بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
قامت دار النشر سوي Seuil بنشر كتاب “وجهة العالم الإسلامي”ٍ (Vocation de l’islam) في سبتمبر سنة 1954، وهذا بعد قرابة ثلاث سنوات من حصولها على مخطوطته. ويتكون هذا الكتاب من تمهيد وستة فصول (مجتمع ما بعد الموَحِّدين، النهضة، فوضى العالم الإسلامي الحديث، فوضى العالم الغربي، السُّبُل الجديدة، طلائع العالم الإسلامي، وخاتمة تحت عنوان آفاق الإسلام الروحية) (1).
وقد تلقّت الأوساط الجامعية الفرنسية هذا الكتاب باعتباره إسهاماً كبيراً في التعريف بالعالم الإسلاميّ، كما حظي باهتمام كُبرى المجلات، إذ حظي بمقالات وعروض وتحاليل عديدة. فهذا الكتاب دراسة مثيرة بحصافة الآراء المطروحة، وفصاحة الكلمة، وجدة المُقاربة، وأهمّ من ذلك كله ما فيها من نبرة هادئة. ولأجل هذا كان كتاب “وجهة العالم الإسلامي” هو أكثر كتب بن نبي ترجمةً إلى اللغات الأخرى، والأكثر ذكراً من بين الأعمال التي قُدمتْ حول الإسلام.
ففي “مجلة علم السياسة” Revue de Science Politique يقول المؤرخ روجي لوتورنو Roger Letourneau: “إن هذا الكتاب الذي أُلِّفَ سنة 1950 ونُشِرَ سنة 1954 يبرهن عن كونه عملاً خالداً… والميزة الغالبة عليه هي ذلك المجهود الصادق والشجاع للوصول إلى رؤية موضوعية حول الوضعية. وبن نبي يستحق كل التقدير على رؤية الأشياء كما هي، لا كما يُريد أن تكون، وعلى نبذه للسيكولوجيا الوجدانية”.
ومما جاء على لسان إحدى شخصيات رواية “العطش” لآسيا جبار: “إنّ أخطر شيء هو الخمول والنوم ! فكلّ الحديث يدور حول المُعمِّرين والاستعمار. والشّرُّ كلُّهُ، كما ترون، يكمن في ذهنيتنا كمُستعمَرين وقابلين للاستعمار. هذا ما يجب تحريكه، وهذا ما يجب أن نقوله لهم بلغتنا”.
أمّا جان ماري دومناك Jean-Marie Domenach فيرى أن بن نبي “مُثير للإعجاب في تعاليه الدائم فوق الصراخ والعويل على المُعاناة الحاضرة”. وقد نشر أستاذ فرنسي مختص في الاقتصاد، وهو جاك اوستروي Jacques Austruy في “مجلة معهد العلوم الاقتصادية التطبيقية” دراسة تحت عنوان” الاسلام في مواجهة التطور الاقتصادي” حيث أعاد عرض أطروحات بن نبي وذكره كثيراً في هذه الدراسة التي سيُقدَّرُ لها أن تصدر لاحقاً في شكل كتاب (2).
ونُشِرَ في أحد أعداد مجلة Communauté algérienne مقالٌ تقريضيٌّ لهذا الكتاب. ومما جاء فيه: ”هذا منعرجٌ تاريخيّ حاسمٌ لأنّ كتاب بن نبي ليس مجرّد خواطر منطوية على نفسها، بل هو شاهد على إرادةٍ طيّبةٍ لدى المؤلف، دفعتْهُ إلى دراسة داخلية واعية لكلٍّ من المجتمع الإسلاميّ والمجتمع الغربي، والسعي إلى إقامة روابط جديدة ولكنْ متينة بينهما. وأعتقد أنّ تفتُّحاً بهذا المدى لمْ يُحقِّقْهُ إلاّ إقبال وبن نبي. والسِّرُّ في هذا الموقف المشترك بين الفيلسوف الهندي والمفكِّرِ الجزائري يعود إلى تديُّنِهما العميق وإلى ازدواجية ثقافتهما”.
وسينْحُو لويس جاردي Louis Gardet إلى نفس الاتجاه في وقت لاحِقٍ، إذ يقول: “إنّ كتابه الشهير ”وجهة العالم الإسلامي” علامةٌ على انتمائه إلى التيار الإصلاحي المعاصر، وعلى انتمائه أكثر إلى التيار الإصلاحي الإسلامي الهندي الباكستاني” (3).
