Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (22)‏

حياة مالك بن نبي (22)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

تلقى بن نبي استدعاءً من محافظة الشرطة بباريس في بداية سنة 1952 وهو في بلدة لوات كليري. ‏فخطرتْ بباله فكرة عجيبة، وهو أنْ يتظاهر بالجنون كي يصرف اهتمام الشرطة بشأنه. أمّا زوجته فقد ‏كتبتْ رسالة إلى الدكتور خالدي تُخبره بما جرى، وهي تعرف أنّ الشرطة ستطّلع على المراسلة. لكن ‏بن نبي لم يستمر في تظاهره بالجنون لمدة طويلة، إذ عاد إلى الجزائر وحلّ في مدينة سكيكدة التي يقيمُ ‏فيها الدكتور خالدي. وبعد بضعة أيام من الاستراحة واصل طريقه إلى تبسة، وبدأ حينئذ في التخطيط ‏للفرار.‏

وكان له رفيق من بلدة كانروبار القريبة من مدينة أم البواقي، اسمه قالي طيب، وهو الذي رافقه ذات ليلةٍ ‏واستطاعا الإفلات من يقظة الشرطة، إذ خرجا من المدينة وراح بن نبي يقطع مسافات طويلة سيراً على ‏قدميه “حوالى سبعين كلم”، لكنه في النهاية قرر أنْ يُقلِعَ عن محاولته. جرى ذلك في شهر جويلية سنة ‏‏1952، واختار أن يُطلق على تلك المُغامرة اسم “الهجرة” (1). ثُمّ اكتفى بوظيفة مُعلّمٍ في إحدى الأُسَرِ ‏السكيكدية. وقد أتيح له أن يُشاهد في هذه المدينة ذلك الفيلم المصريّ الشهير الذي عنوانه “فجر ‏الإسلام”، والذي أبكاه من شدة التأثر. وكانت الشرطة تستدعيه من حين لآخر لتُمارس عليه ألواناً من ‏الابتزاز.‏

ولمّا نشر رولان ميات ‏Rolland Miette‏ مقالاً نقدياًّ حول السياسة الزراعية التي انتهجتها الحكومة ‏المصرية الجديدة، أجابه بن نبي بمقال نشره في شهر سبتمبر دفاعاً عن تلك السياسة (2). ونظراً لكون ‏الاستعمار الفرنسي مُتضايقاً أشدّ التضايق ممّا يجري في مصر، حيث وُضِع حدّ للنظام الملكي، فراح بن ‏نبي يُضاعف مقالاته دعماً للسلطة الثورية التي كان يُمثلها الجنرال محمد نجيب. ومما نشره في هذه ‏الفترة مقال تحت عنوان “موكب مُزدان بالزهور(‏Corso Fleuri ‎‏) (3) تكريماً لهذا الأخير. وكان ‏يرى في السياسة المصرية تطبيقاً فعلياًّ لأهمّ الأفكار التي قدّمها في كتاب “شروط النهضة”.‏

عاد إلى فرنسا وبادر بإيداع نُسخٍ من كتبه في سفارات البلدان الإسلامية في باريس، ومِن بينها سفارة ‏مصر الجديدة التي استُقبِلَ فيها من طرف المستشار الثقافي وسلّم له كلّ أعماله مع كلمة إهداء وكذا ‏رسالة إلى محمد نجيب. لكنه لم يتلقّ أيّ رد عنها.‏

وفي مارس 1953 نشر مقالاً تحت عنوان “نهاية ذِهان” (‏La fin d’une psychose ‎‏) (4) حيّى فيه ‏تبنّي دستور جديد في مصر التي صار يرى فيها “جزءاً بسيطا من استعداد البلدان الإسلامية لدخولها ‏المُشرِّف في التطوُّرِ العام الذي يبدو أنه حتمية تاريخية ستُفضي إلى الدخول في عصر العائلة البشرية ‏الواحدة، الموحدة، والمُؤمَّنة، دون أية عقدة تفوُّق أو نقص بين أعضائها”. وفي شهر أفريل نشر مقالاً ‏عنوانه في درجة عالية من البلاغة، وهو “الواجب سياسة أيضاً” (5). وفيه يرى أن البشرية “قد ‏أصابها ضربٌ من التردد المُهلْوِس بين الماضي والمستقبل”. ‏

بقي بن نبي ملتزماً بسيرته المعتادة عندما يكون في تبسة، فهو لا يخرج من بيته إلاّ ليلاً. كما بقيت ‏الشرطة تراقبه عن كثب. ويصف لنا تلك المرحلة في مذكراته قائلاً: “لم أعُد أشعر باليأس القاتم وعديم ‏الأفق كما كُنتُ أشعر في الصيف. وبالرغم من الضغط العالي الذي كانت تفرضه عليّ الشرطة، فقد ‏كانت تُحرّكني روح المقاومة الناجمة عن السكينة المعنوية التي تُتيحها الصلاة”. ‏

