بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
تلقى بن نبي استدعاءً من محافظة الشرطة بباريس في بداية سنة 1952 وهو في بلدة لوات كليري. فخطرتْ بباله فكرة عجيبة، وهو أنْ يتظاهر بالجنون كي يصرف اهتمام الشرطة بشأنه. أمّا زوجته فقد كتبتْ رسالة إلى الدكتور خالدي تُخبره بما جرى، وهي تعرف أنّ الشرطة ستطّلع على المراسلة. لكن بن نبي لم يستمر في تظاهره بالجنون لمدة طويلة، إذ عاد إلى الجزائر وحلّ في مدينة سكيكدة التي يقيمُ فيها الدكتور خالدي. وبعد بضعة أيام من الاستراحة واصل طريقه إلى تبسة، وبدأ حينئذ في التخطيط للفرار.
وكان له رفيق من بلدة كانروبار القريبة من مدينة أم البواقي، اسمه قالي طيب، وهو الذي رافقه ذات ليلةٍ واستطاعا الإفلات من يقظة الشرطة، إذ خرجا من المدينة وراح بن نبي يقطع مسافات طويلة سيراً على قدميه “حوالى سبعين كلم”، لكنه في النهاية قرر أنْ يُقلِعَ عن محاولته. جرى ذلك في شهر جويلية سنة 1952، واختار أن يُطلق على تلك المُغامرة اسم “الهجرة” (1). ثُمّ اكتفى بوظيفة مُعلّمٍ في إحدى الأُسَرِ السكيكدية. وقد أتيح له أن يُشاهد في هذه المدينة ذلك الفيلم المصريّ الشهير الذي عنوانه “فجر الإسلام”، والذي أبكاه من شدة التأثر. وكانت الشرطة تستدعيه من حين لآخر لتُمارس عليه ألواناً من الابتزاز.
ولمّا نشر رولان ميات Rolland Miette مقالاً نقدياًّ حول السياسة الزراعية التي انتهجتها الحكومة المصرية الجديدة، أجابه بن نبي بمقال نشره في شهر سبتمبر دفاعاً عن تلك السياسة (2). ونظراً لكون الاستعمار الفرنسي مُتضايقاً أشدّ التضايق ممّا يجري في مصر، حيث وُضِع حدّ للنظام الملكي، فراح بن نبي يُضاعف مقالاته دعماً للسلطة الثورية التي كان يُمثلها الجنرال محمد نجيب. ومما نشره في هذه الفترة مقال تحت عنوان “موكب مُزدان بالزهور(Corso Fleuri ) (3) تكريماً لهذا الأخير. وكان يرى في السياسة المصرية تطبيقاً فعلياًّ لأهمّ الأفكار التي قدّمها في كتاب “شروط النهضة”.
عاد إلى فرنسا وبادر بإيداع نُسخٍ من كتبه في سفارات البلدان الإسلامية في باريس، ومِن بينها سفارة مصر الجديدة التي استُقبِلَ فيها من طرف المستشار الثقافي وسلّم له كلّ أعماله مع كلمة إهداء وكذا رسالة إلى محمد نجيب. لكنه لم يتلقّ أيّ رد عنها.
وفي مارس 1953 نشر مقالاً تحت عنوان “نهاية ذِهان” (La fin d’une psychose ) (4) حيّى فيه تبنّي دستور جديد في مصر التي صار يرى فيها “جزءاً بسيطا من استعداد البلدان الإسلامية لدخولها المُشرِّف في التطوُّرِ العام الذي يبدو أنه حتمية تاريخية ستُفضي إلى الدخول في عصر العائلة البشرية الواحدة، الموحدة، والمُؤمَّنة، دون أية عقدة تفوُّق أو نقص بين أعضائها”. وفي شهر أفريل نشر مقالاً عنوانه في درجة عالية من البلاغة، وهو “الواجب سياسة أيضاً” (5). وفيه يرى أن البشرية “قد أصابها ضربٌ من التردد المُهلْوِس بين الماضي والمستقبل”.
بقي بن نبي ملتزماً بسيرته المعتادة عندما يكون في تبسة، فهو لا يخرج من بيته إلاّ ليلاً. كما بقيت الشرطة تراقبه عن كثب. ويصف لنا تلك المرحلة في مذكراته قائلاً: “لم أعُد أشعر باليأس القاتم وعديم الأفق كما كُنتُ أشعر في الصيف. وبالرغم من الضغط العالي الذي كانت تفرضه عليّ الشرطة، فقد كانت تُحرّكني روح المقاومة الناجمة عن السكينة المعنوية التي تُتيحها الصلاة”.
