Home مقالاتما معنى ان نكون امة!

ما معنى ان نكون امة!

by admin

بقلم: نور الدين بوكروح
ترجمة : نورة بوزيدة

” الديمقراطية تقنية تؤكد لنا أننا لن نحكم إلا بما نستحق، … وفيها الأقلية تصيب بعض الوقت لكن الأغلبية لا تصيب أبدا….” جورج برنارد شو Georges Bernard Shaw)
في الوقت الذي كنا أنا ومتتبعي مقالاتي نتأمل في أسرار تكوين الأمم وصيرورتها وكنا نحث بعضنا البعض بحماسة على التفكير في كيف يمكن لنا نحن الجزائريين أن نصبح أمة حقة اليوم قبل الغد، فها هي الأحداث العالمية تضع تحت أعيننا وكأننا في مخبر تطبيقي، حالة غنية بالتعاليم والدروس.

وهنا أريد التحدث طبعا عن المسار الذي دخلت فيه بريطانيا العظمى التي توخت من خروجها من الاتحاد الأوربي فائدة وربحا كبيرين، إلا أن الوارد أنها ستخسر ما هو أهم وأعظم وستخرج من مغامرتها أصغر وأضعف حالا مما كانت عليه قبل الاستفتاء. والوقت هو من سيخبرنا وإياها. وفي بلادنا، بلد الهمز و اللمز ، لدينا مثل شعبي يليق بهذا المقام : “جا يسعى ودر تسعة”.

ربما تذكر الكثير منا غداة فوز “البريكسيت” يوما آخرا استيقظوا فيه على وقع خبر فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في ديسمبر 1991. خبر من شرب إلى الثمالة ويستيقظ وهولا يتذكر ما حدث البارحة، من بينهم من صوتوا لصالح “الفيس” ضنا منهم أنهم سيلعبون مقلبا للسلطة، لكنهم عندما استفاقوا وفهموا أنهم ليسوا الوحيدين من فكر بنفس الطريقة، تزعزعوا وابيضت وجوههم حيرة وتأسفا. أما “الأغلبية الصامتة” التي لم تكلف نفسها حتى عناء التصويت، فإنها كانت السباقة لتوجيه نداء للجيش لكي يتدخل و”يصلح الوضع”. فدخلنا بسبب غياب روح التمدن والجهل في متاهة كلفتنا مائتي ألف من الموتى وأدت بنا إلى العهدة الرابعة، وهي عهدة الانسداد التي سنندم عليها.

أما البريطانيون فإنهم لم يصلوا بعد حد مطالبة تدخل الجيش، لكن أكثر من ثلاثة ملايين منهم أمضوا عريضة للمطالبة باستفتاء ثان. وأما المعارضة العمالية فإنها عازمة على تنحية زعيمها بسبب دفاعه اللين عن اختيار البقاء في الاتحاد الأوربي. وعبر بوريس جونسون، (Boris Johnson) الزعيم المحافظ الذي عبر في مقال نشره يوم الاثنين، عن شعور يشبه الندم، ولكي يزيد غم البريطانيين وندمهم، تسلل رئيس حزب UKIP المتطرف من أهم وعد تعهد به أمام مناصري “البريكسيت” لتحفيزهم، ساعات فقط بعد إعلان النتائج.

وهكذا نلاحظ كيف توسعت دائرة الندم والهلع إلى معسكر الفائزين وفيه لم يعد تخفي الاستفاقة إلى أنهم قد ارتكبوا خطأ كبيرا بدأوا يرون آثاره الأولى : الاتحاد الأوربي الذي بات يحثها على الخروج في أسرع وقت ويوضح لهم أن الاتحاد لا يقبل أن يكون مثل “دار خالي موح”، وضيعت الليرة نسبة معتبرة من قيمتها وما زالت اسكتلندا مصرة على البقاء في الاتحاد… كل هذا ولم يمر سوى بضعة أيام على الاستفتاء وما زال أمام بريطانيا عامين قبل أن تنسحب فعليا.