ولمّا اطّلع المؤرخ الفرنسي جاك بينْوَا ميشان Jacques Benoist-Méchin على هذا الكتاب سنة 1960، وحصل على عنوان بن نبي في القاهرة بوساطة دار النشر Seuil كتَبَ له رسالةً يقول فيها: ”لا أجد العبارات المناسبة لأقول لكم مدى إحساسي بعظمة عملكم ومدى استفادتي منه بخصوص العالم الإسلاميّ. لقد لمستُ فيه مِن الوضوح والتأثير والإقناع ما ولّدَ عندي الرغبة في قراءة مؤلفاتكم الأخرى، وخاصة منها “الظاهرة القرآنية” و “شروط النهضة”… وأنا لكم مِن الشاكرين لو أخبرتموني إن كان بإمكاني الحصول على تلك الأعمال، وما هي الجهة التي يجب الاتصال بها لهذا الغرض…”
وبعد ذلك بعشر سنوات، وفي وقتٍ كان بينْوَا ميشان قد تعرّفَ على بن نبي، كتب له رسالة بتاريخ 28 أوت 1969 ليعترف له “بمدى سعادتي ومدى الثراء المعرفي الذي أخذْتُهُ مِن أعمالكم ومِنْ المُحادثات التي دارت بيننا. إنني أعتبر أعمالكم كمرحلة حاسمة وذات أهمية قصوى في تجديد الفكر الإسلاميّ… وكثيراً ما يحدث لي أن أعيدَ قراءة كتبكم وأرجع إليها، وفي كلّ مرّةٍ أجد أغواراً وأصداءً لم تخطر على بالي. وإنه لشرف عظيم لي أنْ أحظى بتقدير عقلٍ مُفكّرٍ مثل عقلكم”.
ويحكي بن نبي في كتاب “الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة” أنّ “جمعية العلماء” توقّفت عن صرف المنحة المتواضعة التي استفاد منها منذ بضعة شهور كي يتمكن من مواصلة عمله، وذلك منذ صدور كتاب ” العالم الاسلامي” (4).
وبما أن رئيس الجمعية الشيخ البشير الإبراهيمي أصبح مُقيماً في مصر منذ 1952، فإنّ نائبه الشيخ العربي التبسي هو الذي سيصُبّ عليه بن نبي غضبه، إذ كتب له رسالة يصعب تصديق بعض ما جاء فيها: “إنّ سكوتكم عن رسالتي الموجهة لكم بتاريخ 1 ديسمبر 1954 قد أقلقني كثيراً. ومع أنه ليس بإمكاني أن أفهم من صمتكم قبولاً منكم لبعض الحسابات الاستعمارية، فإنه ليس بإمكاني كذلك ألاّ ألاحظ مدى تزامن صمتكم مع مثل تلك الحسابات”.
كتاب “وجهة الإسلام العالم الاسلامي 2″
إنّ العارفين بآثار بن نبي يتفاوتون في علمهم بوجود آثار له غير منشورة، مثل: “الحزب الجزائري غير السياسي الاجتماعي” « Le PAS algérien » ، “« Pourritures »”العفن” ،« Le problème Juif » ”القضية اليهودية”، لكنهم لم يسمعوا بكتاب مُكمِّلٍ لـ “ وجهة العالم الاسلامي”. ومع هذا فقد وجدْتُ تلك التكملة في أرشيفه. ويتعلق الأمر بنص مخطوط يتكون من 136 صفحة مكتوبة على الوجهين في أوراق صفراء أو مُصْفرّة بفعل الزمن، وبدأت كتابته في لوات كليري بتاريخ 5 ديسمبر 1951، واختُتِمتْ بتاريخ 22 جانفي 1952 (5).
ويحتوي هذا المخطوط على مقدمة شُطِبَتْ منها إحدى عشرة صفحة، وفصليْنِ رئيسيين هما: “النزعة الباطنية في العالم الحديث، و “العالم الجديد”، و”خاتمة” تتكون من صفحتين. ويُبيّن بن نبي في مقدمة هذا الكتاب غير المنشور أنه “إذا كان كتاب “وجهة العالم الاسلامي 1” دراسةً داخلية للعالم الإسلاميّ من زاوية القابلية للاستعمار، ورؤية تاريخية لمسار تطوره، فإنّ “وجهة الإسلام 2 ” هو دراسة خارجية من أجل وضع مشكلة المسلمين في إطار المشكلة العالمية فيما هو قادم”.
وهو يؤكّد على أنّ هذا العمل الجديد مُستقلٌّ عن الأول: “وهذا هو السبب في أنني فكّرْتُ في وقتٍ ما في إخراجه تحت عنوان آخر، مثل “ألواح الإسلام الحديثة”. لكنني أعْرضْتُ عن ذلك لأنه بالإضافة إلى عدم مناسبة العنوان لعملٍ يقوم به إنسان بسيط، فهو عنوان قد يُخفي الوحدة الأساسية للدراسة”. وقد أُلِّفَ هذا الكتاب في ظروف سادها التشنّج في أقصى درجاته. ولهذا فبن نبي وضعه في مقام “الوصية”.
فقد بلغ القلق بمفكرنا حداًّ جعله يرى أنّ الحرب العالمية الثالثة كانت على وشك الاندلاع. ويجب ألاّ ننسى أنّ الأسطر الأخيرة من كتاب “وجهة العالم الاسلامي ” تضمنت “فرضية اندلاع حرب عالمية أقلّ ما يمكن توقعه من نتائجها أنها ستؤدي إلى تغيير جذريّ في كل مظاهر الحياة البشرية”.
لأجل ذلك فقد انهمك بن نبي، بدون تضييع أيّ وقتٍ، في قولبة ذلك العالم الجديد الذي سيولدُ على أنقاض العالم القديم. فهذا الأخير محكوم عليه بالتلاشي لأنه منقسم على نفسه إلى معسكرين متضادين، وكلاهما يملك وسيلة تدمير الآخر تدميراً شاملاً. وهو يتنبّأ أنه “في نهاية الحرب القادمة، لن توجد هناك عدة خيارات، فالعالم سيكون بكامله إمّا شيوعياًّ وإمّا رأسمالياًّ. فلا بُدّ أن يتلاشى أحد هذين النظاميْن”.
