بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة نورة بوزيدة
لما سمعت ما ورد في وسائل الإعلام عن الفضيحة التي تسبب فيها المساعد الأول قرميط بونويرة، كان أول ما جذب انتباهي هو هذا الاسم “قرميط” الذي اسمع به لأول مرة في حياتي، فتوقفت عنده قبل أن يبدأ عقلي في تحليل الفضيحة في حد ذاتها.
لو كان هذا لقبه العائلي لما أدهشني الأمر لأننا نعلم كيف كان أعوان الإدارة الاستعمارية يستهزئون بالجزائريين بتلقيبهم بأسماء مشينة أو معوجة عن قصد، للإنقاص من شانهم وكوسيلة لإبقائهم في وضع ”أهالي”.
لكن هذا اسمه الشخصي ولذا راودني الشك : هل هو الجزائري الوحيد الذي يحمل هذا الاسم؟ أم أنّي أنا من لا يعرفه بالنظر لكثرة الأسماء المستعملة في بلدنا الشاسع وتنوعها؟ في هذه الحالة ما معنى الإسم ومن أي لغة ينحدر؟
لكن، تذكرت أيضا أن استعمال أسماء مستعارة لظروف العمل هي عادة سارية داخل جهاز الاستخبارات، وبذلك نسيت أمر الاسم وانشغلت بالمضمون المذهل الذي أصبح الآن وسيضل إلى الأبد مرتبطا بهذا الرجل ذي الاسم الغريب، والذي سيدخله على الأرجح إلى التاريخ.
أظنني وجدت الكلمة التي تنقص القاموس الجزائري الشعبي لتعريف مثل هذه المواقف العجيبة وغير العقلانية وغير القابلة للتفسير وغير المقبولة أخلاقيا، التي نجد نفسنا فيها إثر تسلسل أحداث وأفعال تتحدى كل قوانين الطبيعة والعقل، إلى درجة “الديقوتاج”، والتي لا نعرف إن كان يجب أن نضحك عليها إلى أن تنفجر “السرة” أو نبكي إلى أن تنشف آخر دمعة في عيوننا.
الكلمة التي اكتشفتها بهذه المناسبة هي : ” تقرميط” باللغة العامية، وباللغة الفرنسية « Garmitisme ».
يمكن لهذا اللفظ أن يصلح ويليق بمثل هذه المواقف الخرافية، غير المنطقية والسخيفة التي يتسبب فيها غياب المهنية والاستهتار بالمسؤولية والتفكير البدائي والغياب التام للفكر والثقافة، وكل ما هو معوج. هناك العديد من الكلمات التي يمكننا استيرادها من اللغات الأخرى للتعبير عما حدث، لكن من اليوم فصاعدا يبدو لي “تقرميط” هو الأنسب، وكأنه نابع من عمق ثقافتنا الشعبية و”ثوابتنا” و”أصالتنا” التي يحلو لنا التشدق بها.
ولكي لا يساء فهمي كالعادة، فأنا لا استهزأ باسم هذا الرجل، لكن وكأن الأقدار اختارته ليرمز للطريقة الخيالية التي تدار بها شؤون البلاد في أعلى مستوياتها.
المساعد الأول قرميط كان الكاتب الخاص للفريق المرحوم قايد صالح نائب وزير الدفاع الوطني وقائد أركان الجيش، ويقال أنه كان “الغربال” الذي يصفي من وماذا يصل إلى قايد صالح، وأنه كان يهابه و”يتحي” له جنرالات. يقال أيضا أنه كان على رأس ثروة معتبرة…
ولم يجد “قرميط” هذا ما يفعله بعد وفاة القايد سوى الهروب إلى الخارج وفي حقيبته أسرار الجيش الجزائري يساوم بها لا أدري ماذا.
رغم هذا، فإن ما أسميه “التقرميط” ليس ما قام به قرميط بونويرة.
التقرميط الحقيقي هو ثقافة التسيير التي جعلت قائد الأركان الراحل يضع بين يدي قرميط كل تلك القوة والمسؤولية و الأسرار…
”التقرميط” هو ذلك الاستخفاف الذي سمح للمعني بترك وظيفته والبلاد أمام أعين مختلف السلطات الأمنية، وبحوزته ملفات حساسة في أدوات إلكترونية، وفي الوضع الراهن الحافل بالمخاطر الداخلية والخارجية.
”التقرميط” هو نبذة آنية نعيشها بين الحين والآخر، والتي تضع تحت المجهر “عبقريتنا” في الفشل في صغائر الأشياء كما في أكبرها، سواء عن عدم كفاءة أو عن استهتار واستخفاف بالمسؤولية كذلك هو”عبقريتنا” في إفساد كل شيء وتكرار الأخطاء التي أدت بنا إلى الفشل.
لقد طال علينا التقرميط منذ سنوات، منذ عقود، منذ أجيال، منذ قرون…
إن “التقرميط” هو محصلة ذهنية “جحا” و عقلية الدوار و”خشانة الراس”.
إنه الشعوذة والجهل المقدس و”البخور والجاوي” الذي يتهم ضمنيا الله بالمسؤولية عن وباء كورونا، ويدفع بمسئولي الشرطة لإهداء الأطباء نسخا من المصحف على سبيل المكافئة، مع أنها كانت في الماضي القريب توزع الضربات التي تدمي رؤوس المتظاهرين السلميين.
المساعد الأول قرميط بونويرة ليس أول من يحاول استعمال أسرار الدولة كمصدر للربح، بل هو فقط الحلقة الضعيفة من السلسلة.
فأسرار الدولة أو الملفات أجهزة “المخابرات” منذ الاستقلال قد أصبحت تجارة للعديد من القنوات التلفزيونية والشبكات الاجتماعية، تسرّبها عصب وجماعات متنافسة، و تستغلّ لجمع الثروة من قبل مغامرين يخدمون هذه العُصب التي تصفي حساباتها على حساب مصلحة البلاد.
إن علامات النهاية تتعدّد وتكثر كل يوم تحت أعيننا، لكن من هم “فوق” ربما لا ترى لأن ”التقرميط” هو من يحكم ويتسلط عليهم.
تماما كما لا نرى الكورونا الذي سيفلس الدول والأمم، وسيقتل جزئا منها بصفة مباشرة، وأكثرها بطريقة غير مباشرة.
صفحة فايسبوك ن.ب: 04 أوت 2020
