Home مقالاتدرس انجليزي سيء

درس انجليزي سيء

by admin

بقلم نورالدين بوكروح
ترجمة : نورة بوزيدة

عندما تحدث زبينيو برززنسكي (Zbeniew Brezezinski) محقا عن بريطانيا العظمى في كتابه المشهور ” الشطرنج الكبير : أمريكا وباقي العالم”، Le grand échiquier : l’Amérique et le reste du monde » ، قال أنها “فاعل استراتيجي متقاعد”. وها هي اليوم بعد استفتاء الخميس وكأنها تطالب بحقها في التقاعد المسبق بعد ثلاثة وأربعين عاما من التعايش الصعب مع المجموعة الاقتصادية الأوربية ثم الاتحاد الأوربي.

التحقت بريطانيا بمسار الاتحاد الأوربي وكأنها مرغمة 16 سنة بعد انطلاقه في 1957 بمعاهدة روما، وهو المسار الذي شرع فيه الأوربيون بعد الحرب العالمية الثانية لإرساء أوربا متحدة والقضاء على الأسباب التي أدت إلى الحرب ذاتها. وها هي اليوم، أول عضو تنسحب في الوقت الذي يستعد فيه الإتحاد إلى دمج أعضاء آخرين خلال السنوات القادمة ليصبح عددها 35 دولة (هي اليوم 28)، آملا بذلك أن يرسخ قوته الاقتصادية وتعزيز مكانته الدولية حيث أنه اليوم يتصدر مصاف الدول والتكتلات الاقتصادية بحيازته 24% من إجمالي الدخل الخام العالمي بمقدار 13.700 مليار يورو.

غامر الوزير الأول البريطاني المحافظ، دافيد كامرون (David Cameron) بتنظيم هذا الاستفتاء، فتلقى الرصاصة المميتة مثل ما يحدث في اللعبة الروسية المشهورة، واستفاد من دلك منافسه من عائلته السياسية بالذات، بوريس جونسون (Boris Johnson) ، رئيس بلدية لندن الأسبق الغني عن التعريف والذي يشبه مثل التوأم دونالد ترامب (Donald Trump) ، فيزيائيا وسياسيا. وجد محتمل أن يكون هو من سيخلفه في الخريف على رأس الحكومة.

لم تتقبل أبدا بريطانيا العظمى أن تعيش في جوار مع الآخرين وعلى قدم المساواة معهم. فهي تحمل ذهنية انعزالية قديمة نابعة من كونها جزيرة منفصلة عن باقي أوربا، بالإضافة إلى أنها بقت مشتاقة إلى عظمة “الإمبراطورية التي لا يغرب الشمس عنها” منذ زمن الملكة فيكتوريا، ناسية أن ذلك المقام لم يعد حقيقة منذ زمن ولا وسائل لها للمحافظة عليه. وليس بالغريب أن إحدى نتائج الاستفتاء أن الشباب هم من صوتوا للبقاء داخل أوربا والكبار هم من اختاروا في غالبيتهم الانفصال عنها.

وهكذا، سيضطر البريطانيون قريبا للخروج من نمط حياة كانوا قد تعودوا عليه منذ 43 سنة، لكن ليس فقط، بل سيواجهون أيضا نتائج هذا الطلاق حيث سيأخذ كل واحد ما وضعه من قدرات وجهد مالي ونفسي، مقابل استردادهم حريتهم. وبالتأكيد أن العلاقات الدولية ستتأثر من جرائه كما أنه سيكلف وقتا ومالا. أما على الصعيد السياسي، فإن تداعياته ستكون كبيرة في البلدان الأوربية التي تعيش ضغط التيارات اليمينية المتطرفة التي تنادي بنفس النداء، أي استعادة “السيادة” الوطنية لبلدانهم. لقد أعطانا الإنجليز، على غير عادتهم، درسا سيئا، إنه رجوع إلى الوراء وانهزام للعولمة.

فبهذا الاختيار الذي رغبوا من خلاله استرجاع استقلاليتهم كلية، وضع البريطانيون وحدتهم الوطنية في الكفة الأخرى من الميزان وفقدان لحمة الكيانات الأربع التي تكونها. بالفعل، الكل يعرف مدى رغبة الكثير من الاسكتلنديين في الاستقلال عن بريطانيا العظمى من جهة والبقاء في أوربا : اسكتلندا صوتت بنسبة 62 % وأيرلندا الشمالية بنسبة 55 % للبقاء في أوربا، بينما اختارت إنجلترا 4،53 % وبلاد الغال بنسبة 8،52 % الانفصال عنها، كما أن منطقة جبل طارق (Gibraltar)الواقعة جنوب اسبانيا لكنها تابعة لبريطانيا، فضلت البقاء أيضا.

