بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
دخل مالك بن نبي في فترة فراغ بعد وفاة أمِّه، وساءت أحواله المادّيّة، وتتابعت خيباته السياسية. وصار يعيش في هدوء الريف الذي كان يناسبه ويحلو له، وانقطع عن الذهاب إلى المدرسة مُفضِّلاً الدراسة في بيته. وكان يذهب إلى باريس في نهاية كل أسبوع.
وفي إحدى المُحاضرات التي ألقاها ماسينيون في مقرّ “الاتحاد المسيحي”، كان بن نبي حاضراً رفقة الأخوين بن ساعي وابن خاله علي بن أحمد. وفي نهاية المحاضرة تناول هذا الأخير الكلمة ونَعتَ ماسينيون بأنه كذّاب. فكانت الهرج والمرج في القاعة.
تدخّل بن نبي لتهدئة الأوضاع مُغتنماً ذلك الظرف ليُعلّق بعبارات لطيفة على بعض الأحكام التي أصدرها ماسينيون في حق الحركة الوهابية، وقال: “سيدي الأستاذ، أعتقد أنه يجب اعتبار الوهابية في الإسلام مثل البروتستانتية في المسيحية، فهي إصلاح”. وختم تدخُّله بإعلان انتمائه هو شخصياًّ إلى الوهابية. وصفق له كلّ مَن في القاعة لكن وجه ماسينيون أصبح مُصفراًّ، وتلقّى حُجج بن نبي ببرودة أشدّ من البرودة التي تلقّى بها شتائم علي بن أحمد (1) .
وصلتْ السنة الدراسية إلى نهايتها دون أن ينوي بن نبي السفر إلى تبسة مُفضِّلاً قضاء عطلته في نورمانديا كمُراقب في مركز من مراكز الاصطياف. وهو في تلك البلدة المُسماة لوا ـ كليري Luat-Clairet (2)، وفي وسط الطبيعة الخلاّبة التي تمتاز بها نورمانديا، قرر بن نبي أن يتخلّى عن كلّ شيء وأن ينتقل إلى المشرق العربي، وبدأ بطلب رخصة الدخول إلى مصر مِن سفارتها.
كلّ شيء كان جاهزا: جوازات السفر، والأمتعة، والمبلغ المالي المخصص للتذاكر، والمشاريع، وكل الأحلام. لكن طلب الرخصة لم يحْظَ بالقبول. فلقد حُكِمَ عليه بأنه “شخص غير مرغوب فيه في مصر بسبب المصالح الفرنسية”. خرج من السفارة خائباً، ولم يجد لهذا الرفض الذي أفسد عليه مشاريعه، أيّ تأويل غير كونه خيانة عربية بتحريض من الإدارة الفرنسية. و لم يكن بيده خيار آخر غير الرضوخ والقبول بالبقاء في فرنسا، لكنه قرر أن يرفع التحدّي بالعودة إلى دراسته. عاد إلى باريس واكترى غرفة قريبة جداًّ من المدرسة وقد اشترط عليه صاحبُها أن يدفع ثمن الكراء لسنتين مُسبقاً.
عاد إلى الحيّ اللاّتيني حيث التقى مُجدّدا بحمودة بن ساعي الذي أصبح عاملاً يدوياًّ في مصنع hispano-suiza الذي يقع في بوا ـ كولومب Bois-Colombes (3). في تلك الأثناء ندّدَ هيتلر بمعاهدة فيرساي. أمّا في الجزائر فكان اسم الدكتور بن جلول في قمة الشهرة، وكذلك مصالي الحاج في أوساط الجزائريين بفرنسا، من زاوية النظر “البوليتيكية” طبعاً. و كان بن نبي يرى في سِرِّهِ أن “تكوين رجلٍ واحدٍ أصعب بكثيرٍ مِنْ سلب عقول آلاف المستمعين بخُطبٍ وطنية”. وكان صديقه صالح بن ساعي في ذات الفترة قد أنهى دراسته بنجاح باهر في اختصاص العلوم الفلاحية وتمّ قبوله كإطار في إحدى الهيئات التي أرسلتْهُ إلى غويانا Guyane.
وكانت الأوضاع في الجزائر مما زاد من خيبة آمال بن نبي: فالإدارة الاستعمارية عازمة على إبقاء البلاد في الجهل والفقر مِن جهة، ومن جهة أخرى تلك الأحزاب السياسية التي لا تُريد الإقلاع عن السفسطة الفارغة ونزعة المُطالبة بالحقوق. وممّا كان يقُضّ مضجعه أكثر مشكلة الأمّية لأنها كانت في نظره بمثابة مفتاح الحلّ لمسألة النهضة.
