بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
هنا يتوقف مُسلسل العلاقات المُضطربة بين هاتين الشخصيتين العجيبتين: مالك بن نبي ولويس ماسينيون. فمَن يكون هذا الرجل المُبجل في أوساط الدارسين المختصين بالإسلام باعتباره أيقونة، والذي يُحمِّلُهُ بن نبي مسؤولية كل الاضطهاد الذي سُلِّط عليه منذ وصوله إلى فرنسا؟
وُلِدَ ماسنيون في نوجان سور مارن Nogent-sur-Marne في ناحية باريس سنة 1883. أصبح مُشتركاً في نشرية “لجنة إفريقيا الفرنسية” (Comité de l’Afrique française) منذ الثانية عشرة من عمره، والتي صار فيها عضواً حتى سنة 1940. تعرّف في سن السابعة عشرة بأحد أصدقاء والده، وهو جورج شارل هويسمان Georges Charles Huysmans (1)، الكاتب “المنحرف” الذي أُعيدَ إلى طريق الإيمان على يد قس “شيطاني”، وهو رئيس الدير ج. ب . بولان J.B Boullan من مدينة ليون. وبعد إنهاء دراساته الفلسفية والرياضية شرع في دراسة اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية بباريس.
وفي سنة 1905، وهي سنة ميلاد بن نبي، شارك ماسنيون في مؤتمر المستشرقين المنعقد بالجزائر. وسافر في السنة نفسها إلى مصر حيث، وبحسب ما قاله بنفسه، “وجد وجهته في مجال الاحتكاك الروحي بين المسيحية والإسلام”. وهناك تعرّف على شاب إسبانيّ اسمه لويس دي كوادرا Luis de Cuadra الذي كان أول مَنْ مكّنه من اكتشاف المتصوّف الفارسي الحلاّج (857-922). وسيعيش برفقة هذا الإسباني ما أسماه بـ “فصل في الجحيم”. والأمر يتعلق هنا بِمِثليته، ولسنا ندري أكانت فيه هذه الهِنة من قبلُ، أم أنها حالة جديدة عنده.
انتقل إلى المغرب سنة 1906 في إطار إعداده لشهادةٍ حول المؤرخ المغاربي الوزاني المُلقب Léon l’Africain الذي أُدخِل إلى الكاثوليكية عُنوَةً بعد القبض عليه. وهناك اكتشف أعمال المُبشِّر الغريب الأطوار شارل دوفوكو Charles de Foucauld الذي قُتِلَ سنة 1916 في الجنوب الجزائري بسبب لعبه المزدوج (2).
انتقل سنة 1907 إلى العراق في إطار مهمة “أثرية” « archéologique » ، وارتبط بأحد الشبان المرافقين للقوافل. وهو الذي رافقه في صحراء أخيدير. وسيُطلِق على تلك المرحلة نعت “لعنة كربلاء”. ألقى عليه الأتراك القبض بتهمة التجسس. وكان يعيش حالة من التمزّق بين إغراءات “النار الإلهية التي قضت على سودوم”، والذي دفعه إلى التفكير في الانتحار وفي التوبة، حتى جاء يوم 03 أو 04 ماي 1908 الذي، وحسب ما يقول هو، تلقى فيه من العناية الإلهية إشارة: “زيارة الغريب”. وقد أحدث هذا التّجلّي الإلهي انقلاباً عظيماً في حياته.
رجع ماسينيون إلى فرنسا وكانت رغبته في أن يصير قُساًّ، وعاد إلى مراسلاته مع شارل دوفوكو ليلتقي به مراراً في باريس. وفي سنة 1912 رحل ثانية إلى مصر حيث راح يُقدِّمُ دروسا في جامعة القاهرة، وكان من طلبته طه حسين ورشيد رضا ومصطفى عبد الرازق. وكان زواجه في سنة 1914.
جُنِّدَ في الحرب العالمية الأولى في جبهة الدردنيل ثُمّ نُقِلَ إلى بعثة سايكس – بيكو. وصار، بين 1917 و 1919، نائب ضابط لدى المحافظ السامي لفرنسا في سوريا وفلسطين، وحلّ في القدس برفقة لاورانس العرب Lawrence d’Arabie. وعُيِّنَ كلاهما نائباً للأمير فيصل (1883-1933) أثناء ثورة عرب الجزيرة الشهيرة.
عاش طيلة حياته بحُرقة” سرِّهِ النّاريّ” . لكنه أقبل بنهمٍ على التصوّف، وكان جلّ اهتمامه بأولئك الذين أذنبوا لكنهم يصْبُون إلى أعلى درجات القداسة. وشهدتْ سنة 1921 انتحار صديقه الإسباني بعد اعتناقه الإسلام.
ناقش ماسينيون سنة 1922 أطروحة دكتوراه حول ” شغف الحلاّج” ( Passion d’al-Hallaj) الذي كان يرى فيه “الشهيد الصوفي في الإسلام”. وقد أهدى أطروحته لشارل دو فوكو. والحلاج متصوف فارسي ادّعى جهاراً أنه مِن طبيعة إلهية، وأنّه يجب أنْ يُقتل كي ينجو بنفسه من حياة البشر ويلتحق بالملإ الأعلى. وكان يؤكد كذلك أنّ الله يتكلم من فمه.
وكان ماسينيون يعتقد أن في موقف الحلاج سعياً إلى نيل الشهادة على طريقة المسيحيين الأوائل، وحاول في أطروحته أن يُثبِتَ وجود تطابقات بين “شغف الحلاج” و “شغف المسيح”. أمّا بوسوي Bossuet فكان يقول عن المسيحيين الأوائل الذين يُضحون بأنفسهم بين أيدي الرومان أنّهم كانوا تحت تأثير ”الشغف بالتضحية”. وهذا ما كان ماسينيون يعتقد أنه استشفّه مِن تضرّع الحلاج إلى مُعاصريه كي يضعوا حداًّ لحياته.
و صرّح في سنة 1924 بأمنيته في أنْ ينال “لعنة المُذنبين الأبدية”. وكتب “ملاحظاتي حول توبتي” (Notes sur ma conversion ) حيث يتصادم “السِّرّ” والإيمان في عالم غير مرئيّ، ذلك الإيمان الذي يُصرّح بأن الفضل يعود إلى الحلاج في عودته إليه (فلا فضل في ذلك لهويسمان ولا لـ دو فوكو). وهذا أمرٌ غريب للغاية. وهو يقول إنّ عودته إلى الإيمان كانت “مِن أغوار الهوّة التي كنتُ أحيا فيها بلا كرامة”.
كان يشعر بقربه من الحلاج لأنّهُ شخصٌ “مَوْصوم” وأنه “راغبٌ في الوصم وباحث عن الشهادة”. وواقع الحال أنّ الحلاّج لم يقع في الغواية التي طالما اكتوى ماسينيون بنيرانها (3).
عُيِّنَ سنة 1926 أستاذاً مُحاضراً للسوسيولوجيا الإسلامية (علم الاجتماع الاسلامي) في الكوليج دو فرانس ليُعَوِّضَ الرائد ألفرد لو شاتوليي Alfred Le Chatelier الذي يصفه بأنه “مُبدع ورقلة الذي أنشأ كرسي السوسيولوجيا الإسلامية في الكوليج دوفرانس، والذي عوّضتُهُ فيه لمدة ثلاثين سنة. وهو الذي كان يُنظّمُ دخولنا إلى المغرب بتحقيقات كنتُ أشارك فيها، مثل تحقيقات حول “قضايا الأنديجان” التي أدخلتُ عليها تحسينات حتى صارت تتّسم بالشّدّة” (4).
ويُضيف في نصٍّ آخر قائلاً:”دفعني إلى القيام ببعض التحاليل النفسية وإعداد إحصائيات القبائل ورسم بعض المخططات لقِمَمٍ عسكرية، مِن قبيل “الهاندبوك أوف أرابيا” التي كان يُعِدُّها مكتب الشؤون العربية في القاهرة، والذي تولّى تسليح لاورانس العرب وألهمني في بداية مسيرتي لإنجاز “دليل العالم الإسلامي” (5). في سنة 1933، أصبح مدير دراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا و شغل هذين المنصبين الى غاية 1954.
وبعد لقائه مع البابا سنة 1949 سُمِحَ له بإنشاء تنظيم لطقمٍ يوناني كاثوليكي مُوحّد في روما، وبأداء صلوات باللغة العربية. وفي سنة 1950 كُلِّفَ سِرِّياً بمهمة قس في كنيسة سانت ماري دو لابي Sainte-Marie-de-la-Paix بالقاهرة. ثُمّ أنشأ في 1953 “لجنة الوفاق بين فرنسا والإسلام” (Comité d’Entente France-Islam ) التي انتمى إليها بن نبي لمدة قصيرة، ثُمّ “لجنة فرنسا والمغرب” (Comité France-Maghreb). وأقام علاقة مع الكاردينال جان دانييلو Jean Daniélou الذي لقي حتفه سنة 1974 في ظروف هزّت مشاعر الرأي العام الفرنسي.
