين، إنشاء حرية الصحافة تجعلها ‏كالحكم في الحياة الأخلاقية والعامة للأمة، إنشاء الحياة الجامعية والحياة الفكرية والفنية دعم البحوث ‏الأساسية والتطبيقية، وإحاطة الدفاع الوطني بجيش حديث.‏

لكي يكون لديك مجتمع جيد، فأنت بحاجة إلى دولة صحية وأفكار واضحة واقتصاد عقلاني.‏

أفضل تأميم هو أن يتم إعطاء الجزائر للجزائريين. لقد جعلهم النظام منتفعين فقط، ويفترض أن بجعلهم ‏مستخدمين ومالكين جيدين. بدلاً من التفكير في تقدم منح للجزائريين كما نفعل مع الأيتام، يجب أن نفكر ‏في فتح الطريق أمام المشاريع الحرة والإبداع الحر والائتمان … 

لقد فعل النظام كل شيء لتعقيد علاقة ‏الجزائري بالمال والثروة. هذا لأنه لم يكن يراه سوى فقيرًا ومساعدًا ومنتفعًا، وليس أبدًا سهلًا ومستقلًا ‏ومالكًايتعلق الأمر الآن بإلغاء تجريم هذه العلاقة، وتفكيكها، وإعطاء جميع المواطنين والمواطنات، ابتداءا ‏فرصا متساوية، إمكانية العيش والعمل بانسجام مع الآليات الاقتصادية الطبيعية والعالمية، تحسين ‏نصيبهم المادي وتمييز أنفسهم من خلال الاستحقاق وحسب النتيجة والصدق، في ظل الأخلاق ‏الاجتماعية، وقانون عام ونظام قضائي فعال ومنصف وفي نفس الوقت صارم.‏

إذا كان تطورنا اليوم هو مجرد فوضى هائلة، آلية بطيئة تثاقل، فذلك لأن جزائر الحزب الواحد كانت ‏تخجل من الظهور كبلد زراعي، وأن التصنيع المحموم هو فقط ما بدا له علامة مرضية على التقدم.‏

والنتيجة هي أنه ليس لدينا اليوم اقتصاد معيشي مكتفي ذاتيًا، ولا اقتصاد تنمية قائم بدأته، وأن ديننا ‏الخارجي هو نصف مدينية بلد مثل الصين، بالنسبة لنسبة ديموغرافية لـ 1 جزائري مقابل 500 صيني، ‏بينما دخل هذا البلد مصاف القوى النووية.‏

يتمثل الحل والعلاج والبرنامج في فك القيود التشريعية والقانونية والتنظيمية والبيروقراطية والذهنية ‏وغيرها في أقرب وقت والتي شدت الخناق على الجزائريين ومنعتهم من تطبيق معارفهم وكفاءاتهم ‏ومؤهلاتهم ومهاراتهم وحماسهم، ‏

لإنجاز فرديًا وجماعيًا ‏‎………‎الجزائر الجديدة!‏

إن التدخل الاقتصادي للدولة، والاحتكارات التي هي مصادر للفساد والتبذير، والمخططات ‏المثبطة…الخ، يجب أن تختزل إلى الضرورة القصوى. بين المفاهيم التقليدية للقطاع العام والقطاع ‏الخاص، هناك متسع لآلاف المشاريع الفردية أو العائلية أو الجماعية الصغيرة والمتوسطة الحجم.‏

الجزائر لا تزال أرض بور، وهضابها العليا غير مأهولة، وجنوبها مهمل، وقدراتها السياحية غير مستغلة، ‏وأراضيها الريفية المجمدة، ومناخها متدهور …‏‎‎

سيكون لدى الدولة ما يكفي للإنشغال به في ملف الدفاع الوطني، والعلاقات الخارجية، و البنى التحتية ‏الهامة، والتعليم العام، والصحة العامة والتغطية الاجتماعية، وتأمين الممتلكات والأشخاص، وحماية ‏المسنين وإعادة دمج المعاقين، لتحقيق العدالة السريعة والعادلة. لحماية البيئة …‏

فيما يتعلق بالسياسة النقدية والمالية، وهي الآليات التي تجاهلها النظام منذ عام 1962 بشكل كامل، على ‏الرغم من أنها تشكل الرافعات الرئيسية للسيطرة على الاقتصادات المتقدمة، فإن الهدف هو توفير نسبة ‏أكبر لمدخرات الأفراد والشركات في شكل منتجات مالية ونقدية والمحفوفة بالمخاطر، جذابة بما فيه ‏الكفاية ومقيّمة جيدا للحد من التمويل النقدي التضخمي، وإحياء الاستثمارات السليمة والمعززة للنمو.‏‎

