بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
عقد حزب “حركة انتصار الحريات الديمقراطية” PPA-MTLD مؤتمره الأول في فيفري 1947 بالجزائر العاصمة، وفيه اتُّخِذ قرار تعزيز صفوفه بأداة شبه عسكرية أُطلِق عليها اسم “المنظمة الخاصة” OS)). أمّا عمار عيماش فقد حرّر رسالة موجهة إلى المناضلين يُندد فيها بسياسة عبادة الأشخاص التي يسلكها مصالي بغرض التعالي. ومما جاء في تلك الرسالة: “لقد حرّرناكم من الوثنية والتعصب، لكنكم تريدون الانسياق خلف ما هو أكثر خطورةً. أيقظناكم من عبادة الأوثان، وحثَثْناكم على السعي إلى رؤية كل شيء، وفهم كلّ شيء، ومراقبة كلّ شيء، لكنكم تركعون مُنتَشِين لأوثانٍ جديدة إلى درجة أنكم تجرؤون على اعتبار شعرات لحية من الفضائل الإلهية. عليكم بالتخلي عن المُهرِّجين الذين يُهْدون لكم أوهاماً مُضَلِّلة، وعليكم بالعودة إلى الواقع” (1).
أمّا بن نبي فكان باقياً في إصراره على مُغادرة الجزائر المُستعمَرة وفرنسا المُستعمِرة معاً، ولذلك قدّم طلب الحصول على جواز سفر كي يتوجه إلى مصر. لكن الأمر لم يتوقف هذه المرة عند رفض طلبه، بل تجاوزه إلى اعتقاله على يد مُحافظ شرطة عنابة التي كان بن نبي ماراًّ بها، وذلك بتاريخ 28 أفريل 1947، ثُمّ أخبره بأن بحوزته أمراً بالقبض عليه منذ سبتمبر 1945. قضى ليلتين في السجن، ثُمّ أُطْلِقَ سراحُه بعد إخباره بمنعه من مغادرة البلاد. لم يكن ذلك إلاّ ذريعةً لإشعاره بالضغط والحراسة التي كانت تُمارس ضده بلا انقطاع.
انتقل إلى تبسة، ثُمّ إلى الجزائر حيث التقى بالطيب العقبي وأحمد توفيق المدني. ولمّا أخبرهما باعتقاله الأخير توسّط له العقبي لدى أحد الجزائريين الذي ضَبَطَ له موعداً مع العقيد شووَنْ Schoen في مقرّ الحكومة العامة (قصر الحكومة حالياًّ)، وأرسله هذا العقيد إلى ولاية قسنطينة كي يلتقي بالعقيد تيرسي Tercé الذي اقترح عليه أن ينضمّ …إلى الشرطة، كمُستشار اجتماعي. فأجابه بن نبي مُتأفِّفاً: “سيدي، أنا الشاهِد، وليس للنفوس البريئة التي تُعاني بسببي إلاّ الله ليحفظهم”. في آخر هذا اللقاء العجيب الذي قال فيه بن نبي تلك الكلمات فكّر لأول مرّة في تأليف كتاب يكون عنوانه “الشاهد”. وسيتّخذ هذا الكتاب في المستقبل صورة سيرة ذاتية تحت عنوان “مُذكرات شاهد على القرن”. وعن تلك الفترة جاءت هذه العبارات بقلم بن نبي: “لقد وضعني جهاز المخابرات psychological-service بين الفقر المُدقِع المُتمثل في المحنة المزمنة التي تتخبط فيها عائلتي، وبين ابتزاز جهاز الشرطة، فهو يتذرّع بملف تعاوني مع الألمان كي يضطرني إلى قبول تزكيتي بامتهان أحقر عمل، وهو أن أكون عميلاً. كانوا يُريدون دفعي إلى الانتحار المعنوي”.
ونظراً لمنعه من مُغادرة الجزائر فكّر بن نبي في الخروج بطريقة غير شرعية عن طريق تونس. وقد وافقه كلٌّ مِن الشيخ التبسي والإبراهيمي وخير الدين (1902-1993) على مشروعه واقترحوا عليه المساعدة، لكنهم لم يفعلوا شيئا في النهاية. ولمّا عاد إلى تبسة لاحظ أنّ محافظ الشرطة يُبدي له البشاشة والانشراح، بل ويُعبّر له عن استعداده للتعاون معه. أما بن نبي فقد رأى في ذلك أنهم يُريدون شراء ذمّته وصرفه عن موقفه المُعادي للاستعمار. فكتب رسالة وجهها إلى محافظ شرطة عنابة، وكلّف أباه بتسليمها عن يدٍ لمحافظ شرطة تبسة الذي يُفترض أنْ يُمرّرها إلى زميله في عنابة. وهو في هذه الرسالة يؤكِّدُ أنه ليس مُستعداًّ لقبول الضغط البوليسي المُمارَس عليه، وأنه لن يستجيب ابتداءً من الآن لأي استدعاء إلاّ إذا صدر عن العدالة. لازَمَ بيته وبقي مُستعداًّ للدفاع عن نفسه بواسطة سلاح ناريّ لسنا ندري كيف تحصّل عليه. وبعد ذلك بيومين زاره المُحافظ كاستللي ليُخبره برفع الحجر عنه. كان ذلك في جويلية 1947.
وأياماً قليلة بعد ذلك وجّه ماسينيون “نداءً” لمُثقفي الضفتين لإنشاء “وفاق بين فرنسا والإسلام”، ونشره في الصحافة. وقد تمّ الاتصال ببن نبي بهذا الشأن، وأبدى موافقته وصار عضواً مؤسسا لذلك الوفاق. وبغرض تبرير هذا الانضمام ألقى بن نبي محاضرة في قاعة الحفلات بتبسة. وعلِمَ بعد ذلك أنّ تحقيقاً إداريا سريعاً يجري في تلك الأثناء من أجل منحه منصباً هاماًّ في الحكومة العامة. دُعِي لإلقاء مُحاضرة في الجزائر العاصمة، فكانت فرصة تعرّف فيها بالبروفيسور أندري ماندوز André Mandouze. وبعد ذلك بشهر واحد كان هذا الأخير هو الذي دُعِيَ لإلقاء محاضرة في النادي الفرنسي الإسلامي، أما بن نبي فكان مُكلّفاً بتقديمه إلى الجمهور.