عاد بن نبي إلى زوجته في لوات كليري خلال شهر جويلية. وهناك أصابه مرض ألْزَمه الفراش طيلة ‏شهر، ممّا دفعه إلى ترك التدخين. وفي تلك السنة عُيّن الدكتور خالدي في البعثة الطبية المرافقة للحُجاج، ‏فاغتنم بن نبي الفرصة وطلب منه أن يعمل على نشر كُتبه في الشرق الأوسط. لكن محاولته لم تُثمِر ‏شيئاً ولم تلقَ كُتُبُهُ أيّ صدى.‏

على الساحة السياسية تمكن “حزب الشعب” من عقد مؤتمره في شهر أفريل 1953 بالجزائر بعد فترة ‏من الغموض. وكان مصالي غائباً لأنه كان رهن الإقامة الجبرية في نيور ‏Niort، لكن ظلَّهُ بقي مُخيِّماً ‏على أشغال المؤتمر. وقد كتب بن خدة عن ذلك يقول: “أمام عجزنا عن بلورة مذهب كافٍ، بقينا نُمارس ‏‏”المصالية” التي كانت عندنا بمثابة مبدإٍ”. لكن الأحداث الجارية كان لها بالغ الأثر في المُشاركين، إذ ‏كان عليهم أنْ يتحرّكوا وأن يبيّنوا مواقفهم في لعبة السياسة، وأنْ يُزيلوا الغموض عن موقف حزبهم تُجاه ‏تطلّعات الجماهير الشعبية. ‏

وعلى نقيض ما جاء في عرض بن خدة لما حدث، فإن أحمد محصاص كان يرى أنّ “التيار المعتدل” ‏الذي يمثله حسين لحول وبن خدة وكيوان “قد منع المُعارضين من المشاركة في المؤتمر” (6). صار من ‏غير الممكن إخفاء الأزمة النائمة منذ 1951 في حزب انتصار الحريات الديمقراطية‎ PPA-MTLD ‎‏ وقد ‏جرى تعديل عميق في قيادة الحزب واُبعِدَ المُقرّبون من مصالي الذي ردّ الفعل بنزع الثقة من الأمين ‏العام، هو بن خدة، وطلب “سلطات مُطلقة من أجل إعادة إحياء الحزب”. وقد حُكِمَ على طلبه بأنه ‏مناقض للقانون الداخلي ورُفِضَ مِن قِبَلِ اللجنة المركزية. وكان ذلك بالنسبة لمصالي بمثابة خطيئة ‏كبرى.‏

وبمناسبة صدور “نداء إلى تأسيس جمعية فرنسا-المغرب (‏France-Maghreb ‎‏) كتب بن نبي نصاًّ ‏بعنوان “حوار يشملُ ضميرين” (‏Un dialogue implique deux consciences‏) (7). وقد ‏استُدْعِيَ باختلاق كلّ الذرائع واستُنطق مراراً في قسم الشرطة بسكيكدة.‏

وكان ينشر من حين لآخر مقالات في جريدة “البصائر” بالعربية، كما كان يوقع على مقالاته باسم ‏مُستعار “بن كبير” في جريدة ‏La République algérienne ‎‏. ومما جاء في مذكراته حول ‏‏”العلماء”: “ممّا يجب تسجيله مِن إيجابيات النهضة الجزائرية في الفترة الحالية ذلك النجاح الباهر الذي ‏حققه الشيخ البشير الإبراهيمي بمناسبة إقامته القصيرة في المشرق من أجل تنظيم البعثات العلمية ‏خصوصاً. فالفضل يعود إلى جهوده في تمكّن كثير من الشباب الجزائريين من شدّ الرحال في اتجاه بغداد ‏أو القاهرة من أجل الدراسة أو إكمالها. ويبدو أنّ الإدارة منشغلة أشدّ الانشغال بهذا الشأن”.‏

وكان بن نبي يُتابع بعثة الخبير الألماني في أنشطتها عبر بلدان العالم الإسلاميّ، ويصوغ آراءه حول ‏المسائل الاستراتيجية والاقتصادية الدولية، وهي الآراء التي ستُشكل أهمّ أطروحاته في كتاب “النزعة ‏الأفروآسيوية”. وبالموازاة مع ذلك كان شديد الاهتمام بالأحداث على الساحة العالمية وبالأخبار العلمية.‏