وهو يرى أنّ العوامل التي أدّتْ بالعالم إلى هذه الوضعية ليست معروفة بالكامل. فالعوامل “الباطنية” يجِبُ أنْ تُكْشَفَ للأجيال القادمة كي يتسنّى لها أن تؤسس العالم الجديد على قواعد سليمة: “كي يُفهَمَ العالم لا يكفي أن ننظر إلى مظاهره، بل يجب النظر في ذاته الباطنة. ذلك أنّ الوجه الظاهر الذي يبدو به العالم ليس في الغالب إلاّ صُوَراً تُرى بفضل مصباح سحري لا يَبُثُ على شاشة التاريخ إلاّ مشاهد مُصطنعة. فالأهمّ هو الذكاء واليد اللذيْن صنعا هذا التاريخ المُزيّف. والأهمّ هو القوة الخلاّقة التي تقف وراء تلك التمظهرات، أو سبب تلك الأحداث: إنها القوةُ التي تُجمِّعُ التعدد الظاهر الذي يبدو لنا في وحدةٍ أساسية لا تلتقطها النظرة العادية، ولا تراها العين الذكية، ولا يُدركها الفكر الذي لا يُتقن التفكير”.
فبن نبي ينتمي إلى طينة المُفكرين الذين يرون أنّ التاريخ “الرسمي” ليس في الغالب إلاّ تجميلاً للواقع وللحقيقة. وهو يُشفق على أولئك “المؤرخين الأبرياء” – مِن أمثال شارل موراسCharles Maurras – الذين لا يرون من العالم إلاّ ما يُرى، وإلاّ ما هو برّاق وصاخب، وبعبارة أخرى كل المظاهر التي يبدو بها، لكنهم لا يرون شيئا من واقعه الذي هو مُظلمٌ وصامت… فالتاريخ الحقيقي للعالم الحديث لا يزال في انتظار صُنعه، لأننا، إلى حدِّ الآن، لم نتعدّ حدود تاريخه الظاهر ”.
وأمام شبح تلك الحرب العالمية الثالثة الذي صار عنده أمراً حتمياًّ قد يُخيّم على العالم مدة قرن كامل، لم يصرف بن نبي نظره طرفة عينٍ عن مصير المسلمين ومصير الإسلام. وهو يرى أن هذه الحرب ستُفضي إلى إحدى النتائج الثلاث الآتية: فإمّا أن ينتصر المعسكر الرأسمالي، وإمّا أن ينتصر المعسكر الشيوعيّ، وإمّا أن يتلاشَيا معاً. ويُضيف قائلاً: “والواقع أنّ هناك إمكانية ثالثة، وهي المصالحة بين الشرق والغرب”.
لكنه سرعان ما يصرف نظره عن هذا الاحتمال الذي، مع ذلك، كان هو الاحتمال الذي تحقّق بعد نصف قرن. وهو ينصح العالم الإسلاميّ بالحياد لأنّ في ذلك نجاةً له من الدمار وإبقاءً لحظوظه في تحقيق انطلاقة سريعة. وهذا الرأي كفيل بجعله قريباً من الهند التي كانت دوماً تنتهج سياسة الحياد. والحاصل أنّ بن نبي وهو يكتب هذه الأسطر كان يضع الأسس النظرية لل”نزعة الأفروآسيوية” مُراهناً على فوائد التقارب بين الإسلام والبوذية والبراهمانية.
وهو يُوجه إلى العالم الإسلامي آنذاك – سنة 1952- دعوةً إلى “امتلاك التقنية، والتحكم في الطاقة النووية، وتجسيد النزعة العالمية، والتحلي بروح التخطيط… هذا هو الشرط الذي من شأنه أنْ يجعله في تناغمٍ مع التوجهات الغالبة وميول وحاجيات وروح المرحلة القادمة. وهذا كذلك هو الشرط الوحيد الذي سيُمكِّنُهُ من تصحيح الرأسمالية والشيوعية، والقضاء على العنصرية والاستعمار، دون أن يتنازل لليهودي عن قيادة العالم”.
وهو يتوقع أن الصدمة بعد الحرب قد تؤدي بالعالم، على المستوى الأخلاقي، إلى الارتماء في أحضان الإسلام، فيقول: “إنّ ما هو قادمٌ طوفان… لكن عندما تهدأ ثورة العاصفة، فيا لهول الطمي والوحل الذي سينتج عنها، وما أقسى الامتعاض الذي ستتركه في الضمائر والعقول في البلدان المتحضرة !” سيكون العالم بحاجة إلى فكرة مُواسيةٍ تعجز كلّ من المسيحية والشيوعية عن منحها للعالم: “إنّ وجهة الإسلام في العالم القادم يجب أن تُركّز بالأساس على البحث عن الناجين من جحيم النار والحديد… فالنزعة العالمية تتطلب وحدة أخلاقية مُطابقة للفكر القرآنيّ الذي سيتعزز موقفه بما سيقع من أحداث خطيرة… إنّ الإسلام بدءاً من الآن سيكون أحسن مُمثِّلٍ للحكمة من وجود العالم”.