وفي هذا المجال أعدّ بن نبي مقالاً يعرض فيه إمكانية حلّ تلك المشكلة بإمكانات المجتمع الجزائري وحدها، وذلك بتوزيع مجموع الأمّيين على المتعلّمين الموجودين. قدّمَ مقاله إلى جريدة “La Défense” التي كان يشرف عليها العمودي، ولجريدة “Entente franco-algérienne” التي كان يشرف عليها الدكتور بن جلول. لكن الجريدتين رفضتا نشره لكونه مقالاً “عنيفاً”. وبعد ذلك بفترة وجيزة حرّر مقالاً آخر تحت إمضاء “رفقاء الإسلام” Les compagnons de l’islam) وأرسل به إلى جريدة ”L’Entente” ، ولم تنشرهُ كذلك.
في ساحة الأحداث بالجزائر برزتْ قضية لفتت انتباه وسائل الإعلام، وتتمثل في الإضراب الذي قرر السّكان شنّه على شراء أحد أنواع السجائر، وتسمّى جوب JOB، وهي معروفة بولائها للصهيونية. وتعاظمتْ حركة الإضراب حتى اتّخذت بُعْد قضية دولة، ذلك أنّ الإدارة الاستعمارية ترتاع لكلّ عمل يتسم بالاتحاد وروح الجماعة، وهي تصير عندئذ مستعدة لارتكاب كل الحماقات. وكان بن نبي يعرف ذلك ويعرف أن الاستعمار يعرف. و يبقى الغائب الأكبر هو تلك الحركة الوطنية التي لا تفهم ذلك أو تتظاهر بذلك.
ولمّا حلّ فصل الصيف عاد فيلسوفنا إلى تبسة، واقترحت عليه أسرتُهُ أن يتزوج ثانية بجزائرية من أجل الإنجاب. وكان العربي التبسي في ذلك الوقت قد عاد من مدينة السيقSig وصار مُشرفاً على حركة الإصلاح في المدينة التي صارت مقاهيها لا تبثّ إلاّ الأغاني المصرية التي غيَّبَتْ أغاني عيسى الجرموني (1886-1946) من الساحة. أمّا أبوه فقد استقال من الدنيا استقالة تامة.
أتيح لبن نبي أنْ يتعرف يوما، في مقهى الهقار، بفرنسي اسمه Anacléto Cyril رفقة زوجته، وقد أسْلَما إسلاماً اندفاعياًّ حتى أنّهما ظنّا أنّهما مُلزمان باتباع المسلمين في كل مظاهر حياتهم، حتى الشكليّ منها. فراحا يبيعان أثاثهما العصري ويقتنِيان مكانه الحصائر و الطنافس، ويستبدلان ثيابهما الغربية بالشاشية والسروال للرجل، وبخمار شمال إفريقيا للمرأة.
لم يفهم بن نبي سبب ذلك الاندفاع لكنه صار صديقاً لـ Anacléto الذي سيقول عنه في مذكراته غير المنشورة :”أنا مَدين له بالكثير. فهو لم يكتفِ بمساعدتي على اكتشاف بعض المشاكل، بل شارك غالباً في إيجاد حلولٍ لها في عقلي بفضل علمه الواسع الذي لا يُستهانُ به، وكذلك بفضل مكتبته التي تضمّ كتباً مُهمّةً”.
وتلك هي الفترة التي زار فيها أوجين يونغ Eugène Jung الذي سيصفه بكونه “الشيخ المُسِنّ، والمُصارع الشجاع الذي ربّى جيلي، والذي آلَ أمرُهُ إلى الضعف والهوان حتى انطفأت شمعته بهدوء مثل القنديل الذي كان يُضيء آخر لحظاته في تلك البلدة الصغيرة التي تفتقر حتى إلى ضوء الكهرباء”(م.ش.ق).
كان بن نبي جالساً في سطح أحد المقاهي الباريسية ذات يوم من أواخر فيفري سنة 1936، وكانت بيده جريدة ،L’Entente ، فإذا به يقع على مقال لفرحات عباس عنوانه (“فرنسا هي أنا””La France c’est moi ! ”). قرأه وأنفاسه تكاد تنقطع. وعلِمَ في الأيام اللاّحقة أنّ ذلك المقال الذي كان إجابة عن مقال نُشِر في صحيفة “Le Temps” الباريسية، قد سبّب للجزائريين صدمة عنيفة.