وقد لعب لويس ماسينيون من نهاية الحرب العالمية الأولى إلى موته دوراً هاماًّ، وغامضاً كذلك، في السياسة الفرنسية بالبلدان الإسلامية. كان عضواً في “المخابرات الخاصة” (services spéciaux ) وكذا في عدة لجان وزارية مشتركة، ومِن بينها تلك اللجنة المكلفة بالشؤون الجزائرية أثناء الحقبة الاستعمارية (الإعداد للاحتفال بالذكرى المئوية للجزائر، والقانون الجزائري سنة 1947…) (6).
ويبدو أن ماسينيون كان وراء تدبير”الظهير البربري” في المغرب سنة 1930 (7). وغداة الأحداث التي عاشتها مدينة الدار البيضاء في المغرب (بعد اغتيال فرحات حشاد (1953) أنشأ يقول: “سيكون لزاماً علينا أن نتّخذ العربية كلغة وطنية ثانية في الجزائر إذا أردنا أن نبقى وكأننا في ديارنا عند المتكلمين بها، وأن نبني معهم مستقبلاً مشتركاً” (8).
وهذا ما يُبيِّنُ أنه بقي ثابتاً على موقفه الفكري منذ أنْ قال في سنة 1939:”إذا أرادت فرنسا أن تبقى على قيد الحياة فعلينا أنْ نفهم العالم الإسلامي بِرُمّته. والمشكلة الإسلامية تُمثل عندنا شأناً أعظم ممّا هو عند بريطانيا العظمى التي تعتبره مشكلة خارجية أمبريالية اقتصادية تتلخص في: السيطرة على الهند وطرق الهند. أمّا بالنسبة لفرنسا فهي مشكلة اجتماعية داخلية ذات بنية وطنية تتلخص في: كيف نُدمج مواطنينا المسلمين الجزائريين في البيت الوطني. وبالإضافة إلى ذلك فهذا هو الشرط الوحيد الكفيل بحفظ مستقبل المُعمِّرين بني جلدتنا الذين لا يمثلون في الجزائر إلاّ نخبة تُقدّر بـ 18 % من مجموع عدد السكان” (9).
وبمُجرّد أن اندلعت الثورة الجزائرية عُيِّن فانسان مونتاي Vincent Monteil الذي كان من طلبة ماسينيون، وهو بدوره مستشرق مُعرّب، كرئيس للديوان العسكري لدى جاك سوستال Jacques Soustelle الحاكم العام للجزائر، كي يستطلع الأوضاع. وفي شهر فيفري 1955 قام فانسان مونتاي بزيارة إلى سجن بربروس (سركاجي)، حيث كان بن خدة وكيوان، وهما عضوان في “اللجنة المركزية” لحركة “انتصار الحريات الديمقراطية”، وقد سُجِنا من بين مَنْ سُجِنَ بسبب شُبهة المشاركة في تفجير الثورة المسلحة، وهذا ما لم يكن مُطابقاً للواقع. ولأجل ذلك عمل على إطلاق سراحهما.
وبعد ذلك انتقل مونتاي إلى تونس حيثُ يوجد مصطفى بن بو العيد سجيناً منذ 11 فيفري. وبعد المحادثات التي أجراها معه تمّ نقل مصطفى بن بو العيد إلى سجن قسنطينة الذي فرّ منه، ثُمّ قُتِلَ بعد ذلك بأشهر معدودة بواسطة طردٍ بريدي مُفخخ مِن صنع المخابرات السريّة الفرنسية. وفانسان مونتاي هو الذي توسّط لأحمد فرنسيس كي يُستقبَلَ من طرف الحاكم العام. وأحمد فرنسيس كان مُقرّباً لدى فرحات عباس والشيخ خير الدين (عضو “جمعية العلماء”)، كما كان مُقرّباً من مصالي ومُمثِّلاً لـ”المركزيين”، فكانت زيارة الحاكم العام بغرض تقصّي الوضع الجديد الذي صار يُواجه فرنسا الاستعمارية.
وقد اتّخذ ماسنيون مواقف مُعادية للاستعمار أثناء ثورة التحرير، لكنه لم يكن من دعاة الاستقلال. فهو يتحدّث في نص له مؤرخ سنة 1956 عن “إرهابَيْنِ مُتخاصميْن جعلا من الجزائر أرضاً محروقة”. وغداة مظاهرات 11 ديسمبر 1960 (وكان يُسمّيها أحداث شغب)، تلاَ صلاةً “من أجل سلامٍ وسكينة بين المسيحيين والمسلمين. ويبقى أن نُقنِعهم بقبول بناء مستقبل جديد والعيش فيه معاً” (10). وقبل موته ببضعة أسابيع كتب ماسينيون رسالة كوصية لماري كحيل Mary Kahil وهي ناسكة موصومة أخرى: “لقد قبلتُ أن تلحقني لعنة مُستحقة زاهداً في كلّ شيء، لأنني أعرف أنّي بهذه النيران الرهيبة التي أصلاها الآن أكون قد رشقْتُ قلبي بنظرة حنان وعتاب من عين الصديق المصلوب على يديَّ أنا شخصياًّ…”. فهل يقصد صديقه الإسباني الذي انتحر؟ وقد توفي ماسنيون يوم 31 أكتوبر سنة 1962، وتشاء الصُّدف أن يُتوفى بن نبي بعده بإحدى عشرة سنة في نفس التاريخ.
ويمكن اعتبار ماسينيون هو مؤسس مدرسة الاستشراق الفرنسية في القرن 20، والأب الروحي لعدة وجوهٍ تخرّجتْ من تلك المدرسة. ومن بين أصدقائه وتلاميذه: طه حسين ومحمد إقبال ورشيد رضا ومصطفى عبد الرازق وعلي شريعاتي، إلخ. كما كان له تأثير في معظم المستشرقين الفرنسيين، من أمثال: هنري كوربان Henry Corbin، ومكسيم رودنسن Maxime Rodinson، وفانسان مونتاي Vincent Monteil، وهنري لاوست Henri Laoust، ولويس جاردي Louis Gardet، وجاك بيرك Jacques Berque، وجان بول شارناي Jean-Paul Charnay ، وجان ديجو Jean Déjeux…
وجدير بالذكر أنّ أكبر تلامذته، وهو فانسان مونتاي، قد أسْلَمَ سنة 1977 في موريطانيا، وهذا ما تسبب في تحوُّلِهِ مِن رجلٍ يحظى بتكريم دُور النشر ووسائل الإعلام والجامعات، إلى شخصٍ منبوذٍ، وأغلِقتْ في وجهه كلُّ الصحف ودور النشر (11). وقد اختار اسم “منصور” بعد إسلامه، اقتداءً بالحلاج. عندما زرتُ فانسان مونتاي سنة 1978 في بيته- المتحدث كاتب هذه الاسطر- أعطاني نسخة من كتاب أصدره منذ وقت قصير وفيه إهداء بقلمه، وقد نشره على حسابه الخاص، وكان سببا في تعرّضه للتهديد بالقتل (12). فصار يعيش مُتخفِّيا في بيته خوفاً من الاغتيال. وقد سبقه إلى هذه التجربة المُرّة كلّ من جارودي Garaudy (13)، وإيفا دو فيتراي مييروفيتش Eva de Vitray-Meyerovitch ، وجينون Guénon ، وديني Dinet ، وشيرفيس Cherfils ، وكورتلمان Courtellement وآخرون ممن تعرّضوا لهذا النبذ مثله.
عاش ماسينيون حياة متعددة الوجوه، وصدرت منه سلوكات مختلفة فيما بينها غاية الاختلاف، ونطق بألوانٍ عدة من الكلام. وكان يحب أن يقول عن نفسه أنه “مسيحيّ يُفكِّرُ بالعربية، وهو مُتنكِّر في صورة عربيٍّ”. وقد أنشأ يقول: ” كان بالإمكان أنْ أُقْتَلَ مرات عديدة كجاسوس في أرضِ الإسلام لولا أنّ مبدأ الأمان حماني وأنقذني” (14).
وهو أشبه ما يكون في التعددية القطبية لشخصيته بالشخصية التي اجتمع فيها كلّ من الدكتور جيكيل Dr. Jekyll والسيد هايد Mr. Hyde : فهو المنحرف والورِع، وهو القُسّ بلا لباس كنسيّ، وهو رجل الكنيسة واللائكيّ، وهو الجاسوس والفيلسوف، وهو العالم والعسكريّ… كان صديقاً للقديسين ولأتباع الشيطان، للجلاّد وللضحية، للمُعمِّرِ وللأنديجان. وقد تجسّدت فيه فكرة الاستشراق في خدمة الاستعمار، وهو الذي شخّص فرنسا الأمبريالية، الاستعمارية والتبشيرية، وهيمن على الإسلامولوجيا (الاستشراق) التي أراد أن يضعها في خدمة الوجود الفرنسي في العالم الإسلامي.
كان رجل التمويه والتحوُّل. ولا شك أنّ مخالطته لـ لاورانس العرب في مرحلة شبابه قد تركت بصمة لا تمّحي في شخصيته. فلاورانس كان مُعرّباً جاسوساً كاتباً و”منحرفاً” حسب ما يُستفاد من بعض المصادر. إلاّ أنّ التأثيرات التي اعترف بها ماسينيون هي تلك التي تركها فيه ضابطان فرنسيان كُتِبَ لهما أنْ يعودا إلى المسيحية ـ دين أجدادهما ـ بفضل الإسلام، إنهما إرنست بسيشاري Ernest Psichari (1883-1914) وشارل دوفوكو Charles de Foucauld.