حاول بن نبي أن يخترق الضباب الطاغي على أجواء الحرب الباردة كي يخُطّ الطريق التي يجب أن يسلكها العالم الإسلامي. ومع ذلك فهو لا يستبعد “تشكُّل تلاحمٍ بين المصالح والأفكار ضد العالم الإسلاميّ”، وهي الفرضية التي بدأنا نحسّ ببروزها في بداية هذه الألفية الثالثة، حيث نرى أنّ كُلاًّ من الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا وأوروبا، والهند، وحتى الصين (وهذا أخوف ما يُخاف)، يبدو عليهم السعي الحثيث إلى تحقيق تحالف ضد الإسلام بدافع الحرب ضد الإرهاب.
كتاب “النزعة الأفروآسيوية” L’Afro-asiatisme”
يُستفادُ من دفاتر بن نبي السِّرِّيَّة أنه توجه إلى سفارة الهند في القاهرة في شهر جويلية سنة 1954، أثناء رحلته الأولى إلى هذه المدينة، وذلك لكي يطرح على السفير مشروع كتاب يتناول “النزعة الأفروآسيوية”، ويقول عن ذلك: “كان موافقاً على نشر الكتاب تحت رعاية حكومته حالما كان جاهزاً”. وقد بدأ تحريره فعلاً بتاريخ 11 أكتوبر 1955 وكان ينوي اختيار هذا العنوان: “النزعة الأفروآسيوية: مُسوّدة مَذْهَب”). وجاءت المقدمة مؤرخة في 03 ديسمبر 1955 وتضمنت مقولة لنيتشه:” اكتب بالدم لتَعلَمَ أنّ الدم روح”.
ويؤكد بن نبي في كتاب “الصراع الفكري في البلدان المستعمرة” هذه المعلومة التي كشف عنها: “إن فكرة كتاب “النزعة الأفروآسيوية” كانت قد وُلِدتْ في عقلي قبل مؤتمر باندونغ. وقد تحادثتُ عنه مع الممثل الديبلوماسي لبلد آسيوي كبير عاماً قبل ذلك، وكان ذلك في جويلية سنة 1954 تحديداً. وتمحْوَرَ موضوع تلك المُحادثة حول الدراسة التي كنتُ أنوي القيام بها حول الشروط العامة لميلاد جبهة مُحايدة مستقلة عن المُعسكريْن” (6).
صدر هذا الكتاب الذي كان في درجة إلهام “وجهة العالم الاسلامي ” في القاهرة في شهر نوفمبر 1956 بإهداء للرئيس جمال عبد الناصر “الرجل الذي تتجسد فيه ثورة مزدوجة، سياسية ونفسية، لتُسجل ميلاد القيادة التقنية التي افتكّت قيادة التاريخ من أيدي القيادات الديماغوجية في العالم الإسلامي”. وصدرت النسخة العربية في شهر ديسمبر بمقدمة كتبها الرئيس الأسبق أنور السادات.
افتُتِحتْ أشغال مؤتمر باندونغ في أفريل 1955، وحضرته كل الشخصيات الرمزية في العالم الثالث: نهرو، جمال عبد الناصر، شو أن لاي، سوكارنو… ويُعتبر هذا الاجتماع بحد ذاته حدثاً عظيماً. ذلك أنه جمع لأوّل مرة في التاريخ أكبر قارتين في العالم من أجل ضبط طريقة التعامل مع القوتين العُظميين المُتصادمتين فيما يُسمى بالحرب الباردة. أمّا أوروبا فقد اعتبرت هذا المؤتمر محاولة من الاتحاد السوفياتي لتطويق البلدان الغربية. فإلى أية كفة سيميل الميزان يا تُرى؟ إنّ الموقف الذي تمّ الاتفاق عليه في المؤتمر هو الحياد.
وأمّا بن نبي فقد اعتبر الحدث فرصة، ليس لإنشاء مُعسكر ثالث فحسب، بل لتشييد حضارة أفروآسيوية. وكان في أعلى درجات التحمس للفكرة، إذ بدا في صورة المفكر المُهتاج الذي يرى قدوم الظروف المناسبة لتجسيد رُؤاه: فكان مثل ماركس بمناسبة تشكيل الاشتراكية الدولية L’internationale socialiste، أو بمناسبة قيام الثورة الفرنسية سنة 1848.
كان بن نبي يرى من خلال هذا الحدث إمكانية ظهور ديناميكية بين القارتين، ويرجو أن يكون ذلك انطلاقة للإدماج العالمي. ونشعر لدى قراءتنا للكتاب بأنه ألّفه على عجل وفي حالة هيجان. وجاء هذا العمل ثرياًّ بالمرجعيات، والأمثلة الحيّة، والملاحظات، والوثائق التي كان بإمكانه أنْ يستغنيَ عنها، ممّا يدُلّ على أنه كان مُتفاعلاً تماماً مع لحظة تاريخية حاسمة، وهو راغب في تجاوز ذلك التاريخ وإرغامه على اتباع اتجاه مُحدد.