في 15 اوت 1947، على الساحة العالمية شهدت الهند أحداثاً خطيرة خلال هذه السنة، وانتهى الأمر إلى تقسيمها الذي أدى إلى ظهور دولة باكستان. وكان بن نبي يُتابع تلك الأحداث التي هي في نظره لا تعدو أن تكون مؤامرة بريطانية ضد الإسلام. وهو يذكر في كتابه غير المنشور “وجهة العالم الإسلامي 2″ : ” تلك الدولة الباكستانية التي علينا أن نرى فيها إنجازاً كبيراً للسياسة الأنجليزية بكُلِّ أسف”. وسيبقى بن نبي مُتألِّماً من تقسيم الهند لأنه كان يرى فيها أحسن بقعةٍ للتعايش بين الإسلام والفكر الهندوسي. ومما كتبه عن ذلك في كتاب “الصراع الفكري في البلدان المُستعمَرة” La lutte idéologique dans les pays) colonisés ) سنة 1960: ” ليس بإمكان أيّ مؤرِّخٍ أنْ يقيس حجم الكارثة التي حلّت بالعالم الإسلاميّ يوم ظهرت باكستان إلى الوجود. و باستطاعتنا أن نسارع بالقول إنّ هذا الحدث قد غيّر مجرى التاريخ الإسلاميّ في آسيا لعدّة قرون…”.
لكنّه سيتمكن من قبول الواقع كما هو ويُخفف من حُكمِه ابتداءً من سنة 1952، إذ يقول في “وجهة الإسلامي 2″ غير منشور: ” مهما يَكُنْ، فإخواننا الباكستانيون بإمكانهم أن يؤدّوا دوراً بارزاً في التاريخ العالمي من الناحية الأخلاقية. فلهُم الفضل في أنهم يكادون أن يكونوا الشعب الإسلامي الوحيد (باستثناء مُسلمي إفريقيا السوداء) الذي عاد إلى رسالة السلام الإسلامية في العالم. فباكستان بالفعل هو البلد الإسلامي الوحيد الذي يبذل جهوداً في الدعوة، وقد بادر بإرسال بعثات إلى الخارج، وإلى أنجلترا وسويسرا خصوصاً. لكن هذا العمل المحمود الذي يستحق الإعجاب يبقى ناقصاً إذا لم يُعْطِ كتلة الجماهير الضخمة في الهند حقها من العناية، خاصةً وأنّ كل شيء يدلّ أنّ تلك الكتلة التي تعيش تحت القيادة الرشيدة للرئيس نهرو، ستلعب في القريب العاجل دوراً أساسياًّ في العالم بجانب الصين”. ( علينا التأمل في هذه الجملة الأخيرة لنرى كم كانت رؤى بن نبي صائبة).
وأكثر من ذلك فإننا نرى أنّ بن نبي يُسنِدُ لباكستان في كتابه “وجهة العالم الإسلامي” (1954) دوراً كبيراً في مستقبل الإسلام بجانب أندونيسيا، إذ يقول: “إنّ نهاية المرحلة المتوسِّطية أذانٌ بأنّ الإسلام سيتحرّر من عوائقه الداخلية. وهذا ما يُرى بوضوحٍ في باكستان، وكذا في جافا، وهما بَلَدان يُعتبر الإسلام فيهما حديث عهدٍ، ويعني ذلك أنهما بَلَدان فتيّان وجديدان يُفترض أن تكون فيهما الأحْرَويّة للفكر والعمل على حساب تقاليد العلمِ المُنغلق على ذاته، بحيث على الإسلام أن يتجدد وأن يصير عملياًّ ويُعيد فيه المُسلمون النّظر في أسلوب حياتهم. فالبنية الاجتماعية الجديدة التي سيكون فيها الإسلام ليست طبَقيّةً، بل شعبية إلى أبعد حدّ. ومِن جهةٍ أخرى سيكون عليه أن يتكيّف مع عبقرية الشعوب ذات التوجّه الفلاحي، وذات الميل الفطريّ إلى العمل: وهذا ما يُبشِّرُ بظهور تركيبة جديدة بين الإنسان والأرض والزمن، وبالتالي ظهور حضارة جديدة. وعلى الإسلام في الأخير أن يتكيّف مع المحيط الروحي الجديد، ومع الجوار مع الهند، ذلك البلد الذي لا يزال فيه إشعاع فكر نصوص الفيدا Védas… ولقد تركت أنجلترا في باكستان مِن رجال الثقافة والفكر ما لا يُمكن إنكاره. فيجب ألاّ ننسى أنّ سيد عامر علي، أول داعية في العصر الحديث، ومحمد إقبال مُفكّر باكستان الأول، ينتميان إلى تلك النخبة. وعندما اندلعت الحرب بين الهند وباكستان سنة 1971 نجد أنّ بن نبي يتنكّرُ لسياسة أنديرا غاندي، ابنة نهرو والوزيرة الأولى للهند، وينعى عليها “التسبب في الخراب الميتافيزيقي والسياسي للإيديولوجيا التي قامت عليها الوحدة المعنوية بين الشعوب الأفروآسيوية في باندونغ ” (2).
في شهر سبتمبر سنة 1947 تمّت المُصادقة على قانون جديد خاص بالجزائر، وهو ينص على إنشاء مجلس جزائريّ مُكوّنٍ من مجموعتين، ولكل مجموعة ستون نائباً، يتمّ انتخاب النواب الأوروبيين من طرف السكان الأوروبيين، والنواب الجزائريين من طرف السكان الجزائريين (الذين يُساوي عددهم عشر مرات عدد الأوروبيين). وأُجْرِيت الانتخابات المحلية في شهر أكتوبر، شاركت فيها كل القوى المُمثِّلة للحركة الوطنية، وكذا مترشحون جزائريون “أحرار” بدعمٍ من الإدارة. وعاد الفوز لحزب مصالي فيما يخصّ المجموعة الثانية.
وبمُبادرة من الحاكم العام تمّ تنظيم اجتماع خاص برجال الثقافة في فيلاّ مداني، دُعِيت للمشاركة فيه شخصيات ذات شهرة، مثل: ألبير كامو، بريس باران، بارو، الآنسة سوجيي، عمر راسم (1884-1959)، ميموني، خالدي، بن نبي… الذي حظِيَ أخيراً بالاعتراف، لكنه سيبقى إلى الأبد محلّ شكوك، وستُمارَس عليه ألوان من الضغوط بسبب رفضه الخضوع لتأثير الإدارة. فهو ممنوعٌ ضمنياًّ من ممارسة أيّ عملٍ ومِن مُغادرة القُطر الفرنسي الذي كانت الجزائر جزءاً منه.
