Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (14)‏

حياة مالك بن نبي (14)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

صارت الحرب الآن في فرنسا أمراً لا مفرّ منه. فلقد نُظِّمتْ تظاهرة ضخمة في مرسيليا شهر سبتمبر ‏‏1938 للتنديد بتصاعد الفاشية واضطهاد اليهود من طرف النازية. وكان بن نبي مَدْعُواًّ إلى تلك التظاهرة ‏التي التقى خلالها بـ بيرنار لوكاش ‏Bernard Lecache‏ ، رئيس الرابطة الدولية ضد مُعاداة اليهود ‏LICA، والذي كان قائداً تروتسكياًّ.‏

وعلى هامش ذلك نُظّمَ تجمّع بصفة ارتجالية في قاعة مُمتلئة اختلط فيها الفرنسيون باليهود الجزائريين. ‏فاقترح بن نبي أنْ تُدرج في اللائحة الختامية إشارة إلى وضعية الجزائريين الذين يعيشون تحت الاضطهاد ‏الاستعماريّ. ولمّا قُرِئتِ اللاّئحة لم تَرِدْ فيها أية إشارة إلى الجزائريين، فصعِدَ فيلسوفنا عُنْوةً إلى المنصّة ‏وألقى خطاباً حماسياًّ حظِيَ بتصفيقات حارة من الجمهور الحاضر. وقد طالب في خطابه بأن تعترف فرنسا ‏بحقوق شعوب شمال إفريقيا كي تقف بجانبها، لا أنْ تُعامَلَ كمرتزقة وككباش التضحية مثلما جرى خلال ‏الحرب العالمية الأولى. وغداة ذلك نظّمَ تجمّعاً آخر في مقرّ نادي شارع لي شابوليي، وحضر مئات من ‏الجزائريين الذين أتوا للاستماع إليه. وممّا قاله لهم استعداداً لاندلاع الحرب العالمية الثانية: “سيطلبون منكم ‏التضحية بدمائكم، فطالبوهم بحقوقكم السياسية قبل ذلك”.‏

استُدْعِيَ بضعةَ أيام بعد ذلك إلى مقرّ أكاديمية ليبوش دي رون ‏Bouches-du-Rhône‏ حيثُ أشْعَرَهُ ‏المُفتِّش بغلق المركز. ولمّا سأله بن نبي عن الأسباب أضاف قائلاً: “يا سيدي، منذ أن بدأت شعوب إفريقيا ‏تتعلّم، ومنذ ظهور تلك المسائل المتعلقة بفلسطين، لم تَعُدْ هناك أية إمكانية للتحكم فيها وتسييرها. يجب أن ‏تفهموا أنّ القرار لم يصدُر من عندنا، بل من الأعلى” (1). أدْرك بن نبي أنّ “العنكبوت” قد لاحقته ‏بخيوطها. وكان يرى أنّ الحرب التي ستندلع عن قريب ستُغيِّر التوازنات الجيوسياسية العالمية، وسيؤدِّي ‏ذلك إلى تحرير الجزائر. وكانت تلك السنة هي التي توفي فيها محمد إقبال وأتاتورك، أمّا مورينو ‏Morinaud، نائب قسنطينة ورئيس بلديتها، فقد انهزم في الانتخابات المحلّية بعد تربُّعه على عرش ‏المدينة منذ ثلاثين سنة.‏

كان شباب مدينة تبسة يلتقون كل مساء في “مقهى باقي” لمتابعة حصة إذاعية من إذاعة برلين يُنشِّطُها مُذيع ‏جزائري اسمه يونس بحري، الذي كان يدعو الشعوب الإسلامية إلى التجنُّدِ ضد الأمبراطوريتين ‏الاستعماريتين الفرنسية والبريطانية. فكانت المدينة تعيش حالة غليان. أمّا بن نبي فكان كثيراً ما يُلقي ‏مُحاضرات في النادي الثقافي، ويعطي دروساً بصفة مُتقطِّعة في المدرسة التي كان يُديرها الشيخ العربي ‏التبسي. وكانت زوجته تُقدم دروسا مجانية في الفنون المنزلية لبنات المدينة التي صارت ملتقى لعدة ‏خطابات: الإصلاح، والمنتخبين، وحزب الشعب، وصوت برلين.‏