فهذان الضابطان ومعهما الرائد لوشاتوليي Le Chatelier قد حملوا السلاح ضد مسلمي شمال إفريقيا قبل أن يقصدوا إخضاعهم للعقيدة الكاثوليكية. ومما كتبه عن ذلك في وقت لاحق: “ذلك أنّ جيشنا، وللأسف، لم يكن يُقاتل إلاّ من أجل مصالح مادية، بينما هُمْ كانوا يُقاتلون إكراماً لله الأحد، الله أكبر، وسلاحهم العقيدة الراسخة التي لم نعُدْ نحن نعرفها. لكنْ لا ! فبعضُنا قد وجدها ثانيةً، وفي المسيح الجريح المتألم، عندما احتكوا بأولئك المهزومين” (15). وقد يكون من المفيد أنْ نضيف لهؤلاء الثلاثة اسم البروفيسور روبار مونتاني Robert Montagne، وهو ضابط قديم وأستاذ في السوسيولوجيا الإسلامية في الكوليج دوفرانس، وهو الذي أنشأ سنة 1936 “مركز الدراسات والإدارة الإسلامية”، وقد انتقده بن نبي بشدة في مقال له بعد تصريحات جارحة للمسلمين (16).
ترك ماسينيون عدة آثار مكتوبة، وهي دراسات جُمِعَ مُعظمُها في كتابين، هما: “أوبيرا مينورا Opéra) Minora ) بألفين وخمسمائة صفحة ! و”وعدٌ مقطوع ” (Parole donnée ). وهي آثار مُجرّدة من الروح والعاطفة، وأسلوبها نظير أسلوب البرقيات أو حتى “نشريات الإعلام اليومي (bulletin de renseignement quotidien ـ BRQ ـ ) المُستخدمة في أجهزة المخابرات.
ولا مكان للبراءة والمجانية في تلك الآثار. فكل شيء متعلّق بغايات سياسية أو إيديولوجية أو استراتيجية. وقد جاءت غالباً في شكل ملاحظات أو تقارير أو لمحات عامة أو بطاقات فردية أو مُشفّرة. وجاءت النصوص ذات البعد الروحي مُجاورة للنصوص السياسية في هذا العمل الضخم الفياض والمُتشابك، حيث يبدو ماسينيون ذا ثقافة غير محدودة وذا علمٍ مُتشعبٍ تشعُّبا منقطع النظير. لكن كل شيء جاء مفروماً مُجزّءاً ومُتناثراً.
ويبدو ماسينيون من خلال آثاره مُختصاًّ هادئاً لا يتزعزع له وجدان، مُعبِّراً بأسلوب جافٍّ مُجرّدٍ من الجمال الجذاب وصعب التعاطي. فلا مكان لميول العواطف، ولا للمبالغة في الإطراء، ولا أثر لـ”العقيدة”. ونادراً ما يُصرّح الكاتب بما يشعر به لأنه حريص على كبت كل مشاعره. ونظراً لغموضه العام، فهو لا يُصرِّح برأيه بل يلتزم بسلوك العامل الوفي المحترم لحدود التكتُّم. وكأنّه لا يستعمل عينيه في النظر إلى الأشخاص الذين يتعامل معهم، بل يتتبع خُطاهم بعدسة كاميرا مُركبة على رأس إنسان يلتقط ردود أفعالهم ويسبُر أغوارهم كي يتّخذ القرار المناسب بخصوص حياتهم المهنية.
فهذا نصٌّ مؤرخ في سنة (17) 1952، سجّلَ فيه ماسينيون رأي شخصيتين فيه، وهما من الشخصيات المذكورة في عملنا هذا. إنهما حمودة بن ساعي والشيخ البشير الإبراهيمي، فيقول: “يرى رئيس العلماء الإصلاحيين في الجزائر في جريدة “البصائر” أنني قضيتُ خمساً وعشرين سنة لأنسج لنفسي قناعاً، وأنني كُنتُ أفظع عضو في الطابور الخامس، وأن الطابور الاستعماري الخامس، طبعاً، هو الذي يشتغل من خلال قناعي الروحاني. وجاءني نقد بمستوى أعمق، وبوقعٍ نفسيٍّ أقسى، مِن مسلمٍ جزائريّ آخر، إنه محمد بن ساعي من باتنة، وهو الرئيس الأسبق لـ”طلبة شمال إفريقيا الوطنيين” بباريس. إنه رجلٌ يُفكِّرُ بجدّ، يعيش مُنزوياً، لكنه من رؤوس المُعارضة لمشروع فرنسة الجزائر. كان مريضاً في يومٍ من الأيام بباريس، حيث أشرفتُ عليه لإعداد شهادة في الدراسات العليا في السوربون، إذ كتب لي قائلاً: “لنْ أُسامح نفسي على أنني أحببتكم، لأنكم جرّدتموني من سلاحي. كُنتُمْ أفظع مِن أولئك الذين أحرقوا ديارنا وتعدّوا على حرمات بناتنا وخنقوا بالدخان شيوخنا. جرّدتموني من السلاح طيلة سنوات عديدة من حياتي باستدراجي إلى الاعتقاد بوجود إمكانية للتصالح والوفاق بين الفرنسي الذي هو مسيحي والعربي الذي هو مسلم” (18).
وإجابة عن تلك الاتهامات أنشأ ماسينيون يقول: “لقد فَقَدَ المسلمون بعد الاحتكاك بنا روح الكرم البطولية التي مورستْ حتى مع العدو”. ويحكي في نص آخر كتبه بعد ذلك بعامين قائلاً: “كُنتُ في القاهرة سنة 1946، استجابة لدعوة المشاركة في الدورة السنوية لمعجم مجمع اللغة العربية، فدلّني السفير (الفرنسي) على أربعة أعمدة في جريدة “الدستور” في طبعتها المؤرخة في 16 نوفمبر 1946 ، وجاءت تحت عنوان “أسرار الاستعمار الفرنسي في المغرب: قسّ جاسوس في خدمة الاستعمار”.جاء هذا المقال تبعاً لمقال آخر مؤرخ في 31 أكتوبر تضمنت نقلاً لرسالة موجهة من طالب جزائري مسلم إلى أحد أساتذته في باريس (وهي الرسالة التي بعثها لي حمودة بن ساعي)… توجّهتُ إلى الكاتب، فاكتشفتُ أنه السيد لطفي جمعة، وهو أحد أصدقائي الذين درسوا الحقوق في باريس” (19).
وفي نفس السياق الفكري يذْكُر ماسينيون أحد المثقفين السوريين، وهو الدكتور عمر فروخ، أستاذ في الجامعة الأمريكية ببيروت، وهو الذي طرح هذا السؤال في أحد مؤلفاته: ” لماذا انكبّ هذا المستشرق، مؤرخ العلوم الروحانية، على الاشتغال بالسياسة؟”.
فأجابه ماسينيون بتهكّم لاذع: “يبدو أنني فشلْتُ مع هؤلاء الأشخاص الثلاثة. لكنني أرجو أن أكون أكثر تفهُّماً وأكثر إقناعاً أمامكم. وبالفعل، فالأمر يتعلّق بموقف روحاني حاولتُ إسقاطه في مجال دراسة الظواهر السياسية… وقد يقول مُعارضٌ: ما الجانب “الذهني” و “الروحاني” الذي وجدتموه في أزمة البترول في المشرق؟… إنّ الرئيس نوري باشا سعيد رجلٌ أعرفه حق المعرفة منذ أنْ كُنّا ضابطين في الفصيل العربي سنة 1917. ولقد بقي في خدمة أنجلتيرا بأساليب تكشف عن حسن تَأَتِّيهِ للأمور. فقد نجح نجاحاً باهراً بافتكاك مكسبٍ رَفَضَ الأنجليزُ مَنْحَهُ لمُصدّق. إذ حصل على ثروات بترولية لم تُلحِقْ ضرراً كبيراً بالميزانية الأنجليزية لكنّها ضاعفت من حجم الميزانية العراقية… وفي الوقت الحاضر لا يزال العراقيون يطلبون منّا أنْ نُمكِّنهم من اجتياز امتحانات الدكتوراه في الحقوق، وقد اشتغلْتُ شخصياًّ مدة خمس عشرة سنة باستقبال طلبتهم المستفيدين من مِنَحٍ في باريس. فهل أكون بهذا قد ساعدْتُ الاستعمار من الناحية الفكرية؟… وما دام بلدي مُتشبِّثاً بأولوية الشأن الثقافيّ فإنني سأبقى مهتماًّ بمثل تلك الطلبات. وليس ذلك بدافع الوطنية الكامنة الهادفة إلى إيجاد وقعٍ سياسيّ تجاوَزَهُ الزمن، أو بدافع توسّعي من قِبَل الغرب، فهذا موقف غير أخلاقي من الناحية الاقتصادية، بل لأنني أُدافع عن شرف آبائنا في وجه إخواننا، أي: وجهة فرنسا الدولية العليا…” (20).