عاد بن نبي إلى زوجته في لوات كليري خلال شهر جويلية. وهناك أصابه مرض ألْزَمه الفراش طيلة شهر، ممّا دفعه إلى ترك التدخين. وفي تلك السنة عُيّن الدكتور خالدي في البعثة الطبية المرافقة للحُجاج، فاغتنم بن نبي الفرصة وطلب منه أن يعمل على نشر كُتبه في الشرق الأوسط. لكن محاولته لم تُثمِر شيئاً ولم تلقَ كُتُبُهُ أيّ صدى.
على الساحة السياسية تمكن “حزب الشعب” من عقد مؤتمره في شهر أفريل 1953 بالجزائر بعد فترة من الغموض. وكان مصالي غائباً لأنه كان رهن الإقامة الجبرية في نيور Niort، لكن ظلَّهُ بقي مُخيِّماً على أشغال المؤتمر. وقد كتب بن خدة عن ذلك يقول: “أمام عجزنا عن بلورة مذهب كافٍ، بقينا نُمارس ”المصالية” التي كانت عندنا بمثابة مبدإٍ”. لكن الأحداث الجارية كان لها بالغ الأثر في المُشاركين، إذ كان عليهم أنْ يتحرّكوا وأن يبيّنوا مواقفهم في لعبة السياسة، وأنْ يُزيلوا الغموض عن موقف حزبهم تُجاه تطلّعات الجماهير الشعبية.
وعلى نقيض ما جاء في عرض بن خدة لما حدث، فإن أحمد محصاص كان يرى أنّ “التيار المعتدل” الذي يمثله حسين لحول وبن خدة وكيوان “قد منع المُعارضين من المشاركة في المؤتمر” (6). صار من غير الممكن إخفاء الأزمة النائمة منذ 1951 في حزب انتصار الحريات الديمقراطية PPA-MTLD وقد جرى تعديل عميق في قيادة الحزب واُبعِدَ المُقرّبون من مصالي الذي ردّ الفعل بنزع الثقة من الأمين العام، هو بن خدة، وطلب “سلطات مُطلقة من أجل إعادة إحياء الحزب”. وقد حُكِمَ على طلبه بأنه مناقض للقانون الداخلي ورُفِضَ مِن قِبَلِ اللجنة المركزية. وكان ذلك بالنسبة لمصالي بمثابة خطيئة كبرى.
وبمناسبة صدور “نداء إلى تأسيس جمعية فرنسا-المغرب (France-Maghreb ) كتب بن نبي نصاًّ بعنوان “حوار يشملُ ضميرين” (Un dialogue implique deux consciences) (7). وقد استُدْعِيَ باختلاق كلّ الذرائع واستُنطق مراراً في قسم الشرطة بسكيكدة.
وكان ينشر من حين لآخر مقالات في جريدة “البصائر” بالعربية، كما كان يوقع على مقالاته باسم مُستعار “بن كبير” في جريدة La République algérienne . ومما جاء في مذكراته حول ”العلماء”: “ممّا يجب تسجيله مِن إيجابيات النهضة الجزائرية في الفترة الحالية ذلك النجاح الباهر الذي حققه الشيخ البشير الإبراهيمي بمناسبة إقامته القصيرة في المشرق من أجل تنظيم البعثات العلمية خصوصاً. فالفضل يعود إلى جهوده في تمكّن كثير من الشباب الجزائريين من شدّ الرحال في اتجاه بغداد أو القاهرة من أجل الدراسة أو إكمالها. ويبدو أنّ الإدارة منشغلة أشدّ الانشغال بهذا الشأن”.
وكان بن نبي يُتابع بعثة الخبير الألماني في أنشطتها عبر بلدان العالم الإسلاميّ، ويصوغ آراءه حول المسائل الاستراتيجية والاقتصادية الدولية، وهي الآراء التي ستُشكل أهمّ أطروحاته في كتاب “النزعة الأفروآسيوية”. وبالموازاة مع ذلك كان شديد الاهتمام بالأحداث على الساحة العالمية وبالأخبار العلمية.
