بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
بدأ بن نبي بتحرير كتاب ” التاريخ النقدي للثورة الجزائرية” يوم 18 ماي 1959 في الساعة العاشرة ليلاً، لكنه سرعان ما انقطع عنه، إذ لم يكتُبْ منه إلاّ التمهيد الذي امتد على طول ستّ صفحات. وممّا جاء فيه: ” كانت الثورة الجزائرية مِحكاًّ لشعبٍ بكامله، وامتحاناً لكل قيمِهِ الإنسانية، ولكل شرائحه الاجتماعية. وقد أظهر هذا الامتحان مرتبة القيم الشعبية الجزائرية، لكنه فضح النقائص العجيبة عند اولئك الذين يمكن أن نُسميهم “نخبة”، وهي نخبة اتّضح أنها مُتجرّدة من القيم الأخلاقية والثقافية التي هي دَيْدَنُ كل نخبة… فالثورة الجزائرية والشعب الجزائري هُما وديعة مُقدّسة وقعتْ بين أيدي آثمة أو رَعْنَاء… الثورة الجزائرية هي إنجاز حققه شعب بدون نخبة: فالمؤرخ يجد فيها كل الفضائل الشعبية، لكنه لا يجد فيها أية فضيلة خاصة بالنخبة”.
إنّها أسْطُرٌ تُلخِّصُ لنا تاريخ الجزائر كلّه، وتُقدّمُ تفسيراً وافياً للمأساة التي عرفتْها في التسعينيات، كما أنّ تلك الملاحظة حول “الأمور التافهة”، والتي اطّلعْنا عليها في الحلقة السابقة، تُفسّرُ حالة اليأس والقنوط التي تتخبط فيها، وستبقى كذلك لزمنٍ طويل.
كتاب “الكتاب والوسط الإنسانيّ”
إنّ أعمال بن نبي وسيرته يأخذان وجهتهما انطلاقا من مبدإٍ، هو: في البدءِ كانت الكلمة، أي الفكرة، والكتاب هو حامل هذه الفكرة، سواء أكان كتابا إلهياًّ أم إنسانياًّ. ومن أجل ذلك نجد أنّه تبنّى في وقت مُبكِّرٍ صيغةً وضعها المُحلِّل لويس دو بونالد Louis de Bonald والتي مفادها أنّ “الكتب هي التي صنعت الثورة منذ الإنجيل إلى “العقد الاجتماعي”.
ولم يكتفِ بن نبي باعتناق هذه الفكرة، بل حاول هو نفسه القيام “بثورة” (ذهنية، فكرية، نفسية، وحضارية) بالحرص على ربط عمله بأحداث عصره كي يوجهها وجهة مُعيّنة. فكتبه كلّها تستهدف غاية مُحدّدة، وهي إحداث نهضة، وإثارة سياسة جديدة في العالم، والإسراع بـ “إنهاء التاريخ”، (وهي العبارة التي استعملها قبل فرانسيس فوكوياماFrancis Fukuyama بنصف قرن).
وقد جاءت العناوين التي اختارها لكُتبِهِ مُؤكِّدةً لتلك الإرادة الراسخة. فـ “شروط النهضة”، و “وجهة العالم الاسلامي” و “ميلاد مجتمع”، و “دور المسلم ومهمته في الثلث الأخير من القرن العشرين” ليست مُجرّد عناوين، إنها سهام وإشارات مُوجِّهَة، وخرائط طريق، وخُطط عمل… وإنّ هذه المقصديّة العامة ظهرت بشكل أوضح في كتاب “النزعة الأفروآسيوية” الذي دفعتْ نهايتُهُ المُؤْسِفة بكاتبه إلى تحرير كتاب آخر تحت عنوان “الكتاب والوسط البشريّ”، وهو غير منشور. وهل يُعْقَلُ أنْ ينسى مُؤَلِّفٌ أنه كتب كتاباً نسياناً تماماًّ طيلة ثلاث عشرة سنة؟… هذا ما حدث لبن نبي مع هذا المخطوط المتكون من أربعين صفحة والذي أعادهُ له عمر كمال مسقاوي ذات يومٍ من سنة 1972.