كان مِن المُنتَظَر أن يزور بن جلول مدينة تبسة، وتلك فرصة أراد بن نبي أن يغتنمها كي يُحْرِجَ تلك ‏الأيقونة المعبودة بالإعلان عن مسؤوليته على فشل “المؤتمر الإسلاميّ الجزائري”. وكان الأمر يتعلق تلك ‏المرة بالمؤتمر الثاني الذي عُقِدَ في جويلية 1937 في مقر “جمعية العلماء” بالجزائر العاصمة من أجل ‏التنديد بتجميد مشروع بلوم فيولات على أيدي رؤساء البلديات الأوروبيين الثلاثمائة الموجودين في ‏الجزائر. ولم يُشارك بن جلول في ذلك المؤتمر الذي قرر الدعوة إلى استقالة جماعية ثانية لكامل المُنتخبين ‏الجزائريين في أوت 1937. وتلك هي الفترة التي انفصل فيها فرحات عباس عن بن جلول وتخلّى عن ‏فكرة الإدماج. وإتماماً لإجراءات الانفصال قام باسترجاع جريدة “‏L’Entente‏ “، ونقَلَها إلى سطيف، ثُمّ ‏أسس حزباً سياسياًّ جديداً أسْماه: “الاتحاد الشعبي الجزائري”‏UPA) ‎‏-‏Union populaire ‎algérienne ‎‏) الذي سيدعو إلى مشروع فيدرالية بين الجزائر وفرنسا. أمّا الحركة الوطنية فكانت منقسمة ‏انقساماً عميقاً، كما اختفى “المؤتمر”، وأصبحت الخصومات الشخصية أوْلى من مصالح القضية الوطنية. و ‏بمرور الأشهر والسنوات بدأت تتضح علامات شبح الحرب. ‏

في أحد الأيام أهداه الشيخ العربي التبسي كتاباً بالعربية عنوانه: “الصِّراع” مِن تأليف كاتب سعودي، وهو ‏يعالج دور اليهود في قيادة العالم، واقترح عليه أن يُترجم بعض فصوله وأن يستكملها بتعليقاته ليتمّ نشره ‏باسميْهما معاً. وقد أنجز بن نبي ذلك العمل في بضعة أيام وسلّمهُ للشيخ. و لمّا قرأه هذا الأخير تراجع وأقْلَعَ ‏عن فكرة نشره. وسيتّخذ ذلك الكُتيّب عنوان “الحزب الجزائري غير السياسي الاجتماعي” (‏Le PAS ‎algérien‏).‏‎ ‎‏(2) وأمام تراجع الشيخ العقبي اقترح بن نبي الكُتيّب باسمه وحده على اللجنة المُسيِّرة لجريدة ‏‏”حزب الشعب” التي صارت تُسمّى “البرلمان” كخلف لجريدة “الأُمّة”. لكن المُديرية رفضت نشره. وبعد ‏ذلك ببضعة أيامٍ حرّر مقالاً تحت عنوان “لا مع الفاشية ولا مع الشيطانية” (3) (‏Ni pour le fascisme, ‎ni pour le satanisme ‎‏) واقترحه على نفس الجريدة. ثُمّ ترجمه إلى اللغة العربية وأرسله إلى جريدة ‏تونسية. لكنه لم يحْظَ بالقبول في الجريدتين. فَاشْتَاطَ غضباً على الزعماء وأشباههم ، (‏les zaïmillons‏) ‏وعلى العلماء وأشباههم (‏alimillons‏) وعلى الخونة وأشباههم (‏traitrillons‏).‏‎ ‎