أمّا النّصوص التي يكشف فيها ماسينيون عن توجهه الفكري الحقيقيّ فهي نادرة. لكنه يعترف في النص الآتي قائلاً: “ليس بالإمكان معرفة كيفية تفكير الخصم في الحين، أوْ قُلْ: هذا الذي يضعه الاستعمار أمامنا في موضع الخصم. وإنّ ظاهرة الاستعمار لا تتوقف حدودها عند البلدان التي يُطلق عليها رسمياًّ اسم “المستعمرات”. فأنتم تعرفون أنه ظاهرة مُكمّلة للصراع الطبقيّ وهي تعلوه. فليس بالإمكان حصره في مثل ذلك الصراع، كما تُحاول نظرية ماركس أن تفعل. ففي البلدان العربية مِن العجيب أن نرى أنه بالإضافة إلى الصراع الطبقيّ يوجد مشكل العلاقة بين المُستعمِر والمُستعمَر. وهذه العلاقة يجب أنْ تُدرس من وجهة نظر التحليل النفسيّ… وأرى أنه لا يمكن أن نلمس تلك العلاقة إلاّ بمخاطبة المُستعمَر بلغة المُستعمَر… فثقافة المُستعمَر موجودة، ونحن مضطرون لفهمها حتى ولو كُنّا نُريد تعويضها” (21). التسطير بيد المؤلِّف.
ونتساءل بعد استكمالنا لسيرة ماسينيون عن مدى صحة تحميله مسؤولية الصعوبات والمُعاناة التي مرّ بها بن نبي. فهل هناك مبالغة في تلك الاتهامات؟ وهل كان بن نبي ضحية لشكل من أشكال الذُّهان الهذياني (البارانويا)؟ وهل كان فريسة لِما يُسمى في أيامنا بوسواس التآمر complomania أو نزعة الشعور بالتواطؤ conspirationnisme ؟ وهذا ما اعتقده البعض بخصوص بن نبي.
كُنتُ أنا شخصياًّ في حيرة من أمري بهذا الخصوص حتى مكّنتْني بحوثي واطلاعي على الأرشيف الذي تركه بن نبي من استبعاد أيّ شكٍّ في موضوعيته المطلقة فيما يخصّ أحكامه على الرجال والأحداث التي كانت لها علاقة بحياته الخاصة. فعناصر البحث المطروحة في هذا العمل، والتي تؤكد صحة أقواله، لم تصدر عن بن نبي الذي كان يجهلها، لكنها – وكما لاحظنا – صادرة من كتابات ماسينيون نفسه، إذ يبدو أنّ بن نبي لم يكن يعرف شيئاً عن حياة ماسينيون المزدوجة. وإذا صحّ أنه ذكر “أدلّة” تُثبت مسؤوليته عن وجهة السياسة الاستعمارية، كما تُثبتُ أنه كان مُقرّباً لدى “المكتب الثاني”، فإنّه لم يختلق تلك الأدلة من عنده.
ومع ذلك فعلينا أن نتذكر أن بن نبي كان ينوي نشر مذكراته المعنونة بـ “العفن”(Pourritures)، وأنه احتساباً لما قد يتعرض له من اضطهاد، فقد حرص على هذا التوضيح منذ المقدمة: “كتابي شهادة بسيطة أريد تركها للأجيال القادمة. لكنني كتبتُهُ بطريقة تسمح لجيلي بمعرفته ومناقشته ونقده. ذلك أنّ الشهادة لا تكتسب شرعيتها إلاّ إذا روقبت من طرف مُعاصريها. وإلاّ، فإنها تبقى كذبة بعد الموت تركها مجنون مُصاب بوسواس الاضطهاد، أو كتبها مَنْ يطمح إلى نيل تاج العظمة بعد الموت”.
إنها جُمَلٌ لا يُعقَلُ أنْ تصْدُر مِن منافق أو مختل عقلياًّ، بل هي عبارات نطق بها رجل واعٍ بأنّ الأحداث التي سيرويها منقطعة النظير إلى حدٍّ قد يجعل منها عرضةً للتشكيك في صحتها. ولنتذكر كذلك أن في ثنايا كتابته ذكْرٌ مباشر أو بالتلميح (22) لمعظم تلك الأحداث التي تبقى قابلة للتحقق من صحتها: فزوجته بولات فيليبون، والأخوان بن ساعي، والدكتور خالدي جميعهم كانوا شهوداً مُباشرين. لكن هذه الشهادات قد لا تكفي بالنظر للعلاقات التي كانت تربط أصحابها ببن نبي. فكان لا بُدّ من البحث عن تأكيدات في مواضع أخرى.
وعلى ذكر تلك التأكيدات، فهذا صدى من أصداء ما رواه بن نبي، إذ أنّ المؤرخ الفرنسي المتشبع بحقائق الأوضاع في تلك الفترة، وذو الاطلاع الواسع على الممارسات الاستعمارية، شارل أندري جوليان Charles-André Julien، وكأنّي به أراد أنْ يتنبّأ بما سيحدث لبن نبي، وهو مصدوم، حسب تعبيره، من “قذارة تنظيمنا السياسي في الجزائر” (23) ـ والقذارة هو نفس المصطلح الوارد في عنوان مذكرات بن نبي غير المنشورة(العفن) ـ
يقول André Julien في مقال له سنة 1935: “إنّ الأنديجان المتعلّم يُفلِتُ من قبضة الإدارة والمُعمِّرين، وهذا ما يدفعه إلى الاحتجاج على الإجراءات الجائرة المسلطة عليه. وعند ذلك يُصنّفُ في خانة “عدوّ فرنسا” ويُعلَنُ عن أنه “عميل لألمانيا”، ذلك أنه من الصعب قبول تجرّئه على إبداء رأيه في ”إنجازات الحضارة”. أمّا المُعمّر، فمهما كان فظاًّ، يبقى دوماً هو ممثل “الجنس المتفوق” الذي يحق له أنْ يحتقر “البيكو”« bicot » حتى ولو كان هذا الأخير محامياً أو أستاذاً أو طبيباً… لكن هيهات أن يرضخ المثقف الأنديجان لهذا التعالي الذي يجده حتى عند أكثر “فرنسيي الجزائر” رفقاً وعطفاً. ولهذا فإنّ أحسن ما يُعجبه في “فرنسيي فرنسا”، والذين يحرص على تمييزهم عن الآخرين، هو ذلك الطبع الفطري والحميميّ في التعامل بالمساواة، وهذا ما يُشعِرُهُ بأنه على قدم المساواة مع مُخاطِبِهِ… ثُمّ إنّ تشجيعات الإدارة (الاستعمارية) لا يُتكرّمُ بها على المثقفين الذين تَحْذَرُهُمْ، بل على (البني وي وي) مثل: الباشاغوات، والأغوات، والقيّاد الذين يتلقون الأوامر من قصر الحكومة” (24).
ولمْ ينسَ هذا المؤرِّخ الفرنسي أنْ يُشهِّرَ في مقالاته، ولو عَرَضاً، بـ “مكتب شارع لوكونت rue Lecomte للتجسس على سكان شمال إفريقيا، الذي هو وكالة للفساد السياسي مثل مغارة علي بابا”، والذي تحدّثنا عنه في هذا العمل. وقد صرّح مصالي الحاج في هذا السياق، وهو يُخاطب المؤتمر الإسلامي بتاريخ 02 أوت 1936، قائلاً بخصوص ذلك المكتب: “إذا كُنّا اضطُرِرْنا إلى الفرار من بلادنا سعياً وراء الرزق والحرية اللّذين حُرِمْنا منهما في بلدنا، فلقد وجدنا في باريس نظير البلدية المختلطة وعلى رأسها قايد رفقة شاويشاته”. وتأكيداً لما جاء على لسان ش.أ. جوليان وبن نبي، أضاف مصالي قائلاً: “اتُّهِمْنا مراراً بكوننا شيوعيين، ووهابيين، وعملاء لألمانيا أو لموسكو…” (25).
فأول جريمة يكون بن نبي قد ارتكبها في نظر الاستعمار هو رفضه أن يكون أنديجاناً. والثانية أنه ينوي أن يُجاهِرَ بذلك وأنه يملك الإمكانيات الكافية لذلك. وبالفعل، فإن بن نبي لم يشعر لحظةً واحدة طيلة حياته بأنه ينتمي إلى هذه الشريحة من الناحية القانونية والاجتماعية والسياسية التي اختلقها الاستعمار، إذ كان يشعر منذ طفولته بأنه إنسان ينتمي إلى حضارة، حتى ولو كانت تلك الحضارة في طور الانهيار. فكان لا بُدّ أن يظهر الخلاف الحادّ في الحين العاجل، وأنْ تظهر ردّة فعلٍ قاسية من الاستعمار من خلال لويس ماسينيون. ولْنُحكِّم المنطق بدءاً من وصول بن نبي إلى فرنسا واندماجه في أوساط طلبة شمال إفريقيا.
1) أنشأ ماسينيون سنة 1930 يقول: “توجد في باريس مستعمرة جامعية صغيرة تتكون من مسلمين جزائريين تستحق الاهتمام الشديد. بل إنّ بين أيدينا، هنا في باريس، مؤشرات واضحة حول ما ستكون عليه الجزائر المسلمة بعد عشرين سنة. ففرنسا تُحرِّكُ الشأن الجزائري انطلاقا من باريس نفسها” (26).