وواضحٌ أنّ ما دفع ببن نبي إلى تأليف هذا الكتاب هو شرح الأسباب التي وقفت وراء فشل كتابه (“النزعة الأفروآسيوية”) في تحقيق الأهداف المرجوّة، رغم أنه كان متأكداً من نجاحه إلى حدٍّ بعيد. فهو - أي كتاب “النزعة الأفروآسيوية” – في نظره كتاب مرجعيّ مثل كتاب ماركس “رأس المال”، وبن نبي يُشبّه (“النزعة الأفروآسيوية”) به. وفي تشبيهه ذلك راح يشرح لنا كيف أتيح لكتاب ماركس أنْ يعلو شأنه في أوروبا القرن 19 عندما جاء الفكر الماركسي عقب انتشار فلسفة أوجست كونتle positivisme d’Auguste Comte الوضعية وفلسفة داروينDarwin التحوّلية، ثُمّ جاءت الثورة الصناعية والفلسفة الرأسمالية لتكونا بمثابة المركبة التي سارت فيها الماركسية.
تلك هي المُكوِّنات الفلسفية والاجتماعية التي غذّت الفكر الماركسي وساعدت على انتشاره في خضمّ الفلسفات المادّيّة. وهكذا، فإنّ كل كتاب يأخذ دلالته في أعيُن مُعاصريه بوجهين: بمضمونه الذي يُمثِّلُ قيمته الداخلية، وبالظروف المُحيطة به التي تُمثّل إجمالاً حظوظ نجاحه. بإمكاننا إذاً أن نطرح هذين السؤالين بخصوص كتاب بن نبي:
1) ما هي قيمته التنظيرية ؟
2) كيف كانت حظوظ نجاحه ؟
نعَمْ، لقد قرأنا في هذا الكتاب أنّ بن نبي يتكلم عن نفسه ويذكر اسمه باعتباره مؤلفاً وموضوعاً. وممّا لاحظهُ في عودته إلى الحديث عن التوازي بين كتابه وكتاب “رأس المال”: ” إنّ الذي يُفسّرُ تاريخ الماركسية منذ ظهورها هو خارطة العالم الأوروبي التاريخية والاجتماعية ـ بين الحروب النابليونية ـ فهي تُبيِّنُ التيارات التي ساعدتها على الانتشار والتيارات التي وقفت ضدّها. لكن الوسط الذي أحاط بكتاب بن نبي أكثر تعقيداً. وتبعاً لذلك فخارطته أكثر تعقيداً كذلك: إذ يُفترضُ فيها أن تُبيِّنَ العناصر الآتية من العالم المُستعمَر، والعناصر الأخرى الآتية من العالم القابل للاستعمار”.
والحقيقة أنّ الفكرة الأفروآسيوية التي تبنّاها بن نبي قبل مؤتمر باندونغ بزمن طويل كانت مُتضمّنةً في خلفية الفصول الأخيرة من كتاب “وجهة العالم الاسلامي “2، وكذا في بعض مقالاته، مثل “من جنيف إلى كولومبو”، حيث يقول مُتحدثاً عن ذلك الاجتماع الذي جرى في كولومبو آنذاك، وعن الانتماء الجغرافي للبلدان التي كانت مُمَثَّلَةً فيه، وكان ذلك قبل مؤتمر باندونغ بعام واحد: “إنّ هذه الحظيرة مُناسِبَةٌ من الناحية الإيديولوجية لحظيرة الفكر الإسلامي وحظيرة اللاّعُنف، وهو فضاء هاتين الحضارتين: الإسلام والهندوسية اللذان يزخران اليوم بمخزون روحيّ هائلٍ للبشرية” (1).
إنّ هذه الفكرة ستصطدمُ بثلاث هبّات مُعاكسة آتية في وقْتٍ واحدٍ من العالم الاستعماري ومن العالم الشيوعي ومن العالم الأفروآسيوي نفسه. ولما كان عليه أنْ يُكيّفَ هذا الكتاب مع مؤتمر باندونغ ووعوده، كان رجاؤه أن يعطي لذلك الاجتماع الذي ضمّ شعوباً متعددة ومصالح مختلفة رابطاً مذهبياًّ كان يفتقده، أو إسمنتاً إيديولوجياًّ كان ينقصه، ذلك أنّ باندونغ لم يكن في ذاته إلاّ مسعى ديبلوماسياًّ مُدهِشاً، لكنه كان مُجرّداً من أية قاعدة إيديولوجية . فبن نبي كان يُريد أن يتيح لتلك المبادرة المُجرّدة من سندٍ موضوعيّ واقعيٍّ، والتي لم يكن لها أي امتداد في نفسية الشعوب، كان يريد أن يمنحها لحمة ثقافية، هي ”الثقافة الأفروآسيوية”، ومصالح مشتركة هي “الاقتصاد الأفروآسيوي”.