وقد ذُكِرَ هذا الكتاب في تقديمٍ مُغْرِضٍ نُشِرَ في جريدة Le journal de Genève بتاريخ 08 ماي 1957. وسيحظى باهتمام شديد في كل ما نُشِر في المجلاّت والنشريات المتخصصة، كما ذُكِرَ في المؤلفات التي صدرت بشأن مؤتمر باندونغ. وممّن أشار إلى هذا الكتاب بكثرة الصحفي الكبير جان لاكوتير Jean Lacouture، وكذا الديبلوماسي المصري بطرس بطرس غالي في وقت لاحق.
إنه مِنْ غير الممكن فهم وحدة فكر بن نبي العضوية وتواصله، ولا أن نؤرخ أفكاره أو نفهم الصلة بين المواقف التي اتّخذها وبين أحداث التاريخ، إلاّ إذا كنا على دراية بالأحداث الكبرى التي مرّ بها في حياته. فنقطة انطلاق تفكيره في الحضارة تعود إلى طفولته كما عرفنا آنفاً. وتبلْوَرَ تفكيره هذا أثناء إقامته في فرنسا حيثُ أُتيح له أن يكتشف الحضارة التي شرب من نهرها بفضل زواجه بفرنسية، وبفضل دراساته وقراءاته ومُخالطته للمحيط الفكري. فقد امتزجت حياته بفكره ليُشكِّلا ملمحه النهائي. وكانت نتيجة كلّ ذلك حصيلة كبيرة امتدت من سنة 1946 إلى سنة 1956، وهي الفترة التي شيّد فيها الهيكل العام لفكره على أساس ثلاثيته الشهيرة المتكونة من “شروط النهضة” و “وجهة العالم الاسلامي ” و “النزعة الأفروآسيوية”.
وسيُتاحُ له أن يُقويّ ذلك الهيكل بثلاثية أخرى متكونة من “الصراع الفكري” و “مشكلة الثقافة” و ”ميلاد مجتمع”. وكان بالإمكان أن يُضاف إلى هذه الثلاثية كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” لولا أنه انقطع عن تحريره في الفصل الثالث بعد أن بدأ تأليفه في ديسمبر سنة 1959 وهو مقيم في القاهرة.
صار بن نبي الآن رجُلاً في الخمسين، وقد بلغ أعلى درجات وعْيه وتمكّنه الفكريّ. وهو أقرب إلى المثقف الشغوف بالفكر منه إلى المناضل الساعي للحصول على وسائل العمل. وقد صار واعياً بالأثر الذي تركتْهُ تحاليله في نفوس بني جلدته. وهو الآن نموذج للإنسان المُتفاني في خدمة البشرية، والمُؤْثِرِ للغير على نفسه.
وقد يستعمل بن نبي ضمير الغائب وهو يتحدث عن نفسه. ومثال ذلك ما جاء في هذا النص غير المنشور: “راح يُحرّك بمذرأته كلّ الأدران التي نام عليها العالم الإسلامي في ليل الانحطاط. والمؤكد أن تلك العملية التطهيرية للاسطبلات قد صدمت بعض الأذواق الرهيفة التي تخاف أن تشتم الروائح النتنة، وتُفضّل الإبقاء على الأشياء كما هي، وهي الحالة التي سميتُها بحالة ما بعد المُوحِّدين”.
وكانت في انتظاره تجربتان جديدتان كلّ الجدّة، وهما: الثورة الجزائرية، والغوص في أعماق المشرق. وإضافة إلى ذلك فإنّ سفره إلى القاهرة سيُمثِّلُ مُنعرجاً هاماًّ في حياته الخاصة. فسيُطلِّقُ زوجته بولات فيليبون (Paulette Philippon التي اختارت اسم خديجة بعد إسلامها)، والتي كانت مريضة وعاجزة عجزاً شبه كلّيٍّ، وهي التي أمضتْ معه خمساً وعشرين سنةً وكانت له أحسن عونٍ من الناحية الوجدانية والمعنوية والفكرية والاجتماعية والمادية.
وقد قدّمها لنا بن نبي منذ سنة 1931 في مذكراته غير المنشورة بهذه العبارات: “كانت تُفيدُني ببواطن الأشياء التي لا أراها إلاّ من الخارج، وكأنها تراها من الداخل أو كأنها تُجسِّدُها. وبالفعل فقد كانت تُجسد قيم الحضارة التي كانت تستقطب اهتمامي بدرجة نسبية من الوعي. والواقع أنني كُنتُ برفقة مدرسة حقيقية، فقد صارت زوجتي مصدراً ثرياًّ من المعلومات وأرضية مناسبة لتكوين طبعي لأنها كانت تضعني، من الناحية الفكرية والأخلاقية، في حالة مواجهة مباشرة مع فضائل وعيوب بني جلدتها وحضارتها. وما أكثر الأشياء التي فاتَني تعلُّمُها في تلك المدرسة ! “
وهو يشهد لها بامتنانه وإعجابه في مواضِع عديدة من مذكراته ودفاتره التي تضمّنتْ صفحات كاملة مُخصصة لملمحها الأخلاقيّ. ومِن ذلك: “كانت بالغة الحرص على حسن تسيير بيتها، ويظهر ذلك في أبسط الأشياء… فقد تعلّمتُ منها أن أضع حذائي على قطعة قماش مُلازمة لمدخل البيت، وذلك لتفادي إفساد وجه العتبة البرّاقة مثل المرآة من كثرة مسحها. وفور الفراغ من تناول الطعام وإزالة الغطاء من فوق الطاولة التي كُنّا نتناول عليها وجباتنا، فإنها تحرص على تزيينها بمختلف الأشياء التي تتوسطها باقة زهور تُجددها خديجة كُلّما ذهبت إلى السوق. أتيح لي أن عرفتُ معها ألواناً من التزيين بفضل مهارتها في تحويل المشتريات الزهيدة إلى تُحفٍ جميلة. ويعود لها الفضل في تمكُّني من إدراك جانب هامٍّ من الحضارة، وهو تنظيم حياتي المادية على نمطٍ مُعيّن، وهذا ما لا نجده في أي كتاب”.