وستُنظّمُ انتخابات المجلس الجزائري الجديد في أفريل 1948. وقبل ذلك تمّ تعيين حاكمٍ عام جديد، وهو وزير التربية الأسبق، إيدموند نيجلان Edmond Naegelen الذي سيرتبط اسمُهُ بتزوير الانتخابات. وكان “حزب الشعب” هو الحزب الأكثر استهدافاً بالقمع والتزوير، إذ لم يحصُل سوى على 9 مقاعد من أصل ستين مقعداً مُخصصا للسكان المسلمين.
وباعتراف التقارير الواردة من الوُلاة، فإنه لولا ذلك التزوير لحصل حزب الشعب على 90% من المقاعد (3). ولم تتحكم القاعدة النضالية لهذا الحزب في أعصابها، إذ كانت كتائب المنظمة الخاصة المتكونة من 1500 عنصر على أحرّ مِن الجمر في انتظار المرور إلى العمل المسلّح، ومُعظم أعضاء قيادة الحزب لم يَعودوا يُخْفُون تضايقهم من تناقضات سياسة مصالي، لكن لا أحد كان باستطاعته أن يُواجهه بالحقيقة.
كتاب ” لبّيْك، حجُّ الفقراء”
نشر بن نبي كتابه الثاني في دار النشر “النهضة” في مطلع سنة 1948 (4). إنّ صدور هذه الرواية التي استغرق تأليفها شهراً واحداً أمْرٌ غريب، خاصة وأنّ فيها إشارة إلى قُرب صدور كتابين لم يصدُرا إطلاقاً بهذين العنوانين: “وجوهُ مع الفجر” و “على آثار الفكر العلمي الإسلامي”، إذ إنّ الكتاب الذي صدر له بعد هذه الرواية بعامٍ هو: “شروط النهضة الجزائرية”، وأعتقد أنه جاء بدلاً من (وجوهُ مع الفجر)، على أنّ بن نبي لم يُصرِّح بذلك. ولم يصدُر لبن نبي أي كتاب بالعنوان الثاني المذكور أعلاه. فالكتاب الذي جاء بعد “شروط النهضة” هو “وجهة العالم الإسلامي” الذي كان يُفترض أن يكون عنوانه هو (البُنى التحتية للعالم الإسلامي الحديث) بدليل أنّ المُقتطفات التي نُشِرتْ في الصحافة بين سنة 1950 و1951 تُشير إلى هذا العنوان الأخير. والواقع أن الدكتور خالدي هو الذي اقترح على بن نبي العنوان الذي عُرِف به الكتاب بعد نشره سنة 1954 في دار النشر Seuil. و جاء بهذا الإهداء: “إلى محمد خطاب، كشهادة عرفان، ولأخي الدكتور خالدي الذي يعود له الفضل في اختيار عنوان الكتاب، والذي يدين له كاتبه بالشيء الكثير”.
لماذا ألّف بن نبي تلك الرواية التي قال عنها خالدي في مقدمة كتاب “شروط النهضة” بعد عامٍ أنّ ”بعض القُرّاء اعتبروه أجنبياًّ عن المدار المُشِعِّ الذي رسمَهُ كتاب “الظاهرة القرآنية”؟ قد لا نُجانبُ الصواب إذا اعتبرناه مرحلة وسيطة بين لحظتين طبعتها درجة عالية من التركيز في حياة بن نبي الفكرية. وتتمثل اللحظة الأولى في تلك التي حرّر فيها “الظاهرة القرآنية”، والثانية في اللحظة التي هو فيها بصدد صياغة نظرته إلى الحضارة في كتاب “شروط النهضة”.
تمُرُّ بالإنسان لحظات قد يكون فيها بحاجة إلى نسمة هواء تُريحُه وتُروِّحُ على عقله بجرعةٍ من عبيرِ الروح. وبن نبي يُشعِرُنا منذ البدءِ بأنّه كتب هذه الرواية بسرعة بين رحلتين توسّطتْهُما فترة وجيزة، إذْ كتب مُعظمها “في غرفة بفندق من الفنادق”. ثُمّ يُبيِّنُ أنّ الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية شخصيتان حقيقيتان، ويتعلّق الأمر ببائع الفحم وبطفلٍ من مدينة عنابة. وقد يكون المقصود من ذلك لفت انتباهنا إلى أنه ليس كاتباً روائياًّ مهمّتُهُ خلق الأحداث والشخصيات الخيالية، وفي ذلك نوع من الاعتذار على أنّه يُقدِّمُ عملاً روائيا مُتواضعاً جداًّ. وبحسب بعض الشهادات، فإنّ بن نبي لم يَكُن يروقُ له أن يُذكّرَ بوجود رواية “لبّيك” بين مؤلفاته، وكأنّي به نادمٌ عل استسلامه لهواه في لحظة من لحظات حياته عندما كتب ”رواية”، وهو المعروف بروحه العلمية.
وجاءت هذه الرواية بخلفيةٍ دينية أساساً، كما بٌنِيَتْ أحداثُها على مشاعر حرصَ الكاتب على تبليغها إلى القارئ. أمّا موضوعها فليس بالجديد لأنه يتمحور حول التوبة والخلاص اللّذيْنِ يُمثِّلان جوهر كلّ الرسائل الدينية. وهو موضوعٌ مُبتَذَلٌ لأنه طالما عولج بأقلام الروائيين والسينمائيين، وطالما ألْهَمَ كُتاب الأغاني الاحتفالية والأغاني الشعبية. وقد أورَدَ بن نبي بعض الإشارات في “الظاهرة القرآنية” فيها تلميح إلى رواية “لبيك” في مثل قوله: “الضمير الإنساني الذي أسْلَمَ أمْرَهُ للتوبة واستكانَ إلى البراءة والأمانة” وذلك في معرض حديثه عن زوجة بوتيفار التي حاولتْ أنْ تُغْوِيَ يوسف في القصة الشهيرة الواردة في الكتاب المُقدّس، ثُمّ اعترفتْ بخطيئتها.