في المغرب في العشرين أوت، أقْدَمتِ الحكومة الفرنسية على تنحية العاهل المغربي. وبهذه المناسبة ‏نشر بن نبي سلسلة من المقالات الداعمة للملك (8). ولمّح في إحدى تلك المقالات إلى الضغط الذي ‏يُمارسه عليه الاستعمار، مُهاجِماً وهْمَ “الاستعمار المُحضِّر” (9). وفي النص الآتي صورة لمعاناة ‏الأنديجان المُتعلِّم، استوحاها بن نبي ممّا جرى له شخصياًّ: “إنّ الأمر لا يتوقف عند حدِّ حرمانه من ‏العمل في المؤسسة العمومية، بل تتمّ مُطاردته حتى في حياته الشخصية إذا دعت الضرورة، وعرقلة كلّ ‏ما من شأنه أن يُمثل وسيلة لسد حاجات الحياة.. وإنني في هذا الشأن لا أستند إلى مجرد آراء، بل إلى ‏وقائع مُحددة في تجربتي الاجتماعية الشخصية التي بلغ عمرها الآن رُبع قرن.. وقد صرْتُ اليوم أعرف ‏الثمن الذي يُدفعُ مُقابل ” تحضّر شعب” (10). وبعد ذلك ببضعة شهور يُضيف بن نبي قائلاً: “فيما ‏يخصُّني، بإمكاني الإقرار بأنّ أبسط المجهودات التي بذلتُها منذ عشرين سنة في طريق ” تحضّري ‏الذاتي” لمْ أجْنِ منها على الصعيد الإداري غير مرارة الخيبة”(11).‏

وفي نسَقٍ مُغايِرٍ تماماً، ها هو بن نبي يُسجل في مذكراته غير المنشورة موت قطِّتهِ في الفاتح نوفمبر ‏وهي في سن الثالثة عشرة: “ماتت قطِّتي في صبيحة هذا اليوم، ولم تكن حياتها إلاّ طيفاً أسود مرّ مرور ‏الكرام على كوكب الأرض. وكان اسمُها بيس ‏Puce‏”. ولسنا ندري لماذا ذكرها في يومياته باسم لويز ‏Louise‏. فقد يكون الأمر متعلقا بقطة أخرى. ‏

ومما جاء في الملاحظة التي سجلها بتاريخ 30 ديسمبر 1953: “العجيب أن موت ابن سعود كان لها ‏أثر عميق في نفسي وكأنه من الأحداث المتعلقة بحياتي الشخصية. ذلك أنني كُنتُ أول مُثقف جزائري ‏يُتابع الملحمة السعودية منذ سنة 1925، كما كنتُ بكل تأكيد الجزائري الوحيد الذي دفع ثمن ولائه ‏للوهابية، وبمختلف الأشكال”. ‏

وعند تصفُّحِهِ لجريدة ‏Figaro‏ بتاريخ 14 جانفي 1954، علِمَ أنّ الحكومة المصرية أصدرتْ قرار حلِّ ‏‏”جمعية الإخوان المُسلمين”، فسجل هذه الملاحظة: “مِن جهتي، كُنتُ مصدوماً لأني كُنتُ أعتقد أن ذلك ‏أمرٌ مستحيل. وقد فهمتُ تماماً أنّ فاروق هو الذي دبّر مقتل حسن البنّا. كما فهمْتُ أنّ شاهَ إيران هو الذي ‏أوقف مُصدّق. فمن الطبيعيّ أنْ يتحرّك العفَنُ ضدّ كلّ من يسعى نحو النقاء، لكن عندما يتعلق الأمر ‏بصراع بين رجلين شريفين فإنني أفهم ذلك بدرجة أقل وضوحاً. والحال أننا بإزاء هذه الوضعية الأخيرة ‏فيما يخص نجيب والحُديبي… إنّ وحدة الثورة المصرية قد انكسرتْ. فماذا سينجرّ عن ذلك يا تُرى؟”‏

كان بن نبي ناقماً على “العلماء” بسبب رفضهم تكليفه بتمثيل “الجمعية” في باريس، لأن ذلك المنصب ‏كان كفيلاً بمنحه فرصة الاستقرار والتفرغ للتأليف بجوار المكتبات الباريسية. ويُسجل ذلك بمرارة في ‏مذكراته: “لقد ضحّوْا بي عمداً… إنّ ما أصابني من العلماء من الإهمال والتحطيم، بصفتي مُثقفاً، أعظم ‏مما أصابني من الفرنسيين”‏‎.‎

