Home مقالاتبوتين خسر في مواجهة أوكرانيا، بقي له أن يُغرق روسيا

بوتين خسر في مواجهة أوكرانيا، بقي له أن يُغرق روسيا

by admin

بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة وليد بوكروح

إن غزو بوتين لأوكرانيا ليس حلقةً جديدة من إستراتيجيته لإعادة تشكيل الاتحاد السوفيتي ‏البائد، بل هو ما سيؤدي إلى نهايته في المستقبل القريب‎.‎

فهو لا يشكل خطوة إلى الأمام في مسلسل “الانتصارات” التي حققها في الماضي ضد ‏الشيشان وأوسيتيا وبيلاروسيا وجورجيا وشبه جزيرة القرم ، إلخ. بل هو خطأ مميت يضعُ ‏روسيا في مسار مشابه للذي سارت عليه ألمانيا في الماضي بعد غزوها بولندا. إذا ما لم تعد ‏روسيا إلى رشدها سريعا فإن الخطأ الأخلاقي والسياسي والعسكري الذي ارتكبه رئيسها ‏سيؤدي لا محالة إلى هلاكها.‏

لماذا تمكّن بوتين في السابق من أن يفرض التبعية على البلدان السالف ذكرها دون أن يثير ‏ردود أفعال الاستنكار والإدانة والتضامن التي يشهدها العالم أجمع في حالة أوكرانيا؟ لأن هذه ‏البلدان كانت يُعتَبَرُ أنها تنتمي بشكل طبيعي إلى “المجال الروسي”. لكن حالة أوكرانيا تختلف ‏في التصور العالمي عن السالفة كما يظهر ذلك جليّا من خلال المواقف التي اتخذتها العديد من ‏الدول خلال الأيام الثلاثة الماضية، و في ردّ فعل مجتمعاتها المدنية‎.‎

الغزو الذي توبع على المباشر على شاشات التلفزيون واليوتيوب في جميع أنحاء العالم جعل ‏بوتين وبلده يظهران و هما يجسدان عودةً مذهلة لإمبريالية فظيعة تذكر بأحلك فترات ‏التاريخ. وسيتوجّب على بوتين أن يقضي على أشكال الحياة البشرية من على وجه الأرض ‏حتى يتمكن من فرض تقبّل تلك الصورة أو محوها من ذاكرة العالم. لكنه لن يستطيع ذلك حتى ‏باللجوء إلى ترسانته النووية التي شرع بالفعل في التهديد باستخدامها في وجه أيّ كان ‏سيعترض طريقه. هل سيستخدمها ضد الشعب الأوكراني الذي يصمم على الوقوف في وجهه؟ ‏

لم يحدث شيء للاتحاد السوفيتي البائد بعد غزوه للمجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا لكن غزو ‏أفغانستان أدى إلى نهايته. لم يخسر فقط هذا البلد الفقير الصغير الذي أراد استعباده لكنه قاوم ‏طيلة عشرية من الزمن حتى استنزف عدوّه، بل خسر كذلك جميع البلدان التي كانت تحت ‏سيطرته في أوروبا الشرقية‎.‎

سيكون غزو بوتين لأوكرانيا آخر فصل في سياسة التدخل الروسية في الخارج. فيمكنه أن ‏يدمر أوكرانيا بصفة شبه شاملة لكنه لن يستطيع استعمارها لأن سكانها سيفضلون الموت وهم ‏يقاومون على أن يعودوا إلى الوراء، إلى سنوات الشيوعية و “القولاق” و “النومنكلاتورا” ‏التي استبدلها بوتين بالاوليغارشيا التي ينصبها و يحميها أينما تمكن من بسط قوّته‎.‎

وحده عدد قليل من الدول الاستبدادية التي تحمل رفض الديمقراطية في جيناتها هو من عبر عن ‏‏”تفهمه” لبوتين، ليس دون قسط لا بأس به من الإحراج. أما بقية العالم فقد رأت في ذلك ما ‏تنبغي رؤيته، أي انتهاكا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وهجوما على دولة مستقلة وذات ‏سيادة من قبل دولة أخرى أقوى منها و أكبر ب 18 مرة، و قضية غير عادلة تثير أحاسيس أيّ ‏كان من فرط ما صار بوتين يتقمص شخصية جالوت أكثر جبناً، بينما يتقمص الرئيس ‏زيلينسكي صورة داوود أكثر تأثيرا‎.‎

أما الدول العربية الإسلامية فلا جدوى من التساؤل عن صمتها المطبق لأنها لا تعتبر الاستبداد ‏شرًا بل هي تحتفي به كما لو كان من الفضائل‎.‎

إن الحجج التي يقدمها بوتين ليبرّر تصرفاته ليست صحيحة. فهو لا يستطيع أن يمنع جيرانه من ‏أن يكونوا جزءًا من مجموعة اقتصادية وجمركية أو تحالف عسكري بحجة أن ذلك سيشكل ‏تهديدًا لأمنه. فالعديد من الدول المجاورة لروسيا والتي كانت إلى وقت ليس ببعيد جزءًا من ‏الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو أصبحت الآن جزءًا من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال ‏الأطلسي‎.‎