في المغرب في العشرين أوت، أقْدَمتِ الحكومة الفرنسية على تنحية العاهل المغربي. وبهذه المناسبة نشر بن نبي سلسلة من المقالات الداعمة للملك (8). ولمّح في إحدى تلك المقالات إلى الضغط الذي يُمارسه عليه الاستعمار، مُهاجِماً وهْمَ “الاستعمار المُحضِّر” (9). وفي النص الآتي صورة لمعاناة الأنديجان المُتعلِّم، استوحاها بن نبي ممّا جرى له شخصياًّ: “إنّ الأمر لا يتوقف عند حدِّ حرمانه من العمل في المؤسسة العمومية، بل تتمّ مُطاردته حتى في حياته الشخصية إذا دعت الضرورة، وعرقلة كلّ ما من شأنه أن يُمثل وسيلة لسد حاجات الحياة.. وإنني في هذا الشأن لا أستند إلى مجرد آراء، بل إلى وقائع مُحددة في تجربتي الاجتماعية الشخصية التي بلغ عمرها الآن رُبع قرن.. وقد صرْتُ اليوم أعرف الثمن الذي يُدفعُ مُقابل ” تحضّر شعب” (10). وبعد ذلك ببضعة شهور يُضيف بن نبي قائلاً: “فيما يخصُّني، بإمكاني الإقرار بأنّ أبسط المجهودات التي بذلتُها منذ عشرين سنة في طريق ” تحضّري الذاتي” لمْ أجْنِ منها على الصعيد الإداري غير مرارة الخيبة”(11).
وفي نسَقٍ مُغايِرٍ تماماً، ها هو بن نبي يُسجل في مذكراته غير المنشورة موت قطِّتهِ في الفاتح نوفمبر وهي في سن الثالثة عشرة: “ماتت قطِّتي في صبيحة هذا اليوم، ولم تكن حياتها إلاّ طيفاً أسود مرّ مرور الكرام على كوكب الأرض. وكان اسمُها بيس Puce”. ولسنا ندري لماذا ذكرها في يومياته باسم لويز Louise. فقد يكون الأمر متعلقا بقطة أخرى.
ومما جاء في الملاحظة التي سجلها بتاريخ 30 ديسمبر 1953: “العجيب أن موت ابن سعود كان لها أثر عميق في نفسي وكأنه من الأحداث المتعلقة بحياتي الشخصية. ذلك أنني كُنتُ أول مُثقف جزائري يُتابع الملحمة السعودية منذ سنة 1925، كما كنتُ بكل تأكيد الجزائري الوحيد الذي دفع ثمن ولائه للوهابية، وبمختلف الأشكال”.
وعند تصفُّحِهِ لجريدة Figaro بتاريخ 14 جانفي 1954، علِمَ أنّ الحكومة المصرية أصدرتْ قرار حلِّ ”جمعية الإخوان المُسلمين”، فسجل هذه الملاحظة: “مِن جهتي، كُنتُ مصدوماً لأني كُنتُ أعتقد أن ذلك أمرٌ مستحيل. وقد فهمتُ تماماً أنّ فاروق هو الذي دبّر مقتل حسن البنّا. كما فهمْتُ أنّ شاهَ إيران هو الذي أوقف مُصدّق. فمن الطبيعيّ أنْ يتحرّك العفَنُ ضدّ كلّ من يسعى نحو النقاء، لكن عندما يتعلق الأمر بصراع بين رجلين شريفين فإنني أفهم ذلك بدرجة أقل وضوحاً. والحال أننا بإزاء هذه الوضعية الأخيرة فيما يخص نجيب والحُديبي… إنّ وحدة الثورة المصرية قد انكسرتْ. فماذا سينجرّ عن ذلك يا تُرى؟”
كان بن نبي ناقماً على “العلماء” بسبب رفضهم تكليفه بتمثيل “الجمعية” في باريس، لأن ذلك المنصب كان كفيلاً بمنحه فرصة الاستقرار والتفرغ للتأليف بجوار المكتبات الباريسية. ويُسجل ذلك بمرارة في مذكراته: “لقد ضحّوْا بي عمداً… إنّ ما أصابني من العلماء من الإهمال والتحطيم، بصفتي مُثقفاً، أعظم مما أصابني من الفرنسيين”.
