Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (‏‎23‎‏)‏

حياة مالك بن نبي (‏‎23‎‏)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

قامت دار النشر سوي ‏Seuil‏ بنشر كتاب “وجهة العالم الإسلامي”ٍ (‏Vocation de l’islam)‎‏ في ‏سبتمبر سنة 1954، وهذا بعد قرابة ثلاث سنوات من حصولها على مخطوطته. ويتكون هذا الكتاب من ‏تمهيد وستة فصول (مجتمع ما بعد الموَحِّدين، النهضة، فوضى العالم الإسلامي الحديث، فوضى العالم ‏الغربي، السُّبُل الجديدة، طلائع العالم الإسلامي، وخاتمة تحت عنوان آفاق الإسلام الروحية) (1).‏

وقد تلقّت الأوساط الجامعية الفرنسية هذا الكتاب باعتباره إسهاماً كبيراً في التعريف بالعالم الإسلاميّ، ‏كما حظي باهتمام كُبرى المجلات، إذ حظي بمقالات وعروض وتحاليل عديدة. فهذا الكتاب دراسة مثيرة ‏بحصافة الآراء المطروحة، وفصاحة الكلمة، وجدة المُقاربة، وأهمّ من ذلك كله ما فيها من نبرة هادئة. ‏ولأجل هذا كان كتاب “وجهة العالم الإسلامي” هو أكثر كتب بن نبي ترجمةً إلى اللغات الأخرى، ‏والأكثر ذكراً من بين الأعمال التي قُدمتْ حول الإسلام.‏

ففي “مجلة علم السياسة” ‏‎ Revue de Science Politique ‎‏ يقول المؤرخ روجي لوتورنو ‏Roger ‎Letourneau‏: “إن هذا الكتاب الذي أُلِّفَ سنة 1950 ونُشِرَ سنة 1954 يبرهن عن كونه عملاً ‏خالداً… والميزة الغالبة عليه هي ذلك المجهود الصادق والشجاع للوصول إلى رؤية موضوعية حول ‏الوضعية. وبن نبي يستحق كل التقدير على رؤية الأشياء كما هي، لا كما يُريد أن تكون، وعلى نبذه ‏للسيكولوجيا الوجدانية”.‏

ومما جاء على لسان إحدى شخصيات رواية “العطش” لآسيا جبار: “إنّ أخطر شيء هو الخمول ‏والنوم ‏‎!‎‏ فكلّ الحديث يدور حول المُعمِّرين والاستعمار. والشّرُّ كلُّهُ، كما ترون، يكمن في ذهنيتنا ‏كمُستعمَرين وقابلين للاستعمار. هذا ما يجب تحريكه، وهذا ما يجب أن نقوله لهم بلغتنا”.‏

أمّا جان ماري دومناك ‏Jean-Marie Domenach‏ فيرى أن بن نبي “مُثير للإعجاب في تعاليه الدائم ‏فوق الصراخ والعويل على المُعاناة الحاضرة”. وقد نشر أستاذ فرنسي مختص في الاقتصاد، وهو جاك ‏اوستروي ‏Jacques Austruy‏ في “مجلة معهد العلوم الاقتصادية التطبيقية” دراسة تحت عنوان” ‏الاسلام في مواجهة التطور الاقتصادي” حيث أعاد عرض أطروحات بن نبي وذكره كثيراً في هذه ‏الدراسة التي سيُقدَّرُ لها أن تصدر لاحقاً في شكل كتاب (2). ‏

ونُشِرَ في أحد أعداد مجلة ‏Communauté algérienne ‎‏ مقالٌ تقريضيٌّ لهذا الكتاب. ومما جاء فيه: ‏‏”هذا منعرجٌ تاريخيّ حاسمٌ لأنّ كتاب بن نبي ليس مجرّد خواطر منطوية على نفسها، بل هو شاهد على ‏إرادةٍ طيّبةٍ لدى المؤلف، دفعتْهُ إلى دراسة داخلية واعية لكلٍّ من المجتمع الإسلاميّ والمجتمع الغربي، ‏والسعي إلى إقامة روابط جديدة ولكنْ متينة بينهما. وأعتقد أنّ تفتُّحاً بهذا المدى لمْ يُحقِّقْهُ إلاّ إقبال وبن ‏نبي. والسِّرُّ في هذا الموقف المشترك بين الفيلسوف الهندي والمفكِّرِ الجزائري يعود إلى تديُّنِهما العميق ‏وإلى ازدواجية ثقافتهما”.‏
وسينْحُو لويس جاردي ‏Louis Gardet‏ إلى نفس الاتجاه في وقت لاحِقٍ، إذ يقول: “إنّ كتابه الشهير ‏‏”وجهة العالم الإسلامي” علامةٌ على انتمائه إلى التيار الإصلاحي المعاصر، وعلى انتمائه أكثر إلى ‏التيار الإصلاحي الإسلامي الهندي الباكستاني” (3). ‏

ولمّا اطّلع المؤرخ الفرنسي جاك بينْوَا ميشان ‏Jacques Benoist-Méchin‏ على هذا الكتاب سنة ‏‏1960، وحصل على عنوان بن نبي في القاهرة بوساطة دار النشر ‏Seuil‏ كتَبَ له رسالةً يقول فيها: ‏‏”لا أجد العبارات المناسبة لأقول لكم مدى إحساسي بعظمة عملكم ومدى استفادتي منه بخصوص العالم ‏الإسلاميّ. لقد لمستُ فيه مِن الوضوح والتأثير والإقناع ما ولّدَ عندي الرغبة في قراءة مؤلفاتكم الأخرى، ‏وخاصة منها “الظاهرة القرآنية” و “شروط النهضة”… وأنا لكم مِن الشاكرين لو أخبرتموني إن كان ‏بإمكاني الحصول على تلك الأعمال، وما هي الجهة التي يجب الاتصال بها لهذا الغرض…”‏

