ترجمة بوكروح وليد
الجزائريون بشكل عام لا يحبون كلمة “النخبة” ولا المفهوم الذي تشير إليه، لأنها ترتبط في عقولهم بفكرة التمييز والحقرة أو حتى العنصرية. وإذا كان هناك شيء لا يطيق الجزائري سماعه،وقديشهر السكين حينها، فهو أن يقال له ولو على سبيل المزاح أنه يوجد من هو أحسن منه في شيء ما، أو أفضل في مجال معين. لن يضطر حينئذ للبحث طويلا عن حجة يدافع بها عن نفسه، بل سيجدها جاهزة للاستعمال في نفسيَته و في الثقافة الشعبية التي ترعرع فيها: “كامل اولاد 9 أشهر“, و كذلك “كلنا بشر“, أو ربما “ كامل عند ربي كيف كيف” الخ. يمكنه أن يكون أميا أو متسولا أو حتى متشردا، لكنه في هبة المعركة لن يعترف بكونه أميا “الفاهم لهلا قرا“, أو متسولا “وين راه العيب؟”, أو متشردا “تبُون هو السَبب“.
لا يعرف الجزائري العادي العُقَد ولن يهيبه أن يقف أمامه أينشتاين شخصيا: “ألا تعرف من أكون؟” سيرد عليه. حتى قبل أن يشهر سكينه فإن قوة إقناعه ستزلزل أياً كان وتجعله يشك في قدراته العقلية، فلا يسع المرء حين ذلك إلا أن يصمت أو، إن تحلى بالشجاعة الكافية أن يكتفي بالرد:”افعل ما شأت”.
خلال فترة الاستعمار الفرنسي كانت توجد بين السكان الجزائريين “نخبة” اجتماعية صغيرة تشمل عددا محدودا من أصحاب المهن الحرة،الموظفين، المعلمين والتجار؛ كانت أقلية نادرة من بينهم “متجنسة” أي حاملة للجنسية الفرنسية. وكانت هذه الطبقة في أعين الجزائريين الآخرين، حتى لا نقول لا تنتمي إليهم بالمرة، تمثل طبقة من الأعيان والأثرياء،وهذا ما كان يعتبر في عقليتهم نوعا من “الخيانة”: خيانة للأصول،للجذور، للإسلام أو القضية الوطنية، لا يهم لماذا لكن خيانة رغم ذلك. مع أن الكثير من أبناء تلك “النخبة “كانوا يناضلون من أجل القضية الوطنية في صفوف الPPA تحت قيادة مصالي حاج أو UDMA لفرحات عباس.
خلال عهد الحزب الواحد، بنسخة مساعدية وقايد احمد ويحياوي،كان مصير النخبة السخرية،وكان يفَضَل عليها “المناضل الثوري” حتى لو لم يشارك حقيقةً في أي ثورة. كان يكفيه أن يحمل بطاقة الأفالان ليصبح مثلاً يجب إتباعه، قدوة فكرية وأخلاقية، «الحسام والصولجان”. وأصبحت تلك الصفة تدر على حاملها أ كثر هيبة ودخلاًوامتيازات من حمل الدكتوراه. حتى أدى ذلك بالكثير من حاملي الدكتوراه إلى اعتناق الموضة الجديدة كي لا يؤول بهم الأمر إلى التشرد.
أصبحت الوقاحة والاكتفاءوالجهل يتربعون على عرش الدولة والحزبويتهكمون على المثقفين والمفكرينوالمتبصرين، خاصة لو أبدى هؤلاء أي تحفظ على سياسة تسيير البلد. كان يعتبر عاديا وطبيعيا أن يقود المرء أمة ويُنَصب نفسه مثلا أعلى، بمستوى فكري ضارب في الجهل. هذه هي الجرائم التي ارتكبها الحزب الواحد “ضد الإنسانية”, وضد حق الجزائريين في العقلانية والتفكير السليم. لم يتبقى إثر ذلك سُلَم للقيم والاستحقاق في روح الأمة.
لكل هذه الأسباب إخواني أخواتي، سوف تكون العهدة الرابعة من نصيبكم بإذن الله. ستنالونها لأن مصالي الحاج حصل عليها في وقته والدولة الجزائرية لم تولد بعد،وحارب جيش وجبهةالتحرير المشغولتين بالجهاد ضد المستعمر؛ لما عارض جزأ من اللجنة المركزية لحزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية، أن يترشح أيضا للخامسة.