وكانت القوى الاستعمارية قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية تخشى تمرّد الرأي العام العربي والإسلامي ‏عليها، وتخشى أن تكون نتيجة ذلك تأييد ذلك الرأي العام للسياسة الألمانية، ممّا سيُضعفها. و صحيح أنّ ‏العرب والمسلمين، وبالنظر إلى الظروف التي يعيشونها تحت الاستعمار، وبالنظر لما يحدث في فلسطين، ‏مُحِقّون في تمرّدهم على المصالح الفرنسية والبريطانية. ولقد وجدت النُّخب والتشكيلات السياسية في تلك ‏البلدان نفسها أمام وضعية شائكة حتى أنّ بعض الوجوه المعروفة حاولت أنْ تميل إلى كفّة ألمانيا.‏

اندلعت الحرب في الفاتح من سبتمبر سنة 1939. وكان “حزب الشعب” والحزب الشيوعي في الجزائر ‏ممنوعَيْن، ومصالي الحاج في السجن مُجدّداً، وابن باديس في الإقامة الجبرية، أمّا ابن جلول وفرحات عباس ‏فقد تمّ تجنيدهما في الجيش الفرنسي. أثناء ذلك تلقّى والد بن نبي برقية تُغريه بالعودة إلى منصبه، أمّا هو ‏فلقد تلقّى قُصاصة أُرسلتْ له عن طريق البريد، وهي تتضمن خطابا مُعادياً للنازية ‏‎:‎‏ “فهمْتُ الصفقة ‏الضِّمنية المُقترحة عليّ فهماً جيّداً. لكنني لم أشعر بوجوب الاقتداء بفرحات عباس وابن جلول، أما والدي ‏فلن يعود إلى عمله بالفعل”. ‏

أبحر بن نبي رفقة زوجته في عنابة يوم 22 سبتمبر، أما خالدي فسافر إلى مرسيليا. وفي اللحظة التي ‏غادرتْ فيها السفينة الميناء وراحت المدينة تتباعد عن ناظره، خطرتْ بباله هذه الكلمات: “يا أيتها الأرض ‏التي تُطعِمُ الأجنبيّ وتترك أبناءها جياعاً، لن أراك ثانيةً إلاّ بعد تحرُّرِك”. والواقع أنّ بُعده عن الجزائر لم ‏يدُمْ هذه المرّة إلاّ سبع سنوات. لكنه في تلك اللحظة كان في أعلى درجات الغيظ على بلاده: “وأنا أُغادر ‏الأرض الجزائرية، كُنتُ مُحمّلاً بأكبر شحنةٍ امتعاضٍ يَقْوَى على حملها قلبُ بشر”ٍ. ‏

لا بُدّ مِن الإشارة إلى أنَّ بن نبي لمْ يُبْدِ، إلى حدّ الفترة التي نحن بصددها، أية نية في الكتابة، ولم يُشِرْ إلى ‏أيّ مشروع كتاب ينوي تأليفه، باستثناء ذلك النص المُعنْوَن “الحزب الحزائري غير السياسي الاجتماعي” (‏Le ‎PAS algérien‏). ذلك أنه كان يتخبط في الظروف الصعبة المُسلّطة على كلّ “أنديجان”، وخصوصاً على ‏العقل النيّر الذي يجتهد ويكدّ، رغم إمكاناته الضعيفة، في سبيل إعانة شعبه على رؤية طريق الواجب ‏والنهضة. لكنّ ما لا شكّ فيه أنّ أفكاره أصبحت الآن واضحة. فهي مُنتَظمة في أعماقه بشكلٍ يجعلُها جاهزة ‏للانفتاح. كانت نزعتهُ العقلانية وإيمانه تُعِدّان له الطريق لطرح “نظرية حول القرآن”، أمّا حماسُه الدينيّ ‏فسيظهر في رواية “لبّيك” (‏Lebbeik‏) (4).‏