وفقًا لمنطق بوتين، لا ينبغي أن يكون لروسيا جيران جغرافيون بل يجب أن تصبح جزيرة أو ‏أرخبيلًا أو أن تحتل كامل مساحة اليابسة على وجه الكوكب بمفردها. وما الذي فعله بوتين ‏بمساحة 17 مليون كيلومتر مربع التي تتربع عليها روسيا؟ ما الذي يمكن أن تضيفه أو تنقص ‏منه مساحة 630.000 كيلومتر مربع التي تمثلها أوكرانيا من حيث “المجال الحيوي” أو ‏‏”الأمن”؟

لا أحد يختار جيرانه أو يحق له أن يقرر نيابة عنهم ولا أن يرغمهم على إتباع أهوائه باستعمال ‏القوة والخوف والابتزاز والعنف. إذا كان على كل مستبد جديد أن يصدح ب “روايته الوطنية” ‏الخاصة، فليتذكر بوتين بأن موسكو، مثلها مثل شبه جزيرة القرم، كانت في يوم ما عبارة عن ‏‏”خانات” إسلامية.‏

لقد أخذ الرئيس الروسي منذ 2014 كامل وقته في التحضير لغزو أوكرانيا. فهو توقّع عواقب ‏خلاف طويل المدى مع الغرب، وتنبأ بالتكثيف الذي ستشهده العقوبات الاقتصادية التي ستُفرض ‏عليه، لكنه لم يأخذ في الحسبان عاملاً واحداً وهو الشعور بالظلم الذي من شأنه أن يوحّد ‏الإنسانية جمعاء ضده‎.‎

لو طرح سؤال مشابه للذي عُرفَ به ستالين حول “قوة” الفاتيكان (“كم من كتيبة يملكها ‏الفاتيكان؟”) لتلقى اليوم الرد على النحو التالي: “وسائل الإعلام في باقي العالم، الرأي العام ‏العالمي وشبكات التواصل الاجتماعي ستتمكن من النيل من جبروتك و وقاحتك”‏‎.‎

هذا الشعور سيؤثر أكثر فأكثر على قرار الدول، و التي ستتحول عن قريب من الفتور إلى ‏التنافس في الحزم لإضعاف روسيا و إلى التسابق إلى من سيلحق بها بشتى الوسائل أضراراً لم ‏تكن في حسبانها.‏

لا ، الأمر هذه المرة لا يتعلق بمشكلة سياسية دولية تُطرح على الدول في منتديات متعددة ‏الأطراف أو تُدرس خلف أبواب مغلقة في قيادات الأركان العسكرية، بل هي مسألة ظلم لن ‏يستغرق وقتًا طويلاً ليأخذ أبعاد “قضية” عالمية و سخط شامل أمام استخدام القوة الغاشمة ضد ‏بلد صغير لا يتوانى في التضحية في سبيل الدفاع عن حقه في الحياة في كنف الاستقلال و ‏الكرامة‎.‎

هذه ليست مشكلة جيو-سياسية بل مسألة أخلاقية وإنسانية، وهذا هو معنى الرسالة التي غرد بها ‏بابا الكنيسة الكاثوليكية: “كل حرب هي استسلام مخجل”. و فعلاً فإن ما قام به بوتين هو تدنيس ‏للقيم التي تشكل أسُس الحياة البشرية‎.‎

يجب أن تتوقع روسيا بوتين بأن أوكرانيا ستتلقى الأسلحة والتمويل من كل مكان للمساعدة في ‏الدفاع عن نفسها، و أن روسيا ستصبح هدفًا لهجمات “غير متكافئة” في وسائل التواصل ‏الاجتماعي والنشاط الإنساني والهجمات الإلكترونية من جميع المصادر، أو حتى لظهور “كتائب ‏دولية” ضدها مثل تلك التي قامت لتحارب الفاشية في إسبانيا في 1936. و من هذا الصراع ‏يمكن أن ينشأ وعي عالمي تحمله شعوب الأرض بأكملها تجاه حالة الإنسان ككلّ. العالم يحتاج ‏اليوم إلى مُثُل جديدة وليس إلى العودة إلى عهد الحرب الباردة ، إلى سباق التسلح و التوسعية ‏سواء كانت روسية أم أميركية أم أوروبية أم عثمانية أم يابانية أم إسرائيلية أم صينية أم إيرانية‎.‎

إذا ما حدث و قُتل الرئيس الأوكراني الشاب أو قُبض عليه فإنه سيصبح بطلا للقرن الحادي ‏والعشرين. و سوف يرتبط اسمه باسم أوكرانيا التي ستنبثق من أنقاض المحنة الحالية. أمّا إذا لم ‏يتم أسره أو اغتياله من قبل جحافل بوتين فسيتم منحه صفة “المنقذ”. و لن يتوانى البابا ‏الكاثوليكي فرنسيس بتقليده مرتبة التقديس على الرغم من كونه يهوديًا. فيسوع هو الآخر كان ‏يهوديا قبل أن تجعل منه المسيحية ابناً لله.‏

You may also like

Leave a Comment