وبعد ذلك بسنة واحدة نشر مقالاً في جريدة République algérienne، وممّا جاء فيه: “لقد ضحيتُ بجزءٍ كبير من حياتي في سبيل الحركة الإصلاحية، وأشدْتُ في عدة مناسبات بمجهودات جمعية العلماء في مجال التعليم. وتناولْتُ الكلمة في مؤسساتها بمدينة قسنطينة وغيرها مع أنني لم أكن عضواً فيها. ومِن الحق أن أقول إنهم لم يدْعوني للمشاركة في تسييرها الإداريّ رغم أنني قدمتُ لهم طلبي في الظروف الحالكة التي مرت على حلبة الصراع الفكري” (12).
أقْدَم مصالي الحاج على نزع الثقة من قيادة حزب الشعب انطلاقاً من منفاه، ثُمّ نصّب نفسه كـ “لجنة إنقاذ عمومية” من أجل خَلَاص “حزبه”. كما عيّن مسؤولين جُدداً دون مراعاة القانون الداخليّ. وهكذا صارت أزمة “حزب الشعب” حديث العام والخاص. وكان مصالي تحت تأثير جنون العظمة إلى حدٍّ بعيد لأنه كان يرى في نفسه أباً روحيا للأمة وللنضال وللثورة… وكان يرى صادقا أنه يُجسِّدُ المُثُل العُليا للروح الوطنية.
ومما كتبه بن خدة عن ذلك كله: “تلك كانت نتيجة عبادة الأشخاص. فلقد نصبنا صنماً بأيدينا، وصرنا أولى ضحاياه، ولن يمُرّ علينا زمن طويل حتى نُبْتلى بغضب الله. فنحن الذين صنعنا أسطورة مصالي الذي انتشى بذلك إلى أن صار قاب قوسين أو أدنى من جنون العظمة. وإنّ ما يُفسِّرُ قبولنا بإسقاط مُثُلِنا العليا كلّها فيه هو نُقصُنا ومحدودية قدراتنا” (13).
في شهر فيفري من سنة 1954 قصَدَ طبيبٌ فرنسي ذو ثقافة واسعة مسجد باريس ليُعلِن عن إسلامه. إنه الدكتور إيمانوال بينْوَا Emmanuel Benoist. وممّا صرّح به لجريدة “البصائر”: “إنّ العامل الأساسي والنهائي الذي دفعني إلى إعلان إسلامي هو القرآن. وقد شرعْتُ في دراسته قبل إسلامي بعين المثقف الغربي الناقدة، وأنا مَدينٌ كثيراً للعمل الرائع الذي قام به مالك بن نبي، والذي عنوانه “الظاهرة القرآنية”، إذ أقنعني بأن القرآن كتاب إلهي. فهناك بعض الآيات تنصّ على نفس المفاهيم والاكتشافات الأكثر حداثةً وعصرنةً. فذلك ما أقنعني بصفة نهائية”.
أمّا في الجزائر فلقد عاشت كلّ المدن مُصادمات بين أنصار اللجنة المركزية والمتعصبين لمصالي. وصار الحزب بدءاً من ذلك الوقت منقسماً بصفة لا رجعة فيها، إذ وصل الخلاف إلى استخدام الأسلحة والتناوش على مقرات الحزب. وفي شهر مارس1954 ظهرتْ إلى الوجود “اللجنة الثورية من أجل الوحدة والعمل”( CRUA)، وهي تتكون من بعض إطارات الحزب و”المنظمة الخاصة” (L’OS) الذين لم يكونوا يريدون اتّباع أيٍّ مِن طرفيْ الخِلاف، بل كانوا يسعون إلى إعادة توحيد صفوف “حزب الشعب” بهدف الشروع في العمل المُسلّح ضدّ الاستعمار الفرنسي.
كان بن نبي مُقيماً في لوات كليري، وكان يرُدُّ على ما يكتبه بعض الجامعيين الفرنسيين حول الجزائر أو العالم الإسلاميّ، وعلى بعض الكتب، مثل كتاب مانوني Mannoni الذي عنوانه “سيكولوجيا الاستعمار” La psychologie de la colonisation (14). ويعلِّق بن نبي قائلاً أنّ “الأنديجان لم يقُمْ بعدُ بثورته الديكارتية، وعليه فهو لم ينقل ثقته من مجال العناية الإلهية إلى المجال التقني”(15).