لقد أتيح له أن يكتشف “الهومو ناتورا” في أفلو. أمّا في الحي اللاّتيني، حيث احتكّ ب”منحرِفي الفكر”، فقد ‏أتيح له أن يكتشف “المينوس هابنس” ويمْقُتَهُ. وكلّ الصّور الرائعة التي أعطاها عن ذلك لم تكن وليدة ‏تخمين، بل وليدة تجربة واقعية. كان يستعدّ لمُصارعة غير متكافئة العتاد والعُدّة ضدّ الاستعمار والقابلية ‏للاستعمار، وضدّ “البوليتيك” والنزعة الشعبوية ‏‎(populisme)‎‏. ورغم عدم تكافؤ القوة، ورغم الدسائس ‏فإنّه لن يستسلم أبداً. لقد خاض المعركة وهو يكاد يكون وحيداً. وسينقل لنا في وقت لاحق فكرة من أفكار ‏الكاتب جورج دوهاميل ‏Georges Duhamel‏ والتي كان يرى أنها تُناسب حاله: “إنّ على الكاتب أن يبقى ‏وحيداً وحُراًّ كي يتمكن من أداء مهمته”. وفي حديثه عن نفسه يقول: “إنّ الأنسب للمثقف، كي يكون فعّالاً، ‏أن يُعايش مجتمع بلاده. فذلك أفضل له من الانتماء إلى إطار مُحدّد يفرض عليه أن يلتزم بطريق التحزّب ‏partisme‏ ، إذا صحّ لي استعمال هذه الكلمة” (5)‏

إنّ هذه الكلمة التي شاعت بفضل ديغولDe Gaulle ‎‏ ليست إلاّ مُصطلحاً من المُصطلحات الجديدة التي ‏وضعها بن نبي. وهو يتحدث في مذكراته غير المنشورة عن الانقسامات التي مزقت الحركة الوطنية بعد ‏الحرب العالمية الثانية، فيقول: “كانت الساحة الجزائرية تُسيطر عليها النزعة المُوالية لأمريكا التي يرعاها ‏‏”حزب الشعب”. أمّا “اتحاد البيان” ‏L’UDMA‏ فلا يزال مُسانداً لصيغة الاتحاد مع فرنسا. غير أنني كُنتُ ‏أعي أنّ الجميع لم يكن يعمل للمصلحة العليا، بل لحسابات تتعلق بالتربع على عرش السلطة. فلا شكّ أن ‏أتباع “حزب الشعب” لا يتمنون أن يروا الحرية تتحقق على أيدي أتباع “اتحاد البيان”. ولستُ أدري إنْ ‏كان الأمرُ كذلك في الاتجاه المعكوس. بدأتُ أرى الحقائق بوضوح فيما يخص الحالة العقلية التي تُميّز كل ‏الحركات في الشمال الإفريقي… لكنني لن أجد لهذه “الروح الوطنية” اسماً مُناسباً إلاّ بعد مرور وقت طويل ‏نسبياًّ، ذلك الاسم هو “التحزّب” ‏le partisme‏. (هذه الأسطر كتبها بن نبي سنة 1952). ‏

وهو يستعمل هذا المُصطلح دون وضعه بين قوسين في مقالٍ له تحت عنوان “وجهٌ آخر للأزمة المصرية” ‏‏(6). وفي كتاب “وجهة العالم الإسلامي” الذي سيظهر سنة 1954 نجد أن هذا المصطلح يحمل معنى ‏جديداً، وهو الروح الوطنية. ففي حديثه عن “الأخوّة الإسلامية كقاعدة ضرورية لأية سياسة في البلدان ‏الإسلامية” يُعبّر بن نبي عن أسفه على أنّ هذا المبدأ “يتعرّض باستمرار لحربٍ مِن مختلف تيارات الروح ‏الوطنية التي هي في حقيقتها مُجرّد تحزُّبات”.‏