وبعد ذلك بسنة واحدة نشر مقالاً في جريدة ‏République algérienne، وممّا جاء فيه: “لقد ضحيتُ ‏بجزءٍ كبير من حياتي في سبيل الحركة الإصلاحية، وأشدْتُ في عدة مناسبات بمجهودات جمعية العلماء ‏في مجال التعليم. وتناولْتُ الكلمة في مؤسساتها بمدينة قسنطينة وغيرها مع أنني لم أكن عضواً فيها. ‏ومِن الحق أن أقول إنهم لم يدْعوني للمشاركة في تسييرها الإداريّ رغم أنني قدمتُ لهم طلبي في ‏الظروف الحالكة التي مرت على حلبة الصراع الفكري” (12).‏

أقْدَم مصالي الحاج على نزع الثقة من قيادة حزب الشعب انطلاقاً من منفاه، ثُمّ نصّب نفسه كـ “لجنة إنقاذ ‏عمومية” من أجل خَلَاص “حزبه”. كما عيّن مسؤولين جُدداً دون مراعاة القانون الداخليّ. وهكذا ‏صارت أزمة “حزب الشعب” حديث العام والخاص. وكان مصالي تحت تأثير جنون العظمة إلى حدٍّ ‏بعيد لأنه كان يرى في نفسه أباً روحيا للأمة وللنضال وللثورة… وكان يرى صادقا أنه يُجسِّدُ المُثُل العُليا ‏للروح الوطنية.‏

ومما كتبه بن خدة عن ذلك كله: “تلك كانت نتيجة عبادة الأشخاص. فلقد نصبنا صنماً بأيدينا، وصرنا ‏أولى ضحاياه، ولن يمُرّ علينا زمن طويل حتى نُبْتلى بغضب الله. فنحن الذين صنعنا أسطورة مصالي ‏الذي انتشى بذلك إلى أن صار قاب قوسين أو أدنى من جنون العظمة. وإنّ ما يُفسِّرُ قبولنا بإسقاط مُثُلِنا ‏العليا كلّها فيه هو نُقصُنا ومحدودية قدراتنا” (13).‏

في شهر فيفري من سنة 1954 قصَدَ طبيبٌ فرنسي ذو ثقافة واسعة مسجد باريس ليُعلِن عن إسلامه. إنه ‏الدكتور إيمانوال بينْوَا ‏Emmanuel Benoist‏. وممّا صرّح به لجريدة “البصائر”: “إنّ العامل ‏الأساسي والنهائي الذي دفعني إلى إعلان إسلامي هو القرآن. وقد شرعْتُ في دراسته قبل إسلامي بعين ‏المثقف الغربي الناقدة، وأنا مَدينٌ كثيراً للعمل الرائع الذي قام به مالك بن نبي، والذي عنوانه “الظاهرة ‏القرآنية”، إذ أقنعني بأن القرآن كتاب إلهي. فهناك بعض الآيات تنصّ على نفس المفاهيم والاكتشافات ‏الأكثر حداثةً وعصرنةً. فذلك ما أقنعني بصفة نهائية”.‏

أمّا في الجزائر فلقد عاشت كلّ المدن مُصادمات بين أنصار اللجنة المركزية والمتعصبين لمصالي. ‏وصار الحزب بدءاً من ذلك الوقت منقسماً بصفة لا رجعة فيها، إذ وصل الخلاف إلى استخدام الأسلحة ‏والتناوش على مقرات الحزب. وفي شهر مارس‎1954 ‎‏ ظهرتْ إلى الوجود “اللجنة الثورية من أجل ‏الوحدة والعمل”( ‏CRUA‏)، وهي تتكون من بعض إطارات الحزب و”المنظمة الخاصة” ‏‎(L’OS)‎‏ ‏الذين لم يكونوا يريدون اتّباع أيٍّ مِن طرفيْ الخِلاف، بل كانوا يسعون إلى إعادة توحيد صفوف “حزب ‏الشعب” بهدف الشروع في العمل المُسلّح ضدّ الاستعمار الفرنسي.‏

كان بن نبي مُقيماً في لوات كليري، وكان يرُدُّ على ما يكتبه بعض الجامعيين الفرنسيين حول الجزائر أو ‏العالم الإسلاميّ، وعلى بعض الكتب، مثل كتاب مانوني ‏Mannoni‏ الذي عنوانه “سيكولوجيا ‏الاستعمار” ‏La psychologie de la colonisation‏ (14). ويعلِّق بن نبي قائلاً أنّ “الأنديجان لم ‏يقُمْ بعدُ بثورته الديكارتية، وعليه فهو لم ينقل ثقته من مجال العناية الإلهية إلى المجال التقني”(15).‏