وبعد ذلك بعشر سنوات، وفي وقتٍ كان بينْوَا ميشان قد تعرّفَ على بن نبي، كتب له رسالة بتاريخ 28 ‏أوت 1969 ليعترف له “بمدى سعادتي ومدى الثراء المعرفي الذي أخذْتُهُ مِن أعمالكم ومِنْ المُحادثات ‏التي دارت بيننا. إنني أعتبر أعمالكم كمرحلة حاسمة وذات أهمية قصوى في تجديد الفكر الإسلاميّ… ‏وكثيراً ما يحدث لي أن أعيدَ قراءة كتبكم وأرجع إليها، وفي كلّ مرّةٍ أجد أغواراً وأصداءً لم تخطر على ‏بالي. وإنه لشرف عظيم لي أنْ أحظى بتقدير عقلٍ مُفكّرٍ مثل عقلكم”. ‏

ويحكي بن نبي في كتاب “الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة” أنّ “جمعية العلماء” توقّفت عن ‏صرف المنحة المتواضعة التي استفاد منها منذ بضعة شهور كي يتمكن من مواصلة عمله، وذلك منذ ‏صدور كتاب ” العالم الاسلامي” (4).‏

وبما أن رئيس الجمعية الشيخ البشير الإبراهيمي أصبح مُقيماً في مصر منذ 1952، فإنّ نائبه الشيخ ‏العربي التبسي هو الذي سيصُبّ عليه بن نبي غضبه، إذ كتب له رسالة يصعب تصديق بعض ما جاء ‏فيها: “إنّ سكوتكم عن رسالتي الموجهة لكم بتاريخ 1 ديسمبر 1954 قد أقلقني كثيراً. ومع أنه ليس ‏بإمكاني أن أفهم من صمتكم قبولاً منكم لبعض الحسابات الاستعمارية، فإنه ليس بإمكاني كذلك ألاّ ألاحظ ‏مدى تزامن صمتكم مع مثل تلك الحسابات”.‏

‏ كتاب “وجهة الإسلام العالم الاسلامي 2″‏

إنّ العارفين بآثار بن نبي يتفاوتون في علمهم بوجود آثار له غير منشورة، مثل: “الحزب الجزائري غير ‏السياسي الاجتماعي” ‏‎« Le PAS algérien » ‎،‎ ‎‏ “‏‎« Pourritures »‎‏”العفن”‏‎ ‎،‎« Le problème ‎Juif » ‎‏”القضية اليهودية”، لكنهم لم يسمعوا بكتاب مُكمِّلٍ لـ “‏‎ ‎وجهة العالم الاسلامي”. ومع هذا فقد ‏وجدْتُ تلك التكملة في أرشيفه. ويتعلق الأمر بنص مخطوط يتكون من 136 صفحة مكتوبة على ‏الوجهين في أوراق صفراء أو مُصْفرّة بفعل الزمن، وبدأت كتابته في لوات كليري بتاريخ 5 ديسمبر ‏‏1951، واختُتِمتْ بتاريخ 22 جانفي 1952 (5). ‏

ويحتوي هذا المخطوط على مقدمة شُطِبَتْ منها إحدى عشرة صفحة، وفصليْنِ رئيسيين هما: “النزعة ‏الباطنية في العالم الحديث، و “العالم الجديد”، و”خاتمة” تتكون من صفحتين. ويُبيّن بن نبي في مقدمة ‏هذا الكتاب غير المنشور أنه “إذا كان كتاب “وجهة العالم الاسلامي 1” دراسةً داخلية للعالم الإسلاميّ ‏من زاوية القابلية للاستعمار، ورؤية تاريخية لمسار تطوره، فإنّ “وجهة الإسلام 2 ” هو دراسة خارجية ‏من أجل وضع مشكلة المسلمين في إطار المشكلة العالمية فيما هو قادم”.‏