يقول فرحات عباس في ذلك المقال الناريّ الذي خلّده التاريخ: ” إنّ ما جاء في جريدة Le Temps فيه استخفاف كبير وجهل واضح بالحقائق، ولا شك أّنّ ذلك كان بوحيٍ مِن دوائر القوة المالية الاستعمارية، أو من جنون بعض الساسة. فلقد عادت هذه الجريدة إلى تهجّمها على الجزائر المسلمة راميةً إياها بكلّ التهم القديمة التي استعملتها الترسانة الاستعمارية بشكلٍ دوريٍّ منذ خمسين سنة، وهي: النزعة الوطنية، والتعصب الدينيّ، والنزعة الوهابية… والمسألة التي تُهمّني هنا هي مسألة تعليم اللغة العربية، والتي طرحتها جريدة Le Temps . إنّ مكانة هذه اللغة في الدين الإسلامي كمكانة الكنيسة في الديانة المسيحية. فهي لا يمكن أن تعيش بدونها… أمّا الوهابية والوحدة العربية فهما ستاران ضعيفان تستتر وراءهما الأهداف الحقيقية التي يسعى إليها مُربُّونا الاستعماريون. فالجماهير التي حُرِمتْ مِن المدرسة الفرنسية يجب أن تُحرَمَ من تعليم العربية كذلك. فلا ثقافة فرنسية ولا ثقافة عربية… وإذا كان العلماء ”عنصريين” و”إسلاميين وحدويين”، فنحن، الأصدقاء السياسيين للدكتور بن جلول، وطنيون. والتهمة ليست جديدة…
إنّ رأيي معروف. فالروح الوطنية هي ذلك الشعور الذي يدفع بشعب إلى العيش داخل حدود إقليمية، وهو الشعور الذي أوجد الأوطان التي نراها. ولو أنني اكتشفْتُ “الوطن الجزائريّ” لكنتُ وطنياًّ ولما استحْييْتُ من ذلك كما أستحي من ارتكاب جريمة. فالرجال الذين ماتوا في سبيل القضية الوطنية يحظون بالتكريم والاحترام يومياًّ. وحياتي ليست أغلى من حياتهم. ومع ذلك فإني لن أُضحي بهذه الطريقة.
إنّ الجزائر بوصفها وطناً عبارة عن خرافة. فأنا لم أكتشفها. لقد ساءلْتُ التاريخ، وساءلْتُ الأموات والأحياء… وزُرْتُ المقابر، فلمْ يُكلِّمْني عنه أحد. صحيح أنني وجدْتُ “الأمبراطورية العربية”، و”الأمبراطورية الإسلامية” اللتيْن تُشرِّفان الإسلام وتُشرِّفان جنسنا، لكن هاتين الأمبراطوريتين قد انطفأتا. كانتا بمكانة الأمبراطورية اللاتينية والأمبراطورية المُقدّسة الرومانية الجرمانية خلال القرون الوسطى. وُلِدتْ هاتان الأمبراطوريتان لتعيشا زمناً مُحدّداً لفائدة الإنسانية في طور مُعيّن، ونحن لسنا بذلك الزمان، ولسنا بتلك الإنسانية في ذلك الطور. إنّ ما يُرادُ مُحاربتُه بهذه الكلمة هو انبعاثُنا الاقتصاديّ والسياسيّ. ونحن نريد هذا الانبعاث المزدوج بكل ما أوتينا مِن إرادة وما لدينا مِن مُثُلٍ اجتماعية عُلْيا.
إنّ هناك ستة ملايين من المسلمين يعيشون على هذه الأرض منذ مائة سنة من التواجد الفرنسي، يسكنون أكواخاً، ويمشون حفاة الأقدام، عُراة الأجسام، وجياع البطون. ونحن نريد أن نصنع من هذه الجمهرة الجائعة مجتمعاً حديثا بفضل المدرسة، وبرعاية الحياة الفلاحية، وبالإعانة الاجتماعية… ولن تقوم للجزائر الفرنسية قائمة ما لم نُفكر في انبعاث “الأنديجان”. ففرنسا هي أنا لأنني أُمثِّلُ العدد، وأمثل الجنديّ والعامل والحِرفيّ، وأنا المُستهلِك. وإبعادي عن دائرة التعاون، وحرماني من الحياة الكريمة هو ضرب من الجنون التافه. إنّ مصالح فرنسا هي مصالحنا عندما تصير مصالحنا هي مصالح فرنسا…” (4) .