وراح يُصارع بقلمه مُثقفين ورجال السياسة ومختصين فرنسيين، راداًّ على البعض بالإنكار وعلى ‏البعض الآخر بالمناقضة. وطلب من “العلماء” مُجدداً أن يُعينوه على السفر إلى المدينة المنوّرة التي كان ‏يحلم بالإقامة فيها منذ عشرين سنة خلتْ. كما اتّصل بقيادات “اتحاد البيان وحركة انتصار الحريات ‏الديمقراطية” ‏UDMA‏ من أجل الحصول على إعانة مالية، لكنه لم يحصل على شيء. ومما جاء في ‏مذكراته غير المنشورة بتاريخ 10 ماي 1954: “الله وحده هو الذي يعلم متى سيكون بمستطاعي أن ‏أتنفس هواءً نقياًّ، بعيداً عن “الوطنية” و “النزعة الإسلامية” الجزائريتين”. ‏

ولم تحْظ الْتِماساتُهُ الحصول على رخصة الدخول إلى مصر أو العربية السعودية بالقبول. ولمْ يزددْ إلاّ ‏غضباً وحنقاً لأنه أصبح يُحسّ بأنه حبيس “الاستعمار الماكيافيلي” من جهة و”القابلية للاستعمار ‏الشّريرة” من جهة أخرى. ومع ذلك فإن مردوده الفكري لم ينقص على الإطلاق. فهو ماضٍ في نشر ‏تعليقات في الصحف حول الرهانات الجيوستراتيجية التي نوقشت في الندوة الدولية المنعقدة في ‏كولومبو، وفي ندوة جنيف. ‏

على الساحة العالمية كانت القوى الغربية في جنيف منكبّة على وضع استراتيجية وقائية تهدف إلى ‏إبعاد جنوب شرق آسيا عن تأثير الشيوعية، في حين كانت البلدان الآسيوية في كولمبوColombo ‎‏ تُعِدّ ‏العُدة للإعلان عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. وكان بن نبي يرى في كل ذلك مواجهة بين ‏‏”إرادة القوة” و “إرادة التحرير” (16) كان يُتابع الأخبار في الصحف بخصوص عواقب تنحية رئيس ‏الحكومة الإيرانية (مُصدّق) الذي أمّم البترول الإيراني بكل شجاعة، لكنه لم يحْظَ بدعم رئيس المجلس ‏الوطني آية الله كاشاني. وقد خصص بن نبي لهذا الشأن مقالاً من مقالاته (17).‏‎ ‎

وقد تردّتْ أحواله المادية إلى درجة اضطرّ فيها أن يُراسل أحد أبناء وطنه ليطلب منه مساعدته بمعطف ‏قديم وبعض الألبسة كي يتمكن من مواجهة برد الشتاء، لكنه لم يتلقّ أية إجابة. وكانت تلك الفترة هي ‏فترة ظهور حركتي التحرير قي كلٍّ من تونس والمغرب. وفي ذات الفترة كانت أمريكا منهمكة بإجراء ‏تجربتين نوويتين بالقنبلة الهيدروجينية. وشهدت القارة الآسيوية سقوط ديان بيان فو بعد أن مُنيت فرنسا ‏بخسارة 3500 جنديّ قُتِلوا بأيدي الجيش الفيتنامي، إضافة إلى 10000 سجين. وكانت تلك ضربة ‏موجعة للأمبراطورية الاستعمارية الفرنسية. وأفضت تلك الأحداث إلى تعيين منديس فرانس على رأس ‏الحكومة الفرنسية…‏

أصبحت “اللجنة الثورية للوحدة والعمل” ‏CRUA‏ تنشر كتاباتها في جريدة تابعة لها، وهي ‏Le ‎Patriote ‎، وجاءت أولى مقالاتها بتوقيع حسين لحول وسيد علي عبد الحميد ومحمد بوضياف. وكانت ‏لهذا الأخير زيارة لفرنسا بغرض إقناع مناضلين مثل ديدوش مراد بالانضمام إلى القضية التي تناضل ‏من أجلها اللجنة.‏‎ ‎أمّا”‏‎ ‎المصاليون‎ ‎‏” فقد أوّلوا إنشاء اللجنة الثورية بأنها محاولة من “‏‎ ‎المركزيين‎ ‎‏” ‏لصرف الأنظار. وشملت المواجهات بين إخوة الأمس كلّ النواحي. وقد انضمّ قدماء “المنظمة الخاصة” ‏الذين أفلتوا من عملية التمشيط الاستعمارية إلى اللجنة الثورية، ومنهم: بيطاط، بوصوف، بن مهيدي، بن ‏عبد مالك، زيغود، بن طوبال، بن عودة، بن بو العيد، شيهاني… كما انضمّ إليهم أعضاء البعثة ‏الخارجية، وهم بن بلّة، خيدر، وآيت أحمد. ‏