لكسر دوامة المديونية الخارجية، ينبغي تفضيل الاستثمار الأجنبي المباشر الذي لا يولد ديونًا، كلما أمكن ‏ذلك، على اللجوء إلى الأسواق المالية الدولية، وذلك بإعطاء الأولوية للاستثمارات‎‎في الأسهم وصيغ ‏المشاريع المشتركة بالأولوية مع الشركات العربية والإسلامية والبنوك من الدول الصديقة.‏

إنشاء أسواق مالية وطنية، إعادة تنشيط سوق المال وتوسيعه، تمديد شبكة بنكية بهيئات جديدة ‏متخصصة في المؤسسات المتوسطة وصغيرة الحجم، وإنشاء قيم عقارية متنوعة، وتشجيع الملكية ‏الاجتماعية، وتهيئة الظروف لخلق مساحة مالية دولية في الجزائر وغيرها، كلها إرشادات وموانع مناسبة ‏لإعادة تنظيم الاقتصاد الوطني.‏

إن مثل هذه السياسة الاقتصادية، التي لا يزال يتعين تحديد موضوعها وترقية أسلوبها، ستجعل من ‏الممكن على المدى المتوسط، مضاعفة قيمة الأجر القاعدي الوطني الحالي المثير للسخرية، وخلق تيار ‏وظائف جديدة في الخدمات والإنتاج والزراعة، و تحقيق الاستقرار في القدرة الشرائية و قيمة الدينار ‏والحد من الطباعة العملة، واستنزاف رأس المال الجزائري الموجود في الخارج، وفتح الطريق أمام قابلية ‏تحويل عملتنا على المدى البعيد، مع ربطه بالسوق العالمية.‏‎.‎

الغرض من هذه الفلسفة الاقتصادية هو الشروع في عملية التخلص من التبعية لصادراتنا من ‏المحروقات، لجعل الفلاح البسط مزارعا حديثا، ومن العامل تقني، ومن رئيس شركة عامة أو خاصة مديرًا ‏واثقًا وجريئًا، ومن الشعب الجزائري بشكل عام مجتمع متوازن ومجتهد ومنضبط ومتحمس ومرتاح ‏مادياً. يجب ألا يكون هذا المجتمع مجتمعًا استهلاكيًا ولا مجتمعًا إنتاجيًا فقط، بل مجتمعًا زسطيا ‏بينهما، وفقًا لطبيعة ووجهة الشعب الجزائري المسلم.‏

هذا ليس هو البرنامج المفصل والمرفق بالأرقام لحزب التجديد الجزائري، دلك نرجؤه لوقت لاحق وسيتم ‏تنفيذه بمساعدة عدد كبير من أفضل المهارات، ولكن هذه هي الخطوط العريضة السياسية والاقتصادية ‏التي نقترحها على المواطنين والمواطنات للنقاش.‏

هذه النداء موجه إلى الجميع: مثقفون، جامعيون، طلاب، مدرسون، موظفون، أصحاب مهن حرة، ‏إطارات، عمال، مزارعون، تجار، متقاعدون وكذلك إلى المواطنين والمواطنات المهاجرين، وإلى جميع ‏الفئات الاجتماعية المهتمة بتجديد الجزائر. 

لقد أصبح لدى الجزائريين في الغالب حساسية تجاه كلمات حزب، نظال، ميثاق، اجتماع … لم يعودوا ‏يؤمنون كثيرًا أيضًا بالتغيير، لأنهم يرون أن الحزب الواحد ما زال يسيطر على الحياة الوطنية ويضيق قدر ‏المستطاع العملية الديمقراطية.‏

يجب أن يعرفوا أنهم إذا لم يرغبوا في الخضوع لـ”النظام” بعد الآن، عليهم إيجاد حل بديل يتطلب ‏التزامهم الخاص. هذه النداء ليس نداء، ولا نداء أعضاء السلطة السابقين المخلوعين والمتحمسين ‏للانتقام، ولا حتى مبادرة لا مستقبل لها لأشخاص عاطلين، ولكنها تعبير عن إرادة عميقة لمحاولة كل شيء ‏من أجل السعي لإنقاذ الجزائر.‏

من الممكن القيام بشيء ما، ومن الممكن التأثير على الأحداث من خلال الانتخاب، ومن الممكن على ‏مدى خمس سنوات، الشروع في التغيير، ووضع حد للحق في الحكم السيئ للحزب الواحد، وفرض دولة ‏القانون، العدالة والاستحقاق … الشعوب المتحضرة والمتقدمة صنعت مصيرها بأيديها، لقد حاربت ‏وتغلبت على لامبالاتها واستسلامها. سمح لها إيمانها والتزامها بتحريك جبال الاستبداد والظلم وعدم ‏الكفاءة.‏

معًا ومن أجل تجديد الجزائر، فلنصنع حزب التجديد الجزائري!‏

)‏ نور الدين بوكروح 03‏‎‎أوت 1989)‏

عن اللجنة التحضيرية:السيد نور الدين بوكروح

أولاد فايت عمارة د. رقم 42

You may also like

Leave a Comment