ولأن بن بلة كان طالبا لها وهو لم يضمن بعد إنهائه للأولى؛ ولأنبومدين لم يفكر قط إثر انتخابه للثانية، بعد عهدة أولي دامت 12سنة، في إرجاع السلطة لأي كان بعده. سوف تنالونها لأنكم اقتربتم أن تصبحوا الرَعيَة “لصاحب السمو الفظ” فلان أو فلتان،لو تمكن ال GIA بالأمس من إنزال نظام الخلافة من الجبال والكازمات الى قصر المرادية.
سوف نعرف المزيد والمزيد من المرشحين للرابعة والأبدية في المستقبل، طالما نحن “هكذا”. لقد رأيتم مؤخرا 132 مترشحا للرئاسة وشاهدتم عن قرب ملامحهم وسمعتم كلامهم. كم من بينهم تعتقدون أنهم كانوا ليرجعوا السلطة أبدا لو حصلوا عليها؟ مع أن معظم هؤلاء لم يخرج من السلطة أو الأحزاب أو من مصباح علاء الدين، بل من صفوف الشعب.
أنذرنا من هذه الأشياء في السابق العربي بن مهيدي وعبأنرمضان والعقيد لطفي وفرحات عباس ومالك بن نبي وغيرهم. لا بد أنكم قرأتم يوم ما تحذيراتهم،والتَقَيتُم بالكلمات التي أوصلت لنا هواجسهم لكنكم قد لم تتوقفوا عندها طويلا. وكم عدد الخلفاء الذين فرضوا على أنفسهم تحديدا للعهدات؟
كما قال الأمير عبد القادر يوما ” الكرامة في المنفى”, أو كما يقول الحراقة اليوم “الهربة تسلك”. بوتفليقة لم ينزل إذا من السماء، كما أوضحت في مقال سابق، لكنه يعرف أحسن مني تراثنا الكلامي الذي يعج بالأمثلة والحكم الشعبية والنكت المعبرة (ليس تلك التي يستعملها سلال)، التي يمكنها تبرير المعقول وغيرالمعقول على حد سواء. ويجد في هذا التراث الذخيرة الفكرية والدينية التي يمكن بها تبرير ما لا يبرر وتأييد ما لا يمكن تأييده. لم ينزل بوتفليقة من السماء ولكنه خرج من هذا التراث الذهني وساهم في إثرائه ورفعه إلى مرتبة النموذج الفكري والمثل الذي ستتبعه الأجيال الصاعدة.
رأينا في مسيرة حركة بركات الأخيرة، مواطنين عاديين يتظاهرون على الرصيف، بينهم من كان يلبس ربطة عنق (كنت أحسب عهدها قد تولى بعد الاستقلال وتراجع النفوذ الغربي في مجتمعنا)؛ ورأينا على الرصيف المقابل المئات من العابرين الفضوليين يتفرجون ويتساءلون مندهشين” واش يخصهم باش يتظاهروا؟”. هذا السؤال راجع إلى فكرة مترسخة في ذهن الجزائري العادي هي أن الخروج للتظاهر يُسَببُه حتما المطالبة بسكن، بزيادة في الأجر، بمنحة تقاعد، بتحسين أوضاع مهنية أو بالتوصيل بغاز المدينة.
هذه العقلية المعادية لفكرة النخبة هي ما يحاول دعاة العهدة الرابعة إيقاظه وحشدهوإطعامهوإغرائهوشرائه، لأنهم يعلمون جيدا أن فزاعة “النخبة/ خيانة” لا تزال تقوم بمفعولها وأن سوق إقصاء “النخبة البرجوازية” يظل رائجا في عقول الكثير من الجزائريين. ومع أن تلك الصفة المحقود عليها تنطبق كذلك بالضرورة على رجال السلطة (على الأقل في ذهن الآخرين)، إلا أنهم يحاولون بمكر طردها عنهم وإلصاقها بخصومهم فقط. يا له من سلوك شيطاني فعلاً.
لم يَسبق يوما أن كان تجاور كلمتي الشعب والنخبة سلميا في عقول العامة الحذرة،وفي نفوسهم المعبئة بالشعبوية، فالكلمة الأولى وُضعَت كمرادف للخير والثانية للشر، ليس عندنا أو اليوم فقط بل في كل مكان وفي كل زمان.
لا أحد ينكر مثلا،وهذه حقيقة عالمية، أن عددا قليلا واستثنائيا منالناس هو الذي يقوم بدفع البشرية نحو التقدم للأمام،وذلك منذ قديم الزمان وفي كل المجالات: العلم،الفكر، التكنولوجيا والطب. من بين 80 مليارا من البشر سكنوا الأرض منذ نشأتها، لم يَفق عدد هؤلاء بضعة ألاف. وهذا شيء طبيعي لأننا لو انتظرنا أن تقوم الأغلبية من البشر المتعلمين بالتوصل إلى اكتشاف أو أن تبتكر تكنولوجيا لما استطعنا الخروج من العصر الحجري أو القرون الوسطى.