وبعد مُداولةٍ مع أصدقائه قرّر بن نبي أن يرُدّ على التنكّر للأمة الجزائرية. وشرع في العمل فور عودته إلى منزله. وكان العنوان الذي اختاره لمقاله “مُثقفون أمْ منحرفون فكرياًّ؟”Intellectuels ou intellectomanes ) مُتضمِّنا لأول المصطلحات الجديدة التي صاغها بن نبي. ولمّا قدّم المقال لأصدقائه قام حمودة بن ساعي بنقله كي يقرأه في أي مكان، أمّا النسخة الأصلية فأُرسِلتْ إلى الأمين العمودي من أجل نشرها في جريدة ”La Défense” . لكن هذا الأخير رفض نشره (5).
وعند قراءة ذلك المقال نكتشف أنّ بن نبي كان يهتمّ بالمسائل الإيديولوجية أكثر من اهتمامه بالمسائل السياسية، حيث يبدو أنه أجاب عن الجزء الأول من افتتاحية فرحات عباس، مُبيِّناً عُمق تأثُّره نظراً إلى قناعاته “السّلفية”.ومِن هُنا نجد أنه في مذكراته غير المنشورة ينقل لنا الأحاسيس التي انتابته لمّا همّ بكتابة أول عمل فكريّ، وهو آنذاك كاتب ناشئ فيقول: “كانت تلك أول مرّة في حياتي أحاول أن أُنتِج عملاً فكرياًّ. وكلّ مشكلة عملية أو نظرية تتطلب ذلك. أمّا أنْ أكتب مقالة، فذلك كان أمراً جديداً عليّ. اخترتُ هذا العنوان لمقالي: “مُثقفون أم مُنحرِفون فكرياًّ؟” وقد خطر ببالي هذا المصطلح الجديد (6) كلسان أفعى أغرسه بفراسةٍ في عنجهية أولئك “الزعماء” الجدد… وعندما قرأتُ المقال غداة ذلك على زوجتي ونحن على مائدة الغداء، قالت لي: “إنّ هذا الكلام ليس منك، إنه إلْهام”. وبالفعل، فقد كان ذلك المقال من النثر الراقي”.
وهذا هو النّصّ الكامل لمقال بن نبي: “هل الجزائر على أهبة تنظيم مراسيم جنازة؟ فبعد معجزة الشعوذة الكاذبة، هل على الوهم الفكريّ أن يتبدّد هو بدوره؟ فنخبتُنا تحتضر !… ونُخبتنا باعت ضميرها. إنه في الأصل موضوع حريٌّ بأن يفكر فيه غوته. لكنه، وبكلّ أسفٍ، تحوّل عندنا إلى مهزلة مُسِفّة. فلقد ظننّا إلى حدّ هذه الساعة، أن “المنحرفين فكرياًّ” عندنا سيكتفون باستثمار مواهبهم الفكاهية بالحصول على بعض المكاسب المادية في معرض السياسة. غير أنّهم لم يعودوا يكتفون بلعب مهازلهم.. فلقد تحوّلت المهزلة إلى دراما موسيقية وراح السّفهاء يحملون أنفسهم محمل الجدّ. ففرحات عباس هو الذي تحوّل إلى عالم آثار ينبش في المقابر. كُنتُ أعرفه كرجل هزل منذ صدور “الشاب الجزائري” (Le jeune Algérien) . ألمْ يُقدّمْ لنا في كتابه وصفة ذرف الدموع كعلاج لآلامنا؟ فهو صاحب هذه العبارة: “البكاء مثل ابنة هاميلكار (Pleurer comme la fille d’Hamilcar) .