وراح يُصارع بقلمه مُثقفين ورجال السياسة ومختصين فرنسيين، راداًّ على البعض بالإنكار وعلى البعض الآخر بالمناقضة. وطلب من “العلماء” مُجدداً أن يُعينوه على السفر إلى المدينة المنوّرة التي كان يحلم بالإقامة فيها منذ عشرين سنة خلتْ. كما اتّصل بقيادات “اتحاد البيان وحركة انتصار الحريات الديمقراطية” UDMA من أجل الحصول على إعانة مالية، لكنه لم يحصل على شيء. ومما جاء في مذكراته غير المنشورة بتاريخ 10 ماي 1954: “الله وحده هو الذي يعلم متى سيكون بمستطاعي أن أتنفس هواءً نقياًّ، بعيداً عن “الوطنية” و “النزعة الإسلامية” الجزائريتين”.
ولم تحْظ الْتِماساتُهُ الحصول على رخصة الدخول إلى مصر أو العربية السعودية بالقبول. ولمْ يزددْ إلاّ غضباً وحنقاً لأنه أصبح يُحسّ بأنه حبيس “الاستعمار الماكيافيلي” من جهة و”القابلية للاستعمار الشّريرة” من جهة أخرى. ومع ذلك فإن مردوده الفكري لم ينقص على الإطلاق. فهو ماضٍ في نشر تعليقات في الصحف حول الرهانات الجيوستراتيجية التي نوقشت في الندوة الدولية المنعقدة في كولومبو، وفي ندوة جنيف.
على الساحة العالمية كانت القوى الغربية في جنيف منكبّة على وضع استراتيجية وقائية تهدف إلى إبعاد جنوب شرق آسيا عن تأثير الشيوعية، في حين كانت البلدان الآسيوية في كولمبوColombo تُعِدّ العُدة للإعلان عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. وكان بن نبي يرى في كل ذلك مواجهة بين ”إرادة القوة” و “إرادة التحرير” (16) كان يُتابع الأخبار في الصحف بخصوص عواقب تنحية رئيس الحكومة الإيرانية (مُصدّق) الذي أمّم البترول الإيراني بكل شجاعة، لكنه لم يحْظَ بدعم رئيس المجلس الوطني آية الله كاشاني. وقد خصص بن نبي لهذا الشأن مقالاً من مقالاته (17).
وقد تردّتْ أحواله المادية إلى درجة اضطرّ فيها أن يُراسل أحد أبناء وطنه ليطلب منه مساعدته بمعطف قديم وبعض الألبسة كي يتمكن من مواجهة برد الشتاء، لكنه لم يتلقّ أية إجابة. وكانت تلك الفترة هي فترة ظهور حركتي التحرير قي كلٍّ من تونس والمغرب. وفي ذات الفترة كانت أمريكا منهمكة بإجراء تجربتين نوويتين بالقنبلة الهيدروجينية. وشهدت القارة الآسيوية سقوط ديان بيان فو بعد أن مُنيت فرنسا بخسارة 3500 جنديّ قُتِلوا بأيدي الجيش الفيتنامي، إضافة إلى 10000 سجين. وكانت تلك ضربة موجعة للأمبراطورية الاستعمارية الفرنسية. وأفضت تلك الأحداث إلى تعيين منديس فرانس على رأس الحكومة الفرنسية…
أصبحت “اللجنة الثورية للوحدة والعمل” CRUA تنشر كتاباتها في جريدة تابعة لها، وهي Le Patriote ، وجاءت أولى مقالاتها بتوقيع حسين لحول وسيد علي عبد الحميد ومحمد بوضياف. وكانت لهذا الأخير زيارة لفرنسا بغرض إقناع مناضلين مثل ديدوش مراد بالانضمام إلى القضية التي تناضل من أجلها اللجنة. أمّا” المصاليون ” فقد أوّلوا إنشاء اللجنة الثورية بأنها محاولة من “ المركزيين ” لصرف الأنظار. وشملت المواجهات بين إخوة الأمس كلّ النواحي. وقد انضمّ قدماء “المنظمة الخاصة” الذين أفلتوا من عملية التمشيط الاستعمارية إلى اللجنة الثورية، ومنهم: بيطاط، بوصوف، بن مهيدي، بن عبد مالك، زيغود، بن طوبال، بن عودة، بن بو العيد، شيهاني… كما انضمّ إليهم أعضاء البعثة الخارجية، وهم بن بلّة، خيدر، وآيت أحمد.
