Home مقالاتالإشكالية الجزائرية2024-2020الأمة الجزائرية بين ماكرون وزمور

الأمة الجزائرية بين ماكرون وزمور

by admin

بقلم: نورالدين بوكروح

‏”الحق أن لا أمة تكتمل بصفة نهائية. الأمة في أخذ ورد دائم…. هي إما في حالة استيعاب أو في حالة ‏تسريب لمكوناتها المختلفة، حسب قوة دولتها وحيويتها في فترة معينة أو حقبة ما.”

‏(خوسي أورتيغا إيغاسيت) ‏‎(José Ortega Y Gasset)‎‏.‏

كان لتصريحات الرئيس ماكرون حول الجزائر أمام مجموعة من الشباب بحضور صحفي من جريدة ‏‏”لوموند”- إذن على علم أنها ستنقل – تأثيرا أنيا على العلاقات الجزائرية – الفرنسية، وهي ‏العلاقات التي ينتظرها الكثير من التقلبات ذات النتائج الوخيمة على مصلحة البلدين في مرحلة تعيش ‏مخاضات جيوسياسية جديدة ستعيد صقل وجه العالم الأورو- متوسطي. ‏
الحاضر فيه ما يكفي من مشاكل استعصت على البلدين، منها إعادة الجزائريين المتواجدين على التراب ‏الفرنسي بطريقة غير شرعية، فما عسانا نجني من الرجوع إلى الوراء ومساءلة التاريخ عن وجود ‏‏”الأمة” الجزائرية” من عدمه قبل الاحتلال، خاصة في هذا الظرف الذي يتربص فيه زمور‎(Zemmour)‎‏ ‏بكل صغيرة وكبيرة للتقيء على الجزائر بترهات عن الجزائر. لكنه ليس رئيسا للجمهورية وليس مترشحا ‏للإنتحابات المقبلة بعد.‏

التعريف الأساسي للفظ “الأمة” هو أن يثبت وجود شعب يعيش في تراب محدد، يملك لغة أو عدة لغات، ‏دينا أوعدة ديانات، ثقافة أو عدة ثقافات ونمط حكم أو عدة أنماط. هذا التعريف يكفي للإنظمام إلى الأمم ‏المتحدة. لو لم تكن هناك أمة جزائرية، لما كان هناك نزع احتلال و”حرب الجزائر”، ولما كانت الجروح ‏عميقة وصعبة الإندمال ولا المرارة التي تملأ القلوب دائمة إلى الأن من الطرفين. لقد تم الحديث عن هذه ‏المسألة في فترة الاحتلال بتسميات مختلفة (الأمة في تكوين، “الجزأرة….‏Nation en formation, ‎Algérianisme‏) وذلك لتبرير ضم الجزائر لفرنسا، لكن اليوم… ما هو الرهان؟ ‏
إن مفهوم الدولة – الأمة مفهوم جديد في تاريخ الإنسانية، حيث كانت الشعوب من قبل تنتمي إلى محور ‏حضاري‎ ‎معين. كل الشعوب ولدت يوما ما حيث لم تكن الشعوب موجودة عندما ظهر الإنسان على وجه ‏الأرض.
وتحت تأثير التغيرات الجيولوجية والمناخية والبيولوجية والثقافية والتاريخية، انتظم الجنس ‏البشري تدريجيا في شكل عائلات وقبائل ومدن وامبراطوريات وحضارات، ثم دول وطنية في العصر ‏الحديث. كل هذا ليضمن بقائه. كان الانسان يضع الحدود ويفكر في ايديولوجيات كما تفعل الحيوانات ‏بالغريزة عندما تحدد خطوطا لا يمكن لأعدائها تعديها دون التعرض لهجماتها حيث تعتبر ذلك الحيز ‏فضاءها الحيوي الضروري لضمان عيشها. ولم تكن الحروب على مر القرون سوى بسبب الاستحواذ ‏على بعض الكيلومترات المربعة أو التبشير الديني أو الإيديولوجي.

القلة القليلة من الشعوب تعلم اليوم أين كانت قبل آلاف السنين، ومن أين أتوا بيقين، ولا هي تعلم لماذا ‏هي “هنا” بدل “هناك”. بعضها ولد من رحم الهجرة مثل الشعب الأمريكي، وآخرون بعد التحرر بالسلاح ‏من قيود الاستعمار أو بتوافق بين القوى العظمى مثل العديد من المستعمرات الإفريقية القديمة، أو من ‏انقسام مجموعات كبيرة بسبب خلاف ديني (الهند –باكستان، السودان-جنوب السودان) أو حلاف ‏إيديولوجي (الصين – تايوان، ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، كوريا الجنوبية – كوريا الشمالية، فيتنام ‏الجنوبي – فيتنام الشمالي، الأراضي الفلسطينية (رام الله – غزة) …

الجميع كان في يوم من الأيام إما مستعمرا أومحتلا لأراضي غيره، أو “بربريا” (غريبا)، محتلا من قبل ‏غيره، ذميا، دون وطن ولا أرض، مهاجرا، منفيا، “حراقة”… والكثير من الناس على قيد الحياة اليوم لا ‏يعلمون في أي أرض أو بحر سيقضون. الناس تهجر ديارها للهرب من الفقر والاستبداد والتعصب الديني ‏والحروب والموت، مع أن المصير المحتوم الذي ينتظر من يهربون في قوارب بحثا عن مرافئ غير ‏مضمونة هو الموت.