هذه هي قصة ذلك الكتاب الذي كان حُلماً، وكان تحدّياً رفعه رجُلٌ واحِدٌ لم يكُنْ يحظى بدعْمِ أيِّ بلدٍ، ولا حتى بدعمِ بلده الذي كانت تُمثله “الحكومة المؤقتة”. وحتى في الوقت الذي كان فيه بن نبي بصدد تحرير كتاب “الكتاب والوسط البشري” لمْ يُفارِقْهُ اليقين في أنّ “النزعة الأفروآسيوية” سيكون “مِن أعظم كُتب القرن العشرين في أعيُنِ الأجيال القادمة، مثلما كان كتاب “رأس المال” في جيلنا كتاباً مُمَثِّلاً للقرن 19.”
لكن يبدو أنّه لم يبق زمناً طويلاً وهو مُتشبِّث بهذا اليقين، إذ بمُجرّد أنْ أنهى تأليفه في 25 ماي سنة 1959 نسي تماماً أنه كتبه أصْلاً. والواقع أنّ بن نبي سبق له أن كشف لنا في دفاتره عمّا يأتي عاما قبل ذلك: ” كتبْتُ “النزعة الأفروآسيوية” في سن الثانية والخمسين مُقتنعاً بأن هذا الكتاب سيُخرِجُني من الظلام بصفة نهائية، وأنه سيُمكّنُني أخيراً من التطلُّعِ إلى شيخوخةٍ مُريحة… كُنتُ مُتأكّداً من أنّ الكتاب سيُتَرْجَمُ في البلدان المشاركة في مؤتمر باندونغ، خاصة وأنني كُنتُ أحظى بدعم نيو دلهي New Delhi. وقد ذهب كلّ ذلك في مهبّ الريح، وكانت السقطة النهائية والأخيرة لأملي… انهار كلُّ شيء كما وقع في شهر جويلية من سنة 1936، وفي شهر أوت من سنة 1944… وأنا الآن أدعو الله أنْ يُخلِّصني وأن يُعجّل بنهايتي” (ملاحظة مؤرخة في 26 فيفري 1958).
شرع بن نبي في جولة عبر بلاد سوريا ولبنان في أواخر السداسي الأول من سنة 1959، وأقام في لبنان قرابة شهر. واستُقْبِلَ كضيف شرف، حيث ألقى عدة محاضرات في هذين البلدين. يمكن القول أنه ذاق طعم السعادة خلال ذلك الشهر. وقد اشتهر اسمه بفضل صدور كتبه باللغة العربية، واقتُرِحَ عليه أن يستقرّ في لبنان. والدكتور حسن صعاب، مُترجم نص “الإسلام والديمقراطية” هو الذي ألح عليه بذلك الاقتراح، لكن بن نبي لم يكن بإمكانه أن يُلبّي الدعوة رغم أنه لم يكُن مُرتاحاً في مصر لأن علاقاته تدهورت مع رؤوس التيار الماركسي داخل حكومة علي صبري الذي يُكِنّ له عداوة خاصة.
والواقع أنّ بن نبي لم يكن بإمكانه الانسجام إلاّ بصعوبة مع نظام جمال عبد الناصر الذي كان يدعو إلى القومية العربية في حين أنه لا يؤمن إلاّ بوحدة العالم الإسلامي الحضارية في إطار أفق وحدويّ أوسع، وهو النزعة العالمية. وقد برز هذا الاختلاف في الرؤية من خلال كتاب “النزعة الأفروآسيوية” وكتاب ” فكرة كومنويلث إسلاميّ”.
ومِن أصدقائه في الأوساط السياسية والثقافية القاهرية: الوزراء حسن الباكوري، كمال الدين حسين، أحمد عبد الكريم، ومن رجال الثقافة: عمر بهاء الدين العامري، والدكتور الباهي، سعيد العريان، والدكتور أبو زهرة، وصلاح الدين عشاش… كما كان كثيرا ما يقوم بزيارة الأمير عبد الكريم الخطابي.