مُلاحظة هامّة: سنعتمد ابتداءً من الآن، وحصرياًّ، على الجزء غير المنشور من السيرة الذاتية لبن نبي، وهو ‏تحت عنوان العفن (‏Pourritures‏ )، وهو العنوان الذي أشرنا إليه طيلة عملنا هذا بعبارة: مذكرات غير ‏منشورة.‏

وجاءت أوراق هذه الوثيقة غير المنشورة مؤرّخة و مكتوبة بخط اليد على الوجهين، وتتخللها تشطيبات ‏كثيرة. كُتبتْ كُلُّها في الفترة الممتدّة بين 01 مارس 1951 و 20 جوان 1954، ونستثني منها انقطاعاً ‏لفترتين امتدت كلّ واحدة منها سنةً واحدة. و قد نجد صعوبة في قراءة بعض الصفحات المملوءة ‏بالتشطيبات، وفيها بعض الأخطاء، ممّا يدُلّ على أنّ كاتبها لم يَعُدْ إليها منذ أن كتبها. ومع ذلك فإننا نجد ‏بعض الملاحظات على الهوامش، ومِن الواضح أنّها أُضيفتْ بعد استقلال الجزائر.‏

ويتضمن هذا المخطوط 373 صفحة، ويتكوّن من جزءٍ معروف عنوانه (الطالب)، وهو مُطابق للنسخة ‏المنشورة بالعربية إلى حدٍّ ما، إضافة إلى ثلاثة أجزاء أخرى غير منشورة. ومحتويات هذه الوثيقة تتلخص ‏في: مقدمة، وجزء أول (الطالب ‏l’Etudiant‏)، وجزء ثانٍ ( المنبوذ ‏le Paria‏ )، وجزء ثالث (الكاتب ‏l’Ecrivain‏)، وجزء رابع (المهاجر). وهذا يدلّ أنّ بن نبي أعطى لهذه المذكرات شكلاً مناسباً للنشر.‏

و يبدو أنه كان ينوي أن ينشرها كما هي بدليل ما قاله في المقدمة: “إنّ كتابي هذا عبارة عن شهادة أريد أن ‏أتركها للأجيال الصاعدة. لكنني كتبته بطريقة تسمح لجيلي بالتعرف عليه ومناقشته ونقده لأنّ الشهادة لا ‏تكون مقبولة إلاّ إذا خضعتْ لمراقبة مُعاصريها. وإلاّ فإنها قد تُصبِحُ كذبة مما بعد الموت كتبها مجنون يحبّ ‏التعذيب والمُطاردة أو طامح في التتويج بتاج العظمة بعد موته”. والحال أنّ بن نبي لمْ يُقدم كتابه هذا للنشر ‏وهو على قيد الحياة، إذ لمْ يُنشر منه إلاّ الجزآن الأول والثاني (الطفل والطالب). لكن، هل كان بإمكانه ذلك ‏على الأقل؟ ‏

وأول ما جاء في المقدمة:‏‎ ‎‏”أنا أنتمي إلى الجيل الذي جاء ليختتم مسار التعفّن في جسد الحضارة الإسلامية ‏القديمة، ويفتتح مرحلة جديدة اختلطت فيه “قذارتان”، أي: القابلية للاستعمار والاستعمار، لكنها كذلك مرحلة ‏تظهر فيها هنا وهناك إرهاصات وضْعٍ جديد يستحيل تحديده”.‏