وهو يؤكّد على أنّ هذا العمل الجديد مُستقلٌّ عن الأول: “وهذا هو السبب في أنني فكّرْتُ في وقتٍ ما في ‏إخراجه تحت عنوان آخر، مثل “ألواح الإسلام الحديثة”. لكنني أعْرضْتُ عن ذلك لأنه بالإضافة إلى ‏عدم مناسبة العنوان لعملٍ يقوم به إنسان بسيط، فهو عنوان قد يُخفي الوحدة الأساسية للدراسة”.‏‎ ‎وقد أُلِّفَ ‏هذا الكتاب في ظروف سادها التشنّج في أقصى درجاته. ولهذا فبن نبي وضعه في مقام “الوصية”. ‏
فقد بلغ القلق بمفكرنا حداًّ جعله يرى أنّ الحرب العالمية الثالثة كانت على وشك الاندلاع. ويجب ألاّ ‏ننسى أنّ الأسطر الأخيرة من كتاب “وجهة العالم الاسلامي ” تضمنت “فرضية اندلاع حرب عالمية أقلّ ‏ما يمكن توقعه من نتائجها أنها ستؤدي إلى تغيير جذريّ في كل مظاهر الحياة البشرية”.‏
لأجل ذلك فقد انهمك بن نبي، بدون تضييع أيّ وقتٍ، في قولبة ذلك العالم الجديد الذي سيولدُ على أنقاض ‏العالم القديم. فهذا الأخير محكوم عليه بالتلاشي لأنه منقسم على نفسه إلى معسكرين متضادين، وكلاهما ‏يملك وسيلة تدمير الآخر تدميراً شاملاً. وهو يتنبّأ أنه “في نهاية الحرب القادمة، لن توجد هناك عدة ‏خيارات، فالعالم سيكون بكامله إمّا شيوعياًّ وإمّا رأسمالياًّ. فلا بُدّ أن يتلاشى أحد هذين النظاميْن”.‏
وهو يرى أنّ العوامل التي أدّتْ بالعالم إلى هذه الوضعية ليست معروفة بالكامل. فالعوامل “الباطنية” ‏يجِبُ أنْ تُكْشَفَ للأجيال القادمة كي يتسنّى لها أن تؤسس العالم الجديد على قواعد سليمة: “كي يُفهَمَ ‏العالم لا يكفي أن ننظر إلى مظاهره، بل يجب النظر في ذاته الباطنة. ذلك أنّ الوجه الظاهر الذي يبدو ‏به العالم ليس في الغالب إلاّ صُوَراً تُرى بفضل مصباح سحري لا يَبُثُ على شاشة التاريخ إلاّ مشاهد ‏مُصطنعة. فالأهمّ هو الذكاء واليد اللذيْن صنعا هذا التاريخ المُزيّف. والأهمّ هو القوة الخلاّقة التي تقف ‏وراء تلك التمظهرات، أو سبب تلك الأحداث: إنها القوةُ التي تُجمِّعُ التعدد الظاهر الذي يبدو لنا في وحدةٍ ‏أساسية لا تلتقطها النظرة العادية، ولا تراها العين الذكية، ولا يُدركها الفكر الذي لا يُتقن التفكير”.‏
فبن نبي ينتمي إلى طينة المُفكرين الذين يرون أنّ التاريخ “الرسمي” ليس في الغالب إلاّ تجميلاً للواقع ‏وللحقيقة. وهو يُشفق على أولئك “المؤرخين الأبرياء” – مِن أمثال شارل موراسCharles Maurras ‎‏ – الذين لا يرون من العالم إلاّ ما يُرى، وإلاّ ما هو برّاق وصاخب، وبعبارة أخرى كل المظاهر التي ‏يبدو بها، لكنهم لا يرون شيئا من واقعه الذي هو مُظلمٌ وصامت… فالتاريخ الحقيقي للعالم الحديث لا ‏يزال في انتظار صُنعه، لأننا، إلى حدِّ الآن، لم نتعدّ حدود تاريخه الظاهر‎ ‎‏”.‏‎ ‎
وأمام شبح تلك الحرب العالمية الثالثة الذي صار عنده أمراً حتمياًّ قد يُخيّم على العالم مدة قرن كامل، لم ‏يصرف بن نبي نظره طرفة عينٍ عن مصير المسلمين ومصير الإسلام. وهو يرى أن هذه الحرب ‏ستُفضي إلى إحدى النتائج الثلاث الآتية: فإمّا أن ينتصر المعسكر الرأسمالي، وإمّا أن ينتصر المعسكر ‏الشيوعيّ، وإمّا أن يتلاشَيا معاً. ويُضيف قائلاً: “والواقع أنّ هناك إمكانية ثالثة، وهي المصالحة بين ‏الشرق والغرب”.‏‎ ‎
لكنه سرعان ما يصرف نظره عن هذا الاحتمال الذي، مع ذلك، كان هو الاحتمال الذي تحقّق بعد نصف ‏قرن. وهو ينصح العالم الإسلاميّ بالحياد لأنّ في ذلك نجاةً له من الدمار وإبقاءً لحظوظه في تحقيق ‏انطلاقة سريعة. وهذا الرأي كفيل بجعله قريباً من الهند التي كانت دوماً تنتهج سياسة الحياد. والحاصل ‏أنّ بن نبي وهو يكتب هذه الأسطر كان يضع الأسس النظرية لل”نزعة الأفروآسيوية” مُراهناً على ‏فوائد التقارب بين الإسلام والبوذية والبراهمانية. ‏
وهو يُوجه إلى العالم الإسلامي آنذاك – سنة 1952- دعوةً إلى “امتلاك التقنية، والتحكم في الطاقة ‏النووية، وتجسيد النزعة العالمية، والتحلي بروح التخطيط… هذا هو الشرط الذي من شأنه أنْ يجعله في ‏تناغمٍ مع التوجهات الغالبة وميول وحاجيات وروح المرحلة القادمة. وهذا كذلك هو الشرط الوحيد الذي ‏سيُمكِّنُهُ من تصحيح الرأسمالية والشيوعية، والقضاء على العنصرية والاستعمار، دون أن يتنازل ‏لليهودي عن قيادة العالم”.‏
وهو يتوقع أن الصدمة بعد الحرب قد تؤدي بالعالم، على المستوى الأخلاقي، إلى الارتماء في أحضان ‏الإسلام، فيقول: “إنّ ما هو قادمٌ طوفان… لكن عندما تهدأ ثورة العاصفة، فيا لهول الطمي والوحل الذي ‏سينتج عنها، وما أقسى الامتعاض الذي ستتركه في الضمائر والعقول في البلدان المتحضرة ‏‎!‎‏”‏‎ ‎سيكون ‏العالم بحاجة إلى فكرة مُواسيةٍ تعجز كلّ من المسيحية والشيوعية عن منحها للعالم: “إنّ وجهة الإسلام ‏في العالم القادم يجب أن تُركّز بالأساس على البحث عن الناجين من جحيم النار والحديد… فالنزعة ‏العالمية تتطلب وحدة أخلاقية مُطابقة للفكر القرآنيّ الذي سيتعزز موقفه بما سيقع من أحداث خطيرة… ‏إنّ الإسلام بدءاً من الآن سيكون أحسن مُمثِّلٍ للحكمة من وجود العالم”.‏
حاول بن نبي أن يخترق الضباب الطاغي على أجواء الحرب الباردة كي يخُطّ الطريق التي يجب أن ‏يسلكها العالم الإسلامي. ومع ذلك فهو لا يستبعد “تشكُّل تلاحمٍ بين المصالح والأفكار ضد العالم ‏الإسلاميّ”، وهي الفرضية التي بدأنا نحسّ ببروزها في بداية هذه الألفية الثالثة، حيث نرى أنّ كُلاًّ من ‏الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا وأوروبا، والهند، وحتى الصين (وهذا أخوف ما يُخاف)، يبدو عليهم ‏السعي الحثيث إلى تحقيق تحالف ضد الإسلام بدافع الحرب ضد الإرهاب.‏
كتاب “النزعة الأفروآسيوية” ‏L’Afro-asiatisme‏”‏‎ ‎
يُستفادُ من دفاتر بن نبي السِّرِّيَّة أنه توجه إلى سفارة الهند في القاهرة في شهر جويلية سنة 1954، ‏أثناء رحلته الأولى إلى هذه المدينة، وذلك لكي يطرح على السفير مشروع كتاب يتناول “النزعة ‏الأفروآسيوية”، ويقول عن ذلك: “كان موافقاً على نشر الكتاب تحت رعاية حكومته حالما كان جاهزاً”. ‏وقد بدأ تحريره فعلاً بتاريخ 11 أكتوبر 1955 وكان ينوي اختيار هذا العنوان: “النزعة الأفروآسيوية: ‏مُسوّدة مَذْهَب”). وجاءت المقدمة مؤرخة في 03 ديسمبر 1955 وتضمنت مقولة لنيتشه:” اكتب بالدم ‏لتَعلَمَ أنّ الدم روح”.‏

