Home مقالاتالإشكالية الجزائرية1989-1980الديمقراطية الجزائرية

الديمقراطية الجزائرية

by admin

ترجمة عبد الحميد بن حسان

عندما اجتمع قادة الثورة في طرابلس قُبيل الاستقلال مِنْ أجل الاتفاق على نمط الدولة وعلى ‏المؤسسات التي تُسيِّرُها، كان قد مرّ على الجزائر أكثر من قرنٍ من الزمان منذ أن فقدَتْ سيادتها بعد ‏عهد الأمير عبد القادر، حتى أنها لمْ تَعُدْ مُستعدّة للعيش في ظلّها وتحت السلطة المركزية.‏

ومع ذلك فقد تمكّن المجلس الوطنيّ للثورة الجزائرية بعد الجلسات، من الاتفاق على أن الجزائر ‏ستكون جمهورية ديمقراطية وشعبية. فلقد فرَض هذا الاختيار نفسه فرضاً رغم بعض المُعارضات ‏التي لا وزن لها. وبالفعل، فإنه كان مِنْ غير المُمكن العودة إلى أنظمة الحكم التي سادت قبل سنة ‏‏1847. ونظراً إلى أنّ الفكر الجزائريّ لمْ يُتَحْ له أنْ يُنْتِج نظرة سياسية خاصة به لتُتَرجِمَ رؤيته للعالم، ‏ولم يُنتِج نظريته التاريخية، كما أنه لم يُنتِج تعريفاً دقيقاً للمفاهيم الأساسية للدولة والسُّلطة ‏والقانون والحُرّية… فلم يبق أمامه إلاّ اختيار واحد، وهو الأخذ بأحد النّمطين الذيْنِ أنتجهما الفكر ‏الغربيّ، وهما: النمط الليبرالي والنمط الاشتراكيّ.‏

وواضح أنّ كِلا النمطين يُمثّلُ وصفة جاهزة للاستعمال. لكنّ الليبرالية كانت تُمثّل عند الجزائريين ‏النزعة الأمبريالية، والاستغلال، والروح الفرديّة، وهي تُثير عندهم تقزّزاً ونفوراً. أمّا الاشتراكية فكانت ‏نغمتها جذّابة، ولهذا فقد لقِيَتْ عندهم قبولاً عفوياًّ لأنها توحي لهم بالتفتح والعدالة الاجتماعية ‏والتضامن… وتلك هي القيم التي كانوا يسعون إلى تحقيقها في كلّ المعارك التي خاضوها منذ الأزمنة ‏الغابرة.‏

وبالإضافة إلى الجاذبية العاطفية التي تُميّز الاشتراكية فإن هناك سمة إيجابية أخرى فيها، وهي ذات طابع ‏تقني لأنّها تُمثّلُ أقصرَ طريق لتحقيق الوحدة الوطنيّة والتطوّر الجماعيّ المُخطّط، وتحقيق العدالة في ‏تقسيم ناتج النموّ، وكلّ ذلك في جوّ يغلب عليه الإحساس باستمرارية الثورة، خاصّة وأنّ جبهة التحرير ‏المجيدة هي نفسها التي تتولّى القيام بكلّ تلك المهامّ.‏

ولقد أبْدت الثورة الجزائرية منذ اندلاعها سنة 1954، ومِنْ خلال قيادتها، اهتماماً بالغاً بالعمل ‏والفاعلية، وهما الصفتان اللّتان لم تكونا مُتوفِّرتين في صفوف الحركة الوطنية، إذ كانت هذه ‏الأخيرة تميل أكثر إلى الأسلوب الكلاسيكي سواء أكان ذلك في التخطيط أم في العمل المُضاد ‏للاستعمار. ولذلك فإننا نجد أنّ ثورة التحرير لم تُثْقِل كاهلها بالتوثيق الإيديولوجي أو السياسي، إذ ‏اكتفت في ذلك بالنزر القليل الذي يفي بالحاجة: ميثاق الصومام من أجل تنظيم صفوف الثورة التي ‏اتّسع مجالها، وبرنامج طرابلس من أجل مُباشرة مرحلة الاستقلال.‏

وغداة قيام دولة القانون في 5 جويلية 1962، بدأ يتّضح أنّ ما كان مُستساغاً بسبب مقتضيات العمل ‏الثوري (أي أولوية العمل المُسلّح، ورفض أية حُجة أو دعوة إلى الانقسام)، كلّ ذلك اتّخذ صورة ‏استعداد آليّ لتفضيل ممارسات الشرعية الثورية على ممارسة الشرعية القانونية. والفرق بين هذين ‏النوعين من الشرعية في الحالات العادية هو أنّ الأولى لا تعترف بأي قيد إلاّ القيود الخاصة بها، ‏بينما تتقيد الثانية بممارسة السلطة في إطار حدود ينصّ عليها القانون الذي تتمّ صياغتُه مُسبقاً. ‏