والمعروف أنّه ممّا تنتشي له نفوس الجماهير في كلّ زمانٍ ومكانٍ، كلّ ما يتعلّق بانتصار الحق على الباطل، وعلوّ الهمّة، والكرم. ولا يزال القراء والمُشاهدون في أرجاء العالم كلّه يتأثرون لمشاهد الصراع بين الرذيلة والفضيلة، وبين الإسفاف والقداسة، وبين العادل والجائر. ومما عُرِفَ عن بن نبي وجدانه الفيّاض، وشدة تأثره بالقيم الأخلاقية السّامية، ولذلك جاءت روايتُه متمحورةً حول قصة رجلٍ مِن طينةٍ شريفة لكنه، ولأسبابٍ مجهولة، انغمس في الإدمان على الخمر حتى جاءت تلك الليلة التي عاد فيها إلى الطريق المستقيم دفعةً واحدة.
وتُفتتح هذه الرواية على مشهد الأجواء الاجتماعية في مدينة عنابة عشية انطلاق موكب الحجيج في اتجاه مكة، وهُمْ قادمون مِن مُدنٍ مُجاورة مثل تبسة أو قسنطينة ليأخذوا أماكنهم على متن السفينة التي ستنقلهم إلى البقاع المُقدّسة. ولم يكُن مِن عادات الجزائريين المُسافرين إلى الحج آنذاك أنْ يُقيموا في الفنادق لأنّ أهل المدينة هم الذين يتكفلون بهم فور نزولهم من القطار. وكان كلّ ذلك ممّا يُولِّدُ نشاطاً من نوع خاصٍّ في المدينة.
وقد صادف موسم الحج في تلك السنة شهر أفريل. وبمُجرّد أنْ يُرخى الليل سُدوله على المدينة نرى في أحد أزقة المدينة سِكِّيريْنِ يتشاكسان ويُحدِثان ضجّةً كبيرة. وكان أحدُهما يُسمّى إبراهيم، وهو بطلُ الرواية. إنه شابّ في الثلاثين، يشتغل ببيع الفحمِ في المحلّ الذي نراهُ يمشي مُتعثِّراً عند مدخله رفقة زميله السّكّير. وبقي هذا الزميل بدون اسمٍ في الرواية، إذ اكتفى الكاتب بعبارة “رفيق السوء لابراهيم” (acolyte) .
كان والِدَا إبراهيم مِن أتقياء الناس وأغناهم، وقد أورثوهُ بعض المحلاّت التجارية ومنزلاً يقْطُنُ هو في إحدى غُرَفِه، والبقية يقطنها سكان بالكراء. بقي إبراهيم وحيداً بعد وفاة والديه، أمّا زوجته فقد غادرته بسبب إدمانه على الخمر. ومنذ انغماسه في هذه الرذيلة تردّتْ أحوالُهُ لأنّه أصبح يُبذِّرُ كلّ أمواله ويُطفىء جِمار الندم في كؤوس الخمر. ولم يبق له مِن إرث والديه غير ذلك المحل الذي يشتغل فيه ببيع الفحم. وكان من نتيجة ذلك كلّه أنه أصبح ممقوتاً في الحي الذي يسكن فيه حتى أصبح الصبيان يستهدفونه بسخريتهم. ويُصوِّرُ بن نبي ذلك بطريقته الفلسفية المعروفة في قوله: “عندما يُصْدِرُ الوسط الاجتماعي حُكمه على الفرد، فإن الصبيان هم الذين يتكفلون بالإعلان عن الحُكم لأنهم يُسمّون المجنون مجنوناً والسِّكِّيرَ سكِّيراً. فهُمْ الرُّعاة الساهرون على التقاليد والسَّنَنات والعادات”.
استيقظ إبراهيم باكراً وهو في آخر لحظة من حُلْمه الذي سافر به إلى مكة. فلا شكّ أنّه تشبّع لا شعورياًّ بمشهد أفواج الحجيج الذين أقبلوا على المدينة بالأمس. وللعلم، فإنّ إبراهيم كان قد قضى ردحاً من الوقت في المدرسة القرآنية عندما كان صبياًّ: “رغم المنحى السلبي الذي اتخذه إبراهيم في حياته، فقد حافظ على الروح الصوفية التي يتركها السلف الصالح لأبنائهم”. استيقظ إبراهيم ومشاهد الحُلم لا تزال بين عينيه، ونظر بِعينِ البصيرة إلى أوضاعه المُتردِّية حتى انتابته موجة من الحياء. يقول الكاتب ليؤكد أنّ ”نفس المُسلِم تُحافظ على قدر من العزّة والكرامة مهما تردّتْ أحواله، لأنها تنفر بطبعها مِن عار الرذيلة عند ارتكابها”.
راح إبراهيم يُفكّر في تفسير حُلمه، فَبَدَا له أنه قد يكون وحياً من الله. لقد أصبح الآن يرى بوعي تام شريط ماضيه وهو يمرّ أمام عينيه. وهو يرى الآن ذلك المشهد الذي هوتْ فيه حياتُه الزوجية في منزلق الضياع، وما نجم عن ذلك من مهالك أوْهنتْ عظامه. وهذا صوت مؤذن الفجر يخترق سكون العتمة ويوقظ النفوس من غفلتها والأجساد من غفوتها. هُنا أحسّ إبراهيم براحة مُفاجئة في أعماق نفسه وكأنّها قد تحرّرت من سلاسل كان يظنّ أنّ التحرّر منها ضرْبٌ من المُستحيل. خرج الرّجل من محلّه مُضطرب الحال وراح يجري باتجاه مسجد الحيّ، ولمّا وصلَ قُبالتَهُ انتابه التردد، فرفع يديه إلى السماء بهذا الدّعاء: “اللّهُمّ اشفِني مِن عِلّتي، واهدِني فأنا من الضالين”.
وفجأةً مرّت بخاطره فكرة: أليس هناك سبيل إلى مواصلة ما رآه حُلْماً في الواقع؟ وبدأتْ ترتسم في عقله خيوط مشروعٍ أو ما أشبهه، فاتجه إلى أحد الحمّامات واغتسل، ثُمّ عاد إلى بيته كي يُفاتِحَ جاره بالفكرة الخارقة التي ملكتْ فؤاده فجأةً، وكان جاره هذا شيخاً مُسِناًّ يحتل عند إبراهيم مكانة الأب. إنه على استعداد لبيع داره لتغطية التكاليف التي يتطلبُها مشروعه. أمّا جاره فلمْ يكدْ يُصدّق ما سمعه من إبراهيم وبدا له أنه بإزاء مُعجزةٍ تجري أحداثها أمام ناظره. ومع ذلك فقد وافقه على ما ينوي فعله، وأفاده بأحسن فكرةٍ لحلّ مشكلته، وهي أن يرهن داره بدلاً من بيعها. أمّا المحلّ فقد صرّح إبراهيم بأنّه وهبَه لرفيق السوء. وسيُساعده أحد معارفه مِن المُنتخَبين على استخراج رخصة السفر من الدائرة. فلمْ يبقَ له إلاّ الذهاب إلى محلّ بيع الأقمشة كي يقتني لباس الإحرام الخاص بالحُجّاج. وقد جرى كلّ ذلك خلال ساعات قليلة.