ويؤكد بن نبي في كتاب “الصراع الفكري في البلدان المستعمرة” هذه المعلومة التي كشف عنها: “إن ‏فكرة كتاب “النزعة الأفروآسيوية” كانت قد وُلِدتْ في عقلي قبل مؤتمر باندونغ. وقد تحادثتُ عنه مع ‏الممثل الديبلوماسي لبلد آسيوي كبير عاماً قبل ذلك، وكان ذلك في جويلية سنة 1954 تحديداً. وتمحْوَرَ ‏موضوع تلك المُحادثة حول الدراسة التي كنتُ أنوي القيام بها حول الشروط العامة لميلاد جبهة مُحايدة ‏مستقلة عن المُعسكريْن” (6).‏

صدر هذا الكتاب الذي كان في درجة إلهام “وجهة العالم الاسلامي ” في القاهرة في شهر نوفمبر 1956 ‏بإهداء للرئيس جمال عبد الناصر “الرجل الذي تتجسد فيه ثورة مزدوجة، سياسية ونفسية، لتُسجل ميلاد ‏القيادة التقنية التي افتكّت قيادة التاريخ من أيدي القيادات الديماغوجية في العالم الإسلامي”. وصدرت ‏النسخة العربية في شهر ديسمبر بمقدمة كتبها الرئيس الأسبق أنور السادات.‏

افتُتِحتْ أشغال مؤتمر باندونغ في أفريل 1955، وحضرته كل الشخصيات الرمزية في العالم الثالث: ‏نهرو، جمال عبد الناصر، شو أن لاي، سوكارنو… ويُعتبر هذا الاجتماع بحد ذاته حدثاً عظيماً. ذلك أنه ‏جمع لأوّل مرة في التاريخ أكبر قارتين في العالم من أجل ضبط طريقة التعامل مع القوتين العُظميين ‏المُتصادمتين فيما يُسمى بالحرب الباردة. أمّا أوروبا فقد اعتبرت هذا المؤتمر محاولة من الاتحاد ‏السوفياتي لتطويق البلدان الغربية. فإلى أية كفة سيميل الميزان يا تُرى؟ إنّ الموقف الذي تمّ الاتفاق عليه ‏في المؤتمر هو الحياد.‏

وأمّا بن نبي فقد اعتبر الحدث فرصة، ليس لإنشاء مُعسكر ثالث فحسب، بل لتشييد حضارة أفروآسيوية. ‏وكان في أعلى درجات التحمس للفكرة، إذ بدا في صورة المفكر المُهتاج الذي يرى قدوم الظروف ‏المناسبة لتجسيد رُؤاه: فكان مثل ماركس بمناسبة تشكيل الاشتراكية الدولية ‏L’internationale ‎socialiste، أو بمناسبة قيام الثورة الفرنسية سنة 1848.‏

كان بن نبي يرى من خلال هذا الحدث إمكانية ظهور ديناميكية بين القارتين، ويرجو أن يكون ذلك ‏انطلاقة للإدماج العالمي. ونشعر لدى قراءتنا للكتاب بأنه ألّفه على عجل وفي حالة هيجان. وجاء هذا ‏العمل ثرياًّ بالمرجعيات، والأمثلة الحيّة، والملاحظات، والوثائق التي كان بإمكانه أنْ يستغنيَ عنها، ممّا ‏يدُلّ على أنه كان مُتفاعلاً تماماً مع لحظة تاريخية حاسمة، وهو راغب في تجاوز ذلك التاريخ وإرغامه ‏على اتباع اتجاه مُحدد. ‏