2) وحسب ما يُستفاد من ماسينيون نفسه، فإنّ كل الجزائريين المتواجدين بفرنسا، بدون استثناء ورغم كثرة عددهم، مُسجّلون في مصالح الأمن، ومُراقبون ومُتابعون من طرف عدة مصالح، وخاصة تلك المصلحة التي يستند إليها هو كي يُعِدّ بطاقات حول انتشارهم في القطر الفرنسي، مع تسجيل القرى والدوائر التي ينتمون إليها. ويقول ماسينيون حول تلك البطاقات: “لقد قمنا بإعدادها بفضل تحقيق شخصي قمنا به في عين المكان بين شهر ديسمبر سنة 1929 وشهر جانفي سنة 1930، وهو التحقيق الذي سمح لنا فيه السيد أدولف جيرولامي Adolphe Gerolami، مدير “مكتب شؤون الأنديجان في شمال إفريقيا” الواقع في 6، شارع لوكونت، الدائرة 17، حيث أقام منتجعات ومِصحّات ومكاتب لمواضع القادمين من شمال إفريقيا، سمح لنا بعدم الاكتفاء بخدمات مصالح تحقيقه ومراقبته، بل وحتى الاعتماد على تجربته الشخصية التي لا نظير لها في هذا الشأن. فكانت المعلومات المُستفادة بهذا الأسلوب تُصنّفُ في إطار الدوائر الإدارية المسماة “بلديات مختلطة”. لكنني اجتهدتُ، كي يكون عملي حاملاً لبصمتي كمختص في الشؤون الإسلامية، في تتبع الأخبار إلى أن أصل إلى الخلايا القاعدية المُكوِّنة للمجتمع القبائليّ، وهي الدواوير التي تجتمع في (صفوف)، وإنها قائمة بهذا الوضع في الهوّة الباريسية… وللتعليق على تلك البطاقات أضفنا لها قائمتين: قائمة البلديات الجزائرية التي قَدِمَ منها المهاجرون القبائل المتواجدون في الناحية الباريسية ـ مع ذكر الفصائل والدواوير ، وقائمة المصانع الباريسية التي تُوظِّفُ عمالاً قبائل” (27).
وتلي ذلك أوصاف مُدهشة وإحصائيات دقيقة حول توظيف الجزائريين في الناحية الباريسية، والكُلّ في أسلوب يشبه أسلوب البرقيات. ومثال ذلك: “السيارات: سيتروين، 7000 (في لافالْوَا، كليشي، سانت أوان، جافال)، قادم من دواوير مختلفة. رونو (بيانكور) 2760 (خاصة من ذراع الميزان). غسّالو السيارات في (شركة سيارات المقعدة) 2500 (قادمون خاصة من فور ناسيونال). المعادن: “الشركة الفرنسية للمعادن والسبائك البيضاء): تعويضهم بالشلوح. Chleuhs (صناعة الفولاذ الفرنسية البلجيكية 510 ( قادمون من كركور، وميشلي). مهن أخرى: (الديك الغولي في الدائرة 13)، مصفاة لوبودي (19ème)، (مصانع الغاز) ( 15ème,19ème,8ème).
ثُمّ تأتي التعليقات: “60% عمال في مصانع الغاز (وهم الصفوة)، ورشات الفحم، النفايات الحضرية، مرآءب. البقية تنقسم إلى عمال موانىء، وعمال الميترو، 15% من المتخصصين (مخزنيون). فإما أن يكون الرفيق هو الذي جذبه أو صاحب المطعم والفندق الذي يعيش فيه، وهو الذي يوجه القادم الجديد. الزي الأوروبي (كاسكيت) والتغذية (النبيذ) في انتشار سريع. وقد لوحظت سنة 1928 توجهات شيوعية عند العمال القادمين من دوار بوني ودوار موقة ( أقبو) في الدائرة 13، وكذلك في جانفليه Gennevilliers سنة 1924 أهل السيباو الأعلى يقطنون عند أصحاب المطاعم والمراقد من بني منطقتهم، أمّا أهل فور ناسيونال فهم يرفضون ذلك: فالعلاقة بين هاتين المجموعتين ليست طيبة. فأهل السيباو يدينون بالولاء للزوايا. والزاوية الرحمانية زاوية مُسالمة. أما الزاوية العمارية (قالمة: 3 شُعَب) والزاوية العلوية (مستغانم) فهما أكثر تحريكاً للنفوس (إنشاء رابطة لِلمُمْسِكين عن شرب الخمر)… 120.000 قبائلي جزائري في فرنسا بكاملها، تمّ إبعادهم بالتدريج من طرف مجموعات أخرى: الشلوح المغاربة (9000) وعرب بوسعادة والمسيلة وبسكرة والأغواط (8000)، وهم أكثر جدّية وأكثر نشاطاً في العمل. من بين الـ 120.000 يوجد 60.000 منهم على الأقل في باريس (32.000 فقط مُسجلون بالبطاقات)… 20 فقط منهم أتوا بزوجاتهم القبائليات، و700 منهم تزوجوا بفرنسيات زواجاً قانونياًّ، و5000 يعيشون مع فرنسيات بدون زواج”.
3) وقد يسأل سائل: ماذا عن الصعوبات التي واجهها بن نبي في إيجاد عمل؟ إنّ ماسينيون، كما اتضح لنا أعلاه، كانت بين يديه قائمة كلّ المصانع حسب الشُّعب (صناعة السيارات، المعادن، مصانع الغاز، ورشات الفحم، الميترو، المخزنيون، عمال الموانىء…إلخ) والتي تُشغّلُ اليد العاملة الجزائرية. وليس القبائل وحدهم هم المُسجلون ومُعرّفون، بل كافة الجزائريين (فهو يتحدث عن 32000 بطاقة !). وبإمكاننا أن نستنتج من تلك الوثيقة نفسها أنّ شارع شابوليي (الذي اشتغل فيه بن نبي بإعطاء دروس في محو الأمّيّة سنة 1938) لم يكن لِيُفْلِتَ من رقابة ماسينيون الذي يُسجل بهذا الخصوص قائلاً : ”عرب من مغنية ومن ندرومة في مرسيليا، خلف البريد المركزي، وخاصة في الرقم 7، شارع شابوليي”.
وفي أواخر أيام حياته كان ماسينيون يُريدُ أنْ يُظهِرَ قطيعته مع” مهامّه القديمة”. فهو يُصرح في “حوار حول العرب” جَمَعَهُ سنة 1960 مع ج.م. موميناك وجاك بيرك قائلاً: “لقد أوقفوا الإعانات المالية التي كانت تُصرفُ لي سابقاً لأنني لم أعُدْ أقدِّمُ لهم بطاقات سيكولوجية للجهات المختصة حول الناس الذين أتتبع أحوالهم” (28).
4) ولماذا فشل بن نبي في الحصول على رخص الدخول إلى البلدان العربية التي طلبها؟ إنّ ماسينيون يكشف عن أنه كان يتمتع بسلطات في هذا المجال. فهو الذي اعترف قائلاً: “أصيبت العلاقات الثقافية الفرنسية المصرية بضربة لأننا التزمنا بالسماح لأستاذين مصريين بالتدريس في الجزائر ولأننا اضطُرِرْنا إلى رفض منحهما رخصة الدخول…” (29). فقد كانت أبواب الحكومات العربية والإسلامية كلها مفتوحة أمام ماسينيون، وهو يعرف كل ممثليها الديبلوماسيين في باريس. فكان إذاً بإمكانه أنْ يُعطي ”التعليمات”.
5) وماذا عن التلاعب بدواليب الحياة السياسية بالجزائر، وبنشاط الزوايا والشعوذة؟ هذا ما كتبه ماسينيون حول كلّ ذلك باستخفاف لا نظير له: “من أجل التحكم في نتائج الانتخابات في الجزائر نلجأ إلى الاستعانة بتأثير الطّرُقية الإسلامية في جماهير الناخبين الأميين. وسياسة الفساد هذه أمْرٌ شائع، وهي في حالة التمادي في استخدامها تفضح بعض “النجوم السياسيين” ذوي القيمة العالية. وعند ذلك تظهر الإدارة بوجه مهتم وحَنون، ولسان حالها يقول: هناك وسيلة تُمكّن المسلمين مِن محو ذنوبهم، وهي الحج إلى مكة. فسندفع لهم ثمن السفر كي يؤدوا فريضة الحج، وسيعودون طاهرين وبضمير أبيض مثل الثلج. وإذْ ذاك يصبح بإمكانهم أن يعودوا لخدمتنا. ونكون قد حققنا فائدة مزدوجة”. ويُواصِل ماسينيون مُعترفاً بتورّطه في ذلك النظام: “لكنّ أحدَ آخِرِ المُستفيدين من هذا النظام المُحكَم أفسده مؤخّراً وأرغمنا، وهو عائد من مكة، على دفع تكاليف تمدرس أحد أبنائه في الأزهر (لكي يُزكِّي نفسه) لدى أتباع الإسلام المُناوىء للاستعمار. لقد دفعنا الثمن غالياً مع هذا الرجل لكي نصل إلى الاحتقار المُتبادل والنهائي” (30).