وفي شهر جوان عقد اثنان وعشرون عضوا من “المنظمة الخاصة”، والذين صاروا أعضاء في “اللجنة ‏الثورية”، اجتماعاً في الجزائر العاصمة من أجل الإعداد للثورة. وتمخض الاجتماع عن تكليف ‏بوضياف بتعيين قيادة جماعية ستكون مُشكلة من كلّ مِن: بن بو العيد، ديدوش، بن مهيدي، بيطاط، كريم ‏بلقاسم، بالإضافة إلى بوضياف نفسه. وحسب ما يُستفاد من بن خدة فإن اللجنة المركزية لـ”حزب ‏انتصار الحريات الديمقراطية” ‏PPA-MTLD‏ قد قدّمت مساعدتها المادية والمالية للجنة الثورية.‏

كان بن نبي في لوات كليري يقضي أغلب وقته في القراءة، ويُخصص لكل كتاب يدرسه بطاقة قراءة. ‏ومن تلك الكتب: “التاريخ” لتوينبي ‏Toynbee، و”آسيا الجنوبية الشرقية بين عالميْن” و “بين الخوف ‏والأمل” لـ تيبور ماند ‏Tibor Mende‏ ، و “جغرافيا الجوع” لـ خوسوي دي كاسترو ‏Josué de ‎Castro‏… وكانت مجلة ‏Diogène‏ هي مجلته المفضلة.‏

وتُختتَمُ يومياته الخاصة “العفن” (‏Pourritures ‎‏) التي بقيت في شكل مُسوّدة، بخبر هام: كانت بحوزة ‏بن نبي تذكرة سفر بحراً إلى مصر ‏‎!‎‏ فلقد تحصّل على تلك الرخصة الغالية في 12 جوان مُقابل مبلغ ‏‏50.000 فرنك كفالة. وهو يقول في ذلك: “ينتابني شعور بأن مشروع سفري قد دخل في مرحلة جديدة، ‏وهو يشبه شعور الطّيّار الذي ينتقل من ظروف طيران عادية إلى ظروف طيران بسرعة أعلى من ‏سرعة الصوت. فيما يخصني، لقد اخترقتُ جدار القابلية للاستعمار، وهو الجدار الذي كان الاستعمار ‏يعتقد أنه كافٍ لمنعي من مغادرة فرنسا بسبب كثرة الخيانة والتواطؤ في الأوساط التي تسود فيها القابلية ‏للاستعمار. وعلى أية حالٍ فإنّ ذهابي ليس رغماً على الاستعمار فحسب، بل رغم “جمعية العلماء”، ‏و”حركة انتصار الحريات الديمقراطية”، و”الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري”، و الـ ‏B.S.M.A ‎‏” ‏‏(18).‏

كيف تمكن بن نبي من تحقيق ذلك؟ ليست لدينا أية معلومة بهذا الشأن لأنه توقف عن تسجيل يومياته ‏بصفة نهائية يوم 24 جوان 1954.‏

لقد جاءت الفقرة الأخيرة من هذه السيرة الذاتية غير المنشورة، وكان بن نبي في لوات كليري، بهذه ‏الصيغة: “أرى مُتسابقين بالدراجات يمرون عدة مرات أمام باب بيتي ليستكملوا الدورات الثمانية ‏المقررة عليهم. وبيتي يقع في نهاية عقبة شديدة حتى أنّ المتسابقين يصلون إلينا مُنهكين. ويبدو أنّ آخر ‏المتسابقين المارين قد أشرفوا على اليأس من الفوز. ورغم ذلك فإنّ المتفرجين المُصطفين على جانب ‏الطريق في هذا المكان يُبْدون حماسهم ومحبّتهم لكل المتسابقين بدون أيّ تمييز. وهذا يجعلني أفكر في ‏ردود أفعال جماهيرنا تُجاه المتسابقين المتأخرين مِن ذوي الحظ الواهي، فأسمع جماهيرنا تُجاهر ‏بسخريتها وبعدائها المُثبِّط. وهكذا تسنّى لي أنْ أقف على سيكولوجيا حضارة مِن خلال حدث رياضي ‏عابر، حيث يبدو كل فردٍ مُنكباً على لعب دورٍ بعد تعلُّمِ ذلك الدور أحسن تعلُّم. لكن الدور كامن في طبيعة ‏كل فرد وفي تربيته. وقد عُدْتُ إلى منزلي وبعينيّ دموع الأسى…”‏