ولم يُهمل بن نبي الجانب الحسي من أوصاف زوجته. فقد ترك لنا مخطوطة تتكون من ثماني صفحات مؤرخة في سنة 1936، وهي تحت عنوان: “مشاكل بيت بن نبي”. لقد وصفها بأسلوب يشبه أسلوب بالزاك، عارضاً الروابط التي تربطه بها قائلاً: “وجهٌ يعكس مزيجاً من الإحساس المرهف والهدوء، ممّا يُعطيها صورة المواساة وهي تُحدِّقُ الألم. كان شعرُها بلون عسليّ مثل عينيها، وهو يتدلى على رقبتها وكتفيها. ولونها الأبيض بسُمرة خفيفة كان يرسم على وجهها الدائريّ الممتلىء بتجعيدة خفيفة فوق الذقن، علامةً الجِدِّ التي تُناسب بعض الشّعيرات البيضاء التي تتخلل ظفائرها الكثيفة والطويلة، وهو من مؤشراتِ امرأة حريصة على مُسايرة الموضة. وكانت ملامحها العادية تنبض لطفاً وطيبةً”. وهذا وصف أمْيَل إلى الجانب المعنوي منه إلى الجانب الحسّي، ولا غرابة في ذلك لأن بن نبي كاتب مسلم مُلتزم.
وفي تلخيصه لتلك الوحدة التي جمعته بزوجته فضّلَ بن نبي استخدام ضمير الغائبين، إذ يقول: “كانا، من حيث الوحدة العاطفية والأخلاقية التي لا تقبل الانفصام، يُمثلان ذلك الزوج الأبدي منذ آدم وحواء”. والأرجح أن بولات كانت في الثامنة والثلاثين. وكان بن نبي يُقاسمُها قدراً كبيراً من الحميمية الفكرية والأخلاقية والسياسيّة.
ويعود بن نبي إلى أولى أيام علاقتهما قائلاً: “كانت حياتُنا الزوجية اليومية تبدأ في المساء عندما أعود إلى البيت. وكُنتُ آخذ قسطاً من الراحة وأنا أتناول الشاي رفقة خديجة وأتبادل معها الحديث حول الشؤون الجزائرية أو بعض الأشياء الخاصة بمنطقتنا. كانت تُحبُّ رؤيتي وأنا أقرأ القرآن بصوتٍ عالٍ بعد صلاة المغرب. كما كانت تطرح عليّ بعض الأسئلة أو تُبدي مُلاحظات، شأنُها شأن أيّ مُتديّنٍ حديث العهد… وبعد وجبة العشاء تنكبّ على إعادة تنظيم الطاولة التي أستعملها كمكتبٍ للعمل. وإذا فرغْتُ من صلاة العشاء عُدْتُ إلى عملي”.
لم تتزوج به وحده، بل تزوجت بأفكاره والتزامه، ممّا جعله يُسجل هذه الملاحظة في مذكراته غير المنشورة: “صارت خديجة مثلي”. وسيُكتبُ لهما أنْ ينفصلا وألاّ يلتقيا ثانيةً إلاّ بعد خمس عشرة سنةً، ولأيامٍ معدودةٍ فقط. وكان بن نبي وهو في القاهرة يُرسل لها مبالغ مالية بانتظام كي تُغطي بها حاجياتها.
وهذه رسالة منها إليه مؤرخة في 07 مارس 1961 ضمّنتْها رأيها في شأنٍ من الشؤون كان بن نبي قد استشارها فيه: “أوافقك الرأي فيما يتعلّق بإمكانية إرسال “النزعة الأفروآسيوية” إلى دار نشر Seuill. فلا يجوز لك أن تُخفي شيئاً. ذلك أنّ كاتباً بمستواك لا يليق به أن يبتُر فكره. فما تراه في الأحداث وما تُحِسُّ به يجب أن يكون منعكسا في كتابك بامانة تامة. وكُتُبُك في مستوى أعلى من آراء العقول الصغيرة والمُتزمِّتة..” (7).
ويبدو مما سجله في دفاتره أنه كان شديد الحرص على تتبّع مسار المراسلات مع زوجته، إذ كان يشعر بالقلق على ضياع رسالة أو على تأخر وصول الإجابة. فتلك المُبادلات بينهما كانت عُرضة لرقابة الشرطة المُسلّطة على كليهما‘ إنْ في فرنسا أو في مصر. وبالإضافة إلى المبالغ المالية التي كان يُرسلها لها بانتظام فقد منحها حقوق تأليف كتاب “وجهة العالم الاسلامي ” التي كانت تُرسلها لها دار نشر Seuil لأنها مُسجلة باسمها (8).