فبعد العديد من السقطات، ها هي الجزائر على موعد مع مُصيبة جديدة، وهي “الانحراف الفكريّ” intellectomanie . ففي الماضي كانت الكوارث تأتينا من كثرة الزوايا مع توفّر المطبعات، واليوم ظهرتْ آفَتَانِ من نوع آخر: الشعب يسبح في الجهل و”المُنحرفون فكرياًّ” مُتعلِّمون. وهاتان هما المُصيبتان. بالأمس كانت التميمة واليوم ظهر الكتاب. فأيّ الأمرين أدهى وأمرُّ يا عباس؟ وما الفرق بين هذا وذاك؟ إنّ الصحافة المرْشية بالعِجْل الذهبي تُتْقِنُ صناعة الخرافات المُرعبة. وليس من الصدفة أو العبث أنْ تُلصق بالإسلام تهمة الإرهاب والتخويف وتُزرَع تلك التهمة في عقول أبطالنا مِن “المُنحرفين فكرياًّ” ! لكن، ماذا عنك أنت يا عباس؟ هل أخْطأْتَ أم أنك تُحاول تضليلنا؟ فالأمس ليس بماضينا ! إنّ ماضينا يقع قبل ظهور النرجيلة والحريم، وقبل مُملّقي البلاط وذوي الحظوة، وقبل المُشعوذين و”المُنحرفين فكرياًّ”. إنّ ماضينا هي ذاتُنا المسقية بدماء شهداء معركة صفين. وهو أيضاً مُستقبلُنا” (7).
أمّا ردّ ابن باديس عن مقال فرحات عباس فقد ظهر في شهر أفريل على صفحات جريدة جمعية العلماء ”الشهاب”، ومما جاء فيه:
”إنكم لا تُمثِّلوننا. ولا تتكلمون باسمنا، ولا تُترجمون شعورنا ولا فكرنا. أمّا نحن، فقد نظرنا في صفحات التاريخ والوضع الحاضر فوجدنا الوطن الجزائريّ والإسلامي متشكّلاً وموجوداً كما تشكلت ووُجِدَتْ كُلُّ أوطان العالم. وإنّ لهذا المعشر تاريخه الحافل بالبطولات. وله وحدته الدينية واللغوية. وله ثقافته الخاصة وعاداته وتقاليده، حسنةً كانت أمْ سيّئة، ككل وطن في هذه الدنيا. وإضافةً إلى ذلك فإنّ هذا الوطن الجزائري ليس هو فرنسا، ولا يمكن له أن يكون فرنسا، ولا يُريدُ أنْ يكون فرنسا، ولن يستطيع أن يصير فرنسا ولو أراد. إنه وطن تُميّزه عن فرنسا لغته وتقاليده وجنسه. وهو لا يريد أن يندمج فيها. وإنّ له أمّةً مُحدّدة هي الجزائر بحدودها المُعترف بها حاليا والتي أوكلت إدارتها للسيد الحاكم العام الذي عيّنته الدولة الفرنسية. وإضافة إلى ذلك فإنّ هذه الأمة الجزائرية المسلمة هي صديقة وفية لفرنسا. ووفاؤها هو وفاء القلب وليس وفاء مظاهر. إنها تمنحها صدق الصديق مع صديقه، لا صدق الخادم مع سيده. وهي في حال السلم والأمن تطلب من فرنسا احترام لغتها ودينها، وأنّ تُهيِّء لها سبيل الرقيّ في إطار دينها ولغتها وأخلاقها الخاصة بها. إنها تطلب منها أنّ تُتحفها بالحرّيّة والعدالة والمساواة كي تصير نموذجاً للرقيّ والمساواة والعيش الكريم للإدارة الفرنسية وللتعاون بين فرنسا والأنديجان…
أمّا في حال الأزمة العالمية، عندما تسوء الأوضاع، وتسود لغة البارود، ويظهر تهديد السيف، فإنّ المسلم الجزائريّ يستيقظ كالليث في عرينه ويهبّ لحماية التراب الفرنسيّ كما يُدافع عن أرضه الجزائرية وعن زوجته وأولاده. لذلك فنحن الجزائريين الذين نعيش في وطننا الجزائر تحت ظل الراية الفرنسية المثلثة الألوان، وفي وحدة متينة مع الفرنسيين، وحدة لا تتأثر بالأحداث الصغرى ولا بالأزمات السطحية، نعيش مع الفرنسيين كأصدقاء أوفياء. نحترم حكومتهم وقوانينهم، ونأتمر بأوامرهم وننتهي عن نواهيهم. ونُريدُ نحن أن يحترموا ديننا ولغتنا، ويحموا كرامتنا ويقودونا في طريق النهضة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا فنحن نعيش معاً كأصدقاء أوفياء، وإذا دقّتْ ساعة التضحية من أجل الوطن الفرنسي أو الجزائريّ فستجِدنا في الصف الأول، على استعداد للموت جنباً إلى جنبٍ كأصدقاء أوفياء” (8).