ولمّا أنهى إبراهيم كلّ الإجراءات المتعلّقة بالسفر عاد إلى بيته، حيث وجد جاره (عمّي محمد) قد نشر الخبر بين كل القاطنين في تلك الدار، إذ استقبلوه بوجوهٍ تتنازعها علامات المفاجأة والإعجاب. وسرعان ما أدرك أن ذلك الاستقبال من علامات الاحترام التي نالها على التوّ، لأنه لم يَعُدْ ذلك الصعلوك الذي يتأفف الجيران مِن الالتقاء به. لقد أحبّوه فجأةً وأعدّوا له المؤونة التي سيحتاج إليها في رحلته إلى الحجّ. وكان لذلك بالغ الأثر في نفسه، وأصبح يُحِسّ أنه نال رتبة “الحاج” المُشرِّفة في حين أنه لم يُغادر المدينة بعدُ. وحتى زوجته أنبؤوها بما وقع، فبادرت بإرسال السبحة التي تركها له والداه إليه. أمّا رفيق السوء فلم يفهم شيئا عندما جاءه صديقه ومفاتيح المحل في يده ليُعلِن له أنه مُتنازل عنه لصالحه. وفي الأخير ودّع إبراهيم جيرانه واتّجه إلى الميناء.
أنشأ بن نبي يقول: ” لمّا اعتلى إبراهيم ظهر السفينة أحسّ بأنه على أهبة الدخول إلى عالمٍ جديد”. وعندما بدأت السفينة تتأهب للإبحار بدأت صُوَرُ الماضي تتباعد عن ناظره، وكأنه ليس بماضيه بل ماضي شخصٍ آخر. ويُعلّق بن نبي على ذلك بأسلوب فيكتور هيجو قائلاً: “إنّ زمن الانزلاق قد ولّى”، ثُمّ يُضيف: “إنه الآن مغمور بسكينة تستعصي على الوصف. فلقد زال مِن نفسه كلّ أثرٍ للندم على ذاك الماضي… إنّ المُسلِمُ بإيمانه العميق بالله أقوى مِن أن يستسلمَ للندمِ المُحبِط بعد توبته، باستثناء تلك الجرائم الخطيرة، مثل تحطيم حياة إنسان بشكل غير قابل للإصلاح، فهي جرائم تبقى مطبوعة بشكل مستمر وأبديّ في نفسِ المُسلِم”.
ولمْ تكُنْ هناك حاجة في هذه الرواية إلى أنْ يمُرّ السّكيرُ بمرحلة علاج طويلة لكي يُقلِع عن الإدمان. فمُعجزة التّديُّن ومُعجزة الإيمان التي حلّت في نفس فحّام، وفضلُ الله على مخلوق تائبٍ، كل ذلك كان كافياً لتسويغ ما حدث. ولمّا بدأت الرحلة راح الكاتب يصف مشاهد التآخي بين الحُجاج الذين انتظموا في مجموعات تسودها الحميمية والتضامن في أبهى صُوَرِهما. وهكذا استرجع إبراهيم مكانته بين أعضاء ذلك المجتمع المُصغَّر الذي كان يُعامله كما يُعامَلُ أهل السموّ والرفعة. فلقد شرّفه عنوان “الحاج” الذي مُنِح له كما تُمنح الترقية الاجتماعية. لم يَعُد مكانه في الحضيض، بل أصبح في قمة المجتمع، ولم يعُدْ منبوذاً ومحلاًّ للاحتقار والشتم، بل صار مِن أشرف رجال الدين، فهو أكثر الناس حظوةً بالاحترام في المشهد الاجتماعي للوسط التقليدي. وإذا كانت الخمر قد فصمتْهُ عن المجتمع ورمت به في الأوحال، فإنّ الإيمان هو الذي أعاده إليه.
لقد وصف فيكتور هيجو مشهداً مُشابهاً لهذا التحوّل الأخلاقي والنفسي عندما جَثَا جان فالجان Jean Valjean على ركبتيه مُنهاراً من شدة الندم أمام مونسينيور موريال، إذ قال في رواية “البؤساء”: “إنه سقوط، لكنه سقوط على الركبتين كانت نهايتُه صلاةً”.
رستِ السفينة في ميناء جولات بمدينة تونس لكي تحمل على متنها آخر حُجاج الشمال الإفريقي. وفي الوقت الذي بدأ فيه سَحْبُ المصعد لتُواصل السفينة رحلتها، شوهِدَ رجلٌ على الرصيف وهو يجري نحو المصعد ليُحاول التشبث به والصعود إلى ظهر السفينة، لكن بعض رجال الشرطة منعوه من ذلك. ويصف بن نبي هذا المشهد قائلاً: “كلّ الأنظار كانت مُحدِّقة فيه وكأنه أيقونة من أيقونات الإيمان تتجسد في شكلٍ ملموس… ولقد تأثر كلّ مَنْ رأى المشهد، بما فيهم رجال الشرطة، وهُمْ يرون انهيار الرجل يائساً وهو يصيح بأعلى صوته: “يا رسول الله ! ها أنت ترى كيف تخلّيْتُ عن خيمتي وأبنائي كي أزورك. لكنك ترى أني قطعتُ 700 كلم سيراً على قدَميّ ولا أستطيع أن أواصل طريقي إليك، يا رسول الله “!.
إنّ مثل هذه المشاهد هي التي تُخلّدُ بعض الروايات. لكن بن نبي يؤكّد أن ما جرى في ميناء جولات كان حدثاً واقعياًّ علّقت عليه الصحافة التونسية، ويقول: “لقد مرّ تولستوي على أكبر نكسة معنوية بعد رؤية أحد المُتسوِّلين وهو يُهانُ على يد شرطي في مدينة موسكو بحُجة أن التسوّلَ ممنوع”. ولقد انهمرت دموع إبراهيم عندما خطر بباله شبح مُعاناته لو حدث له ما حدث لذلك البدويّ المسكين وحُرِمَ مِن تحقيق حُلمه.