6) لقد حرص ماسينيون طيلة حياته على البحث عن حالات المسلمين المرتدّين أو المُتحوِّلين إلى المسيحية، مثل: الحلاّج، الوزاني، نارون، وآخرون لا نعرفهم. وهو لم يهتمّ بموضوع آخر اهتمامه بذلك. فها هو يتحدث في أحد نصوصه عن “ارتداد مؤقتٍ للشيخ صنعان من القوقاز، وهو الذي تحوّل إلى المسيحية من أجل التمكّن من العيش مع محبوبته بياتريس Béatrice”، كما يتحدث عن “هرمين Hermine أميرة أنطاكية، التي انضمّتْ إلى المسيح بسبب حُبِّها لـ تنكريد Tancrède والذي كان يحتضر بسبب جروحه” (31). ويروي في نص تحت عنوان “أولوية الحلّ الثقافي” قصة نقلها عن شاب فرنسي في السادسة عشرة من عمره قرأ القرآن وأراد أن يُسافر إلى الجزائر من أجل الدخول في الإسلام والعيش في كنفه “لكي يجتثّ جرائم الاستعمار الفرنسي”. ويُعلّق ماسينيون قائلاً: “بعد التحقيق في هذه القضية اتّضح لي أنه لم يتّصِلْ بأيّ مُسلِمٍ، وبعد تمكينه من سماع أسطوانات بالعربية (ومن بينها الحزب الأول من القرآن وكذا صوت المؤذن) أقْلَعَ عن التفكير في موعد سفره (الذي لا يزال يُخامر ذهنه إلى حد الآن). وعلى أية حال فلم يحدث ما كان يُخشى بدءاً، إذ لم نلحظ أية مُحاولة لاقتناصه مِن قِبل المُسلمين”.
7) كانت لدى ماسينيون رؤية شاملة وذات مدى بعيد حول العالم الإسلامي. فهو الذي أعدّ “دليل العالم الإسلامي”، ونشّطَ “مجلّة العالم الإسلاميّ” التي تُسجّل فيها كل المعلومات الخاصة به. فهو يقول استناداً إلى كتاب لـ لو شاتولي Le Châtelier وآخر لـ إيسايح بومان Isaiah Bowman: “تمكّن بومان بإعداده لقائمة تتكون من 22 مورداً طبيعياًّ أساسياًّ وضرورياًّ لاشتغال الحضارة الحديثة مادياًّ، مِن الوقوف على حقيقة أنّ المسلمين عاجزون عن تحريك أيّ شيء في أيّ مجالٍ دون موافقة القوى الأوروبية… فهل سيبقى هذا الوضع على الدوام؟ إن لوشاتوليي قد لاحظ انطلاقة الشركات الرأسمالية الإسلامية في جافا، وتأسيس شركة الشاي والسُّكَّر، ومصانع الفولاذ والنسيج في الهند… فستستكمل البلدان الإسلامية تنظيمها الصناعي المحَلِّي بالتدريج، ولو أنّ كلّ قادتهم كانوا بشجاعة مصطفى كمال الذي رفض بإصرارٍ يفوق إصرار موسوليني، الاعتراف للرابطة الدولية للبنوك الأنجلو أمريكية أيّ حقٍّ في رهنِ تصنيع بلده، فسيكون بإمكاننا القول إنّ التفوّق الأوروبي الحالي سيكون في خطر” (32).
وإذا كان ماسينيون مُتخوِّفاً من سياسة مصطفى كمال الاقتصادية، فإنه يُثني عليه بخصوص سياسته الثقافية التي تتلخص في استبعاد العربية والإسلام من تركيا، وذلك بتبني الحرف اللاتيني في اللغة التركية. وكان يأمُلُ أنْ تتبع مصر تركيا في هذا المجال. ويقول في ذلك: “بالنظر إلى كونها مركزاً عالمياًّ للكتاب العربي، فإنّ مصر بإمكانها أن تكون نقطة إشعاعٍ قد تنطلق منها حركة إصلاح للأبجدية لتنتشر في العالم العربي كلّه” (33).
ولم يكن التعب يعرف إلى نفسه سبيلاً، وهو لا يترك أي شأنٍ للحظ، بل يلتزم بالدقة والفاعلية إلى درجة الهوَس، وعينه على العالم الإسلامي على الدوام. وقد سجل هذه الملاحظة سنة 1939: “إنّ المجموعة الهندية هي أهمّ المجموعات الإسلامية من حيث العدد ومن حيث القدرات المالية في العالم، وهي تُعتبر أقلية قوية جداًّ لأنها تُمثل خُمس مجموع سكان الهند… وتأتي المجموعة الماليزية في المقام الثاني، وهي تحظى بأغلبية ساحقة في أندونيسيا (أكثر من 92%). وباستطاعة هذه المجموعة إذاً أنْ تتزايد أكثر من المجموعة الهندية. وهي آخذةٌ في استعمال اللغة الماليزية بشكل مُتزايد، وهي لغة تُكتب بالحرف العربيّ، مع أنّ الحكومة الهولندية تجتهد في نشر الحرف اللاتيني. الحُكّام في هذه المجموعة يأتون من أرسطوقراطية السادة الذين يعودون إلى أصولٍ عربية، لكنهم يتحولون إلى ماليزيين، وهم أكثر استعداداً لاتباع مقترحات البلشفيين من مُسلمي الهند. وتأتي المجموعة الإسلامية العربية في المقام الثالث من ناحية العدد، وهي اليوم مُشتتة لا تجمعها سياسة موحدة كفيلة بإتاحة التطور الجماعي…” (34).
ويتبيّن لنا مما سبق أنّ ماسينيون كان يعرف حمودة بن ساعي والدكتور خالدي حقّ المعرفة، وقد ذكرهما في كتاباته، لكنه لم يذكر بن نبي ! فهل هذا أمرٌ عادي؟ إنّ المُدْهِشَ، بعد قراءتنا للنصوص السابقة، ليس وجود “الصراع الفكري” أو جهاز المخابرات psychological-service، بل المُدهش هو تمكّن رجُلٍ لا يملك أية إمكانيات، ولا يحظى بأيِّ دعمٍ سياسيٍّ ـ وهذه هي حالة بن نبي ـ من اختراق لعبهم وكشفه بمحضِ قدراته الذهنية والفكرية. ولا شكّ أنّ أيّ رجُلٍ عاش الظروف التي مرت على بن نبي ومورستْ عليه الضغوط التي اكتوى بنارها، لن يكون باستطاعته السلامة من الصدمات، بل من الانهيار العصبي. وذلك هو الهدف الذي كان ماسينيون يسعى إلى تحقيقه. لكننا لو تفحصنا أعمال بن نبي لوجدْنا فيها من الهدوء والمنطق ما يجعلنا نستبعد أن يكون صاحبها قد تعرّض لأيّ غمٍّ. فمجرّد أن تسبح في تيار مُعاكس للأفكار السائدة والذهنيات الغالبة في وسطك يُعتبر مصدراً للقلق والاكتئاب. وهناك عدة مفكرين عاشوا حياةً صعبة من الناحية المعنوية والمادية: فالكواكبي عاش معظم حياته في إطار غير شرعي، ومات مسموماً، أمّا ماركس فكان يمكن أن يموت جوعاً أو يهلك بعد المرض لولا أنّ أنجلز كان يساعده. ونيتشه أنهى أيامه مُتشرِّداً، وابن خلدون سُمِّمَ طيلة عامين، وأفلاطون عاش ردحاً من الزمن كعبدٍ، وسقراط حُكِمَ عليه بتناول السُّم، وكونفوشيوس مات قانطاً من الحياة… وكم هُمْ أولئك المفكرون الذين تعرّضوا للسخرية والتهكّم وسوء المعاملة والسجن أو حتى القتل؟
إنّ هؤلاء الرجال المُتميِّزين الذين أعطوا دفعاً للفلسفة أو المعرفة أو الحرية، كلّهم عاشوا حياةً ضنكاً وذاقوا مرارة الخذلان والعقوق. وكان لا بُدّ أن يعيشوا المُعاناة بمجرد كونهم سابقين لزمانهم ولأهل زمانهم مِن جماهير أو نخبة متحجرة في النماذج البالية ومِن سلطة حاكمة. فماذا نقول عن أولئك الذين عاشوا تحت نير الاحتلال، أو أولئك الذين اتُّهِموا بحبهم للجنس الجرماني، أو بسلبيتهم، أو بعدائهم لليهود، أو حتى بمرض الشعور بالمؤامرة؟
وقد تساءل الدكتور ألان كريستلاو Allan Christelow عن سوء العلاقة بين بن نبي وحمودة بن ساعي من جهة وماسينيون من جهة ثانية، وأنشأ يقول: “لقد تدهورت علاقتهما به إلى حدّ الانكسار، ذلك أن ماسينيون، حتى ولو كان يشعر بحب الإسلام، فهو مرتبط ارتباطاً شديداً بمواقف فرنسا الرسمية، ويُطالب بالجزائر كجزء لا يتجزّأ من فرنسا. وكانت القطيعة بين ماسينيون وتلميذه حمودة بن ساعي أكثر ضرراً، لكنها كانت مؤلمةً لهما معاً. وبعد أنْ بدأت علامات الانهيار البدني والوجداني تظهر على بن ساعي جاء دور بن نبي ليُواصل رسالته الفلسفية. ولقد أثبت بن نبي أنه ذو شخصية قوية وعزم ثابت ونظرة استشرافية خارقة لأنه استطاع أنْ يبرز ويخترق الآفاق رغم العنف الذي ميّز سنوات الحركة الوطنية والثورة والاستقلال. ومع أنه ألّف كُتيّباً (35) يُحذّر فيه الطلبة المسلمين من تأثير المستشرقين، فإنه لم يُوظِّف كفاءته في التهجم على ماسينيون، لأنه حتى ولو كان مُعارضاً له لدفاعه عن الوجود الفرنسي في الجزائر، فلقد بقي مُتأثِّراً بأفكاره. فكلاهما مثلاً كان من كبار المُعجبين بالمهاتما غاندي” (36).