واليوم، بات وطن توينبي (Arnold Toynbee) ، أب نظرية “التحدي – الإجابة” أو “الصعوبات -المواجهة”، التي يفسر بها مجرى التاريخ وحركيتها، بات يتساءل عما إذا كان الخروج من الاتحاد الأوربي أفضل جواب لتحدي هجرة العمال المتدفقين من شرق أوربا والهجرة الإسلامية.اختاروا وضعية الانعزال والحماية مثل ما كان عليه زمن روديارد كيبلينغ (Rudyard Kipling) والتي أصبغوها بهالة من المجد والعظمة، إلا أنهم سرعان ما فهموا أن هذه الوضعية لم يعد لها باع بل وستقزم ببريطانيا إلى حجم جزيرة روبنسون كروزوي (Robinson Crusoé)، وهي رواية أخرى نابعة من العبقرية البريطانية في القرن الثامن عشر. هل عندما يتضايق بلد ما من إزعاج بعض البلدان، يشرع في القطيعة مع الناس كلهم؟ فنحن لسنا بعيدين عن الأسباب التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية.

فما العمل الآن؟ وجد البريطانيون أنفسهم في حيرة من أمرهم وهم يواجهون هذا الصراع الداخلي الشكسبيري، وما يزيد من تعبهم أنهم لا يرون في خيرة أبنائهم من سينقذهم كما فعل ونستن تشرشل في وقته. ولن ينفع الهروب إلى الأمام بل سيعرض البلد للتفسخ وستضطر إلى إعادة صياغة كاملة لسياستها الخارجية. ومن جهة أخرى، لن يقبل البريطانيون، حسب معرفتنا بهم، الإدبار والبهدلة تحت أنظار العالم. ولنا في مقولة برنارد شو، أحد أكبر العارفين بالروح البريطانية، اختزالا لما هم فيه اليوم :”الإنسان الحليم من يتأقلم مع العالم ، والإنسان غير الحكيم هو من يتعنت في أقلمة العالم لمقتضياته الشخصية. فالتقدم إذن متوقف على الإنسان غير الحكيم.”

قد يظن البريطانيون أن نتائج استفتائهم لا تعني غيرهم لكن هذا الاعتراض لا يليق بأمة كبيرة وعريقة مثل أمتهم. إن من يتغنى بمبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” هم المستبدون الذين يدافعون عن حق فعل الشر وتحويل شعوبهم إلى خرفان ليتسنى لهم نهب خيراتهم وترهيبهم بقوانين قمعية ردعية، لا تترك لها أي حرية كما هو الأمر في بلادنا.

عندما تتغير الأزمنة تتغير أنماط التفكير. إن قرار الخروج من أوربا سيؤثر حتما على معالم الاقتصاد العالمي ولكن ليس فقط، بل إنه سيمس نمط التفكير العقلاني أيضا. كان الجميع يظن أن الإنسانية دخلت في ديناميكية عالمية لا رجوع عنها ولكننا استيقظنا على وقع حدث جاء يخلط الأوراق لأنه نابع عن تفكير رجعي وحامل له في نفس الوقت. فبالتأكيد ستتزعزع المعتقدات ويفقد التوازن. إن الإخلال بالعقل لا يقل خطورة من الإخلال بالنظام العام. أخيرا وليس آخرا، فإن مثالا سيئا لا فائدة له بصفة مطلقة وقد يدفع بالبعض ممن يحملون أفكارا متطرفة بكل أنواعها و أنماطها والمتربصين في الصفوف الخلفية من المجتمع السياسي الغربي إلى القيام بما هو أسوأ، مغتنمين فرصة الجو المعادي للإسلام هناك.

إن مصلحة الصنف البشري تعلو على مصلحة الخواص، سواء كانوا أشخاصا أو شعوبا. وفي زمننا هذا لا يمكن لأي شعب من الشعوب أن يفعل ما يشاء له في بلاده إلا إذا سلم أنه بذلك، فإنه يضع نفسه على هامش العلاقات الدولية وخارجها، مثله مثل من يعتزل في أعماق الأمازون، أو يطبق عليه النسيان في جزيرة معزولة، أو كما نراه في حال “إمبراطور” كوريا الشمالية، يختبأ وراء التهديدات المتكررة بتفجير نووي، وما لا يدريه هو أن لا أحد يعبأ بتهديداته لأنها غير جدية ولو كان الخال كذلك لتم تدمير ترسانته على آخرها. إن الكوكب قد صغر وصارت قرارات أمة كبيرة ولها نفوذ تؤثر لا محالة على باقي العالم اقتصاديا وثقافيا.