وقد ذُكِرَ هذا الكتاب في تقديمٍ مُغْرِضٍ نُشِرَ في جريدة ‏Le journal de Genève ‎‏ بتاريخ 08 ماي ‏‏1957. وسيحظى باهتمام شديد في كل ما نُشِر في المجلاّت والنشريات المتخصصة، كما ذُكِرَ في ‏المؤلفات التي صدرت بشأن مؤتمر باندونغ. وممّن أشار إلى هذا الكتاب بكثرة الصحفي الكبير جان ‏لاكوتير ‏Jean Lacouture، وكذا الديبلوماسي المصري بطرس بطرس غالي في وقت لاحق.‏

إنه مِنْ غير الممكن فهم وحدة فكر بن نبي العضوية وتواصله، ولا أن نؤرخ أفكاره أو نفهم الصلة بين ‏المواقف التي اتّخذها وبين أحداث التاريخ، إلاّ إذا كنا على دراية بالأحداث الكبرى التي مرّ بها في ‏حياته. فنقطة انطلاق تفكيره في الحضارة تعود إلى طفولته كما عرفنا آنفاً.‏‎ ‎وتبلْوَرَ تفكيره هذا أثناء ‏إقامته في فرنسا حيثُ أُتيح له أن يكتشف الحضارة التي شرب من نهرها بفضل زواجه بفرنسية، ‏وبفضل دراساته وقراءاته ومُخالطته للمحيط الفكري. فقد امتزجت حياته بفكره ليُشكِّلا ملمحه النهائي. ‏وكانت نتيجة كلّ ذلك حصيلة كبيرة امتدت من سنة 1946 إلى سنة 1956، وهي الفترة التي شيّد فيها ‏الهيكل العام لفكره على أساس ثلاثيته الشهيرة المتكونة من “شروط النهضة” و “وجهة العالم الاسلامي ‏‏” و “النزعة الأفروآسيوية”.‏
وسيُتاحُ له أن يُقويّ ذلك الهيكل بثلاثية أخرى متكونة من “الصراع الفكري” و “مشكلة الثقافة” و ‏‏”ميلاد مجتمع”. وكان بالإمكان أن يُضاف إلى هذه الثلاثية كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” ‏لولا أنه انقطع عن تحريره في الفصل الثالث‎ ‎بعد أن بدأ تأليفه في ديسمبر سنة 1959 وهو مقيم في ‏القاهرة.‏
صار بن نبي الآن رجُلاً في الخمسين، وقد بلغ أعلى درجات وعْيه وتمكّنه الفكريّ. وهو أقرب إلى ‏المثقف الشغوف بالفكر منه إلى المناضل الساعي للحصول على وسائل العمل. وقد صار واعياً بالأثر ‏الذي تركتْهُ تحاليله في نفوس بني جلدته. وهو الآن نموذج للإنسان المُتفاني في خدمة البشرية، والمُؤْثِرِ ‏للغير على نفسه.‏
وقد يستعمل بن نبي ضمير الغائب وهو يتحدث عن نفسه. ومثال ذلك ما جاء في هذا النص غير ‏المنشور: “راح يُحرّك بمذرأته كلّ الأدران التي نام عليها العالم الإسلامي في ليل الانحطاط. والمؤكد أن ‏تلك العملية التطهيرية للاسطبلات قد صدمت بعض الأذواق الرهيفة التي تخاف أن تشتم الروائح النتنة، ‏وتُفضّل الإبقاء على الأشياء كما هي، وهي الحالة التي سميتُها بحالة ما بعد المُوحِّدين”.‏
وكانت في انتظاره تجربتان جديدتان كلّ الجدّة، وهما: الثورة الجزائرية، والغوص في أعماق المشرق. ‏وإضافة إلى ذلك فإنّ سفره إلى القاهرة سيُمثِّلُ مُنعرجاً هاماًّ في حياته الخاصة. فسيُطلِّقُ زوجته بولات ‏فيليبون (‏Paulette Philippon‏ التي اختارت اسم خديجة بعد إسلامها)، والتي كانت مريضة وعاجزة ‏عجزاً شبه كلّيٍّ، وهي التي أمضتْ معه خمساً وعشرين سنةً وكانت له أحسن عونٍ من الناحية الوجدانية ‏والمعنوية والفكرية والاجتماعية والمادية.‏
وقد قدّمها لنا بن نبي منذ سنة 1931 في مذكراته غير المنشورة بهذه العبارات: “كانت تُفيدُني ببواطن ‏الأشياء التي لا أراها إلاّ من الخارج، وكأنها تراها من الداخل أو كأنها تُجسِّدُها. وبالفعل فقد كانت تُجسد ‏قيم الحضارة التي كانت تستقطب اهتمامي بدرجة نسبية من الوعي. والواقع أنني كُنتُ برفقة مدرسة ‏حقيقية، فقد صارت زوجتي مصدراً ثرياًّ من المعلومات وأرضية مناسبة لتكوين طبعي لأنها كانت ‏تضعني، من الناحية الفكرية والأخلاقية، في حالة مواجهة مباشرة مع فضائل وعيوب بني جلدتها ‏وحضارتها. وما أكثر الأشياء التي فاتَني تعلُّمُها في تلك المدرسة ‏‎!‎‏ “‏