وآخر رسالة كتبتها بولات لزوجها مؤرخة في 04 أوت 1962، أي بعد استقلال الجزائر بأيام قليلة. ثُمّ يختفي اسمها من دفاتر بن نبي حتى سنة 1971، حيث نجد ملاحظة تخُصُّها مؤرخة في 15 سبتمبر. كان بن نبي على متن طائرة وهو يشق الأجواء الفرنسية في طريقه إلى الولايات المتحدة عندما مرّت زوجته بخاطره، وقد يكون ذلك بسبب إحساسه بقرب نهايتهما معاً: “أفكر في تلك المنعزلة الضائعة المهجورة. أتضرّع إلى الله، خاصة في هذه الأوقات الأخيرة، أنْ يُتيحَ لنا لقاءً قبل الرحلة الكبرى. لمْ تُتح لي نشوة تمكينها من قراءة الجزء الثاني من (مذكرات شاهد على القرن) والذي يخُصُّنا معاً”.
ومما جاء في مُلاحظة سجّلها بتاريخ 2 أكتوبر سنة 1971: “أنا أفكّرُ، منذ وصولي إلى أمريكا، في التعريج على لوات كليري عند عودتي. فأنا بحاجةٍ إلى رؤية خديجة قبل أنْ أُغادر هذا العالم”. وبالفعل فقد توقّف في باريس عند عودته وهو يُردّد: “أنا بحاجة إلى رؤية خديجة قبل أن أغادر هذا العالم”. وحلّ في لوات كليري صبيحة يوم 06 أكتوبر 1971 حيث وجدها “مريضةً وقد تقدّم بها العمر بشكل محسوس”. وأمضى رفقتها خمسة أيام.
وقد سجّل فراقهما بشكلٍ نهائي في ملاحظة مؤرخة في 11 أكتوبر، وهو الفراق الذي حضرته، في صمتٍ جنائزيّ، وجوهٌ كأنها مخلوقات ناجية من سفينة النبي نوح أو كأنها مِن مشاهد سيرة الملك سُليمان:” راحتْ خديجة تنظر إليّ وأنا أغادرها، وهي في ثياب النوم. ولقد امتنعتْ هذه المرة عن سكب ماء العودة على آثار خُطايَ كما كانت تفعل في السابق. فيا تُرى هل سيُكتبُ لي أنْ أراها ثانيةً؟ أنا اليوم أغادرها وهي مريضة، وأنا نفسي كُنتُ أعاني من تمزّقٍ طفيف في العملية الجراحية التي أجْريْتُها. وأشهد أنّ خديجة كانت تُداوي لي ذلك التمزق طيلة مُقامي عندها، وهذا ما فعلتْهُ خلال صبيحة هذا اليوم بالذات.
لكن موجةً من اليأس سرعان ما استولت عليها وهي تصُبّ لي القهوة، وكمْ تمنّيتُ لو استطعْتُ أنْ أساعدها على تخطّي تلك اللحظة المشؤومة ! والمُحيِّرُ في هذا أنني أمْضيْتُ معها خمسة أيامٍ في سعادة تامة، وليس أبْعَدَ من صباح أمس كُنتُ قد سمعتُها وهي تترنم بأغنية قديمة وهي في المطبخ، تماماً كما كانت تفعل أيامَ شبابنا في باريس.
لقد روَتْ لي طيلة خمسة أيامٍ مأساة حياتها في الوحدة، وخاصة بعد وفاة أُمِّها أشهراً معدودة بعد سفري إلى مصر سنة 1956. كان عزاؤها الوحيد منذ ذلك الوقت هو الطبيعة، وخاصة الطيور التي تُرافقها طيلة اليوم والتي كانت تقترب منها ما دام القط بعيداً عنها لأنه كان يُخيف حتى Fanfan الببغاء التي ترعاها في قفصها. وخلال النهار كانت اليمامات تحُطُّ على مِشكةٍ كانت قد وضعتْها خلف شجرةٍ وتُزوّدُها بالحبوب في انتظام كي تأكل منها كلّ طيور الناحية.
كما روتْ لي قصة Saturnin، وهو زرزورها الذي وجدتْهُ في صباح يومٍ من الأيام عند باب بيتها وهو يرتعش من شدة البرد، والذي لولا رعايتها لفقدَ الحياة. ومع أنه التحق بسرب من الزرازير بعد أن استرجع قوته، فقد بقي وفياًّ لها إذ كان يزورها بانتظامٍ وكأنها أمّه بالتّبنّي”.
بتاريخ 26 ماي 1973، كان بن نبي منهمكاً بتنظيم ندوة في بيته، وهو مُحاطٌ بتلاميذه (ومن بينهم كاتب هذه السطور)، لمّا جاءه ساعي البريد في الساعة 17.00 ليُسلمه برقية آتية من المستشفى الذي توفيتْ فيه بولات - خديجة – أوقف الأستاذ ندوته في الحين، وانسحب إلى بيته كي ينقل الخبر إلى بنتيه، وطلب منهما أن تتوضّآ استعداداً لصلاةٍ جماعية على روح الفقيدة، فهي “ مِن أكبر الضحايا في سبيل الإسلام”.