لا أحد أيضا تفاجأ أن الله تعالى تَحَدَث إلى البشر عن طريق بضع عشرات من الشخصيات النبوية التي اصطفاها؛ وأود هنا أن أُلفت النظر إلى شيء أجده غريبا بعض الشيء. يؤكد لنا القرآن الكريم في عدة مناسبات أنه لم توجد أمة من البشر لم يُنزل إليها الله منذرا أو نبيا من أهلها ويتكلم لغتها. لكن السكان القدامى لمنطقة المغرب العربي لم يحضوا بهذا الشرف. لا يُمكن أن يُفَسَر هذا إلا باحتمالين: إما أن نكون قد فقدنا أثر أنبيائنا، أو أن مصطلح “أمة” لا ينطبق علينا. أقترح أن نفسح المجال لتنويرنا في هذا الشأن إلى فضيلة الشيخ شمس الدين.
يحدث في تاريخ بعض الأمم أن يقوم رجل واحد أو بضعة رجال لتحريك أمة ورفعها إلى ما هو أعلى من وضعيتها البائسة أو المتخلفة. كما حدث أيضا أن تسير أمم ضخمة وحاشدة لمدة قرون في التاريخ دون أن يولد من رحمها رجل عظيم واحد، أو أن تكون وطنا لاختراع حاسم واحد؛ وتبقى نتيجة لذلك متجمدة في حالتها البدائية.
نستنتج إذا دون شك أن أقليات صغيرة العدد، أو إن أردنا النخبة الاجتماعية، هي التي بَنَت تاريخ البشرية و لا تزال، وستستمر في بنائه مستقبلا في كافة المجالات: العلم، البحوث الأساسية،التكنولوجيا،الفكر،الفن، الرياضة…وعندما تصبو عبقرية هذه الطليعة الرائدة وأعمالها إلى ما يخدم الصالح العام،تصبح هي الأغلبية الفعلية وهي البشرية جمعاء. نقول حينئذ أن “الإنسان” اكتشف أو فعل الشيء الفلاني في الزمن والمكانالفلاني ونشعر أن كل الإنسانية شاركت وساهمت في ذلك. يحس كل واحد منا كنتيجة لذلك، أنه يحمل في ذاته بعضا من ذلك الإنسان المجرد.
لكن ما أن ندخل في السياسة حتى تتعقد الأمور. “البشر يولدون سواسية في الحقوق”, يَنُص مثلا أحد المبادئ الأساسية للحركة الإنسانية، رغم أن المبدأ بحد ذاته لم يأتي إلا ثمرة لمجهود أقليات قامت بتنظيره ثم كافحت لفرضه عبر الزمان حتى أصبح حقيقة ملموسة في جميع المنظومات القانونية البشرية.
أما نحن الجزائريون، الذين أقصانا تاريخنا من الاكتشافات العلمية والتكنولوجيةوالفلسفيةوالأخلاقية التي طورت البشرية عبر العصور؛ فلا نتقبل بسهولة فكرة أن النخبة تمثل محرك الأمة وكَشافها. وفي عهد الحزب الواحد كما اليوم، يثير هذا التفكير نوعا من الحفيظة وحتى الانزعاج عند أغلبيتنا التي تعودت أن ترى ثقافة التساوي والشعبوية كأنها من فضائل الإنصاف.
من هنا تأتي السهولة التي يتلاعب بها دعاة العهدة الرابعة بمصطلح “الشعب”, ليعترضوا به بوقاحة الواثق من كونه على حق، ضد تلك “النخبة التي لا تمثل إلا نفسها” من الذين يخرجون إلى ساحة أودان للتظاهر ضد العهدة الرابعة. شعب هؤلاء هو ذلك الجزء المستفيد، من الجماهير التي لا تكترث بشيء والتي يمدحونها لتبقى في جهلها وجمودها الفكري والروحي. هذا الجانب من الجماهير هو نفسه الذي اتبع بالأمس الجبهة الإسلامية للإنقاذ وسيتبع غدا وأبدا كل من يدفع له أو يعطيه شيء مقابل ملأ مدرجات ملعب أو استعراض حاشد في العاصمة.