أصبحتْ نبرة الكاتب حادّة ومأساوية لأنه يمرّ بأصعب فترة في حياته، حتى أنه صار على حافّة الانهيار ‏العصبيّ: “لماذا وُلِدْتُ في الجزائر كي أكون علامة مِن العلامات التي تحمل إرهاصات الوضع الجديد لأجِد ‏نفسي بذلك في مواجهة هذين الوحشين: الاستعمار والقابلية للاستعمار؟ لا أملك لذلك جواباً، غير أنَّ عندي ‏مِن الإيمان ما يكفي لمساعدتي على قبول ما قدّره الله لي. وما أعرفه هو أنّ مَن عاش سابقاً لعصره أو ‏مُتأخّراً عنه لا يجد في طريقه غير الأشواك. فأناَ إذاً لا أسرد إلاّ ما أعرف ممّا عشتُهُ أو سمعتُهُ أوْ فكّرْتُ ‏فيه”.‏
بدأ بن نبي في المقدمة بشرح العنوان المُختار لكتابه وإيراد مُبرِّراته، إذ جاء في الأسطر الأولى قوله: ‏‏”رأيْتُ ما يزيد عن اللّزوم منذ عشرين سنة، وتشبّعْتُ فيها تشبُّعَ النحلة بعسلها إذا طال قطفُها للرحيق. لكن ‏‏”العسل” الذي أنوي وضعه في هذه الصفحات ليس مِن كوثر الأزهار بكل أسف، بل هو شحنةُ نفسٍ أُريدَ ‏تدميرُها بالقهر الجسدي والسُّمّ المعنوي. فموضوع هذا الكتاب هو قصة تلك النفس وتجاربها منذ عشرين ‏سنة. وهو، في كلمة واحدة، “اعتراف” أو “مُذكرات”. هل تعلمون ماذا تعني، عند ذي الإحساس المرهِف، ‏نظرةُ براءةٍ مِنْ طفلٍ في الخامسة لمْ يعرف للخبز طعماً كي يستطيع النوم ؟ إنّ نظرة الطفل عبد الحميد، ‏وهو ابن أختي، هي أقسى صورة لمعاناتي مع عائلتي منذ عشرين سنة… فلقدْ حُرِمَ أبي من أيّ مصدر ‏للرزق، وفُصِلَ زوج أختي من عمله منذ عشر سنوات… وأنا أجد نفسي مسؤولاً عن كل هذه المآسي… ‏وزوجتي تُعاني من المرض دون أن تحظى بالرعاية الطبية والعلاج، بالإضافة إلى الشعور بالإهانة عند ‏الاضطرار للعمل لسدّ رمق العائلة التي كنتُ أنا نفسي عاجزاً تمام العجز عن إعالتها لأنّ الاستعمار يسدّ كلّ ‏أبواب العمل في وجهي، ولو كان ذلك عملاً بسيطاً”.‏

ولهذا فهو يتكلم عن ماسينيون، باعتباره سبب كلّ مآسيه، بعبارات فيها كثير من الحقد. فهو، أي ماسينيون، ‏‏” الشرطي الذي يتظاهر بأنه عالم، بل بأنّه قدِّيس”.‏

أمّا الجزء الثالث (الكاتب) فهو يبدأ بهذه العبارات: “أُواصِلُ، بعد انقطاع لمدة عام، سردَ قصة حياتي التي ‏أنْهيتُ كتابة جزئيها الأولين (الطالب والمنبوذ) في العام الماضي. ومخطوطة هذين الجزئين توجد عند ‏الشيخ شيبان والشيخ إبراهيم مزهودي اللّذيْنِ ألَحّا على الإبقاء عليها بعد أن كُنتُ أنوي إحراقها لأني كنتُ ‏في أحلك أزمة مرّت عليّ طيلة حياتي، عندما كانت الشرطة الاستعمارية، ومعها قساوسة كاثوليكيون، ‏يُريدون دفعي إلى الانتحار الذي به يتوقف عملي هذا، أو إلى سلوك عنيف يكون ذريعة لقتلي بلا إشعار”.‏