وفي شهر جويلية 1954 انعقد اجتماع ضمّ كُلاًّ مِن بوضياف وبن بو العيد وبن بلّة وخيدر ولحْول ‏ومحمد يزيد بغرض تحديد التدابير الواجب اتخاذها على المستوى الخارجي، وهي: الاتصال بهيئة الأمم ‏المُتّحدة، والدعاية الديبلوماسية، والتموين بالأسلحة… بادرتْ “اللجنة المركزية” التي كان في صناديقها ‏مبلغ عشرة ملايين فرنك بالتبرّع بنصف هذا المبلغ للجنة الثورية. وفي ذات الوقت عقَد المناضلون ‏الأوفياء لمصالي مؤتمراً في بلجيكا وقرّروا حلّ “اللجنة المركزية” المتواجدة في الجزائر العاصمة، ‏وإقصاء معظم أعضائها من صفوف الحزب، والموافقة على الرئاسة مدى الحياة لصالح مصالي، وكذا ‏منحه السلطات الكاملة… فكان ردّ فعل أعضاء “اللجنة المركزية” المقصيين أنْ عقدوا “مؤتمراً ‏استثنائيا” في شهر أوت وأعلنوا عن سحبهم للثقة من مصالي ورفقائه.‏

وقد لخّص أحمد محصاص نتائج كل هذه الحداث بقوله: “لقد تحطم “حزب الشعب” و”حركة انتصار ‏الحريات الديمقراطية” بعد أن كان وسيلة وأملاً في تحقيق الاستقلال الوطني، ولم يتحقق تأسيسه إلاّ ‏بفضل المجهود الجبّار والتضحيات الجسيمة التي قدّمها عشرات الآلاف من المناضلين على مدى ‏سنوات طويلة. فما عجز الاستعمار عن تحقيقه بالعنف والقمع حقّقه القادة بعجزهم وتعنُّتِهم بدرجة أعلى ‏ممّا كان يرجوه الاستعمار نفسه”.‏

وسيتناول بن نبي هذه المرحلة في وقت لاحق بقوله في كتاب “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”: ‏‏”بإمكاننا أن نفهم العديد من الكوارث التي كان بالإمكان تفاديها لولا جنون أفكار التسلط والتشبث بها… ‏فعبادة الأشخاص و”الأشياء الوحيدة” مُنتشرة في كل مكان من عالمنا الإسلامي الحالي، وهي كثيراً ما ‏تكون سبباً في إفلاس سياسيّ مُفاجىء وشامل… وإنّ أقلَّ الأفراد اقتناعا بقيمة الأفكار الاجتماعية غالباً ما ‏يكون من الطبقة المثقفة المسلمة. وهذا ما يُفسّر لنا تفضيل عدد كبير من مُثقفي الجزائر أنْ ينضموا إلى ‏الفلول الطائفة حول بعض الأوثان، على أنْ يكونوا في خدمة بعض الأفكار… إنّ دور “الزعيم” لا ‏يتوقف عند حدود تغيير مسار القوى الثورية المتحركة، بل يتعداها إلى كونه حجر عثرة في طريق ‏التيار السياسي الوحدوي الذي لا يتناسب مع سياسة التشرذم المُطبقة في العالم الإسلاميّ. ويبقى أنّه من ‏الضروري أن يكون “الزعيم” واعياً بالدور الذي يلعبه. فمن المؤكد أنّ مصالي الحاج قد أدى دوره ‏ببراءة. وكلّ ما في الأمر أن سلوكه كان مُطابقاً لملفه لدى الاستعمار. فهو الذي كوّن في مدرسته فلولاً من ‏الزعماء الصغار (‏zaïmillons‏) الذين قتلوه هو نفسه، وخانوا الثورة التي تنكّر لها هو نفسه كِبْراً ‏وتعنُّتا…”‏
في 10 اكتوبر بعد أنْ قسمت “اللجنة الثورية” الجزائر إلى خمس مناطق ( 1 بقيادة بن بولعيد، 2 بقيادة ‏ديدوش، 3 بقيادة كريم بلقاسم، 4 بقيادة رابح بيطاط، 5 بقيادة بن مهيدي) اجتمع القادة مع بوضياف الذي ‏كان من جهته مُكلّفاً بالتنسيق بين المناطق والعلاقات مع البعثة الخارجية، وذلك من أجل إبداء الرأي ‏حول إعلان الفاتح من نوفمبر. وسيكون يوم 25 أكتوبر هو تاريخ آخر لقاء بينهم في الجزائر العاصمة. ‏وبعدها انتقل بوضياف إلى القاهرة في مهمة قصيرة المدى، لكنه لن يرى الجزائر مُجدّداً إلاّ بعد ‏الاستقلال.‏

