Home حياة مالك بن نبيحياة مالك بن نبي (10)‏

حياة مالك بن نبي (10)‏

by admin

بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان

صار مصالي الحاج يختال ويتبجّح في الحي اللاتيني الذي كَثُرَ فيه الجزائريون بمرور الأيام. فلقد كان ‏العمال يأتون لينْتَشُوا بِخُطبِهِ التي يجدون فيها انتقاماً ممّن يقفون وراء إذلالهم في حياتهم اليومية. أمّا بن ‏نبي فكان يعي تماماً أنّ كلّ ذلك لم يكن إلاّ مِن رقصات”البوليتيك”. إنّ هذه الكلمة تستحق منّا بعض ‏الشرح لأن بن نبي أعطاهاً شعبيةً واسعة بكثرة ترديدها في كتبه. إنها ليست مِن ابتكاره.‏

فالراجح أنها ظهرتْ في بداية القرن العشرين، أي حوالى سنة 1912 التي شهدت ميلاد حركة تحت اسم ‏‏”شباب جزائريون” ‏‎« Jeunes Algériens »‎، وهي تضمّ بعض المثقفين الأنديجان. وبهدف ” ‏استحقاق الحصول على حقوق سياسية” ارتأوا أن يُحاولوا إقناع الشعب الجزائري بقبول الخدمة ‏العسكرية التي قررتها الإدارة الاستعمارية. وكانت النخب المُعرّبة بالمرصاد، إذ أطلقت اسم “أصحاب ‏البوليتيك” على أتباع هذه الحركة لجعلها موضع سخرية في الأوساط الشعبية (1). لكن هذه الحركة ‏ستجد لنفسها مجالاً آخر للتعبير من خلال “فيدرالية المُنتَخَبين” (‏Fédération des élus ‎‏).‏

وتحوّلت هذه الكلمة في سياقات آثار بن نبي إلى مفهوم يُندّدُ فيه بالإغراق في المُطالبة بالحقوق مع ‏إهمال الواجبات وإبعاد النُّخبِ وكلّ مَن يتبعها مِن النقد الذاتي ومِن الاعتراف بالخطإ، ومِن كل مسؤولية ‏على إصلاح الذهنيات وإصلاح الواقع الاجتماعي. ‏

استعمل بن نبي هذه الكلمة لأول مرة في كتاب “شروط النهضة” (1949)، ثُمّ ترددت بعد ذلك في كلّ ‏كتبه تقريباً. وسيُخصص لها مقالةً تحت عنوان ” السياسة و البوليتيك”(‏Politique et Boulitique ‎‏ ‏‏) في وقت لاحق، يقول فيها: “إنّ هذه الكلمة ضربة سَوْط موجهة لكل أشكال النفاق، وهي ضربة ‏مكنسة شعبية في كلّ مكانٍ تتجمع فيه الأوساخ وبقايا المَعَارِضِ البوليتيكية… لقد تفطن الشعب منذ زمن ‏بعيد للتزوير الحاصل في حياتنا السياسية على يد المُشعوذين الذين، في الوقت الذي شرعت البلاد في ‏التخلص من الخرافات التي روّجت لها الطرقية والاستعمار، استطاعوا أن يُغرِّروا بالشعب مُلوِّحين له ‏بورقة الانتخاب كبديل عن التميمة، وبالزعيم ـ مُلتحياً كان أو أمْرد ـ كبديل عن المرابط… جاءت هذه ‏الكلمة مُنتقمة لكل أولئك الذين حافظوا على مبدئهم رغم الخيانات، ولكل الذين بقوا واثقين في مستقبل ‏البلاد، والذين دعوا إلى وجهة الواجب مع وجهة الحق في آنٍ واحد رغم أنف أولئك الذين أبوا إلاّ ‏المطالبة بالحقوق، وكأن الأشياء تؤخذ مجانا سواء أكان على المستوى الفردي أو الوطني. فهذه أول ‏نقطة اختلاف بين السياسة والبوليتيك.‏

‎ ‎إنّنا نُمارس البوليتيك عندما نصيح بأعلى صوتنا في المعرض، ونستعمل حركة اليديْن، ولا نُحدِّثُ ‏الشعبَ إلاّ عن حقوقه دون أن نذكر واجباته، وندعو إلى الطرق السهلة. فالصراع بين السياسة ‏والبوليتيك صراع قديم إذاً. ومِن وجهة النظر النفسية نجد أن الأولى هي عملية إسقاط داخلي والثانية هي ‏عملية إسقاط خارجيّ. الأولى هي تفكير في كيفية خدمة الشعب والثانية هي مجموعة من الصراخات ‏والتعابير الجسدية الهادفة إلى استغلال الشعب عن طريق التغرير به. أمّا من وجهة النظر التقنية فإن ‏البوليتيك لا تُعرَّف. ولو أنّ الشعب الجزائريّ لم يصطنع هذه الكلمة للتعبير عنها فستبقى بدون اسمٍ. ‏فملفُّها ليس من اختصاص العلم بل من اختصاص الأخلاق والعدالة، مثلها في ذلك مثل الخديعة… ‏فالبوليتيك إذاً غير قابلة للتعريف، لكنها في بلادنا ذات تاريخ قديم…” (2).‏