خصّصت جرية “الحرّيّة” طبعتها بتاريخ 12 أكتوبر سنة 1959 لأكبر حدثيْن في تلك الأيام، وهما: محاولة اغتيال الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم، والرسالة المفتوحة التي وجهها بن نبي للرئيسيْن خروتشاف وإيزنهوَرْ، المُجتمعيْن في كامب ديفيد ليحُثّهما على إيجاد حلٍّ للأزمة الجزائرية. ومن بين الأعمال الشنيعة التي ارتكبها الاستعمار والمذكورة في هذه الرسالة اغتيال عيسات إيدير، مؤسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين. ثُمّ عاد بن نبي إلى لبنان في شهر نوفمبر مُلبّياً دعوة للمشاركة في مؤتمر حول العلوم السياسية. وقد تلقى من جمال عبد الناصر كلمة تهنئة بتاريخ 12 ديسمبر على رسالته المفتوحة الموجهة للزعيمين الأمريكي والسوفياتي.
كتاب”مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”(نسخة 1960)
يُخبرنا بن نبي في ملاحظة مؤرخة في 30 ديسمبر 1959 أنه ” في هذه الليلة، الساعة السادسة والنصف، ارتسمتْ في عقلي خطّة عملي المُعنْوَن “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”. ولطالما عالجتُ هذا العمل منذ سنة كاملة من مختلف أوجهه، ولم تكن لدي إلاّ نظرة جزئية حول فكرته العامة. لكن تلك الفكرة العامة تجسّدتْ الليلةَ في عقلي تحت هذا العنوان”. وهذا العمل مخطوط في سبعين صفحة، ويتضمن خمسة فصول، عناوينها: الأفكار والأمراض الاجتماعية، جزاء خيانة النماذج المثالية، النخبة بوصفها قاطع تيار في حلقة الأفكار، مُبارزة بين الفكرة والشيء وإجابة عن الفراغ الفضائي.
وكانت جامعة الأزهر تستنجد به عادةً لتحليل بعض الأعمال الغربية، مثل كتاب “تطوُّر الإسلام” لـ ريمون شارل Raymond Charles، وكتاب ” الكتاب المُقدّس والقرآن” لـ جاك جوميي Jacques Jomier، أو كتاب “الاسلام في مواجهة التطور الاقتصادي”، لـ جاك اوستروي Jacques Austruy. وكان بن نبي يُحرِّرُ تقارير تحليلية حول تلك الكتب باللغة العربية. ويتبيّن مِن مخطوطاته ومُسوّداته أنه كان في ذلك الوقت مُتمكناً من اللغة العربية تمكُّناً تاماًّ، لأنّ تلك الكتب كانت تُعالج مواضيع متنوعة، مِنْ تفسيرٍ واقتصادٍ وجيوستراتيجيا. وقد فوجىء يوماً بنشر أحد تلك التقارير في الصحافة، فقدّم احتجاجاً كتابياًّ على ذلك للأزهر. وقد حصل له أن التقى بالمودودي (1903-1980) بتاريخ 19 جانفي 1960 لما كان هذا الأخير في زيارة للقاهرة.
وهذه ملاحظة سجلها في 03 مارس كحوصلة لوضعيته: ” لم أكن أعرف أنني بإهدائي كتاب “النزعة الأفروآسيوية” لجمال عبد الناصر سنة 1956 سأعيش في القاهرة أحلك مُغامرة يمكن أن تحدث لمؤلّفٍ”.
ذلك أنّ هناك هموماً مِن نوع جديد بدأت تظهر في طريقه، وهي تتمثل في الضجيج الاصطناعي الذي كان يمنعه من النوم. وقد اشتكى بن نبي من ذلك للسلطات، لكن بدون جدوى.
وفي يوم 08 جويلية أرسل للوزير الأول الصيني شوان لاي نسخة من كتابه مرفوقة برسالة. وخلال هذا الشهر نشرت مجلة Présence africaine تلك الرسالة التي بعث بها إلى مؤتمر الكُتّاب السُّود المنعقد في روما.