بالفعل، وبمجرد التأكد من فوز تيار المناهضين لأوربا، صرح كل من حزب “الشين فاين” الإيرلندي والوزيرة الأولى الاسكتلندية أن هذه النتائج لا تخدم مصالح بلديهما بما أنهما يريدان التفتح والتعاون مع باقي دول أوربا في إطار الإتحاد الأوربي، وبالتالي ترى في ذلك دافعا للانفصال بدورها عن الكيان البريطاني. ونذكر أن اسكتلندا كانت على وشك الانفصال عن بريطانيا قبل عامين، ويمكنها أن تنظم استفتاءا جديدا من أجل الاستقلال نهائيا. أما إيرلاندا الشمالية، فهي من جهتها تفكر في الاتحاد مع أختها الجنوبية للبقاء داخل الإتحاد الأوربي.

ماذا دفع بدافيد كامرون للعب بمستقبل بلاده وأوربا كاملة بضربة حظ؟ تذرع أصحاب الخروج بثقل المساهمة المالية البريطانية في الميزانية الأوربية (17 مليار يورو سنويا تقريبا) وتدفق العمال من بلدان أوربا الشرقية. لكن، ألم يكن هناك حل آخر غير الانسحاب من الاتحاد الأوربي؟ ألم يجد لها أحد جوابا غير هذا، وهو الجواب الذي سيكون له تداعيات نعلم بعضها و البعض الآخر لا يمكننا حتى استشرافه؟ وعلى حسب ما يبدو، فإن هذا القرار اتخذ بشيء من الخفة وان سيحل مشكلة واحدة، فانه سيخلق مائة بدلها.

بعد ظهور النتائج مباشرة، صرح الوزير الأول قائلا بأنه “يجب احترام إرادة الشعب البريطاني لأنه اتخذ قرارا واضحا.” لكن هل صحيح أنه تام الوضوح؟ ماذا تقول الأرقام؟ يبلغ الشعب البريطاني 64 مليون نسمة، منهم كتلة انتخابية تقدر بـ 5،46 مليون. وبلغت نسبة المنتخبين 72 بالمائة، أي 5،33 ناخب. ومن بينهم بلغ من صوت لصالح الخروج من الاتحاد الأوربي 9،51، أي 41،17 مليون صوت، و1،48 %، أي 14،16 مليون صوت للبقاء داخل الاتحاد.

إذن ليس 41،17 مليون من قرر لـ 64 مليون بريطاني، بل 1.270.000 ناخب بالضبط هم من رجحوا الكفة لصالح الخروج بدل البقاء. فنرى أن الفرق هامشي بالنظر إلى عدد السكان والكتلة الانتخابية. هل هذا ما يمكن تسميته “إرادة الشعب البريطاني”؟ هل هذه هي الأغلبية والديمقراطية؟

كيف يمكن اعتبار هذا القرار نابعا من الرغبة الشعبية بينما كان الوزير الأول والأغلبية البرلمانية النابعة طبعا من الإرادة الشعبية، كانا يدافعا عن البقاء في الإتحاد؟ لما نسفت “السيادة الشعبية” “بالتمثيل الشعبي” بهذه الخفة والبساطة؟

وأقل ما يمكن استنتاجه من هذه الوضعية العبثية هو ذلك الخلل في سير نظام سياسي ليست بريطانيا الوحيدة التي اتخذته لها، بل أقصد به النظام الديمقراطي ذاته. بالفعل، يسمح لنا التساؤل عن ماهية هذا النظام السياسي الديمقراطي الذي يجعل أقل من مليونين شخص من بين 46 يقررون في مصير دولة، بل في مصير اتحاد اقتصادي يعني 27 دولة أخرى؟

كل الانتخابات والاستفتاءات لا يمكنها أن تقوم على قاعدة 50 % +1 صوة عندما يتعلق الأمر بقضية خطيرة مثل تقرير مصير الأمة وبسبب العولمة، مصير العالم المتشابك، وهذا ما رأيناه من خلال ردود الفعل السريعة في الأسواق المالية الأوربية والأمريكية واليابانية، الخ…
عندما يتعلق الأمر بتغيير الدستور، وفي العديد من الدول مثل فرنسا والجزائر والولايات المتحدة، يستوجب تحقيق ثلثي (2/3) أصوات الكتلة الانتخابية. فكيف لنا أن نكتفي بالأغلبية البسيطة بقرار يتخذ على مستوى أعلى من الدستور (مما يستوجب الاستفتاء)؟ ولما لا نضع قاعدة الثلثين لكل الانتخابات الشعبية؟ هل ذلك سيطيح بمبدأ الديمقراطية؟ فإذا سلمنا بالأغلبية البسيطة(50%+1) ، يمكن أن تنحى الملكية في بريطانيا بسبب حملة صحفية أو باقتراح من أي حزب يخرج من العدم.