في صبيحة اليوم الموالي اكتشف طاقم السفينة وجود مُسافر غير شرعي على ظهرها، وهو الطفل (هادي) الذي أبحر من عنابة. وبمجرّد رؤيته عرفه وتذكّر أنه هو نفسه ذلك الصبي الذي كان يستفزّه بهذه الصيحات لقاتلة:” يا سكّير ! يا سكّير !”. وخوفاً على الصبي من التعرض لأقسى العقوبات تطوّع إبراهيم بدفع ثمن تذكرته، لكن مُحافظ الطاقم الذي كان رجلاً خيِّراً اكتفى بتسخيره للخدمة في المطبخ. وكان هادي يقضي أوقات فراغه مع المجموعة التي ينتمي إليها إبراهيم. فأحبّه هذا الأخير وشرع في تعليمه الوضوء والصلاة. وهكذا سارت أحداث هذه الرواية على وقع حركة السفينة السابحة في أمواج البحر.
وفي سردية هذه القصة وصفٌ ليوميات الحُجاج وصلواتهم الجماعية وتناولهم وجباتهم في مجموعات، بل وفيها كذلك نقلٌ لإحدى المناقشات الفلسفية العفوية بين بحّار فرنسي يتأسف على كثرة الصراعات والفقر والظلم في العالم، وبين مجموعة من الحُجاج الذين يُبرِّئون العناية الإلهية من أية مسؤولية على انحرافات البشر. وواضح أنّ مِثل هذا الوسط هو الذي كان يتمنى بن نبي أن يعيش فيه، لأنه مجتمع فاضل ومدينة مثالية يسير كلّ شيء فيه على قواعد الإيمان وتحتل فيه الأخلاق مكانة القانون.
وقد توقّف بن نبي مُطوّلاً عند التحوّل الأخلاقي الذي حدث لذلك الصبيّ (هادي) الذي وجد نفسه مرمياًّ في الشارع بعد موت والديه واضطراره لمُصارعة الحياة بمفرده. وكان الناس في ذلك الوقت يُسمون مثل هذا الصبي بـ (يا وْلاد). أما إبراهيم فقد غمرتْهُ السعادة إذْ أُتيحَ له أنْ ينقُل ما لديه من علمٍ قليل بالدين إلى هادي الذي صار يريدُ إحْلالِهِ مِن نفسه مكان الابن. وكانت السفينة تُواصل رحلتها على وقع حركات الأمواج وعلى وقع أوقات الصلوات الخمس في كل يوم: “كانت السفينة يحُفُّها جوّ من السكينة وهي تشق طريقها اللّؤلئي في البحر الشاسع”، وإبراهيم يُمرِّرُ حبّات سبحة والديه التي أرسلتها له زوجته وهو مُتّكىء بمرفقيه على شُرَف السفينة الحديدية.
ويبدو لك بن نبي أنه هو نفسه كان على ظهر تلك السفينة عندما يقول ” إنّ المسلم يهوى التأمل في السماء كما يهوى الباسكي التأمل في المحيط. فكلاهما يلوذ باللاّمحدود”. وهذا انطباع شخصيّ بحتٌ لكاتبٍ مُتعوّدٍ على ركوب السفينة منذ سنة 1925.
كان إبراهيم غارقاً في التفكير في سعادته بالإقامة في المدينة المُنوّرة، واسترجاع زوجته، وتبنّي هادي… وبعد أربعة أيام من الإبحار قطعتِ السفينة قناة السويس ودخلت إلى البحر الأحمر. وتنقضي الرحلة عند هذه النقطة، لتنتهي الرواية بعد ذلك بصفحتين يُستفاد منهما أنّ أحد الحُجّاج العائدين من البقاع المُقدّسة جاء إلى العمّ محمد، جار إبراهيم، وسلّمه رسالة جاء فيها أن هذا الأخير مُقيم في المدينة المنوّرة، وهو يكسب قوت يومه ببيع القهوة للزبائن في حمّامٍ يُسيّره أحد المغاربة، وهو برفقة هادي الذي أصبح ابنه بالتبنّي.
وهكذا انتهت هذه الرواية التي يُحتمَلُ أن يكون كاتبها قد تعمّد تركها بتراء. وللعلم فإن بن نبي لم يكُن في تلك الفترة قد أدّى فريضة الحج، لكنه سيؤديها في سنوات: 1955، و 1961، و 1972. فكلّ ما كان يعرفه عن هذه الفريضة هو ما تعلّمه في المدرسة ومن خلال ثقافته الاجتماعية. لكن العواطف المتّصلة بالحج كانت أمّه هي التي بثّتها في نفسه، وقد أدت هي فريضتها سنة 1933.
وفي مذكراته غير المنشورة ذكْرٌ للعديد من الحكايات التي كانت أمه تحكيها له عن الحج، وهو يقول عن ذلك: “كانت حكاياتها تملؤني حُبوراً وتُثير عواطفي، بالإضافة إلى أني كُنتُ أتعلّمُ منها الشيء الكثير. وباستطاعتي القول إني كُنتُ أؤدي رفقتها فريضة الحج بفكرنا. كانت تمرّ بي لحظات وجدانية تستعصي على الوصف عندما تصف لي تلك الأجواء التي يُقبلُ فيها آلاف البشر ليُسْلِموا أمرهم لله بذلك النداء الشعائري (لبّيك اللّهمّ !) الذي هو بالنسبة للمُسلم الحقّ إسلام الأمر كلّه لله. وحكايات أمي كانت من الحقيقة في بساطتها بحيث كانت تُزلزلني أحياناً… وعندئذ ألوذ بغُرفتي لأُخفيَ دموعي”.
ما أسْعَدَهُ لو أنه عاش بين صحابة الرسول برفقة بلال بن رباح وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري والآخرين ! وما أشدَّ شغفه بالعيش في كنف المدينة المنورة أيام الدعوة المحمدية المباركة ! تلك هي العواطف الدينية التي تمُتُّ إلى كلّ مُقدّسٍ بأقوى الصِّلات، والتي أراد بن نبي أنْ يستعيدها عندما كتب هذه الرواية بعد وفاة أمّه بأربع عشرة سنة. فهل كتبها تكريماً لروحها؟ الحقيقة أننا لا نعرف شيئا عن ذلك. أمّا الديكور الذي بدأت به القصة، وهو بيت إبراهيم، فهو شديد الشّبَهِ ببيت جدته خالتي باية والذي ورد وصفُهُ في كتاب “مُذكرات شاهد على القرن” (5).
