Home مقالاتافریقيا بدون الافارقة

افریقيا بدون الافارقة

by admin

بقلم نور الدین بوكروح

في السنوات الاخيرة عرفت بعض البلدان الأفريقية حركة للتحرر من التبعية السياسية الفرنسية. هل يعني هذا انها قد بلغت بصورة مفاجئة درجة من النضج السياسي و النمو الاقتصادي و القوة العسكرية ما يجعلها قادرة على السير بمفردها، ام انها فقط تبحث عن كافل جديد يعوض القديم؟ “فاغنر” بدل “فرنسافريك”. و الروس و/أو الصين بدل فرنسا؟ لا لشيء إلا لمعاقبة هذه الاخيرة على ماضيها الاستعماري و حاضرها الاستعماري الجديد.

في الآونة الاخيرة، ظهرت على شبكات التواصل الاجتماعي فيديوهات ونصوص تمدح التوجه الجديد للسياسات الخارجية لتلك البلدان. وإن كان بعضها يحلل هذا المنحى بجدية و أحقية، فان البعض الآخر يحطمه من حيث يعتقد انه يمجده.

وقد قرات مؤخرا “احد أجود النصوص” من الصنف الأخير الذي ذكرته، تحت عنوان: “افريقيا هي المستقبل. لا نتعلم كل شيء في المدرسة” . و نقرأ فيه، لمن لم يكن يعلم ذلك ما يلي: تبلغ مساحة افريقيا 30,37كم2، وهي أكبر من الصين (9,6 كم2) والولايات المتحدة (9,8كم 2) واوروبا (10,18 كم2) مجتمعة. و نجد في إفريقيا 90% من مخزون المواد الأولية العالمية: 80% من مخزون الكوبالت، 40% من مخزون الذهب، 33% من مخزون الألماس، و تحوز على 60% من الاراضي الزراعية، حيث تكفي اراضي الكونغو الديمقراطية وحدها لاطعام افريقيا كلها و كل الاراضي الزراعية الافريقية تكفي لتغذية العالم كله.

وماذا استنتج كاتب هذا الوصف من كل تلك المعطيات ؟ مایلي:”في غالب خرائط العالم، تقدم افريقيا بحجم اقل من حقيقتها ليوحى بأنها صغيرة…و التمكن بذلك من التلاعب بأدمغة الأفارقة و مخادعتهم، حيثما وجدوا… و المشكل ان الغربيين و شركاتهم و بعض الدمى الافريقية زعزعوا استقرار افريقيا منذ عقود… ان افريقيا تمثل مستقبل الانسانية”.

هكذا اذن؟ لم تزعزع هذه الاطراف كلها سوى “استقرارها” ؟ و فقط ” لعقود” ؟ اذن ماذا عن الوقت الباقي؟ أي آلاف السنين التي لم يكن فيها الغرب موجودا لزعزعة “استقرار” افريقيا؟ ماذا فعل الافارقة بقارتهم و “استقرارهم” و باستقلالهم الذي منح لهم في غالب الأحيان؟

إن اللوحة التي يرسمها هذا النص في صورة فردوسية وكانها ناتجة عن فترة طويلة من التطور لكي تينع كأنها فاكهة شهية، أو كأنها خلقا جديدا من الخالق ما فتئ العالم يكتشفه للتو.

يمكننا أيضا أن نرى في هذا الوصف كشفا عن الكامن المعدنى والزراعي لكوكب جديد تم اكتشافه مؤخرا.

و في كلتا الحالتين لا يمكننا سوى القيام بملاحظة بسيطة : ينقص هذا كله العامل الاهم و الاساسي و مفتاح كل شيء: الانسان الافريقي.

لم يفكر صاحب هذا المدح الاحصائي لإفريقيا دقيقة واحدة ان ما كتبه لا يخدم الهدف الذي سعى إليه، و انه لم ينجح في مرافعته من اجل افريقيا بل في تحطيم فكرته وإفشال مسعاه لانه ببساطة كأنه وصف “كوكبا كتلك التي تتموقع حيث تتوفر شروط ظهورالحياة “(( zone habitable وطبيعة سخية ساحرة، لكن ينقصها الكائنات الذكية الندة للانسان على الارض.

يمكننا اضافة اسئلة أكثر احراجا: لم تركنا انفسا عرضة “للزعزعة”؟ وهل لدينا خيار وحيد بين سيد جديد و سيد قديم؟

كثيرا ما عاشت افريقيا في الاوهام وإلى حد الآن فإنها تطرح بالطريقة الخطأ مشاكلها التي لا تعود كلها الى الاستعمار بل كثير منه راجع “للقابلية للاستعمار”.

في الخمسينات أراد المفكر مالك بن نبي عبر هذا المفهوم جذب الشعوب الافرو-اسيوية لضرورة القيام بعمل تقييمي و نقد ذاتي وبذل جهد التفكير “بطريقة صائبة” كما فعل ماو تسي تونع مع شعبه لكي ينهض به و يصبح على ما هو عليه اليوم.

لكن دفن صوته تحت غوغاء الديماغوجية والشعوذة الصاخبة والقاتلة لكل فكر جديّ.

اما اليوم ونحن نعيش على وتيرة حرب أوكرانيا التي أبانت لكل شعب من الشعوب حقيقته و كأنها مرآة: لقد تبين أن الروس على وشك التسبب في حرب عالمية، وان الصين تنتظر الوقت المناسب لتزحف على تايوان و قد تتسبب هي الأخرى في اندلاع هذه الحرب، وتبين أن الاتحاد الأوروبي يعيش انشقاقات و لم يعد يستطيع اخفاءها، و ان فرنسا منغمسة في مشاكل متعددة متعلقة ” بالقدرة الشرائية”. أما قارتنا الأفريقية العريقة، مهد الانسانية، فانها تغني مع احد ابنائها المغني ستروماي “اين انت يا أبي؟ این انت؟”

لم يعد هناك شك حول “أفول الغرب” الذي تنبأ به المفكر الألماني اوزفالد شبنغلر، والذي أصبح جليا اليوم. لقد اصبحت مثله العليا تتمركز في صحون سكانه. لم يخطأ المفكر في كتابه الذي حمل نفس العنوان و قد ترجمه الى الفرنسية الجزائري محند تازروت ونشر بفرنسا في الثلاثينيات، لكنه فقط راي الامور جد مبكرا.

ماذا يمنع الأفارقة الذين جادت عليهم الاقدار بكل انواع الخيرات من أن يقودوا مصير الانسانية في القرون القادمة؟ لا شئ غير انفسهم حيث هم اليوم مازالوا حاملين لبقايا “القابلية للاستعمار” في انفسهم وفيما بينهم.

You may also like

Leave a Comment