وفي شهر أوت عاد إلى دمشق من أجل إلقاء مُحاضرات، وهناك زاره عدة وزراء. وقد مرّت به محنة قاسية في شهر سبتمبر، إذ تمّ تكييف جهازه العصبي بشكل يمنعه من النوم، حتى صار لا ينام ستّ ليالٍ مُتتالية. فالضجيج المُصطنع فوقه وتحته لا يتوقف، ممّا أطال أرقه. وقد اضطرّه ذلك إلى قضاء لياليه عند أصدقائه أو تلاميذه، ومنهم: الشهادي، شاكر، بغدادي، فوده… وكان يشغل الشقة التي فوقه شخصان غريبان. وكان يرى أن كلّ ذلك مِن عمل أخصّائيين يعرفون مدى خطورة الأصوات المتتابعة والمختلفة على الأعصاب: نُباح كِلاب بدون انقطاع، أشغال ليلية في الطابق العلوي، صخب متنوع لكن مستمر في الطابق السفلي، رنين جرس الهاتف بدون مُراسل… وقد ظهر كلّ هذا فجأةً.
وهو يروي ما كان يعتقد أنه “مُحاولة اغتيال بوسائل علمية” في مطوية تحت عنوان “الاغتيال بوسائل العلم”، وهي تتضمن رسالة إلى كريم بلقاسم وأخرى إلى آلان دول Allen Dulles. كما أرسل رسالة إلى خروتشاف في 18 أكتوبر ليشكره على مُساندة الجزائر. وفي شهر نوفمبر تواصل مع الكاتب الشخصي للملك سعود ، واقترح عليه هذا الأخير الإقامة في الولايات المتحدة كي يكون “مُرشِداً” لجمعية خاصة بالمسلمين السّود. لكن بن نبي رفض الاقتراح.
وبما أنه محكوم عليه بالعيش في صخب القاهرة وفوضاها، ذلك القلب النابض للمشرق والعالم الإسلامييْن، فقد أتيح له أن يُلاحظ السلوكيات الاجتماعية ويُحللها. وسجل ذلك في ملاحظة مؤرخة في 26 نوفمبر 1960، يقول فيها: ” إنّ مُجتمعاً لا يُطالَبُ فيه الفرد بأية واجبات تُحددها حاجيات الجماعة بدقة، هو مجتمعٌ اصطناعي. إنه اصطناعي لأن أفراده لا يشعرون بالروابط التي يشعر بها الأفراد في المجتمع العادي. وفي هذه الحالة فإن الفرد الذي يحس بأن وجوده تافه وعبثيّ، سيشعر بما يشبه الخجل من حياته الطّفيلية، وهذا ما يؤدي إلى إلغاء كرامة الإنسان من نفسه. وهذا كلّه يؤدي إلى ظهور كائنات مُستعدة لكل التنازلات، فهي كائنات اصطناعية… إنّ تدهور الفرد هو الخطر الرئيسي الذي يهدد المجتمع الاصطناعي”.
عاد بن نبي ثانيةً إلى دمشق في شهر ديسمبر، ونالت مُحاضراته نجاحاً كبيراً. وفي أواخر سنة 1960 نشرت الصحافة المصرية خبراً مُفاده أنه مُرشح لنيل جائزة نوبل Prix Nobel. لكن بن نبي ردّ على ذلك ببيانٍ جاء فيه: ” لم أترشح لهذه الجائزة، ولا أطمح إلى نيلها”. وقد أرسل بهذا البيان إلى عدة صحف، لكنها لم تنشره.
وقد أضاف مُلاحظة على هامش هذا النص المطبوع والمحفوظ في أرشيفه، ويقول فيها: ” إنّ صحافة القاهرة جادّةٌ في نشر البيانات التي يقصد بها الاستعمار الاستحواذ على عقول المسلمين، لكنْ عندما يُريد المُسْلِمُ أن يرُدّ عليه يقف على حقيقة أنه بمقتضى حق الفيتو، الذي هو بين يديْ تلك الصحافة، لا حقّ له في الرّدّ”.
وبعد بضعة أيام نشرت صحيفة “الحقائق” بتاريخ 29 ديسمبر 1960 مقالاً تحت عنوان: “فيلسوف جزائري مُقترح لجائزة نوبل”. وممّا جاء فيه: ” اقترحت الأوساط الأدبية في ستوكهولم كاتبيْن لنيل جائزة نوبل، ومن بينهما الكاتب الجزائريّ مالك بن نبي… لكن هذه الجائزة نالها في الماضي وسينالها في المستقبل أيضاً آخرون مِن غير مالك بن نبي، وذلك نظراً لطبيعة نضاله السياسي، ونظراً للفلسفة التي يفتح بها للبشرية آفاقاً جديدة نحو الحق والخير والسلام…”.