ولم يمنع وجود الدستور والجمعية الوطنية في عهد بن بلّة من طغيان الشرعية الثورية التي تحوّلتْ ‏إلى تسلّطٍ شخصيٍّ وتعسّف. وبعد ذلك سارت الجزائر بين 1965 و1976 في طريق خالية من مرجعية ‏قانونية لتنظيم السلطة وتحديدها بعيداً عن الشرعية الثوريّة. وفي كلتا المرحلتين فَإنّ الحزب، الذي ‏هو المصدر النظري لكل شرعية، قد فَقَدَ القدرة على الممارسة الفعلية لدوره كمُوجِّه حقيقي للحياة ‏الوطنية. وجاءت المرحلة التالية بانعقاد المؤتمر الرابع لحزب جبهة التحرير وانتخاب الشاذلي بن ‏جديد في وقت كانت فيه كل عوامل العودة إلى الحياة السياسية الشرعية مُجتمعةً، إذ كانت البلاد ‏مُزوّدَةً نظرياًّ بكلّ من الميثاق الوطنيّ والدستور والمجلس الشعبي الوطنيّ. ‏

لكنْ، وكما هو الشأن دوماً في حياة الأمم، كان دور الإنسان أقوى من دور النّصوص عندما يتعلّق ‏الأمر بتطبيق قوانين هامّة أو بتنفيذ التزامات تاريخية. إنّ مسيرة الدولة تتعلّق أكثر بأمزجة ‏الشخصيات السياسية الفاعلة وبأحوالها النفسية، سواء أكانت المسيرة في اتجاه تطبيق المُثُل العُليا ‏المُعلنة أم في اتّجاه التخلّي عنها. ومع أنّ ستالين ولينين ينتميان إلى نفس النظام فإنهما يختلفان في ‏طريقة التسيير، ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن الفرق بين أبي بكر وعثمان. فبقوانين ومبادىء ‏واحدة يمكن أنْ تُمارَس سياسات مختلفة، بل ومُتناقضة.‏

ذلك هو البُعْدُ الذي أتاح للجزائر أن تعيش منذ ستّ سنوات عودة تدريجية ومستمرّة إلى نموذج ‏دولة قانون أصيلة تؤدّي فيها كلّ مؤسسة ما عليها من واجبات وتأخذ ما لها من حقوق. أمّا جبهة ‏التحرير، فبعد أن كانت تتراوح بين التصريحات الجوفاء والأهواء الشخصية لقادتها، بدأت تسترجع ‏بطريقة تدريجية، لكن مضمونة، دورها الأصليّ كقائدة فعليّة للأمّة. أمّا المُواطنون فلم يعودوا ‏مُجرّد مواضيع لخطابات أو كائنات افتراضية، بل صاروا يَعون تمام الوعي أنهم غاية الغايات لسياسة ‏دولتهم. وسيُسجِّلُ التاريخ أنّ هذه المرحلة كانت مرحلة مُصالحة الجزائريين مع الذات ومع ‏المبادىء الأساسية لثورتهم.‏

وهناك تعريفات لا حصر لها للديمقراطية، ولهذا فإننا لن نُقدّم أياًّ منها في هذا المقام. فالنزعة ‏الأكاديمية قد تؤدّي إلى الالتباس أكثر ممّا تُساعد على الرؤية الواضحة، خاصة إذا تعلّق الأمر بذاتية ‏كلّ أمّة وبحساسياتها الفكرية الخاصة بها. وإذا كان من غير الممكن الوقوف على تعريف صالح لكل ‏مكان وزمان لمفهوم الديمقراطية، وذلك بسبب تباين الحالات، فإنه يمكن أن نُلاحظ وجود واقع ‏ديمقراطيّ في كلّ مكان يتميّز فيه الشعب بالوعي التام أنه يعيش بالفعل وعلى الدوام في تناغُمٍ مع ‏الفرضيات الميتافيزيقية والضوابط القانونية والإجماع السياسيّ، وهي العوامل التي تُمثل أساساً ‏لكيانه التاريخيّ، وتُمثّل بالتالي وجوده الاجتماعيّ في كل يوم.‏