فمثلا تبذل المجموعة الدولية منذ عقود جهودا كثيفة لمكافحة التلوث، وبالتالي، سيأتي وقت غير بعيد سيمنع الواحد من التلويث في بلاده، و شرعت الكثير من البلدان منع التدخين في أماكن مغلقة. إن مقتضيات مصلحة الصنف البشري باتت تفرض أكثر واجبات على كل واحد وهذا مهما تنافت مع مصلحة الشخص أو البلد ذاته. وهذا ما نتفهمه ونقبله. فلن يمكن لأحد مهما كان معزولا، كالهنود الحمر في محميتهم أوالجزائري الذي يقطن بير غبالو، إشعال نار من دون أن يؤثر على الاحتباس الحراري، ويتهم بالمساس بحياة الصنف البشري.

لكن الغريب في الأمر أن الأمم المتحضرة والتي فكرت مليا في كيفية قمع من يزعج جاره ويتسبب له في أرق، الغريب أنها لم تفكر في منع 1.2 مليون ناخب في التقرير بدل 46 مليون ناخب عندما يتعلق الأمر بمصير الأمة كلها.

نحن لا نعرف ماذا نفعل لكي نصبح أمة، لكن على الأقل وبالنظر إلى المثال البريطاني نعرف ما لا يجب فعله، أي إخضاع مستقبل الأمة إلى ضربة حظ لمن هو مسئول عنها والسماح لمليون ونصف من الأصوات المعبر عنها فرصة التصويت بدل البرلمان وبدل 46 مليون ناخب و64 مليون نسمة، ولا يجب أنتكون الأغلبية البسيطة (50 بالمائة +1 ) تدعى الأغلبية المطلقة عندما يتعلق الأمر بمصير الأمة ومصير شركائها الدوليين.

يموت الناس في الجمهوريات من أجل الديمقراطية، ويموتون في البلدان الدينية من أجل عقيدتهم كما يدعون. لقد صوت العرب كلما أتيحت لهم الحرية في ذلك وبدون استثناء خلال السنوات الأخيرة لصالح التيارات الإسلامية التي تعتبر أن الأمم لا تقوم على “رغبة العيش مع بعض” ولا على “رغبة العمل مع بعض” بل على “رغبة الإيمان مع بعض”. والأكثر من ذلك أن معالم الأمة التي ينشدون إليها لا تملك حدودا واضحة وليس لديهم حاجة لذلك، بل فقط لأن يكون فيها “مؤمنون ومؤمنات” لا يفكرون تقريبا بأي شيء آخر سوى عبادة الخالق، خشية من عذابه.

تم القيام بصبر آراء في الآونة الأخيرة، حيث طرح سؤال على الجزائريين حول انتمائهم. فبينت النتائج أن غالبية الجزائريين لا يعرفون أنفسهم بالجزائريين أولا، بل بالمسلمين. ولم أندهش شخصيا بهذه النتائج، بل دهشت عكسا حيث ظننت التيار أكبر وأقوى بالنظر لما جره التيار الإسلاموي في سنوات التسعينات وميل الجزائريين إليه وتعميم الفكر الإسلاموي داخل المجتمع منذ ذلك الوقت، وذلك مهما حاولت الدولة إخفاء الغبار تحت سجاد “المصالحة الوطنية”. فالإسلاموية لم تختفي من حياتنا بل تحولت فقط كما يفعل الفيروس لضمان حياته هو.

وما تعنيه نتائج سبر الآراء في الحقيقة هو أنه لو نجح تنظيم داعش في الإعلان عن الخلافة الإسلامية في العراق والشام، لوجد جزائريون مستعدون لمبايعته ونفس السيناريو سيحدث لو استطاع إردوغان استعادة الخلافة العثمانية. ونعتبر صبر الآراء هذا كمؤشر بالفعل، عندما تعلن غالبية سكان بلد ما أنها دينية أكثر منها وطنية، فإن ذلك البلد لن يصير أمة أبدا في المستقبل، كما لم تكن في الماضي، ويجب أن نتوقع أنه قد يخرج من مداره في أي لحظة تحت وطء جاذبية كوكب آخر.

للإسلامويين نزعة عالمية، مهما نكروا هذه الحقيقة. إنهم لا يرون أنفسهم كجزائريين لهم وجهة وطنية، بل يعتبرون أنفسهم قبل كل شيء مسلمين من الجزائر، وكأنهم مهاجرون وجدوا أنفسهم في أرض الجزائر، مسجونين بسبب ظروف لا يؤمنون بها ويتربصون الفرصة السانحة للتحرر منها. وأنا أرى أن الفرصة ستكون في وقت الأزمة الذي سيأتي لا مفر لأنها قدر محتوم. فنهاية البترول هو بداية قدرنا الحامل للأزمة.