وهو يشهد لها بامتنانه وإعجابه في مواضِع عديدة من مذكراته ودفاتره التي تضمّنتْ صفحات كاملة ‏مُخصصة لملمحها الأخلاقيّ. ومِن ذلك: “كانت بالغة الحرص على حسن تسيير بيتها، ويظهر ذلك في ‏أبسط الأشياء… فقد تعلّمتُ منها أن أضع حذائي على قطعة قماش مُلازمة لمدخل البيت، وذلك لتفادي ‏إفساد وجه العتبة البرّاقة مثل المرآة من كثرة مسحها. وفور الفراغ من تناول الطعام وإزالة الغطاء من ‏فوق الطاولة التي كُنّا نتناول عليها وجباتنا، فإنها تحرص على تزيينها بمختلف الأشياء التي تتوسطها ‏باقة زهور تُجددها خديجة كُلّما ذهبت إلى السوق. أتيح لي أن عرفتُ معها ألواناً من التزيين بفضل ‏مهارتها في تحويل المشتريات الزهيدة إلى تُحفٍ جميلة. ويعود لها الفضل في تمكُّني من إدراك جانب ‏هامٍّ من الحضارة، وهو تنظيم حياتي المادية على نمطٍ مُعيّن، وهذا ما لا نجده في أي كتاب”. ‏
ولم يُهمل بن نبي الجانب الحسي من أوصاف زوجته. فقد ترك لنا مخطوطة تتكون من ثماني صفحات ‏مؤرخة في سنة 1936، وهي تحت عنوان: “مشاكل بيت بن نبي”. لقد وصفها بأسلوب يشبه أسلوب ‏بالزاك، عارضاً الروابط التي تربطه بها قائلاً: “وجهٌ يعكس مزيجاً من الإحساس المرهف والهدوء، ممّا ‏يُعطيها صورة المواساة وهي تُحدِّقُ الألم. كان شعرُها بلون عسليّ مثل عينيها، وهو يتدلى على رقبتها ‏وكتفيها.‏‎ ‎ولونها الأبيض بسُمرة خفيفة كان يرسم على وجهها الدائريّ الممتلىء بتجعيدة خفيفة فوق الذقن، ‏علامةً الجِدِّ التي تُناسب بعض الشّعيرات البيضاء التي تتخلل ظفائرها الكثيفة والطويلة، وهو من ‏مؤشراتِ امرأة حريصة على مُسايرة الموضة. وكانت ملامحها العادية تنبض لطفاً وطيبةً”. وهذا وصف ‏أمْيَل إلى الجانب المعنوي منه إلى الجانب الحسّي، ولا غرابة في ذلك لأن بن نبي كاتب مسلم مُلتزم. ‏
وفي تلخيصه لتلك الوحدة التي جمعته بزوجته فضّلَ بن نبي استخدام ضمير الغائبين، إذ يقول: “كانا، ‏من حيث الوحدة العاطفية والأخلاقية التي لا تقبل الانفصام، يُمثلان ذلك الزوج الأبدي منذ آدم وحواء”. ‏والأرجح أن بولات كانت في الثامنة والثلاثين. وكان بن نبي يُقاسمُها قدراً كبيراً من الحميمية الفكرية ‏والأخلاقية والسياسيّة. ‏
ويعود بن نبي إلى أولى أيام علاقتهما قائلاً: “كانت حياتُنا الزوجية اليومية تبدأ في المساء عندما أعود ‏إلى البيت. وكُنتُ آخذ قسطاً من الراحة وأنا أتناول الشاي رفقة خديجة وأتبادل معها الحديث حول ‏الشؤون الجزائرية أو بعض الأشياء الخاصة بمنطقتنا. كانت تُحبُّ رؤيتي وأنا أقرأ القرآن بصوتٍ عالٍ ‏بعد صلاة المغرب. كما كانت تطرح عليّ بعض الأسئلة أو تُبدي مُلاحظات، شأنُها شأن أيّ مُتديّنٍ حديث ‏العهد… وبعد وجبة العشاء تنكبّ على إعادة تنظيم الطاولة التي أستعملها كمكتبٍ للعمل. وإذا فرغْتُ من ‏صلاة العشاء عُدْتُ إلى عملي”.‏
لم تتزوج به وحده، بل تزوجت بأفكاره والتزامه، ممّا جعله يُسجل هذه الملاحظة في مذكراته غير ‏المنشورة: “صارت خديجة مثلي”. وسيُكتبُ لهما أنْ ينفصلا وألاّ يلتقيا ثانيةً إلاّ بعد خمس عشرة سنةً، ‏ولأيامٍ معدودةٍ فقط. وكان بن نبي وهو في القاهرة يُرسل لها مبالغ مالية بانتظام كي تُغطي بها حاجياتها.‏
وهذه رسالة منها إليه مؤرخة في 07 مارس 1961 ضمّنتْها رأيها في شأنٍ من الشؤون كان بن نبي قد ‏استشارها فيه: “أوافقك الرأي فيما يتعلّق بإمكانية إرسال “النزعة الأفروآسيوية” إلى دار نشر ‏Seuill‏. ‏فلا يجوز لك أن تُخفي شيئاً. ذلك أنّ كاتباً بمستواك لا يليق به أن يبتُر فكره. فما تراه في الأحداث وما ‏تُحِسُّ به يجب أن يكون منعكسا في كتابك بامانة تامة. وكُتُبُك في مستوى أعلى من آراء العقول الصغيرة ‏والمُتزمِّتة..” (7).‏‎ ‎
ويبدو مما سجله في دفاتره أنه كان شديد الحرص على تتبّع مسار المراسلات مع زوجته، إذ كان يشعر ‏بالقلق على ضياع رسالة أو على تأخر وصول الإجابة. فتلك المُبادلات بينهما كانت عُرضة لرقابة ‏الشرطة المُسلّطة على كليهما‘ إنْ في فرنسا أو في مصر. وبالإضافة إلى المبالغ المالية التي كان يُرسلها ‏لها بانتظام فقد منحها حقوق تأليف كتاب “وجهة العالم الاسلامي ” التي كانت تُرسلها لها دار نشر ‏Seuil‏ ‏لأنها مُسجلة باسمها (8). ‏