إنّ الديمقراطية هي بالأساس حالة عقلية، وهي جوّ مِزاجيّ عام، وشعور عام يسكن كلّ فرد من ‏المجتمع كأنه عقيدة، وفي كلمة واحدة: إنه وضع طبيعي بامتياز. إنّ الديمقراطية هي تقييم ذاتي ‏وتقييم للغير، وهي إحساس مُرهفٌ بما لديك من حقوق لا رجعة فيها وما عليك من واجبات مُسلّم ‏بها، وهي شعور بأنّ لديك دوراً في المصير المشترك، واقتناع بأن القواعد التي يسير عليها المجتمع ‏لها نفس السلطة على الناس بكلّ مراتبهم.‏

ولا وجود لديمقراطية بيضاء وأخرى حمراء، أو ديمقراطية مشروطة وديمقراطية خاصة. وكلّ نظام ‏يطمح إلى الديمقراطية دون أن يُترجم ذلك الطموح بأعمال وعقلية وإحساس وضمانات، فخِطابه ‏عبارة عن مُغالطة وتغرير بالسُّذّج. وما دامت الحال كذلك، فهل يمكن الحديث عن الديمقراطية في ‏ظلّ حُكم الحزب الواحد؟

نعم، يمكن أن توجد الديمقراطية في ظل حكم الحزب الواحد كما يمكن أن توجد في نظام التعددية ‏الحزبية، بل وحتى في حالة عدم وجود الأحزاب أصلاً، كما كانت الحال في عهد بيريكلس أو عهد النبي ‏محمد (ص). وإنّ مسألة التواؤم بين الديمقراطية كمجموعة من الأفعال مع وجود حزب واحد هي ‏مسألة مُتعلّقة بمدى التوافق بين المحتوى والوعاء الذي اختير بطريقة تعسّفيّة، أي النظام ‏الليبراليّ.‏

إنّ القضاء على فكرة الحزب بحدّ ذاتها كان مِنْ بين الأهداف التي دعت الشيوعية إلى تحقيقها. ‏ويمكن لنا أنْ نُلاحظ فيما يخص الاتحاد السوفياتي خلال الفترة الأولى من القرن أنّ مبدأ المركزية ‏الديمقراطية الذي أسسه ونظّر له لينين سنة 1903، قد أصابه في عهد لينين تحوير كبير أدى إلى ‏نوع من السلطة المُطلقة التي سُلِّطتْ حتى على أقرب المُقرّبين من الديكتاتور الجديد. وممّا جاء في ‏‏((التقرير السِّريّ)) الذي قدّمه خروتشاف للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي: “إنّ ستالين ‏هو صاحب مفهوم (عدوّ الشعب). وكان هذا المُصطلح ذريعة لاستعمال أبشع ألوان القمع ضدّ كلّ ‏مَنْ تُسوِّلُ له نفسه الوقوف ضدّ ستالين بأي شكلٍ من الأشكال”… ‏

والفساد في نظام المركزية الديمقراطية ليس قدراً محتوماً على نظام الحزب الواحد، لكنه يمكن أن ‏يكون أهمّ إغراء إذا ما غابت اليقظة. وقد وقع هذا الانزلاق في العديد من الحالات (غينيا وبعض ‏الأنظمة الشيوعية التي تكاد تتحوّل إلى أنظمة توريثية)، ممّا يدعونا إلى التخفيف من وطأة الحزب ‏الواحد بخلق فضاء حُرّ للتفكير النقدي المسؤول خدمةً للديمقراطية وللحزب بِحدِّ ذاته. ‏

أمّا في بلادنا، فإنّ الحزب الحاكم، وبحُكم تعلُّقه بمثالية خطه الثوري ودوره في حياة المواطنين ‏ومستقبلهم، لا يمكن له أن يتخلّى عن النقد البنّاء والنقد الذاتي كمبدأين أساسيين في ممارسته ‏الديمقراطية. ولهذا يكون لزاماً عليه أنْ يؤسس مسعاه على التعبير الحُرّ عن هذه الفكرة، خاصة ما ‏تعلّق منها بالسلوكات غير اللائقة والصادرة عن بعض المُنتمين إليه ودون أن يُلْحق أيّ ضرر بمن ‏يضطلع بمهمة النقد، خاصة إذا كان الناقد مِنْ أهلِ الخِبرة الذين مروا في مسيرتهم النضالية بتجارب ‏مماثلة لما ينتقدونه. ‏