وفي شهر جوان عقد اثنان وعشرون عضوا من “المنظمة الخاصة”، والذين صاروا أعضاء في “اللجنة الثورية”، اجتماعاً في الجزائر العاصمة من أجل الإعداد للثورة. وتمخض الاجتماع عن تكليف بوضياف بتعيين قيادة جماعية ستكون مُشكلة من كلّ مِن: بن بو العيد، ديدوش، بن مهيدي، بيطاط، كريم بلقاسم، بالإضافة إلى بوضياف نفسه. وحسب ما يُستفاد من بن خدة فإن اللجنة المركزية لـ”حزب انتصار الحريات الديمقراطية” PPA-MTLD قد قدّمت مساعدتها المادية والمالية للجنة الثورية.
كان بن نبي في لوات كليري يقضي أغلب وقته في القراءة، ويُخصص لكل كتاب يدرسه بطاقة قراءة. ومن تلك الكتب: “التاريخ” لتوينبي Toynbee، و”آسيا الجنوبية الشرقية بين عالميْن” و “بين الخوف والأمل” لـ تيبور ماند Tibor Mende ، و “جغرافيا الجوع” لـ خوسوي دي كاسترو Josué de Castro… وكانت مجلة Diogène هي مجلته المفضلة.
وتُختتَمُ يومياته الخاصة “العفن” (Pourritures ) التي بقيت في شكل مُسوّدة، بخبر هام: كانت بحوزة بن نبي تذكرة سفر بحراً إلى مصر ! فلقد تحصّل على تلك الرخصة الغالية في 12 جوان مُقابل مبلغ 50.000 فرنك كفالة. وهو يقول في ذلك: “ينتابني شعور بأن مشروع سفري قد دخل في مرحلة جديدة، وهو يشبه شعور الطّيّار الذي ينتقل من ظروف طيران عادية إلى ظروف طيران بسرعة أعلى من سرعة الصوت. فيما يخصني، لقد اخترقتُ جدار القابلية للاستعمار، وهو الجدار الذي كان الاستعمار يعتقد أنه كافٍ لمنعي من مغادرة فرنسا بسبب كثرة الخيانة والتواطؤ في الأوساط التي تسود فيها القابلية للاستعمار. وعلى أية حالٍ فإنّ ذهابي ليس رغماً على الاستعمار فحسب، بل رغم “جمعية العلماء”، و”حركة انتصار الحريات الديمقراطية”، و”الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري”، و الـ B.S.M.A ” (18).
كيف تمكن بن نبي من تحقيق ذلك؟ ليست لدينا أية معلومة بهذا الشأن لأنه توقف عن تسجيل يومياته بصفة نهائية يوم 24 جوان 1954.
لقد جاءت الفقرة الأخيرة من هذه السيرة الذاتية غير المنشورة، وكان بن نبي في لوات كليري، بهذه الصيغة: “أرى مُتسابقين بالدراجات يمرون عدة مرات أمام باب بيتي ليستكملوا الدورات الثمانية المقررة عليهم. وبيتي يقع في نهاية عقبة شديدة حتى أنّ المتسابقين يصلون إلينا مُنهكين. ويبدو أنّ آخر المتسابقين المارين قد أشرفوا على اليأس من الفوز. ورغم ذلك فإنّ المتفرجين المُصطفين على جانب الطريق في هذا المكان يُبْدون حماسهم ومحبّتهم لكل المتسابقين بدون أيّ تمييز. وهذا يجعلني أفكر في ردود أفعال جماهيرنا تُجاه المتسابقين المتأخرين مِن ذوي الحظ الواهي، فأسمع جماهيرنا تُجاهر بسخريتها وبعدائها المُثبِّط. وهكذا تسنّى لي أنْ أقف على سيكولوجيا حضارة مِن خلال حدث رياضي عابر، حيث يبدو كل فردٍ مُنكباً على لعب دورٍ بعد تعلُّمِ ذلك الدور أحسن تعلُّم. لكن الدور كامن في طبيعة كل فرد وفي تربيته. وقد عُدْتُ إلى منزلي وبعينيّ دموع الأسى…”
وفي شهر جويلية 1954 انعقد اجتماع ضمّ كُلاًّ مِن بوضياف وبن بو العيد وبن بلّة وخيدر ولحْول ومحمد يزيد بغرض تحديد التدابير الواجب اتخاذها على المستوى الخارجي، وهي: الاتصال بهيئة الأمم المُتّحدة، والدعاية الديبلوماسية، والتموين بالأسلحة… بادرتْ “اللجنة المركزية” التي كان في صناديقها مبلغ عشرة ملايين فرنك بالتبرّع بنصف هذا المبلغ للجنة الثورية. وفي ذات الوقت عقَد المناضلون الأوفياء لمصالي مؤتمراً في بلجيكا وقرّروا حلّ “اللجنة المركزية” المتواجدة في الجزائر العاصمة، وإقصاء معظم أعضائها من صفوف الحزب، والموافقة على الرئاسة مدى الحياة لصالح مصالي، وكذا منحه السلطات الكاملة… فكان ردّ فعل أعضاء “اللجنة المركزية” المقصيين أنْ عقدوا “مؤتمراً استثنائيا” في شهر أوت وأعلنوا عن سحبهم للثقة من مصالي ورفقائه.