وكانت جدّتُهُ تقطن مع أحد إخوتها، وهو علاّوة، وقد ذكره بن نبي في مذكراته في صورة شاب أوْدعَ وألْطفَ من الخِراف الصغيرة، وكان يشتغل فحّاماً في شارع قريب من منزله. فقد تكون حالة علاّوة ومزاجه الميال إلى الزهد هما اللّذان قام بن نبي بإسقاطهما في شخصية إبراهيم. وإجمالاً، فإنّ الانطباع الذي نخرج به من هذه الرواية هي أنّ كاتبها استقى ملامح شخصياتها من الواقع الذي عاش فيه، ومن ذكرياته ومشاعره الذاتية.
وجدير بالإشارة إلى أنّ علاّوة لم يكن مِن شاربي الخمر، بينما كان إبراهيم في الرواية من المُدمنين عليها. والخمر ممنوعة في عائلة بن نبي لأن شُربها لا يعني ارتكاب عمل مُحرّم فحسْب، بل يعني كذلك خيانة روح الأمة وثقافتها. فقدْ يكون ذلك السكّيرُ هو مُختار، ذلك المُقامر الذي يعيش من لعبة “راي راي”، والذي صادفناه سابقاً وهو يتبرع بمبلغ ماليّ مُعتبر للجنة المُكلفة ببناء مسجد في تبسة لأنه قد قرّر فجأةً أن يتوب ويُصبح من “الإصلاحيين” المتحمسين. أمّا شخصية (هادي) فتُذكّرنا بالـ “يا وْلاد” الذي التقاه بن نبي أثناء محاولته الأولى للهجرة إلى فرنسا سنة 1925، والذي ساعدهما “هو وقَوَاوْ”، بطريقة عفوية، بكل ما لديه من مال. فهو يشبه “هادي” ببراءته وحيلته وجرأته وكرمه. ولا ننسى أن هذا الـ “ياولاد” كان حرّاقاً بحسب اعترافه لبن نبي.
وهكذا تظهر هذه القصة البسيطة والمقتضبة بشخصياتها القليلة وبِحُبكتها المُسطّحة والخالية من اللغز والحركة، كرواية دينية قريبة من مستوى الروايات الرومنسية البسيطة جداًّ. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لِمَن وجّه بن نبي هذه الرواية، وما هو الجمهور المستهدف بها؟ كلّ ما نعرفه هو ما جاء في هذا الإهداء: ” إلى زوجتي العزيزة كشهادة على حنانها الفياض على البسطاء في بلدي، إلى أختي الحاجة لطيفة، إلى السيد بيّار M. Billard، إليهم جميعاً عبارات الإعجاب بتحيتي”. ولا نعرف شيئا عن السيد بيّار. لكن ما لا شكّ فيه أنه في هذه الرواية يُخاطب، بطريقة ضمنيّة، وفي الوقت الذي كان منهمكاً فيه بكتابتها، أولئك الذين يتشدّقون بالكلام عن الشعب دون أن تكون لديهم معرفة بحالته النفسية ومُعاناته، والذين يحتقرون الإسلام ويُشكّكون في قدرته على رأب الصدوع وإصلاح النفوس. وعلى أية حالٍ فإنّ كلّ ما كتبه بن نبي كان مُوجّها إلى الشعب، باستثناء “مرضى الفكر”. وهو يُصِرّ على التصريح بذلك في مذكراته غير المنشورة: ” هذه المذكرات مُوجّهة إلى الشعب عندما سيصير قادراً على قراءة تاريخه الصحيح، وعندما سيُرمى بالأقصوصات التي تحكيها الأفلام للتغرير في سلة المُهملات التي أوجدها الاستعمار”.
وقد تكون مَقْصِدِيَّةُ الكاتب كذلك وصف تلك الشريحة التي يتزايد حجمها في الأوساط الشعبية الجزائرية الهاوية في دهاليز الفقر والرذيلة بفعل الاستعمار. وهذه نظرة إصلاحية ألقاها الكاتب على تلك الحُثالة التي يُفترض أن يعتني بها “العلماء” و “البوليتيكيون” بدلاً من استغلالها كجمهور مُتلقٍ أو كموضوع لإثراء خُطبهم.
وقد يبدو لنا في هذه الرواية قدر غير قليل من السذاجة والبساطة، لكن الحقيقة أنّ حالة بن نبي النفسية كانت كذلك بالذات، فقد كان مجبولاً على البراءة الملائكية والحشمة والتعاطف. وما يجب ألاّ ننساه هو الحالة التي رجع بها من أفلو والانطباع الجيد الذي خرج به من مُجاورته للنفوس البسيطة والغليظة التي تُعدّ هي الوحيدة القادرة على تحقيق النهضة بفضل استعدادها للتضحية واتصافها بالشجاعة.
إنّ إيمان بن نبي، العالِم الذي ألّف “الظاهرة القرآنية”، هو نفسُهُ إيمان الفحّام الذي ورد ذكره ووصفه في رواية “لبّيْك”. فالإيمان قد يكون لأسباب عظيمة كما قد يكون لأسبابٍ بسيطة. وكان بن نبي يُحبّ الحكايات والغرائب التي تحكيها له جدّته. وقد تأثر بها كثيراً بدليل أنه لم ينقطع عن ذكر تلك الجدة الرائعة في معظم كُتبه، بل إنه استلهمها في بعض مقالاته، كمقال “السياسة والحكمة الشعبية” حيث جعل من هذا اللون الأدبيّ (المقال) في خدمة التربية الاجتماعية.