وفتح العالم عينيه صبيحة يوم 1 نوفمبر 1954 على خبر مُفاجىء، وهو اندلاع ثورة التحرير ‏الجزائرية. وجاء الإعلان الذي نشرته “اللجنة الثورية” باسم “جبهة التحرير الوطني” داعياً إلى العمل ‏المسلّح من أجل تمكين الجزائر من استرجاع سيادتها التي سُلِبتْ منها سنة 1830. كان الخبر مُدوياً ‏كالرعد ومُفجعاً كالزلزال. وكان ذلك بداية لظهور لغة جديدة على أفواه الجزائريين، كالكفاح المُسلّح، ‏والمعركة، والعمل الملموس من أجل إسقاط الاستعمار بالقوة.‏

وفي شهر ديسمبر أسس مصالي حزبا جديداً باسم “الحركة الوطنية الجزائرية” ‏MNA، وأمر بتنفيذ ‏عمليات قتالية ضد أولئك الذين فجّروا الكفاح المسلح دون موافقتهه هو. وهكذا بدأت الثورة الجزائرية ‏تاركةً وراءها مصالي الحاج، ومُعظم المناضلين في “حزب الشعب” الذين بقوا أوفياء لأسطورة ‏مصالي، و “المركزيين”، و”العلماء”، و”اتحاد البيان”، و”حزب الشعب”… وقد ظهرت تلك الثورة ‏فجأةً في التاريخ دون أن تملك أية وسائل، ودون أن تكون لديها قيادة ولا برنامج ولا تنظيم. ‏

‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1-‏ في رسالة موجهة إلى الرئيس بومدين مؤرخة في 10 ديسمبر 1969، صرّح بن نبي بأنه “صعد إلى الجبل في ‏جويلية 1952 كي يلتحق بالمجاهد قرين بلقاسم”، وأضاف قائلاً: “إنّ الدوافع التي دفعتني إلى هذا السلوك آنذاك ‏كانت دوافع أخلاقية: فمنذ خروجي من السجن في أفريل 1946، حاولوا أن يستغلّوا إطلاق سراحي على الصعيد ‏السياسي، وفي نفس الوقت أنْ يُجرّدوا اسمي وقلمي من أية قيمة على المستوى الوطني. لكنني لم أكُنْ مجبولاً على ‏الرضا بالتبعية في ضميري وقلمي. ولذلك فضّلْتُ الفرار”.‏
‏2-‏ ‏”الاصلاح الزراعي في مصر ” (“الجمهورية الجزائرية” عدد 26 سبتمبر 1952)‏
‏3-‏ ‏”الشاب المسلم” عدد 13 مارس 1953‏
‏4-‏ ‏”الشاب المسلم” عدد 27 مارس 1953‏
‏5-‏ ‏”الجمهورية الجزائرية” عدد 03 أفريل 1953‏
‏6-‏ المرجع المذكور سابقا
‏7-‏ ‏”الجمهورية الجزائرية” عدد 10 جويلية 1953‏
‏8-‏ ‏”معاداة الاسلام” (الجمهورية الجزائرية عدد 11 سبتمبر 1953)، ” دون خوف و لوم” (الجمهورية الجزائرية ‏عدد 02 أكتوبر1953)، “سيدي محمد بن يوسف يدلي باعترافات عفوية” (الجمهورية الجزائرية عدد 14 ماي ‏‏1954)‏
‏9-‏ صادق المجلس الوطني الفرنسي في فيفري 2005 على قانون “العائدين إلى الوطن” ‏Loi sur les Rapatriés، ‏ولمْ يخلُ نص هذا القانون من عبارة ” المهمة الحضارية للاستعمار “‏‎ Mission civilisatrice de la ‎colonisation ‎‏.‏
‏10-‏ ‏”تجار الحضارة”، ” الشاب المسلم” عدد 16 افريل 1954‏
‏11-‏ المرجع السابق
‏12-‏ ‏”نقد…لكن بناء” المذكور سابقا‏
‏13-‏ المرجع المذكور سابقا
‏14-‏ منشورات سوي‎ ‎‏ ‏Seuil‏ ، باريس 1948‏
‏15-‏ ‏” أطروحة حول الاستعمار”، ” الجمهورية الجزائرية” من 19 الى 26 مارس 1954‏
‏16-‏ ‏” من جنيف الى كولومبيا”، المرجع السابق‏
‏17-‏ ‏”شعلة امل”، ” الجمهورية الجزائرية” عدد 28 ماي 1954‏
‏18-‏ الكشافة الاسلامية الجزائرية‎ Boys scouts musulmans algériens.‎

You may also like

Leave a Comment