وقد لخّص أحمد محصاص نتائج كل هذه الحداث بقوله: “لقد تحطم “حزب الشعب” و”حركة انتصار الحريات الديمقراطية” بعد أن كان وسيلة وأملاً في تحقيق الاستقلال الوطني، ولم يتحقق تأسيسه إلاّ بفضل المجهود الجبّار والتضحيات الجسيمة التي قدّمها عشرات الآلاف من المناضلين على مدى سنوات طويلة. فما عجز الاستعمار عن تحقيقه بالعنف والقمع حقّقه القادة بعجزهم وتعنُّتِهم بدرجة أعلى ممّا كان يرجوه الاستعمار نفسه”.
وسيتناول بن نبي هذه المرحلة في وقت لاحق بقوله في كتاب “مشكلة الأفكار في المجتمع الإسلامي”: ”بإمكاننا أن نفهم العديد من الكوارث التي كان بالإمكان تفاديها لولا جنون أفكار التسلط والتشبث بها… فعبادة الأشخاص و”الأشياء الوحيدة” مُنتشرة في كل مكان من عالمنا الإسلامي الحالي، وهي كثيراً ما تكون سبباً في إفلاس سياسيّ مُفاجىء وشامل… وإنّ أقلَّ الأفراد اقتناعا بقيمة الأفكار الاجتماعية غالباً ما يكون من الطبقة المثقفة المسلمة. وهذا ما يُفسّر لنا تفضيل عدد كبير من مُثقفي الجزائر أنْ ينضموا إلى الفلول الطائفة حول بعض الأوثان، على أنْ يكونوا في خدمة بعض الأفكار… إنّ دور “الزعيم” لا يتوقف عند حدود تغيير مسار القوى الثورية المتحركة، بل يتعداها إلى كونه حجر عثرة في طريق التيار السياسي الوحدوي الذي لا يتناسب مع سياسة التشرذم المُطبقة في العالم الإسلاميّ. ويبقى أنّه من الضروري أن يكون “الزعيم” واعياً بالدور الذي يلعبه. فمن المؤكد أنّ مصالي الحاج قد أدى دوره ببراءة. وكلّ ما في الأمر أن سلوكه كان مُطابقاً لملفه لدى الاستعمار. فهو الذي كوّن في مدرسته فلولاً من الزعماء الصغار (zaïmillons) الذين قتلوه هو نفسه، وخانوا الثورة التي تنكّر لها هو نفسه كِبْراً وتعنُّتا…”
في 10 اكتوبر بعد أنْ قسمت “اللجنة الثورية” الجزائر إلى خمس مناطق ( 1 بقيادة بن بولعيد، 2 بقيادة ديدوش، 3 بقيادة كريم بلقاسم، 4 بقيادة رابح بيطاط، 5 بقيادة بن مهيدي) اجتمع القادة مع بوضياف الذي كان من جهته مُكلّفاً بالتنسيق بين المناطق والعلاقات مع البعثة الخارجية، وذلك من أجل إبداء الرأي حول إعلان الفاتح من نوفمبر. وسيكون يوم 25 أكتوبر هو تاريخ آخر لقاء بينهم في الجزائر العاصمة. وبعدها انتقل بوضياف إلى القاهرة في مهمة قصيرة المدى، لكنه لن يرى الجزائر مُجدّداً إلاّ بعد الاستقلال.