وآخر رسالة كتبتها بولات لزوجها مؤرخة في 04 أوت 1962، أي بعد استقلال الجزائر بأيام قليلة. ثُمّ ‏يختفي اسمها من دفاتر بن نبي حتى سنة 1971، حيث نجد ملاحظة تخُصُّها مؤرخة في 15 سبتمبر. ‏كان بن نبي على متن طائرة وهو يشق الأجواء الفرنسية في طريقه إلى الولايات المتحدة عندما مرّت ‏زوجته بخاطره، وقد يكون ذلك بسبب إحساسه بقرب نهايتهما معاً: “أفكر في تلك المنعزلة الضائعة ‏المهجورة. أتضرّع إلى الله، خاصة في هذه الأوقات الأخيرة، أنْ يُتيحَ لنا لقاءً قبل الرحلة الكبرى. لمْ تُتح ‏لي نشوة تمكينها من قراءة الجزء الثاني من (مذكرات شاهد على القرن) والذي يخُصُّنا معاً”. ‏
ومما جاء في مُلاحظة سجّلها بتاريخ 2 أكتوبر سنة 1971: “أنا أفكّرُ، منذ وصولي إلى أمريكا، في ‏التعريج على لوات كليري عند عودتي. فأنا بحاجةٍ إلى رؤية خديجة قبل أنْ أُغادر هذا العالم”. وبالفعل ‏فقد توقّف في باريس عند عودته وهو يُردّد: “أنا بحاجة إلى رؤية خديجة قبل أن أغادر هذا العالم”. ‏وحلّ في لوات كليري صبيحة يوم 06 أكتوبر 1971 حيث وجدها “مريضةً وقد تقدّم بها العمر بشكل ‏محسوس”. وأمضى رفقتها خمسة أيام. ‏
وقد سجّل فراقهما بشكلٍ نهائي في ملاحظة مؤرخة في 11 أكتوبر، وهو الفراق الذي حضرته، في ‏صمتٍ جنائزيّ، وجوهٌ كأنها مخلوقات ناجية من سفينة النبي نوح أو كأنها مِن مشاهد سيرة الملك ‏سُليمان:” راحتْ خديجة تنظر إليّ وأنا أغادرها، وهي في ثياب النوم. ولقد امتنعتْ هذه المرة عن سكب ‏ماء العودة على آثار خُطايَ كما كانت تفعل في السابق. فيا تُرى هل سيُكتبُ لي أنْ أراها ثانيةً؟ أنا اليوم ‏أغادرها وهي مريضة، وأنا نفسي كُنتُ أعاني من تمزّقٍ طفيف في العملية الجراحية التي أجْريْتُها. ‏وأشهد أنّ خديجة كانت تُداوي لي ذلك التمزق طيلة مُقامي عندها، وهذا ما فعلتْهُ خلال صبيحة هذا اليوم ‏بالذات. ‏
لكن موجةً من اليأس سرعان ما استولت عليها وهي تصُبّ لي القهوة، وكمْ تمنّيتُ لو استطعْتُ أنْ ‏أساعدها على تخطّي تلك اللحظة المشؤومة ‏‎!‎‏ والمُحيِّرُ في هذا أنني أمْضيْتُ معها خمسة أيامٍ في سعادة ‏تامة، وليس أبْعَدَ من صباح أمس كُنتُ قد سمعتُها وهي تترنم بأغنية قديمة وهي في المطبخ، تماماً كما ‏كانت تفعل أيامَ شبابنا في باريس. ‏
لقد روَتْ لي طيلة خمسة أيامٍ مأساة حياتها في الوحدة، وخاصة بعد وفاة أُمِّها أشهراً معدودة بعد سفري ‏إلى مصر سنة 1956.‏‎ ‎كان عزاؤها الوحيد منذ ذلك الوقت هو الطبيعة، وخاصة الطيور التي تُرافقها ‏طيلة اليوم والتي كانت تقترب منها ما دام القط بعيداً عنها لأنه كان يُخيف حتى ‏Fanfan‏ الببغاء التي ‏ترعاها في قفصها. وخلال النهار كانت اليمامات تحُطُّ على مِشكةٍ كانت قد وضعتْها خلف شجرةٍ ‏وتُزوّدُها بالحبوب في انتظام كي تأكل منها كلّ طيور الناحية. ‏
كما روتْ لي قصة ‏Saturnin، وهو زرزورها الذي وجدتْهُ في صباح يومٍ من الأيام عند باب بيتها ‏وهو يرتعش من شدة البرد، والذي لولا رعايتها لفقدَ الحياة. ومع أنه التحق بسرب من الزرازير بعد أن ‏استرجع قوته، فقد بقي وفياًّ لها إذ كان يزورها بانتظامٍ وكأنها أمّه بالتّبنّي”‏‎.‎
بتاريخ 26 ماي 1973، كان بن نبي منهمكاً بتنظيم ندوة في بيته، وهو مُحاطٌ بتلاميذه (ومن بينهم كاتب ‏هذه السطور)، لمّا جاءه ساعي البريد في الساعة 17.00 ليُسلمه برقية آتية من المستشفى الذي توفيتْ ‏فيه بولات ‏‎- ‎خديجة‎ – ‎أوقف الأستاذ ندوته في الحين، وانسحب إلى بيته كي ينقل الخبر إلى بنتيه، ‏وطلب منهما أن تتوضّآ استعداداً لصلاةٍ جماعية على روح الفقيدة، فهي “‏‎ ‎مِن أكبر الضحايا في سبيل ‏الإسلام”‏‎.‎
ويواصل بن نبي روايته في يومياته قائلاً:”‏‎ ‎توضّأْتُ أنا بدوري وصلّيْت. لم أتمالك نفسي وأنا أكتم شهيقا ‏في حلقي، لكني كُنتُ أشعر كذلك بأن الموت جاء ليُخلِّصَ خديجة من الوحدة ومن مرضها الذي أثقل ‏كاهلها. عند ذلك تحوّل شهيقي إلى تضرُّعٍ، فـ “يارب. اكتُبْ لي أنْ أراها في كنف السلام الأبدي ‏عندك”.‏