وإذا كانت الملاحظة الأخيرة التي أبداها كريستلاو صحيحة، فإنه لا يوجد أيّ دليل على “تأثير” ماسينيون في بن نبي من خلال أعماله. فما هي الأفكار التي أخذها عنه، خاصة وأننا نعرف أن ماسينيون كان “خبيراً” – حسب ما يعتبر نفسه بنفسه – أكثر من كونه “مُفكِّراً”. صحيحٌ أنّ بن نبي ذكر ماسينيون في أعماله، لكن ذلك لم يكن إلاّ في سياق الأحداث السياسية الجارية، ولم يذكره في السياقات الفكرية إلاّ نادراً. فماسينيون كان ركيزة لما يُسمّى بـ”العلوم الاستعمارية” التي ساهم في تأسيسها، ويبقى في جميع الحالات مُبشّراً بالمعنى المباشر وغير المباشر للكلمة (37).
وبقدر ما كان ظِلُّ ماسينيون مُخَيِّماً على سيرة بن نبي الذاتية في المرحلة الممتدة بين 1931 و 1955، كان اختفاؤه شبه كُلّي فيما بعد ذلك. فلمْ يرِدْ اسمُهُ في آثار بن نبي إلاّ في مناسبتين: الأولى بتاريخ 20 ديسمبر 1962، وهي ملاحظة واردة في دفاتره (38) بهذه الصيغة: “ورد خبر في التلفزيون حول اجتماع لمجمع اللغة العربية تخليداً لذكرى ماسينيون الذي مات، حسب ما يبدو، خلال شهر نوفمبر المنصرم. وهكذا علمتُ بموت هذا الرجل الذي كان بلا شفقة مع عائلتي بسبب حقده عليَّ”. والثانية كانت في مقالٍ كَتَبَهُ سنة 1968 تحت عنوان “دلالة إضراب الجامعة”) (39).
وقد نظم “معهد العالم العربي” Institut du monde arabe بباريس سنة 2003 ندوة دولية لتكريم ثماني شخصيات فكرية فرنسية وجزائرية، واختيرت تلك الشخصيات بالنظر إلى إسهامها خلال القرن المنصرم في التقارب بين الشعبين الجزائري والفرنسي. وكانت الوجوه الممثلة للجزائر هي: عبد الحميد بن باديس، مالك بن نبي، محمد بن شنب(1869-1929)، ومهدي بوعبد اللي (1907-1992). أمّا من الجانب الفرنسي فقد اختير كلٌّ من لويس ماسينيون، جاك بيرك، الكاردينال دوفال (1903-1996)، وجيرمان تيون. وهكذا اقترن اسم بن نبي باسم ماسينيون في مناسبة تكريمية واحدة بادرتْ بها ذاكرةُ العرفان في الضفتين.
(يتبع)
المراجع:
1- كتب عنه ماسينيون في أواخر أيامه قائلاً: “أنا مَدينٌ له بالعودة إلى الطريق المستقيم. فلقد كان يدعو لي في صلاته عندما كنتُ من الضالين…” (cf. « Le témoignage de Huysmans et l’affaire Van Haecke », 1957, Opéra Minora T.3).
2- سجل ماسينيون ملاحظة بهذا الخصوص قائلاً: “إذا كان قد قبِلَ بوجود مخزن أسلحة في برجه، وهو المُلتزم راغباً بعدم قبول أي سلاح في مقرّه، فهو يعطي بذلك لأعدائه رخصة كاملة لهدر دمه” cf. « Toute une vie avec un frère parti au désert Foucauld »). ويقول في أحد نصوصه الأخيرة التي خصصها له: “باللجوء إلى البربر الذين لم يتم تعريبهم تعريبا تاماّ، كُنّا نؤمن بإمكانية النجاح بهذه السياسة (البربرية) لإلحاق هزيمة بالإسلام عن طريق الالتفاف حوله. كان يتلقى التكوين (الاستعماري) السائد في تلك الحقبة. أنا شخصياًّ، وقد كُنتُ شديد الاقتناع بفكرة الاستعمار آنذاك، كتبْتُ له رسالة عبّرتُ فيها عن أملي في أنْ تُغزى المغرب بالقوة مستقبلاً، فأجابني ليُعبّر عن قبوله بالفكرة(1906)… كان دوفوكو ذا تكوين عسكري كضابط مُتخصص بالمكاتب العربية وشؤون الأنديجان. وكان مثل المهندس العسكري الذي يدرس المُنشآت الدفاعية والهجومية عند العدو، ويُخطط لكيفية نسفها… فكيف قبِلَ هذا الناسك ذو الميول التأملية بتضييع وقت طويل وثمين مع هؤلاء الضباط بمساعدتهم على تأمين (احتلال استعماري)؟ والحقيقة أنّ ذلك كان هو الحل الاجتماعي الوحيد والكفيل بفرض النظام والسلم في الصحراء، وذلك بالحرص على أن “تكون القوة عادلة”… ولقد التزم كتابياًّ بألاّ يوجد في خلْوتِهِ أيّ سلاح. كما حوّل بُرجه في تامنراست، أواخر سنة 1916 إلى ترسانة للأسلحة تنفيذاً لطلب الجنرال لابيرين”. (cf. « Foucauld au désert devant le Dieu d’Abraham, Agar et Ismael » (1960), « Opéra Minora »,
T3) كان فوكو ولابيرين زميلين في دفعة التخرّج. وتجدر الإشارة أخيراً إلى أنّ الأب دوفوكو تمّ تقديسه على يد الكنيسة في نوفمبر سنة 2005.
3- مقتطفات من النصوص تحت عنوان (Parole donnée ) بقلم ماسينيون، نُشرت سنة 1962 في دار النشر Ed. Julliard، وهي ثمرة مبادرة قام بها فانسان مونتاي Vincent Monteil. وفانسان مونتاي يتحدث في المقدمة التي خصصها له عن: ” وفائي لعهد الصداقة بأن أسكت عن مثل تلك المُكاشفات التي صرّح لي بها ماسينيون، سواء أكان ذلك فيما يتعلق به هو، أَمْ فيما يتعلق بأولئك الذين شاركوا طيلة حياته في “عقدة القلق” الخاصة بوجهته الشخصية الداخلية”.
4- ارجع الى ” حياة كاملة مع فوكو ” المرجع السابق
5- ”فوكو في الصحراء امام اله ابرهيم، هاجر و اسماعيل” المرجع المذكور سابق
6- مما يمكن أن نقرأه من كتاباته: “خمسون سنة مرّت عليّ منذ أنْ قادتني علاقتي كتلميذ بأستاذه إلى المجيء إلى لايد Leyde في هولندا كي أستشير س. سنوك C. Snouck ، وهو من أكبر المختصين في الإسلام، والذي أدين له بنصائح غالية حول التصوف الإسلاميّ… فالنصائح التي أخذتها منه هي نصائح “مدير شبه رسمي” حول “سياسة هولندا الإسلامية” في أندونيسيا، كي أنقل اقتراحاته الحكيمة إلى مسؤولي سياستنا الإسلامية في شمال إفريقيا…” (cf. « Parole donnée » : préface aux lettres javanaises de RadenAdjenKartini).
7- في إطار إبعاد سكان شمال إفريقيا عن الإسلام وفرض النزعة البربرية عندهم، أصدرت السلطات الاستعمارية بتاريخ 16 مارس 1930 الظهير البربري الذي بمقتضاه تُنشأ محاكم عُرفية خاصة بالسكان البربريين بغرض تقليص سلطات السلطان. فاتّحدت النُّخب المغربية ضدّ تلك المُحاولة لتفريق صفوف الشعب المغربي. وتلك كانت نقطة انطلاق الحركة الوطنية التي تكللت جهودها بجلاء الفرنسيين.
8- ارجع الى ” وعدٌ مقطوع: المثال الفريد لحياة غاندي”
9- يبدو أنّ ماسينيون كان قد حذّر مُسبقاً مما سيحدث بالفعل بعد عشر سنوات، إذ يقول: “بإمكاننا أن نستعدّ لترحيل مليون من بني جلدتنا لاحقاً وفي ظروف شديدة الشبه بتلك الظروف التي خرجت منها قوافل الفارّين من دمشق سنة 1945” Cf. « Opéra Minora » T.1.
