ترجمة نورة بوزيدة
لم تعد الثورة الإيرانية في قلب الحدث العالمي، لكن هذا لا يعني أن العالم قد نسيها، بل هو محتفظ بعين مفتوحة عليها، ويبقى الرأي العام الدولي متيقظ لكل ما قد يصدر عنها.
لكن، ما هو أو من هو الرأي العام الدولي؟ هل هو حقيقة أم خرافة؟ أم ربما بعبع أو صيحة تنفجر فجأة ويعج بها العالم هنيهة لتهديد رجل ما أو سياسة ما… قبل أن يكون لذلك أو تلك تأثيرا على مسار الشؤون العالمية؟ هل الرأي العام العالمي يعبر حقا عن رأي كل الناس عبر العالم، أم هو فقط ما تداوله خمس أو ست جرائد تسمى الصحافة العالمية؟
والحقيقة أنه علينا الاعتراف بأن “الرأي العام” بالنسبة لنا والذي نعرفه حق المعرفة هو ما يحمله الأمريكي أو الألماني أو الهولندي أو الفرنسي، لكننا نعرف القليل جدا عما يفكر فيه الطوغولي أو التيبتي أو الأوزبك أو البنيني، مهما كان الموضوع.
إن هؤلاء الناس هم من تصدر عنهم “ردود الفعل” عند أي حدث في العالم، إمّا بالتعاطف والمشاعر الجياشة، بالتنديد والشجب، بالقضاء على مبادرة ما أو حتى بالسكوت والسكون الكوني الذي لا يخرقه أحد.
إنها دائما نفس الأطراف التي تبحث وتعلق وتنذر أو تخدع الآخرين، بمساعدة أطراف لصيقة بها كالساتل في مدار كوكب ما، وعندما ينطلقون في عملية الصيد، وتتعالى أصوات الأبواق، يسمون ذلك “الرأي العام الدولي”. ولا يبقى لأذنابهم ممن لا يزنون مثقال بعوضة إلا السير في خطاهم والقيام بالمثل.
استنتاج: غالبا ما يكون الرأي العام الدولي هو الرأي الغربي، الذي يتم نقله هنا وهناك حسب الحاجة ومن قبل أشخاص مختارين. وهذا له تفسير بسيط، فالعالم يعيش على التوقيت الغربي. أما الاعتراف بهذه الحقيقة وقبولها، فهذه مسألة أخرى.
فإذا صدقنا “الرأي العام الدولي”، فإننا نصدق أن عدد المعدومين في إيران يبلع ثلاثة مائة ونيف… واطمئنوا، قد لا يكذب الرأي العام لأنه في كل صحيفة كبيرة يوجد مكلف بالعد والإحصاء، وكل الأرقام تتطابق وتتناسق بشكل مبهر.
يحاول الرأي العام، في جو من الذعر، أن يقنعنا بأن هذا الأمر أو ذاك قد تعدى كل الحدود وخالف كل المعايير، وأن القلوب اشمأزت وبأن هؤلاء المحمديين أناس شريرين حقا. ماذا يمكننا قوله في مثل هذه المواقف؟
هل هي جدية؟ طبعا لا: الكل يعلم كم كلفت العديد من المراحل التاريخية. ففترة الرهبة خلال الثورة الفرنسية التي دامت سنة، خلفت لوحدها 16.000موتى، بينما تركت ورائها فترة الاضطهاد الديني في كامل أرجاء العالم ملايين المعدومين والمحروقين والأجساد المهتكة… هذه الأرقام كلها جمعها المؤرخ الفرنسي ميشلي. وكم هم من قاموا بثورات، وغيروا الأنظمة، وكم هي فترات الفتنة والانقلابات التي يحفل بها تاريخ الغرب؟
هل هذه التنديدات صادقة؟ بل أقل من كونها جدية: كم من شخص أعدم عند “تحرير” فرنسا وفي بلدان أخرى؟ لماذا يتم البحث عن رجال كان ذنبهم الأساسي أنهم خدموا سياسة بلادهم في وقت ما من تاريخه، ويحاكمون بتهمة “الجريمة ضد الإنسانية”، وهناـ يتعدى الرأي العام كونه جزء من الإنسانيةـ بل يمثل الإنسانية كلها.
هل هي أخلاقية؟ الأمر مضحك : وعشرات الملايين من الهنود والزنوج والعرب و التزيغان الذين قتلوا بصفة علمية وسامية؟ و الاستعمار؟ والتمييز العنصري؟ وهل تم حساب المعدومين في فلسطين المغتصبة وجنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية؟ هذا كثير، لا يطاق، يكفي. يجب أن يؤسس معهد لدراسة جرائم الغرب.