كان بن نبي في تلك المرحلة على يقين مِن أنّ حياته هي التي صارت في خطر، وهو يُصرِّح بذلك ‏بوضوح: “الآن، وأنا مُتيقِّن مِن قُربِ نهايتي بطريقة أو بأخرى، لا يُعَدّ التعبير عمّا أُفكّر فيه عنجهيّة: فأنا لا ‏أظُنُّ أنّ ملفي الحقيقي موجود في مقرّ الحكومة العامة أو في وزارة الداخليّة، بل هو موجود في الفاتيكان ‏وفي مجلس الكونسيستوار”(‏‎ Consistoire‏). ومن الأمثلة التي كان يُفكّرُ فيها أحياناً ذلك “الأب” المغربي ‏الذي اسمه عبد الجليل، والذي أرغمه ماسينيون على اعتناق المسيحية على المذهب الكاثوليكي (7). ‏

عاد بن نبي إلى مساره السرديّ إذاً سنة 1939، وكان آنذاك رفقة زوجته وحماته في بلدة لوات كليري‎ ‎‏(‏Luat-Clairet‏). حاول مرّة أخرى أنْ يحصل على أيّ عمل لكنه لم يُفْلِحْ. ولذلك فقد ساءتْ أحوال الأسرة ‏إلى أبعدِ حدّ إلى درجة العجز عن شراء الخبز، ولا حتى الورق الذي كان يُخربش فيه مذكراته وهو مهتاج. ‏تلك الحالة المُزرية مُضافةً إلى حنقه على الاستعمار هي التي جعلتْهُ يأْمُلُ أن تُحْدِثَ الحرب العالمية ما قد ‏يكون في صالحه، إذ يقول: “كُنتُ في انتظار الحرب، تلك الحرب التي ستُغيِّرُ كلّ شيء لتستقيم أقداري ‏التعيسة، تلك الحربُ المُحرِّرة التي ستُحِلُّني المكان الذي أستحقُّهُ في بلدي بعد تحرُّرِهِ”.‏
‏ ‏
وقد أخطأ في ذلك كما أخطأت عشرات الآلاف من الجزائريين الذين سيخرجون مُتظاهرين بتاريخ 8 ماي ‏‏1945 في الشمال القسنطينيّ رغبة منهم في المشاركة في احتفال الحلفاء والمطالبة بحقوقهم الوطنية، ‏ليجدوا أنفسهم أهدافاً سهلةً للرشاشات والقصف الجويّ. وسيكون عدد الضحايا 45000 قتيلاً جزائرياًّ في ‏ذلك اليوم وفي الأيام التي تلتْه، مُقابل 103 قتلى أوروبيين. وسيقضي بن نبي سنوات الحرب العالمية الثانية ‏بين فرنسا وألمانيا.‏
‏(يتبع)‏

المراجع:‏
‏1)‏ بالإضافة إلى وروده في المذكرات غير المنشورة، فهذا الحدث وارد في مقال لبن نبي عنوانه “تُجار الحضارة” ‏‏(‏‎ Marchands de civilisation‏) نُشِر في صحيفة (‏‎ Le Jeune Musulman ‎‏ ) بتاريخ 16 أفريل 1954، وفيه ‏يقول: “بين 1938 و1939 كُنتُ أقدِّمُ دروسا للكبار لمُساعدةً المغاربة على التعلّم، فاستُدْعيتُ إلى مفتشية التعليم ‏وأخبروني بمنع تلك الدروس”.‏
‏2)‏ ‏(‏PAS‏ ): هي الأحرف الأولى في ( “الحزب غير السياسي الاجتماعي” ‏Parti Apolitique et Social ‎‏). ففي نسخة ‏مِن مذكراته غير المنشورة يؤكّد بن نبي أنه أرسل بهذا النص إلى القنصل العام الإيطالي في قسنطينة، وقد أخبره الوسيط ‏الذي سلم له النص أنّ القنصل أبدى رأيه قائلاً: “هذا النص يجب نشره”.‏