فاللون الأدبي ليس إلاّ قالباً لتمرير الرسائل إلى شعبٍ معروفٍ بحُبّه للتراث وإلى إحدى شخصياته البارزة المُتمثلة في “جُحا”. وهذه طريقة بن نبي في استغلال هذا الجانب في المقال المذكور أعلاه: ” لقد لجأ الدين إلى الرمز في مخاطبة الضمير الإنسانيّ من أجل شرح أعقد المفاهيم وأصعبها. وعلى أية حال فبإمكاننا القول إن الرياضيات لا تستعمل إلاّ هذه الطريقة التي تُصاغ في مُعادلات. والشعوب في تجاربها الروحية والعلمية وجدت في مثل هذه اللغة كثيرا من الفاعلية. فالرمز يُصبح أداةً ضرورية كُلّما عجزت اللغة العادية عن إيصال المعنى أو أفْضتْ في تعبيرها إلى إحداث صدمة مع أعرافنا وميولنا الذوقية… وكانت جدتي تحكي لي في ماضي الأيام قصصاً عن “جُحا”. لكن قصة من تلك القصص أجد فيها ما يفي بإبراز الدلالة النفسية والمنهجية التي أريد طرحها في هذا المقال. فلقد كان جُحا إذاً ذات يومٍ من أيام الشتاء الباردة في هضابنا العليا رفقة شركائه في التعاسة تحت سقف كوخ من تلك الأكواخ التي تعرفونها، وقد شكّلوا حلقة حول موقد تنبعث منه حرارة مُريحة. لكن النار بدأت تخبو لقلة الحطب. فقال أحدهم: لنخرج ونأتِ بقليل من الحطب من الغابة المجاورة ! اتّخذ كل واحد منهم وجهته، وكان جحا واحداً منهم. لكن الرفاق لمّا رجعوا مُحمّلين بالحطب وجدوا أن جُحا لمْ يَعُدْ بعْدُ، فانتابهم القلق وقرروا أن يذهبوا ليروا ما حدث له. ولماّ ظهر لهم وجدوا انه كان مُنشغلاً بتمرير حبلٍ طويل على أشجار الغابة. لمّا سألوه عمّا يفعل أجابهم: ألا ترون أني أريد أنْ آتيكم بحطب الغابة كُلّها كي لا تضطروا إلى الاحتطاب كلّ يوم؟ أُعْجِب الرفاق بالفكرة وأحسوا بالحرج لأنهم لم يتمكنوا من الإتيان إلاّ بالنزر القليل من الحطب وراحوا يتوسلون إليه أن يُؤجِّل ذلك العمل إلى يومٍ آخر لأنهم قد أتوا بما يكفيهم ليومهم، ثُمّ دعوه للعودة إلى الكوخ معهم. وهكذا عاد جُحا إلى دفء الموقد دون أن يُساهم بشيء وهو، فوق ذلك، مُعزز مُكرم…”
ثُمّ ينتقل بن نبي فجأةً إلى نبرةٍ أخرى وإلى أسلوبٍ آخر، وكأنه يريد أن يقول: كفانا لهواً وعبثا ! والقارئ ينتقل بدوره فجأةً من نشوة القصة وفكاهتها إلى مواجهة الواقع المُرّ الذي سيكشف عن العبرة من تلك القصة المَرِحة: ” إنّ موقف جُحا يُبيّنُ لنا كيف يمكن أن نعيش من عمل الغير ودون أن نفعل شيئا بأنفسنا. إنّ صاحب الحيلة هو الذي يستغلّ السذاجة وهو يتظاهر بالبطولة. والغريب أنّ المُغرّر بهم هُمْ أنفسهم الذين يضعون تاج البطولة على رأسه…” (6).
وفي مقالة أخرى تحت عنوان “طُرفة بسيطة “(Simple anecdote ) (7) ، ينقل لنا الانطباعات التي عاد بها من أنجلترا سنة 1968. فلقد نزل في مدينة ليدز عند أحد أحفاد الأمير عبد القادر، وهو الذي حكى له قصة عجيبة جرتْ له أثناء أدائه فريضة الحج سنة 1935: فلقد تعرّف في البقاع المقدّسة برجل من جنوب إفريقيا قطع رفقة زوجته وأبنائه كامل المسافة بين بلده وميناء السودان في مدة أربع سنوات مِن أجل أداء الفريضة. ومع أنّ بن نبي كان في الثالثة والستين من عمره آنذاك، إلاّ أنه لم يتمكن من كبح دموعه عند سماع القصة.
لكن هذا لا يعني أنّ فضائل الأخلاق في حياة الفيلسوف بن نبي لم تكن إلاّ وسيلة لإثارة العواطف الجياشة في النفوس المرهفة الإحساس. فبِقدْرِ مَقْتِهِ للإغراق في النزعة الأخلاقية كان يكرهُ النزعة المُفرِطة في الفوضى والعبَثية. ذلك أنّ لفضائل الأخلاق في فلسفته وظيفة أساسية في الحياة، إذْ هي الطاقة المُحرّكة لعجلة التاريخ. وتلك الفضائل هي التي تعطي للفكرة قوتها التصاعدية، وهي التي تخلق الكبح النفسي اللازم في الحياة النفسية للبشر كي تعلو بهم إلى مستوى التحدِّيات الكبرى.
وبن نبي يؤمن بتأثير الأدب في روح الشعب، وروح العصر، بل وفي روح الحضارة، كما يؤمن بوظيفته كحاملٍ للأفكار السائدة فيها. وهو يذكر رواية دانيال ديفو (روبنسون كْروزْوي) ورواية ابن طفيل (حيّ بن يقظان) باعتبارهما نموذجيْن ثقافيين شاملين، أو باعتبارهما لسان صدقٍ للتمازج بين حضارتين مُتماثلتين، هما الحضارة الغربية المُركّزة على الفعالية، والحضارة الإسلامية المُركّزة على الأخلاق.
وكان بن نبي يؤمن، مثل الفلاسفة القدامى ومثل الأنبياء، بقوة الفضائل، والإيمان، والأفكار… ولقد بدأ تآليفه من البداية بإنتاج “الظاهرة القرآنية” ثُمّ “لبّيْك”، وهما كتابان، بانتمائهما إلى (الداخل)، يُمثِّلان (مرحلة الذات) عند صاحبهما.
(يتبع)
المراجع:
1) ذكره عمار وريدان” القضية البربرية في الحركة الوطنية الجزائرية 1926-1980″ منشورات دار الاجتهاد الجزائر العاصمة
2) ارجع الى”ماذا اعرف عن الاسلام؟” العدد 06، فيفري 1972
3) ارجع الى احمد محصاص المذكور سابقا
4) أُعيدَ نشر رواية “لبّيك” سنة 2005 للمرة الأولى منذ سنة 1948 في دار الغرب (الجزائر)، المقدمة بقلم عبد القادر جغلول.
5) لم تَعُدْ هذه الدار موجودة في الحاضر، إذ تمّ هدمها في إطار أشغال إعادة تهيئة الحي سنة 1986.
6) الثورة الافريقية عدد 18 سبتمبر 1965
7) الثورة الافريقية عدد 22 فيفري 1968