لا يزن الكثير لدى هؤلاء حب الوطن أو مكان ولادتهم والرباط الذي يجمعهم مع باقي الجزائريين، لأن ضميرهم وعقلهم مفتوحان فقط لتقبل المجموعة الوحيدة التي لها قيمة وأهمية في نظرهم، وهي “أمة محمد”، ولعلمنا أن الرسول عليه الصلاة السلام لم يأت لإرساء أمة بل إقناع البشرية جمعاء بأن الإسلام هو تتمة للعقائد السماوية السابقة. لم يأت محمد (ص) لتشييد قلعة أو إمبراطورية ، بل هو آتى للسمو بالإنسانية إلى نظرة متجددة وسامية للإله.

إن فهمنا لمصطلح “الأمة” مجرد أدبيات نقرأها في الكتب. فنحن لم نعشها أبدا ولم نرى منها سوى ما قيل وظن وحزر وفزر… ونحن الجزائريون إنما نعاني من الفراغ ونتبع أول من ينادينا بخزعبلاته و أكاذيبه إلا لأننا عجزنا عن تكوين أمة حقة. وبما أننا لم نستطع تشييدها على أرض الواقع، فإننا بحثنا عنها في بقاع أخرى ووجدناها في كتب التاريخ والأفلام والدعاة المشرقيين.

يضيء لنا سبر الآراء هذا بقوة الواقع الذي نعيشه اليوم، وهو أن الحس الوطني ليس متجذرا بيننا تجاه وطننا. كان موجودا بالنسبة لجيل نوفمبر لكنه انفجر بعد الاستقلال بسبب السياسات الجاهلة التي بناها قادتنا منذ 1962 إلى يومنا هذا. وهو ما زج بنا في أحضان الإسلاموية.

وعلى العكس، فإن الحس الوطني منغرس في نفوس الأتراك الذين عاد ليراودهم حلم قيادة العالم الإسلامي وريادته. وهو نفس الحس القوي والحاد الذي يدفع بالإيرانيين والذين يريدون هم بدورهم توسيع نفوذهم في كل بقعة تتواجد فيها مجموعة شيعية، ولو صغيرة، بل وأكثر من ذلك، فإنهم يسعون إلى جلب السنيين إلى مدار المذهب الشيعي. وكان هذين البلدين قبل الإسلام حضارتين وأمتين. فالإيراني فارسيا أولا والعثماني تركيا أولا كما الماليزي والسعودي الذي كان عربيا قبل أن يكون مسلما.

إن من لم يصنعوا الجزائر في الأزمنة السابقة قد ذهبوا، ومن لم يصيبوا في تشييدها و بذروا ما امتلكت من ثروات بسبب سوء تسييرهم وتشجيعهم للرشوة منذ الاستقلال هم أيضا ذهبوا أو هم ينتظرون أمام الباب. أما من يقع عليهم واجب تشييدها حقا فإنهم هنا، من عدة أجيال، منهم من يحمل مسؤولية أو من يشرع في حياته المهنية في مختلف هيئات الدولة. إنهم هم من سيواجهون تحدي إرساء أمة جزائرية حقيقية.

كتبت في مقالاتي السابقة أن الجزائر أمة مزيفة وأشرت إلى حيثيات ذلك. ثم كتبت لأشرح ما هي الأمة الحقيقية. وأخيرا طرحت فكرة “روح الأمة” كعامل يسمح المرور من الحالة الأولى، أي الأمة المزيفة، إلى الحالة الثانية، أي الأمة الحقة. لم أقل أبدا أن لا وجود للجزائر، بل أقول أن الجزائر تملك ترابا وشعبا، لكنها لا تملك دولة وطنية ولا روح أمة فيها، وإلا ليست لتكون في حالتها المزرية الآنية، وهي المتعلقة بنفس رئيس يعوقه المرض وتنتظر بهلع نفاذ مصدر رزقها البترول ولكنها تبدو خاوية العزيمة والرغبة في الإجابة للتحدي.

صدر المقال في :30 جوان 2016
…يتبع

You may also like

Leave a Comment