‏3)‏ في نسخة أخرى من مذكرات بن نبي غير المنشورة، أطلق هذا العنوان ” لا للديكتاتورية و لا للقرصنة الشيطانية”‏
‏4)‏ منشورات النهضة، الجزائر العاصمة 1948‏
‏5)‏ ‏”النقد…لكن البناء”، ” الجمهورية الجزائرية عدد 22 جانفي 1954‏
‏6)‏ ‏”مجلة الشاب المسلم ” عدد 12 مارس 1954‏
‏7)‏ جان – محمد عبد الجليل (1904-1979) شابّ مغربيّ تابعَ دراسته الابتدائية في مدرسة شارل دو فوكو التي يُسيّرُها ‏فرنسيون في الرباط، وأُرْسِلَ سنة 1925 من طرف الماريشال ليوتاي لمتابعة دراساته في السوربون. تحوّل إلى ‏الكاثوليكية ستتنة 1928. وسيقول في وقت لاحق: “في الوقت الذي لم أكن مستعداًّ لأصير مسيحياًّ جعلني الله في خدمته ‏على يدِ رجلٍ عظيم جداًّ يكفيني أن أذكر لكم اسمه: الماريشال ليوتاي. كُنتُ أعرفه معرفة جيّدة جداًّ. وبالفعل فقد تعوّد على ‏زيارة كل أقسام الثانويات في المغرب كل سنة… وكان في الغالب يدعوني لتناول العشاء في بيته…” (ارجع الى بيار ‏اسولين، ” معتنقو الاسلام الجدد”، منشورات ا.ميشال، باريس 1982)‏
ومِن جهة أخرى يمكن أن نقرأ في كتاب تكريمي خُصِّصَ له، وهو ج.م. عبد الجليل، “شاهد القرآن و الانجيل” منشورات سارف، ‏باريس 2004‏
ما يأتي: “تعرّف على ماسينيون الذي كان أستاذاً في الكوليج دو فرانس آنذاك، والذي كان له بالغ الأثر فيه. فماسينيون هو أبوه ‏الروحي. وكان دخوله إلى المسيحية حدثاً مُفاجئاً”.‏
وكتب عبد الجليل مقالاً في سيرته الذاتية عنوانه “شاهد على قادِمٍ مُتأخر إلى الكنيسة ‏Témoin d’un tard venu à l’Eglise ‎‏) ‏ونُشِر سنة 1967 في “دفاتر في حياة فرنسيسكانية ‏Cahiers de vie franciscaine، وهو التنظيم الذي كان ينتمي إليه منذ ‏دخوله المسيحية إلى موته. ومما جاء في ذلك المقال: “إنّ أهمّ ما حظِيتُ به في حياتي يبقى هو لقائي بشخصيات فذّة والاستماع ‏إليها ومُساءلتها ومُخالطتها وحبّها. واثنان من تلك الشخصيات على الأقلّ كانا عبقرييْن، وهما: لويس ماسينيون وبيار تايلار دو ‏شاردان. واعتبرَني أحدثُ أكبرِ رجالاتِ فرنسا في القرن 20، وهو الماريشال ليوتاي، صديقاً حقيقيًّا وعاملني على ذلك الأساس، ‏رغم فارق السن بيننا، وهذا مِن دون أيّ لُبْسٍ، وبعيداً عمّا يقوله البعض حول علاقاته مع الشُّبّان الإيفيبيين”‏‎ ‎‏(‏éphèbes‏). وكان ‏يقول عن ماسينيون “أحسن أبٍ روحيٍّ لي”.‏
كتب له البابا بول 6 رسالة سنة 1938 ليؤكِّد له أنه مُهتمّ بكل ما يفعله. وفي سنة 1966 حظِيَ باستقبال خاص من طرف البابا. ‏وقضى عبد الجليل الخمس عشرة سنة الأخيرة من حياته في معاناة فظيعة سببُها سرطان في اللسان ألزمه السكوت التام. ‏

You may also like

Leave a Comment