ويواصل بن نبي روايته في يومياته قائلاً:” توضّأْتُ أنا بدوري وصلّيْت. لم أتمالك نفسي وأنا أكتم شهيقا في حلقي، لكني كُنتُ أشعر كذلك بأن الموت جاء ليُخلِّصَ خديجة من الوحدة ومن مرضها الذي أثقل كاهلها. عند ذلك تحوّل شهيقي إلى تضرُّعٍ، فـ “يارب. اكتُبْ لي أنْ أراها في كنف السلام الأبدي عندك”.
(يتبع)
المراجع:
1- جاء في ملاحظة لصالح بن ساعي أنّ “الكتاب نُشِر في دار النشر Seuil بعد تنقيح عدد من فقراته”.
2- جاك اوستروي :” الاسلام في مواجهة التطور الاقتصادي”، منشورات اوفرياي Ed. Ouvrières ، باريس 1961
3- لويس غارديت:” رجالات الاسلام”، منشورات هاشات Ed. Hachette ، باريس 1977
4- مما قاله بن نبي في هذا الكتاب: “من الواضح أن ردّة فعلٍ من هذا الطراز كانت جزءاً لا يتجزّأ من رغبة الاستعمار، مُجدّداً، في فصل العمل عن القضية التي يُدافع عنها المؤلف، وتحويل المعركة الجارية بينه وبين الاستعمار إلى معركة بينه وبين ذويه”.
ولم يذكر بن نبي هذه الحيثية من أجل تصفية حسابات، بل لكي يفُكّ رموز الأساليب المستخدمة في الصراع الفكري ويُواصل قائلاً: “هل يكمن العنصر الأساسي بإزاء مثل هذه الحالة في فساد شخصٍ واحدٍ من بين الأشخاص المُشرفين على تسيير “جمعية العلماء” عندما تكفّلتْ بتمرير هذا التلميح من الاستعمار بنقلها شفاهاً إلى قادتها؟ أمْ أنّ الأمر يتعلّق بالفقر الفكريّ الرهيب الذي أبْداه هؤلاء القادة أنفسهم، وهم الذين أثبتوا كذلك قلة كفاءتهم في جميع المناسبات. وأخصّ بالذكر المرحوم الشيخ المُبجّل العربي التبسي الذي أعرف استقامته ونزاهته الأخلاقية. لكنه من الناحية الفكرية كان في مستوى منحط جداًّ. فهو لم يتوقف عند حدّ إظهار اقتناعه بما جاء في التلميح المُغرِض، بل راح يستميت في الدفاع عنه دون أن يعرف أنّ موقفه بالذات كان في حسابات الاستعمار بمثابة عامل حاسمٍ وكفيل بإبعاد المؤلِّف عن القضية التي يُدافع عنها. لقد تحمّل الشيخ المرحوم وزر ذلك الموقف لأنه كان يجهل أن الصراع الفكريّ هو أوّلاً صراع يشحذ أسلحته في أعماق النفوس والعقول”.
5- أي: عامان بعد نشر كتاب “وجهة العالم الاسلامي”. وبذلك يتضح مضمون الفقرة الأولى من الخاتمة: “في آخر هذه الدراسة، يتضح لي أننا بحاجة إلى جزءٍ ثانٍ يُعالج بالإيضاح بعض الأوجُهِ التي بدا لي أنه من الواجب تركها جانباً”.
6- كان بن نبي شديد الاهتمام بالهند منذ أن اكتشف طاغور وهو مُراهق. وازداد اهتمامه بها بسبب إعجابه بالأثر الأخلاقي والسياسي الذي سجله غاندي عندما كان مُقيماً في باريس. ولمّا نضُج خصّ الهند وأَعلامها في الفكر والسياسة بقسط كبير من كتاباته سواء قبل التقسيم أو بعده. وبالإمكان الاستشهاد لذلك بالمقالات الآتية: ” تكريم رسول اللاّعنف”، صحيفة Le Jeune Musulman الشاب المسلم بتاريخ 30 جانفي 1953)، (“رومان رولان ورسالة الهند” 1، 2. صحيفة le JM بتاريخ 26 جوان 1953 و 22 جانفي 1954)، و (“عالمية اللاّعنف”. جريدة La République Algérienne بتاريخ 18 ديسمبر 1953). وحصل له أن ارتبط بأحد رفقاء غاندي المسلمين، وهو مولانا أبو القلم أزاد (1888- 1958)، الذي كان وزيراً للتربية. ووجدنا في أرشيف بن نبي رسالة مؤرخة في 29 أفريل 1956 كان قد وجهها إلى السيد ميهار سينغ وزير الخارجية الهندي.
7- إن هذه الرسالة تؤكد الأطروحة القائلة إن بن نبي كان قد اقترح على دار نشر Seuil نشر كتابه، ونظراً للشروط غير المقبولة التي اشترطتْها فقد تراجع عن اقتراحه. فالأمر هنا لا يعدو أن يكون إعادةَ نشرٍ للكتاب.
8- يُستفاد من حسابات قامت بها دار النشر Seuil، أن 8000 نسخة تكون قد بيعت من هذا الكتاب.