إن التحولات الجيولوجية والمناخية والثقافية والتاريخية هي التي تصقل وجه الأرض وهو مسار في ‏استمرارية دائمة واليوم كما من قبل، فإننا نعيش مرحلة جيولوجية نرى فيها كيف أن بعض الأراضي ‏بدأت تحتفي من جراء صعود مياه البحار والمحيطات، مما يحكم على العديد من الشعوب بالهجرة لأنها ‏ستفقد مواطنها، وهناك بلدان تملك أراضي غنية تفقد سكانها شيئا فشيئا لأسباب سياسية أو دينية. ماذا ‏سيكون مصير هذه الشعوب بدون أرض وما مصير هذه الأراضي بدون شعوب الخائفة والهاربة من ‏حكامها المستبدين والصعاليك المتعصبين؟ من سيستقبل الأوائل؟ ومن سيرث الأخرين؟ ماذا سنفعل ‏بمبادئ الوطنية والحضارة والتسامح والانسانية التي طالما رافقت مسيرة الانسان؟

إريك زمور ‏Eric Zemmour‏ ينحدر من اصول يهودية بربرية لها من القدم ما يكفي لكي تبقي على ‏تسميتها الخاصة بهذه المنطقة البربرية (زمور يعني بالأمازيغية “زيتون”) وهو بنفسه الدليل القطعي ‏على وجود أمة جزائرية، بتسمية أو بأخرى.

هو يريد اليوم أن يمنع أسامي لا تتواجد في قائمة القانون الصادر بتاريخ الأول أفريل 1803 أي 27 سنة ‏قبل احتلال فرنسا للجزائر، مع أنه ولد في “أراضي مسلمة‎ ‎‏” (بسان سان دوني) وتم تسميته باسم ‏اسكندينافي‎(scandinave)‎‏ لا تمت لأسامي الأولياء المسيحيين واليهوديين بصلة. لقد أدخل في الحالة ‏المدنية الفرنسية سنة 1947 للمرة الأولى.

زمور يتجاهل أن الأسماء المسلمة في غالبيتها أسماء من التوراة والإنجيل، من اليهودية والمسيحية مثل ‏‏: أدم، نوح، ابراهيم، سارة، موسى‎,‎‏ اسماعيل، يعقوب، يوسف، داود، سليمان، إلياس، مريم (الذي كان ‏اسم اخت موسى وهارون وبعدها بألفي سنة أم عيسى…

لو كان نابليون ‏‎(Napoléon)‎حيا، لما فكر في إغضاب 15 بالمائة من الفرنسيين الذين يحملون اسما عربيا ‏أو مسلما وشحنهم ضد دولتهم وقوانينها. ينتمي زمور إلى صنف من الفرنسيين “المندمجين” الذين ‏أصبحوا أكثر فرنسية من الفرنسيين أنفسهم مثل برونو ميفريBruno Mégret ‎اليوناني أو جان مسيحا ‏المصري ‏Jean Messiahالقبطي اللذين أرادا غلق أبواب فرنسا ورائهم بعد ولوجهم هما وحولوا السياسة ‏من “فن الممكن” إلى فن تدمير المجتمع الذي استقبلهم وتفكيكه.

سنة 1986، حيا جوزي أبولكير، ‏José Aboulker، وهو قائد المقاومة اليهودية ضد نظام فيشي ‏Vichy‏ ‏والاحتلال الألماني وبرلماني شيوعي للجزائر العاصمة، موقف الجزائريين في تلك المحن التي مر بها ‏اليهود، فكتب ما يلي:” لم ينحاز العرب في الحرب إلى طرف ما، حيث لم تكن تلك حربهم.
لكنهم كانوا ‏رائعين مع اليهود. لم يكتفوا برفض البروباغندا والأعمال المعادية لليهود التي كان يريد الألمان وفيشي ‏الزج بهم فيها، بل رفضوا حتى المنافع التي كان يمكنهم جنيها. وبينما كان الأقدام السوداء يتهافتون على ‏أملاك اليهود، لم يشتري عربي واحد ملكا يهوديا واحدا. لقد أعطيت التعليمات في المساجد بهده العبارة: ‏‏” اليهود في محنة وهم إخواننا.” (“يهود الجزائر: 2000 سنة من التاريخ”).‏

You may also like

Leave a Comment