وفتح العالم عينيه صبيحة يوم 1 نوفمبر 1954 على خبر مُفاجىء، وهو اندلاع ثورة التحرير الجزائرية. وجاء الإعلان الذي نشرته “اللجنة الثورية” باسم “جبهة التحرير الوطني” داعياً إلى العمل المسلّح من أجل تمكين الجزائر من استرجاع سيادتها التي سُلِبتْ منها سنة 1830. كان الخبر مُدوياً كالرعد ومُفجعاً كالزلزال. وكان ذلك بداية لظهور لغة جديدة على أفواه الجزائريين، كالكفاح المُسلّح، والمعركة، والعمل الملموس من أجل إسقاط الاستعمار بالقوة.
وفي شهر ديسمبر أسس مصالي حزبا جديداً باسم “الحركة الوطنية الجزائرية” MNA، وأمر بتنفيذ عمليات قتالية ضد أولئك الذين فجّروا الكفاح المسلح دون موافقتهه هو. وهكذا بدأت الثورة الجزائرية تاركةً وراءها مصالي الحاج، ومُعظم المناضلين في “حزب الشعب” الذين بقوا أوفياء لأسطورة مصالي، و “المركزيين”، و”العلماء”، و”اتحاد البيان”، و”حزب الشعب”… وقد ظهرت تلك الثورة فجأةً في التاريخ دون أن تملك أية وسائل، ودون أن تكون لديها قيادة ولا برنامج ولا تنظيم.
(يتبع)
المراجع:
1- في رسالة موجهة إلى الرئيس بومدين مؤرخة في 10 ديسمبر 1969، صرّح بن نبي بأنه “صعد إلى الجبل في جويلية 1952 كي يلتحق بالمجاهد قرين بلقاسم”، وأضاف قائلاً: “إنّ الدوافع التي دفعتني إلى هذا السلوك آنذاك كانت دوافع أخلاقية: فمنذ خروجي من السجن في أفريل 1946، حاولوا أن يستغلّوا إطلاق سراحي على الصعيد السياسي، وفي نفس الوقت أنْ يُجرّدوا اسمي وقلمي من أية قيمة على المستوى الوطني. لكنني لم أكُنْ مجبولاً على الرضا بالتبعية في ضميري وقلمي. ولذلك فضّلْتُ الفرار”.
2- ”الاصلاح الزراعي في مصر ” (“الجمهورية الجزائرية” عدد 26 سبتمبر 1952)
3- ”الشاب المسلم” عدد 13 مارس 1953
4- ”الشاب المسلم” عدد 27 مارس 1953
5- ”الجمهورية الجزائرية” عدد 03 أفريل 1953
6- المرجع المذكور سابقا
7- ”الجمهورية الجزائرية” عدد 10 جويلية 1953
8- ”معاداة الاسلام” (الجمهورية الجزائرية عدد 11 سبتمبر 1953)، ” دون خوف و لوم” (الجمهورية الجزائرية عدد 02 أكتوبر1953)، “سيدي محمد بن يوسف يدلي باعترافات عفوية” (الجمهورية الجزائرية عدد 14 ماي 1954)
9- صادق المجلس الوطني الفرنسي في فيفري 2005 على قانون “العائدين إلى الوطن” Loi sur les Rapatriés، ولمْ يخلُ نص هذا القانون من عبارة ” المهمة الحضارية للاستعمار “ Mission civilisatrice de la colonisation .
10- ”تجار الحضارة”، ” الشاب المسلم” عدد 16 افريل 1954
11- المرجع السابق
12- ”نقد…لكن بناء” المذكور سابقا
13- المرجع المذكور سابقا
14- منشورات سوي Seuil ، باريس 1948
15- ” أطروحة حول الاستعمار”، ” الجمهورية الجزائرية” من 19 الى 26 مارس 1954
16- ” من جنيف الى كولومبيا”، المرجع السابق
17- ”شعلة امل”، ” الجمهورية الجزائرية” عدد 28 ماي 1954
18- الكشافة الاسلامية الجزائرية Boys scouts musulmans algériens.