إذا ما انطلقنا من منطق الشعبوية، فإن كل شخص يملك شعبية تأتيه من مهنة أو موهبة فنية أو رياضية يمارسها، تكون حظوظه في الفوز بانتخابات أكثر من أي عالم أو عقل بارز. أليس مثلا لاعبو كرة القدم في النوادي الأوربية أكثر ثراءً من كل العباقرة الذين يزخر بهم العالم مجتمعين؟
لا نستطيع ولا يجب علينا فصل الأقلية عن الأغلبية، لأن شعبا حقيقيا ومتينا تصنعه النخبة والعدد مع بعض، القدوة والجماعةفي نفس الوقت. وعندما تلتقي وتتضامن هاتين القوتين يمكن آنذاك لقضية وطنية، لكفاح مسلح أو لحركة احتجاجية أن تفك انسداد طرق التاريخ وتفتح الممرات نحو التقدم والانتصار. لكن عندما لا تلتقي بصيرة العقل وقوةالعدد،وحين لا تتحد القوتان ولا تتعاونان،ولا تمشيان بخطى متساوية، وحين تفرقهما الشعبوية والأحكام المسبقة الطبقية؛ فإن القضية السياسية تركد وتتوقفوتخسر عندها الاثنتان. ويصبح ذلك الشعب حينئذ “قابلا للاستعمار” أو “قابلا للاستبداد”, حسب الظروف التاريخية التي يعيشها.
يجب على النخبة أن تغطي أكبر عدد ممكن من المواطنين، أن تتفتح على كل الطبقات وكل الأعمار بلا استثناء. ويجب على الشعب كله أن يصبح نخبةً في ذاته. ففي البلدان المتقدمة يستحيل أن نفرق بين عالم كبير ومواطن عادي عندما نراهما للوهلة الأولى، بل نجد الاثنين يتبادلان ويخلصان الاحترام لبعضهما. بالفعل يجب أن يدفع الغضب الذي يحرك اليوم جزءً كبيرا من شعبنا ونخبته أن يكون محفزا لتوحيدهما، من أجل وضع حجر الأساس الثاني لوطننا الجزائري، بعد نداء أول نوفمبر.
الشعب الجزائري الجديد يقوم الآن بإصلاح ثقافته، بعصرنة عقليته وتقويم مستوى وعيه السياسي، عبر الاتحاد التدريجي في سبيل التصدي لطفرة وخدعة. والمجتمع الطالب للديمقراطية والحرية الانتخابية وللكرامة لا يتواجد حاليا بعدد كاف، لكنه الآن على شكل مسودة، في طور التشكل عبر ردة فعل الشعب/النخبة الذي يتظاهر،وينتفض ضد الشتائم،وينشر العرائض على الانترنيت أو المقالات على الجرائد. هذا هو ما سيغير الوطن ويدفعبه نحو التقدم،وهذا ما سيُقَوي الشعور بالوحدة الوطنية ويجعلناأقرب بعضنا إلى البعض، سواء كنا نعيش داخل الوطن أو خارجه.
في أكتوبر 1988وفي جانفي 2011 كان الشباب مَن خرج للتحطيم والنهب تحت أنظار البالغين الحائرة. واليوم يتظاهر ويقيم الوقفات الاحتجاجية كهول راشدون تحت أنظار الشباب المندهشة والتيلم ترى مثل ذلك منذ زمن طويل. اليوم الذي سيحصل فيه التقاطع بين الشباب والكهول،والتلاحم بين الأجيال الحية سينبأ بمجيء الوطن الجزائري الجديد.
لا يجب الشعور بالندم على عهد الحزب الواحد تَحَجُجا بخطر الانقسام. فكلنا متوحدون بقوة ووفاء لا محالة، لحماية أرضنا واستقلالناوسيادتناووحدتنا الوطنية ضد الخارج. لكن يجب أيضا أن نكون أحرارا و أن نستطيع أن نمارس سيادتنا في تعيين الحكام و تنحيتهم، في الداخل.
إن الوطن اليوم يغلي تحت الاستفزازات المتكررة لأعضاء جوق العهدة الرابعة الصاخب. الصحافة تهاجم، الشعب يتحرك والصفحات الاجتماعية تضيق صبرا. إن موعد 17 أفريل لا يتقدم إلينا كموعد لرئاسة جديدة لكن كنهاية لعهد كامل. لم يبق موعدا انتخابيا، و لم يعد مسألة سياسية، فقد أصبحنا نواجه مناورة خبيثة هدفها مصادرة الدولة لأغراض مافيوية, و يحق لنا إذا بصفة شرعية أن نتصدى لها.
جريدة “الخبر” اليومية24 و25 مارس 2014
موقع “الجزائر اليوم” 4جويلية 2018