كفى من مزج اسم الثورة الإيرانية لكل هذه المذابح والجرائم الجماعية والهمجية. لنحلل ونفهم بدل ذلك : العالم يعيش اليوم على التوقيت الغربي. انظروا، ابحثوا، انتبهوا وستجدون في كل مكان أفكاره ونمط عيشه ومؤسساته وتكنولوجيته…
انظروا إلى “القوانين الوضعية” (حقوق الناس، القانون العمومي، القانون المدني…) وكما قال مونتسكيو، انزعوا الطلاء وانظروا إلى حقيقة الأمور وستجدون أنّالقانون الغربي وتقييمه للأمور هو من يحكم على ما هو إجرامي وما هي عقوبته وبأن تصوره للقانون هو الذي يقنن الحياة الدولية. ومن هنا نلاحظ أن كل القوانين تقريبا تتشابه. ولم تعد جبال البيريني حدا طبيعيا يجعل الحقيقة شمالها ليست هي الحقيقة في جنوبها كما قال الكاتب الفرنسي مونتاني (Montaigne). اليوم الحقيقة هي نفسها في كل أرجاء المعمورة.
في إيران، تحاول الثورة التي قامت باسم الإسلام أن تبقى في سياقه القانوني ولهذا فإنها تعرف الجرائم و تحكم عليها حسب مقاربة ملهمة من القرآن.
فمن الطبيعي إذن أن ترتكز على منظومة قيمية خاصة وتغير من شكل ونمط المحاكمات، وتجدد الروح وتدخل مفاهيم قانونية جديدة، وتكون لديها سوابق قانونية لأنها قامت بتغيير كل شيء من تقييم وسلم الجرائم والعقوبات اللازمة بها.
“المفسدون في الأرض” ليس اختراع الثورة الإيرانية لكنه عنوان لسلسلة من الجرائم والاعتداءات التي ما زالت تنتظر التحديد والتدقيق في القانون الجنائي الإسلامي… ربما سيقوم المسلمون بذلك يوما ما.
“الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ليس تجميلا فلسفيا بل ضرورة ملحة هي الآن في طريقها إلى التجسيد في شكل سياسة وطنية.
إن المشكلة ليست بالهينة. فالسيادة هي أن تكون لديك روح القوانين الخاصة بك أيضا والتي تتجلى في نظام قانوني وتقييم خاص للحق والباطل، والخطير وغير الخطير، ومفهوم العقاب وفلسفة القانون والحق. فالسيادة تتمثل أيضا في الاستقلالية القانونية. وهذا ما دام العالم لم يصبح واحدا.
لنأخذ مثالا : لدى المسيحيين، للنبيذ رمزية دينية وعنصر من عناصر السر الذي يحوم حول النبي عيسى وهو حول المائدة ليلة صلبه. و لهذا فإنه مقدس.
لكن، في الإسلام، الأمور مختلفة تماما، فالنبيذ مجرد شراب حقير ومحرم بالنظر لنتائجهالوخيمة على الإنسان. إنه حرام. ففي القانون، يعتبر الأمر مخالفة، وعلى المستوى النفسي، فإنه كسر علاقة أساسية مع روح الإسلام وثقافة مبنية على مجموعة من الالتزامات والاختيارات.
كان الناس يفهمون هذه الأمور أكثر قبل ثلاثة قرون. ففي كتابه “تأملات في عظمة الرومان وسقوطهم”، يقول مونتسكيو عن العادات الفارسية ما يلي : “يمكن لملك فارسي أن يرغم الابن على قتل أبيه أو أب على قتل ابنه، لكنه لا يمكنه إرغامهم على شرب الخمر.” وينهي قوله بهذه الخاتمة وكأنها نبوؤة : “أن كل أمة لها روحها التي تبني عليها قوتها، وعندما تعاكس هذه الروح فإنها تخدع نفسها وتتوقف بالضرورة”. و هذا هو التفسير الوحيد الذي يمكن من خلاله فهمسقوط محمد رضا بهلوي.
أثار إعدام هويدا(الوزير الأول للشاه) في الغرب موجة كبيرةوحملة صحفية كبيرة وذكرني الأمر بلافاييت وهو يحاول إنقاذ فولون من عدالة الشعب خلال الأشهر الأولى للثورة الفرنسية. لكن خرج رجل بعفوية من لدن الشعب ورد على “الرأي العام الدولي” سأله: “هل أنت تسخر من الناس؟ هل يلزم لنا وقتا طويلا للحكم على رجل تم الحكم عليه منذ ثلاثين عاما؟”
لم يكن فولون وزيرا أولا بل أوشك فقط أن يكون وزيرا، ومن حسن حظ الشعب الفرنسي أنه لم يكن له الوقت لتطبيق البرنامج الوخيم الذي أعده له.
يقول ميشلي عن فولون في كتابه “تاريخ الثورة الفرنسية” أنه كانينادي شهورا قليلة قبل سقوط الملكية :” إذا جاعوا، فليأكلوا العشب… فليصبروا، عندما أصبح وزيرا، سأجعلهم يأكلون العلف، حتى أحصنتي تأكل العلف…” لكن، عندما دارت الرياح، حاول جاهدا أن يوهم الشعب أنه مات، وقام حتى بجنازة وهمية، لكن سيتم القبض عليه والحكم عليه وتنفيذه. لم ينفعه “الرأي العام الدولي”.
جريدة “المجاهد” 14 جوان 1979
موقع الجزائر اليوم 03 ماي 2020