في سنة 1936 شكّل ليون بلوم Léon Blumحكومة الجبهة الشعبية. أمّا الجزائر فكانت تُعِدّ العُدّة لِحَدَثٍ كبير سُرَّ له بن نبي كثيراً، وهو أنّ العلماء والمُنتخَبين والشيوعيين قد قرروا أن ينضموا جميعاً إلى “المؤتمر الإسلاميّ الجزائريّ”. فكان ذلك عنده علامة على النضج وإرهاصاً لعملٍ سياسيّ مصيريّ لمستقبل الجزائر. ولم ينشق عن هذا الصف إلاّ “نجم شمال إفريقيا” وعلى رأسه مصالي الحاج، إذ رفض المشاركة في الاجتماع الذي عُقِدَ بتاريخ 07 جوان 1936 في قاعة كبرى للسينما بباب الواد في الجزائر. وقد بلغ عدد المشاركين 4000 مشارك. وتمخضت أشغال المؤتمر عن “ميثاق لمطالب الشعب الجزائري المسلم”، وفيه مُطالبة بإلغاء “قانون الأنديجانا” Code de l’indigénat، وإلحاق الجزائر بفرنسا، واستقلال الدين عن الدولة، وترسيم اللغة العربية.
وقبل تاريخ إجراء الامتحان النهائي الذي سيسمح له بالحصول على شهادته، علِمَ بن نبي بمجيء وفدٍ عن “المؤتمر” إلى باريس بقيادة الدكتور بن جلول، إذ تمّ استقباله من طرف رئيس الحكومة الفرنسية ليون بلوم في 23 جويلية ومِن طرف النائب موريس فيوليت Maurice Violette.ولقد ندهش ابن نبي وأصدقاؤه من تلك المبادرة، وقرروا أن يذهبوا للقاء الوفد المُقيم في فندق كبير بباريس حيثُ ظهرت لهم عبايات الشيوخ في نشاز تام مع ذلك المكان المزدحم بالنجوم وبالخادمات الباريسيات. وهناك أتيح لهم أن يلتقوا بابن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي وفرحات عباس والأمين العمودي والدكتور بن جلول.
بادر بن نبي أعضاء الوفد بالتعبير عن غضب جماعته التي وجدت صعوبة في فهم كيف أنّ هذا التجمع الذي كان مناط آمال الجزائريين قد وقع في سياسة المطالب والترجّي. ” ماذا تفعلون هنا؟ إنّ الحلّ موجودٌ في الجزائر! وهو بين أيديكم وليس في أيدي الحكومة الفرنسية”، ثُمّ انبرى إلى العمودي وطلب منه سبب رفضه نشر إجابته عن فرحات عباس. فأجابه قائلاً: “رجال السياسة عندنا قليلون، فالأحسن أن نتفادى تدميرهم”.
تلك هي الأسباب التي فقَدَ بها بن نبي كلّ ثقة في “الإصلاح”، وما أكثر تلك الأسباب! وتلك هي المناسبات التي أصدر في حق العلماء أحكاماً قاسية. ويكشف لنا عن أحد أسراره في مذكراته: ” تعتبر تلك السنة (1936) عندي هي تاريخ موت العلماء الذين صرتُ أرى أنهم بقدر عجزهم عن فهم فكرة أو إبداعها، فهم عاجزون عن تطبيقها كذلك”. انصرف بن نبي وصديقاه من الفندق متألمين، ولم يجدوا عزاءهم إلاّ في حديث شريف جاء بمعنى: “وُلِد الإسلامُ غريباً ويعود غريباً. فطوبى للغرباء” (9).
ثُمّ يُضيف حمودة بن ساعي قائلاً: “عاد الوفد الجزائري إلى الجزائر دون أن يحقق أي هدف. وكان ابن باديس تحت أثر تلك الصدمة التي أتاحتْ له الوقوف على أنّ اشتراكية الجبهة الشعبية لم تكن إلاّ وهماً مُضلِّلاً، وأنّ الاستعمار أصبح أصعب من أي وقتٍ مضى، وهو لا يسمع صوت الإنسانية ولا العقل، فكتب مقالاً رائعاً تحت هذا العنوان المؤثِّر: “لنوكِّلْ أمْرَنا لله، ولنتّكِلْ على أنفسنا”. ولم يُتَحْ لي أن أراه ثانية وهو على قيد الحياة”.