إنّ هذا التّوجّه جدير بالتشجيع لأنه يُعدّ أحسن حمايةٍ ضدّ العقلية السائدة لدى بعض مَنْ يعتبر ‏الحزب ملكية شخصية ومجالاً لا يحقّ لسائر المواطنين أن يتطاولوا عليه دون عقاب. وإذا ما حاد ‏الحزب عن هذا التوجه الرّشيد كان على وشك الدخول في خندق الدوغماتية التوريثية، ويؤدي ذلك ‏إلى التشكيك في إمكانية تحقيق الانسجام بين الديمقراطية والحزب الواحد، بالإضافة إلى تحوّل ‏الحزب إلى مجالٍ لتحقيق المآرب الشخصية لبعض الأفراد، وفرض نظرتهم الضيّقة وميلهم إلى ‏الخلط بين الحزب الواحد والرجل الواحد، والاعتقاد بوجود مهديين مُنتظرين لا خلاص إلاّ بهم، ‏وينتج عن ذلك خلط آخر بين مصلحة الأمّة ومصالح الأفراد. ‏

إنّ الديمقراطية هي مسار بيداغوجي يتطلّب التعلّم والتكيّف التدريجيّ. وبلادُنا ما فتِئت تُثْبِتُ أنها ‏مؤهّلة لتحمّل عبء الديمقراطية المسؤولة والمُتكيّفة مع مزاجها وقيمها وتصوّرها لمصالحها العليا ‏ووتيرة تطوّرها، وذلك من خلال النقاشات التي جرت حول مختلف المسائل. إنّ بلادنا لا ترى في ‏الديمقراطية طقساً من طقوس الحُرّيّة المُطلقة، ولا حقّا يمتدّ ليشمل كلّ ألوان النزق، ولا استجماماً ‏أبدياًّ، بل ترى فيها ثمرةً للعمل العظيم الذي بدأ في 1 نوفمبر 1954، أي: التفتح في رحاب الحُرّيّة ‏وتطوير الشخصية الجزائرية الأبيّة الكريمة. ‏

إنّ الإيحاءات التي وُصِمَ بها مفهوم (الحزب الواحد) في العقلية الغربية لا وجود لها في التصوّر الذي ‏يؤمن به الجزائريون. إنهم لا يرون في الحزب الواحد تحزّباً خاصاًّ بجماعة، ولا يرون فيه جزءاً مِنْ ‏كُلٍّ، بل هو كُلٌّ لا يتجزّأ ويشمل كلّ الجزائريين. إنّهُم لا يحْلُمون بمجتمعٍ مُنقسمٍ إلى أجزاء مُتنافرة ‏ومُتعادية، بل يحلمون بمجتمع مُتّجه إلى التوحّد في كيانٍ مُتلاحمٍ فيزيائيا وميتافيزيائياًّ.‏

إنّ للبلدان الإسلامية فهماً مُغايِراً لفهم البلدان اللائكية أو المُلحِدة حول التّطلُّع إلى الوحدة والتّميُّز ‏الذي عليه مدارُ عقيدتهم النهائية. وهذا هو السبب في أنّ البلدان التي حدث فيها الإجماع على ‏الحزب الواحد كإجراءٍ عمليٍّ لشؤونها يجب أن تكون فيها روح النقد مُتجهةً إلى تفادي التصادم بين ‏مسار التوحيد وأي عائق آخر مُرتبط بهيمنة الاعتبارات الشخصية، أو أيّة صعوبة أخرى مِنْ قبيل ‏‏(لغة الخشب).‏

وسواء أكُنّا داخل جهاز الحزب أم خارجه يجب علينا أن نكون مُقتنعين بأنّ وجودنا كأشخاص هو ‏وجود مؤقّت، وأنّ أحسن خاتمة نسعى إليها هي أنْ نٌقدم في حياتنا مِن الأعمال ما يبقى بعدنا وبمنأى ‏عن المصالح الشخصية، وأنّ كُلّ عمل نقوم به يجب أن يكون للمدى البعيد. وفي عالمٍ محفوف ‏بالمجاهل، وحيث يمكن أن يحدث أيّ شيءٍ وبأسرع ممّا نتوقّع، لا يمكن الاكتفاء بكوننا صُنّاع ثورة ‏نوفمبر، فَقَدْ يكون علينا أن نخوض نفس التجربة وفي ظروفٍ أصعب. ‏

فمَنْ ذا الذي كان يعتقد سنة 1939 بأن فرنسا ستتعرض لغزو الألمان؟ وليس هذا إلاّ مثالاً واحداً مِن ‏الأمثلة الدّالّة على أنّ تاريخ أيّ بلدٍ لا يعرف نهايةً مُطلقة وأبديّة، وأنه من الواجب الاستمرار في ‏إعداد الشروط اللازمة لتسليم المشعل كي يكون كلّ خلفٍ على قدر سلفه، أو خيراً منه.‏

ألجيري أكتواليتي في 19 ديسمبر 1985

You may also like

Leave a Comment