‎ ‎‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1-‏ جاء في ملاحظة لصالح بن ساعي أنّ “الكتاب نُشِر في دار النشر ‏Seuil‏ بعد تنقيح عدد من فقراته”.‏
‏2-‏ جاك اوستروي :” الاسلام في مواجهة التطور الاقتصادي”، منشورات اوفرياي‎ Ed. Ouvrières‏ ، باريس ‏‏1961‏
‏3-‏ لويس غارديت:” رجالات الاسلام”، منشورات هاشات‎ Ed. Hachette‏ ، باريس 1977‏
‏4-‏ مما قاله بن نبي في هذا الكتاب: “من الواضح أن ردّة فعلٍ من هذا الطراز كانت جزءاً لا يتجزّأ من رغبة الاستعمار، مُجدّداً، في فصل ‏العمل عن القضية التي يُدافع عنها المؤلف، وتحويل المعركة الجارية بينه وبين الاستعمار إلى معركة بينه وبين ذويه”. ‏‎ ‎
ولم يذكر بن نبي هذه الحيثية من أجل تصفية حسابات، بل لكي يفُكّ رموز الأساليب المستخدمة في الصراع الفكري ويُواصل قائلاً: “هل ‏يكمن العنصر الأساسي بإزاء مثل هذه الحالة في فساد شخصٍ واحدٍ من بين الأشخاص المُشرفين على تسيير “جمعية العلماء” عندما ‏تكفّلتْ بتمرير هذا التلميح من الاستعمار بنقلها شفاهاً إلى قادتها؟ أمْ أنّ الأمر يتعلّق بالفقر الفكريّ الرهيب الذي أبْداه هؤلاء القادة أنفسهم، ‏وهم الذين أثبتوا كذلك قلة كفاءتهم في جميع المناسبات. وأخصّ بالذكر المرحوم الشيخ المُبجّل العربي التبسي الذي أعرف استقامته ‏ونزاهته الأخلاقية. لكنه من الناحية الفكرية كان في مستوى منحط جداًّ. فهو لم يتوقف عند حدّ إظهار اقتناعه بما جاء في التلميح ‏المُغرِض، بل راح يستميت في الدفاع عنه دون أن يعرف أنّ موقفه بالذات كان في حسابات الاستعمار بمثابة عامل حاسمٍ وكفيل بإبعاد ‏المؤلِّف عن القضية التي يُدافع عنها. لقد تحمّل الشيخ المرحوم وزر ذلك الموقف لأنه كان يجهل أن الصراع الفكريّ هو أوّلاً صراع ‏يشحذ أسلحته في أعماق النفوس والعقول”.‏
‏5-‏ أي: عامان بعد نشر كتاب “وجهة العالم الاسلامي”. وبذلك يتضح مضمون الفقرة الأولى من الخاتمة: “في آخر هذه ‏الدراسة، يتضح لي أننا بحاجة إلى جزءٍ ثانٍ يُعالج بالإيضاح بعض الأوجُهِ التي بدا لي أنه من الواجب تركها ‏جانباً”.‏
‏6-‏ كان بن نبي شديد الاهتمام بالهند منذ أن اكتشف طاغور وهو مُراهق. وازداد اهتمامه بها بسبب إعجابه بالأثر الأخلاقي والسياسي الذي ‏سجله غاندي عندما كان مُقيماً في باريس. ولمّا نضُج خصّ الهند وأَعلامها في الفكر والسياسة بقسط كبير من كتاباته سواء قبل التقسيم ‏أو بعده. وبالإمكان الاستشهاد لذلك بالمقالات الآتية: ” تكريم رسول اللاّعنف”، صحيفة ‏Le Jeune Musulman ‎‏ الشاب المسلم ‏بتاريخ 30 جانفي 1953)، (“رومان رولان ورسالة الهند” 1، 2. صحيفة ‏le JM‏ بتاريخ 26 جوان 1953 و 22 جانفي 1954)، و ‏‏(“عالمية اللاّعنف”. جريدة ‏La République Algérienne‏ بتاريخ 18 ديسمبر 1953). وحصل له أن ارتبط بأحد رفقاء غاندي ‏المسلمين، وهو مولانا أبو القلم أزاد (1888- 1958)، الذي كان وزيراً للتربية. ووجدنا في أرشيف بن نبي رسالة مؤرخة في 29 ‏أفريل 1956 كان قد وجهها إلى السيد ميهار سينغ وزير الخارجية الهندي. ‏
‏7-‏ إن هذه الرسالة تؤكد الأطروحة القائلة إن بن نبي كان قد اقترح على دار نشر ‏Seuil‏ نشر كتابه، ونظراً للشروط ‏غير المقبولة التي اشترطتْها فقد تراجع عن اقتراحه. فالأمر هنا لا يعدو أن يكون إعادةَ نشرٍ للكتاب.‏
‏8-‏ يُستفاد من حسابات قامت بها دار النشر ‏Seuil، أن 8000 نسخة تكون قد بيعت من هذا الكتاب.‏

You may also like

Leave a Comment