وليست تلك هي المرة الأولى التي يُقترح فيها بن نبي في ظروف عجيبة لنيل جائزة. ففي المخطوطة الفرنسية لكتاب ” الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة” يحكي لنا أن مجلة جمعية العلماء “الشاب المسلم”( Le Jeune musulman ) قد نشرت في طبعتها المؤرخة في 26 مارس 1954 بياناً صادراً عن “الجالية الإسلامية في هامبورغ” تُعلن فيه عن منح جائزة الصحفيين الهنديين للدكتور بفاوس Pfaus، ” فاقترح هذا الأخير على رئيس الجمعية استحقاق السيد مالك بن نبي، صاحب كتاب ”الظاهرة القرآنية”، لهذه الجائزة هو كذلك”. ونشر بن نبي فور ذلك توضيحاً يعلن فيه: ” لا يمكن لي قبول هذه الجائزة لا من أجل “الظاهرة القرآنية” ولا من أجل أي كتاب آخر”.
وفي المُقابل، كان بن نبي هو صاحب فكرة إنشاء ” جائزة لمنطقة السلام” التي نصت عليها اللاّئحة رقم 10 لمؤتمر القاهرة للبلدان الأفروآسيوية المنعقد في ديسمبر سنة 1957. وقد خامرتْهُ هذه الفكرة سنة 1954، أي قبل ميلاد الحركة الأفروآسيوية بزمن طويل، وذلك حسب ما رواه هو نفسه في النسخة الفرنسية غير المنشورة لكتاب ” الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة”.
في جانفي 1961، انتقل بن نبي إلى طرابلس لاستكمال إجراءات زواجه بابنة خالته، وهي خدوجة حواس (المتوفاة في جوان 2015). وقد اغتنم فرصة وجوده في ليبيا في إلقاء بعض المُحاضرات. أما استقبال الليبيين له فكان جيّداً.
نشرت يومية “المساء” المصرية يوم 3 أفريل 1961 حواراً مع بن نبي يُعبِّرُ فيه عن أسفه على أنّ الإشكالية الأفروآسيوية انجرّ عنها إنشاء مركز دراسات في تل أبيب، وليس في البلدان المعنية. وهو مُتألِّمٌ من أنّ مؤتمر الكُتاب الأفارقة، بدلاً من تقوية فكرة ثقافة أفروآسيوية، قد فتح الطريق إلى الزُّنوجة Négritude التي لا تعدو أن تكون، في سياق الرهانات العالمية المُعاصرة، تأكيداً على التميُّز الإفريقي الهادف إلى إبعاده أكثر عن الثقافتين العربية والآسيوية. وهذا، في نظر بن نبي، دليل آخر على فعالية الصراع الفكري.
وفي أواخر شهر ماي سافر إلى جدة انطلاقاً من ميناء السويس لأداء فريضة الحج التي استغرقت قرابة شهر. وبعد عودته نشرت نفس الصحيفة تقديماً لآخر إصدارات بن نبي، وهما كتاب ” الصراع الفكري ” وكتاب ” تأملات حول العالم العربي”.
ولمّا اندلعت أحداث بيزرت التونسية أرسل بن نبي برسالة إلى الرئيس بورقيبة يقول فيها: ” يشرفني أن أتقدم إليكم بعبارات الاحترام مُتطوّعا بخدمتي كإسعافيّ في كل مكان يُجاهد فيه الشعب التونسي البطل ضد الهجمة الاستعمارية. مع احتراماتي. مالك بن نبي. أديب. 51، شارع سعود، هيليوبوليس”.
ولمّا أُعلِن وقف إطلاق النار في الجزائر بتاريخ 19 مارس 1962 كان بن نبي في أسوان تلبيةً لدعوة حاكمها (2). وفور ذلك عاد إلى القاهرة كي يكون في الموعد الخاص باستقبال الزعماء الجزائريين في المطار جنباً لجنبٍ مع جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وحسين الشافعي. وفي شهر أفريل رُزِق بتوأم بنتين أسماهما نعيمة وإيمان. وفي شهر جوان انتقل إلى مسكن جديد.