(يتبع)
المراجع:
1) مات هذا الأخير في ظروف غامضة سنة 1943. ويقول عنه بن نبي في مذكراته غير المنشورة: “إنّ علي بن أحمد يجب أن يبقى في تاريخ الجزائر كرائد للتعبير الثوري في جريدته (صوت الشعب La voix du peuple ). إنه أول مَن سمّى اللِّصَّ لِصاًّ حتى عندما تعلّق الأمر بأمثال ميرانت أو ماسينيون نفسه”. وهو، أي بن نبي، يرى جهاز المخابرات psychological service هي التي تقف وراء قتله بالتسميم. والسيد ميرانت كان هو مدير شؤون الأنديجان في مقر الحاكم العام.
2) بلدة صغيرة قريبة من مدينة درو، في مقاطعة أور إي لواe رEure-et-Loir، وهي تُسمى اليوم لوراي Luray.
3) أنشأ حمودة بن ساعي قائلاً في “من أجل عقيدتي” Au service de ma foi وهو يتذكر مُعاناته في تلك الفترة: ”عندما سمع ابن باديس بذلك اغرورقت عيناه بالدموع. وقد قال للرفيق الذي كلّمه عني: لماذا لم يكتبْ إلينا؟ فعندنا صندوق خاص بإعانة الطلبة الفقراء”.
4) يُقال أنه ” بإمكانك الحط من قيمة أيٍّ كان عن طريق الاقتباس المُغْرِض On peut pendre n’importe qui avec des extraits . وفرحات عباس ممن ينطبق عليه ذلك في هذا المقال الذي اقتُبِستْ منه فقرات لاستعمالها ضده طيلة حياته وحتى بعد موته على أيدي جزائريين، وعلى أيدي فرنسيين بعد سنة 1942 عندما تحوّل إلى المُطالبة بوطنٍ جزائريّ وبدولة مستقلّة. وسيقول عنه أحد المناضلين الكبار في حزب الشعب والمُعارضين لأفكاره، وهو أحمد محصاص: ” إنّ بعض أولئك المُنتخَبين كانت مواقفهم وطنية بغير شعور منهم، ومنهم فرحات عباس رغم بعض تصريحاته”.
5) نُشِر مقال فرحات عباس في جريدة “الوفاق”L’Entente التابعة لـ “فيدرالية المُنتخبين”، ثُمّ نُشِرَ غداة ذلك في جريدة “الدفاع”La Défense التابعة لجمعية العلماء والصادرة بالفرنسية. أمّا مقال بن نبي فإنه لن يُنشر باللغة العربية إلاّ سنة 1991 في مجلة تصدر في مدينة باتنة، وهي “الرواسي” التي مِن الراجح أنها تحصلتْ عليه من حمودة بن ساعي الذي كان مقيماً في باتنة.
6) استعمل بن نبي هذا المصطلح لأول مرة في “الظاهرة القرآنية”Le phénomène coranique” ” سنة 1947.
7) وسيُصِرّبن نبي على توجيه هذا العتاب لفرحات عباس لفترة طويلة، إذ نجده مُندداً به سنة 1970 على ذلك (التنكّر الذي نشر الرعب).(ارجع الى ” تخليدا لذكرى ابن باديس” المرجع المذكور آنفا)
8) صحيفة “الشهاب”، أفريل 1936.
9) أَوْرَدَ حمودة بن ساعي في شهادته سنة 1984 رواية أخرى لكل ذلك بنبرة أخرى، إذ يقول: “في سنة 1936 جاء إلى باريس وفد عن المُنتخبين صُحبة العلماء. كان ذلك الوفد مُمثِّلاً للمؤتمر الإسلامي الجزائري الذي حظي بقبول معظم الجزائريين، وقد قدّم لائحة مطالب تستحق أن تُؤخذ بعين الاعتبار. التقيتُ بالشيخ ابن باديس في الفندق الكبير قرب ساحة الأوبيرا، ومعه الشيخ العقبي والشيخ الإبراهيمي. والتقيتُ به ثانية في مقهى “الهقار” حيثُ قدّمتُ له بعض الرفقاء المصريين الذين كانوا بصدد إعداد أطروحات الدكتوراه في الحقوق. وقد سعِدَ الشيخ برؤية أولئك الشبان المثقفين العرب حتى أنه متّعَنا بِحُسن حديثه قرابة ساعة من الوقت”.