10- ارجع الى ” وعدٌ مقطوع: ابتهال من اجل سلم هادئ بين المسيحين و المسلمين”
11- لمّا سُئِل عن أسباب دخوله إلى الإسلام من طرف صاحب كتاب ” معتنقو الاسلام الجدد” (Les nouveaux convertis )، أجاب فانسان مونتاي قائلاً: “أخشى ألاّ يكون بإمكاني أن أتكلم بحرية في الظروف التي نعيشها… ففي التعبير عن آرائنا خطر مُحدق…”.
12- ”الملف السري عن اسرائيل: الارهاب” منشورات اوتيي Ed. Authier ، باريس 1978
13- على عكس فانسان مونتاي، فروجي غارودي لم ينزوِ في حياته. كان كثير النشاط والتأليف والنضال من أجل أفكاره، إذ كتب منذ إسلامه عدداً كبيراً من الكتب حول مختلف المواضيع، ولم يخش أن يُهاجم التابوهات التي تُكبّل حرية الفكر في فرنسا. وقد أدى كل ذلك إلى مُحاكمته بعد صدور كتاب”الأوهام المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” mythes fondateurs de la politique israélienne ). وقد حظي في تلك القضية بدعم الأب بيار Abbé Pierre الذي يُعَدُّ أكثر الشخصيات تمتّعاً باحترام وحبّ الرأي العام في فرنسا، وكان من نتيجة موقفه أنْ نال توبيخ الأسقفية الفرنسية سنة 1996، كما هاجمته بعض الصحف والمجلاّت. وقد قدّم روجي غارودي تفاصيل تلك القضية في كتاب مشترك مع جاك فيرجيس تحت عنوان: مُحاكمة الحرية (Le procès de la liberté ). (Ed. Houma, Alger 1998 ).
14- ارجع الى ” الوضعية الاجتماعية في الجزائر” (1951) في ” اوبيرا مينورا” المجلد3
15- المرجع السابق
16- ” كيف نبقى في الطريق” المذكور آنفا
17- ارجع الى ” الغرب في مواجهة الشرق: افضلية الحل الثقافي” 1952 اوبيرا مينورا المجلد الاول
18- في قُصاصة تضمنت سيرته الذاتية يذكر حمودة بن ساعي إقامته في مستشفى لاشاريتي la Charité شهر ماي 1935، ويسجل ما يأتي: “بعد العملية الجراحية التي أجرِيَتْ لي جاء العالِمُ الأستاذ إلى المستشفى. لكنه لمّا علم بخروجي منه بعث ببطاقة رسالية مؤثرة إلى صديقي مارسلان بل Marcellin Bell. وقد حافظتُ على تلك الرسالة المكتوبة بخط يده”. ويُضيف قائلاً في فقرات لاحقة: “لقد أرسل لي الشيخ ابن باديس رسالة بخط يده، ودعاني فيها إلى الانضمام إلى جمعية العلماء. فأجبته بأنه لا يمكن لي ذلك، لكنني أبقى وفياًّ وفاءً ثابتاً للمسعى الذي من أجله أُنشِئتْ. وكانت عندي مسوِّغات كافية لموقفي ذلك”.
19- ارجع الى ” فوكو في الصحراء” المذكور سابقا
20- ارجع الى ” الغرب في مواجهة الشرق” المذكور سابقا
21- ذلك بالضبط ما يقصده بن نبي بـ “الصراع الفكري”
22- وكذلك فيما يخُصُّ هذا المقتطف من “وجهة العالم الاسلامي”: “لو ظهر عقلٌ نيِّرٌ لحاولوا تحطيمه بكل الوسائل، وإنْ استعصى عليهم تحطيمه لجؤوا إلى تدمير عائلته لشلّ حركته”.
23- ارجع الى جريدة ” لوموند” عدد 12 جويلية 1930
24- ارجع الى جريدة ” لوبوبيلار” « Le populaire » عدد 05 مارس 1935 المذكور في ” فكر مناهض للاستعمار” المذكورة انفا
25- ارجع الى ك.كولو و ج.ر. هنري ” الحركة الوطنية الجزائرية: نصوص 1912-1954″ المذكور سابقا
26- ارجع الى ” النتائج الاجتماعية لسياسة الانديجان في الجزائر” (1930) “اوبيرا مينورا” المجلد3
27- ارجع الى ” خرائط توزع القبائل في المنطقة الباريسية” (1930) “اوبيرا مينورا” المجلد3
28- ما عسى أن تكون مهمة جهاز المخابرات psychological-service غير الانكباب على “تحاليل نفسية” وضبط ”بطاقيات نفسية”؟ وعبارة “الجهات المختصة “qui de droit )، ألا تدُلّ تحديداً على تلك المصلحة التي يتحدث عنها بن نبي؟ وفي الوقت الذي كان فيه ماسينيون يبوح بهذه “المُكاشفات” أصدربن نبي كتاب “الصراع الفكري” في القاهرة، وفيه يقول: “إن الاستعمار يستخدم بطاقة نفسية للعالم الإسلاميّ. وهي بطاقة تدخل عليها يومياًّ تعديلات مناسبة حسب المُتغيرات، ويقوم بذلك مختصون مُكلفون بحراسة ومراقبة الأفكار. والاستعمار يضع مُخططاته ويُصدر تعليماته على ضوء معرفة مُعمّقة بنفسية الناس في البلدان المُستعمَرة”.
29- ”افضلية الحل الثقافي” اوبيرا مينورا المجلد 1
30- المرجع السابق
31- ” حول لوحة بوسان” (1947) في “اوبيرا مينورا” المجلد1
32- ” الوضع الحالي للإسلام”(1929) “اوبيرا مينورا” المجلد 1
33- المرجع السابق
34- ”حال الاسلام” (1939)
35- المقصود هو “أعمال المستشرقين وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث”.
36- ارجع الى “”مُسلِم ذو نزعة إنسانية من القرن 20، مالك بن نبي” المذكور سابقا
37- بإمكاننا إحصاء عدد المرات التي رجع فيها بن نبي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى ماسينيون في مقالاته فيما يأتي:
ـ ذكره باسمه (وبصيغة إطراء) في مقال تحت عنوان “اللغة العربية في المجلس الوطني” La langue arabe à l’Assemblée nationale )، نُشِر في جريدة La République Algérienne بتاريخ 06 جوان 1948، كما ذكره في مقالين تحت عنوان “كُلّ حوار يخُصّ ضميريْن” Un dialogue implique deux consciences ) في جريدة La République Algérienne بتاريخ 10 جويلية 1953، و في “أُمسية حضارة إنسانية “ـ 3 La République Algérienne) بتاريخ 1 جوان 1951.
ـ لمّح إليه (بصيغة ذمّ) في مقال تحت عنوان “غوغاء استعمارية” Charivari colonial ) صحيفة Le Jeune Musulman بتاريخ 26 فيفري 1954، وفي مقال عنوانه “جريمة غير ر عادية” Un crime anormal ) جريدة La République Algérienne في 30 أكتوبر 1953، وذكره ثانية (بصيغة مدح ) في مقال عنوانه “في أُمسية حضارة إنسانية ـ 2 ) جريدة La République Algérienne، تاريخ 13 أفريل 1951.
ـ لمّح إليه في كتابيه “الظاهرة القرآنية” و “وجهة العالم الاسلامي”
ـ وفي مجال الفكر، اعترف بن نبي بأنّ ماسينيون كان على حقٍّ في تمييزه بين (التجديد) و(التجدُّد).
ـ يمكن أن نقف على بعض التشابه بين فقراتٍ من كتاب “وجهة العالم الاسلامي” في فصل “الاتصال الأول بين أوروبا والإسلام”، وبين نصّ لماسينيون يعود إلى سنة 1947، وعنوانه “تأويل الحضارة العربية في الثقافة الفرنسية” Interprétation de la civilisation arabe dans la culture française)، من كتاب « Opéra Minora », T.1 حول الأصول الريفية للحضارة الفرنسية والأصول البدوية للحضارة العربية، والتي نتج عنها “النمط الآري” و “النمط السامي”، وهو التصنيف الذي لجأ إليه بن نبي تحت تسميات أخرى في نظريته حول الأفكار وتناوب الثقافات.
ـ كان ماسينيون قد تحدث عن “خط استواء مكة “Méridien de la Mecque ) قبل بن نبي… كما يمكن أن نقف على بعض التقارب بين عبارة “محور طنجة ـ جاكرتا” عند بن نبي، وبين هذه الجملة لماسينيون: “كلّ المسلمين ملتزمون من جافا إلى المغرب.”.
وفيما عدا هذا الاستعمال المشترك لبعض الأدوات، لا يوجد أي دليل يشهد على وجود “تأثير” ماسينيون في تشكُّل فكر بن نبي.
38- إنّ الجزء الخاص بالسيرة الذاتية غير المنشورة لبن نبي يتكون من “العفن”(Pourritures)، ومِن مجموعة فيها 19 دفتراً سنتعرّض لها بتفصيل فيما سيأتي.
39- ”الثورة الافريقية” عدد 06 مارس 1968