قال ونستن تشرشل (Winston Churchill)في نوفمبر 1947 أمام غرفة البرلمان السفلى جملته المشهورة: “الديمقراطية أسوء أنظمة الحكم، لكن لم يوجد ثمة نظام أفضل”. ونحن نتساءل لما لم يفكر ذلك الرجل في تصور نظام أفضل وهو الذي أحاله الانتخاب الشعبي على التقاعد الإجباري في ذات السنة، بالرغم من خدماته العظيمة لبلاده ونيله لجائزة نوبل للأدب؟
وقد انكب على هذا الموضوع بعض المفكرين مثل إدموند بورك البريطاني (Edmund Burke) وإرنست رونان الفرنسي (Ernest Renan.

كلاهما كان معارضا أشد المعارضة للنمط الديمقراطي، وعبر عن ذلك بوضوح: الأول بعد الثورة الفرنسية سنة 1789، والثاني بعد الحرب ضد ألمانيا سنة 1870. فكتبا في الموضوع ما يمكن وصفه بالمرافعة ضد الديمقراطية حيث طرح المفكر البريطاني آراءه في كتاب بعنوان “أفكار حول الثورة الفرنسية”، بينما كتب الثاني “إصلاح فرنسا الأخلاقي والفكري”.

وهذه فرصة لنا نحن الجزائريين للتأمل في مصير بلادنا البائس الذي يعبث به جاهلون مرتشون ومتشبثون بالسلطة بكل وسائل التزوير في الانتخابات، بلد أصبح فيه الدستور قضية رجل واحد، أي رئيس الجمهورية، صار يتمادى في العبث بمصيره إلى الهلاك، لا يهمه سوى أن يبقى هو في السلطة مهما كلف الأمر. فماذا نتوقع في المستقبل؟ ومع هذا نسمي أنفسنا “أمة” بل وبلدا “ديمقراطيا”.

لم يتأهب الجيش البريطاني لإلغاء نتائج الاستفتاء لأنه في بلاد لا تداس فيه الإرادة الشعبية مهما كان، وليس للجيش أي دور في الحياة السياسية وأي ثقل في هدا المجال. فالكلمة تعود للمجتمع المدني والفاعلين السياسيين والمثقفين والمفكرين. إنها الإرادة الشعبية فوق الجميع، وهكذا تسري الأمور في الأمم الحقة حتى عندما تسلك الطريق الخطأ وتتخذ قرارات سيئة مثل ما رأينا في بريطانيا العظمى، والتي قد تصبح “صغيرة” جدا إذا ما انفصلت عنها اسكتلندا وايرلندا الشمالية.

هل فكر “قادتنا” في تحليل نتائج مثل هذا السيناريو وتقييم آثاره على مصالحنا الاقتصادية والسياسية؟ لا أظن، عكس جارنا المغرب الذي درس كل الآثار التي ستنجم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، حسب مقال صدر في مجلة “Usine” وذلك حتى قبل الاستفتاء.

أما في بلاد “تخطي راسي”، وبالنظر للقدرات العليلة لحكامنا، فلا نتوقع قيامهم بهذا التمرين، فهم غير متعودون على التفكير في نتائج أي شيء أو أي حدث، خاصة إذا كان خارج حدودنا. فلنعلم أن قرار الشعب البريطاني سيؤثر حتما علينا، فهمناه أم لم نفهمه، قبلناه أم لم نقبله، وهو التأثير الذي قد يكون غير مباشر، وقد يصعب رؤيته. إننا في بلد الرئيس المريض، وفيه لا نستشرف ما سيحدث في المستقبل، بعيدا أو قريبا كان، وحتى عندما تطرق المشاكل الباب، نصد الباب إلى أن تكسرها ونحن قد استسلمنا للنوم.

فتبدو حينئذ كالكابوس المرعب ولا نملك سوى محاولة الهروب الى الأمام لأن الحلول قد ابتعدت. وهنا يرمي علينا المسئولون مسئوليتهم بكلمة شعبية بسيطة، كما فعل الوزير الأول سلال : “دبروا راسكم !” حيث أن المسئولين لدينا ليسوا مسئولين للحكم والتسيير، بل للاستمتاع بثروات البلاد كما شاء لهم.

إننا نرى أمام أعيننا كيف أن قضية اللاجئين باتت تحطم أوربا. فبريطانيا أول من خرج مسرعا من الاتحاد الأوربي، لكن الاحتمال كبير أن تطول القائمة في السنوات المقبلة. فاللاجئون ليسوا كتلة منسجمة، بل هي خليط من مهاجرين غير شرعيين و”حراقة” جزائريين ومهاجرين أفارقة والأخطر بالنسبة إليهم الهجرة الإسلامية التي تحمل في حقبها بعض الإرهابيين المستعدين للقتل والموت في أرض “الكفار”، وهو ما جعل الرأي العام الغربي يتحسس أكثر فأكثر من كل ما هو إسلامي ومسلم. من هنا على الأقل، سيعنينا استفتاء الشعب البريطاني، دون الحديث عن “رغبات الاستقلال” التي ستستفحل في أوربا وخارجها.

You may also like

Leave a Comment