كتاب “ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية”
نُشِرَ هذا الكتاب الذي هو من أكثر أعمال بن نبي تميُّزاً وتجديداً في شهر جوان سنة 1962. وقد ألّفه الكاتب باللغة الفرنسية، ثُمّ تمّت ترجمته بقلم عبد الصبور شاهين. يتضمن تمهيداً مؤرّخاً في 11 أفريل 1962، و” توطئات”، وخمس عشرة فصلاً، وهي: التاريخ والروابط الاجتماعية ـ أصل الروابط الاجتماعية ـ طبيعة الروابط الاجتماعية ـ الثراء الاجتماعي ـ الآفة الاجتماعية ـ المجتمع والقيمة الأخلاقية ـ الدين والروابط الاجتماعية ـ شبكة الروابط الاجتماعية والجغرافيا ـ الروابط الاجتماعية وعلم النفس ـ فكرة بيداغوجيا اجتماعية ـ شبكة الروابط الاجتماعية والاستعمار ـ شروط أوّلية لبيداغوجيا اجتماعية ـ الدفاع عن شبكة الروابط الاجتماعية.
ويُصرِّح بن نبي في التمهيد بأنّ هذا العنوان “ميلاد مجتمع” هو في الحقيقة عنوان عام ينوي أن ينشر ضمنه سلسلة من الأعمال، ومن بينها هذا الكتاب الذي ميّزه بإلحاق عبارة ” شبكة الروابط الاجتماعية” بعنوانه. وهو مُخصّص لإبراز قيمة المعنى المُتضمَّن في مقولة الامام مالك (وعليها مسحة من نبوة) التي مُفاداهُ أنه “لن يصلح حال هذه الأمة إلاّ بما صلُح به أوّلها”.
وكون هذا الكتاب هو آخر ما كتبه بن نبي في القاهرة يدحض الفكرة الشائعة القائلة إنه ألّف بعض كتبه باللغة العربية مباشرة. وهذا غير صحيح كما اتّضح لنا مع كتاب ” فكرة كومنويلث إسلامي”، و ” مشكلة الثقافة”، و “الصراع الفكري في البلدان المُستعمرة” و “ميلاد مجتمع”، بل وحتى الكتاب الثاني من مذكراته لاحقاً.
كتاب ” تأمُّلات”
إنه كتاب ناتج عن ضمّ كتابين في عنوان واحد، وهما: “خطاب حول التشييد الجديد” الذي نُشِر بالعربية سنة 1960، و “تأملات حول العالم العربي” الذي نُشِر سنة 1961 بالعربية كذلك. ويتضمن كتاب ”تأمُّلات” نصوص المُحاضرات التي ألقاها المؤلف في سوريا ولبنان بين سنتي 1959 و 1960. تلك المحاضرات هي: “الصعوبات كعلامة على الرقي في المجتمع العربي”، أُلْقِيَتْ سنة 1960 في مقر الوحدة العربية بدمشق، و ” الحوافز في المجتمع”، ألقيَتْ سنة 1961 في نادي الطلبة العرب بدمشق، و ” قِيَم إنسانية وقِيَم اقتصادية”، ألقيَتْ سنة 1960 في نادي الطلبة الفلسطينيين بدمشق، و ” الديمقراطية في الإسلام”، ألقيت سنة 1960 نادي الطلبة المغاربة بدمشق، و “التضمان الأفروآسيوي”، ألقيت سنة 1960 في حلب، و “الفاعلية”، ألقيتْ سنة 1959 في بيروت، و “الثقافة” ، ألقيتْ سنة 1959 في طرابلس، لبنان، و “كيف نبني مجتمعاً أحسن”، ألقيتْ سنة 1959 في طرابلس، و ” تهديدات على النهضة العربية”، 1959 في دمشق، و “مهمتنا في العالم”، 1959 في دمشق.
(يتبع)
المراجع:
1) المرجع السابق
2) شاهد بن نبي في مكتب ذلك المسؤول “أربعة هواتف بين يديه وخمسة مكيفات هوائية حوله”، واستشهد به كمثال في كتاب “مشكلة الأفكار” لِيُجسِّد ظاهرة “التراكم”. وهو يقول في ملاحظة مؤرخة في 13 مارس 1962: ” خرجتُ من ذلك المكان وفي ذهني فكرة أوضح حول “النزعة التشْييئية choséisme) التي تُهدد مجتمعاً جديداً. فإذا كان وجود خمسة مُكيفات هوائية ضرباً من الإفراط في المجتمع الذي يصنع تلك الأشياء بنفسه، فإنه في المجتمع الذي يشتريها يُعَدُّ جنوناً”.