انفجرتْ في أحداث الساعة الفرنسية قضية ستافيسكيStavisky‏ في فيفري 1934. وهي قصة يهودي ‏أوكراني دخل إلى فرنسا منذ ست سنوات وهو فارغ اليدين والجيوب، ثُمّ سرعان ما صار على رأس ‏أمبراطورية مالية بفضل علاقات مشبوهة مع بعض الأطراف في النظام القائم. ونتيجة لذلك انتحر نائب ‏مقاطعة بايون، وهي مدينة أفلس فيها أحد أكبر البنوك. وبعد ذلك بثلاثة أيامٍ عُثِرَ على جثة ستافيسكي في ‏شامونيكس، ثُمّ جثة القاضي الوكيل المُكلّف بالقضية على طريق السكة الحديدية. قام الطلبة بمظاهرات، ‏ونشبت صدامات دامية، حتى هدّد الكولونيل دولاروك بتنظيم مسيرة إلى المجلس الوطني. وتبعاً لذلك ‏سقطت حكومة شوتون التي أودت بها أمواج تلك الفضيحة…‏

وكانت باريس تنتظر مجيء غاندي لإلقاء محاضرة. وقد ساهمت جمعية “الطلبة المسلمين الشمال ‏إفريقيين” في تنظيمها. وكان بن نبي مُبتهجاً لذلك الحدث لأنه كان، ومنذ زمن بعيد نسبياًّ، يحبّ ذلك ‏الرجل القصير الذي أعاد بعث فكر الفيدا ‏l’esprit des Védas‏ في جنوب إفريقيا التي خاض فيها ‏أولى معاركه من أجل تحرير الجالية الهندوسية من الأفريكانرس.‏

وسيقول عنه بن نبي أنه ليس “برجل السياسة الذي ينحني لمقتضيات الحرَكة بدون شروط، بل هو قسّ ‏يُخْضِعُ الحرَكة لمُتطلبات المُقدَّس” (3). وهذا موقف كان يُعجبه كثيراً. وكان حُبّهُ لطاغور ‏‎ ‎Tagoreلنفس الأسباب. وهكذا صار كلٌّ مِن غاندي وفيفكنَنْدا ‏Vivekananda‏ وراماكريشنا ‏Ramakrishna‏ ، وبعدهم نهروNehru، يعملون على تحويل فكر ديني آفِلٍ إلى فكرٍ سياسيٍّ مُستقبليّ ‏سيُحرِّرُ الهند، لِيصير بعد ذلك كحجر أساسٍ لعدم الانحياز. يقول بن نبي: “إنّ الأشياء لا تموت في بلاد ‏تؤمن بعودة الأرواح بعد موت الإنسان، بل تتحوّل”. ‏

وهو يتمنى رؤية مثل هذا التحوّل يحدث في العالم الإسلاميّ، ورؤية العلماء مُنكبّين على تحقيق هذه ‏المهمة. وسيُغتال غاندي في جانفي 1948 على يد هندي في مقبرة إسلامية عندما كان غاندي زائراً ‏للترحّم على روح قطب الدين بختيار (المتوفى سنة 1235) الذي تمّ انتهاك قبره على أيدي متطرفين ‏هندوس.‏

التحق صالح بن ساعي (1907-1990)، وهو أخ حمودة، بباريس لمتابعة دراسات ما بعد التدرج في ‏العلوم الفلاحية. أمّا حمودة فكان طالبا في معهد الدراسات الإسلامية بجامعة السوربون، وهو منكبّ على ‏إعداد دراسة حول الغزالي. وكان الثلاثة يلتقون كلّ جمعة في منزل بن نبي، فيتناولون العَشاء معاً وهُم ‏يُناقشون قضايا الإسلام والجزائر والعالم الإسلامي وكذا “الصراع الفكري”.‏

في شهر ماي من سنة 1934 جرتْ أحداث خطيرة في شبه الجزيرة العربية، حيث كان الإمام يحي في ‏اليمن يُعِدّ العدّة لمهاجمة مدينة جدّة بحراً. وكان بن نبي يُقْبِلُ على الصحف يومياًّ بِنَهَمٍ شديدٍ ليُتابع ‏تطورات تلك الأزمة التي قطعتْ أنفاسه. كان على يقين مِن أنّ الأمر لا يعدو أن يكون مؤامرة نَسَجَتْ ‏خيوطَها كلّ من فرنسا وإيطاليا وأنجلتيرا ضد الدولة الناشئة في الأراضي المقدّسة. كانت تلك الأزمة ‏مأساة شخصية عند بن نبي، فلقد كان ينوي أن يعيش في جزيرة العرب بعد أن يُنهي دراسته. وكثيرا ما ‏كان يذرف دموع الأسى وهو في بيته ويتضرّع إلى الله أنْ يحفظ تلك المملكة الفتية.‏

لكنه لم يكن يكتفي بالصلاة والدّعاء. ففي أمسية يوم من الأيام أخذ قلمه ووضع مجموعة من الأوراق بين ‏يديه وبدأ بتحرير رسالة موجهة إلى أمبراطور اليابان ليطلب منه مدّ يد العون لابن سعود. وعندما أنهى ‏كتابتها أيقظ زوجته وقرأها عليها، فقالت له: “يا عزيزي. إنها رسالة مؤثرة ‏‎!‎‏”. وغداة ذلك أودعت ‏الزوجة الرسالة في سفارة اليابان بباريس. وفي هذا الصدد يقول بن نبي في مذكراته غير المنشورة: ‏‏”نعم، أدركتُ الآن أنّ الرسالة كانت مؤثرة فعلاً. لكنْ، يا للسذاجة ‏‎!‎‏ إنه أمرٌ كفيل بإبكاءِ أكثر الأوغاد ‏سذاجةً ‏‎!‎‏ فالحكومة اليابانية، بطبيعة الحال، لم تُرسل أسطول ميكادو للدفاع عن جدّة وعن الوهابية، لأنها ‏كانت منشغلة بمحاصرة الموانىء الصينية”.‏

ولحسن الحظ أنّ المؤامرة لم تنجح، وانهال الملِك البدويّ على القوات اليمنية ودمّرها. وكان ذلك ممّا ‏أثلج صدر بن نبي. لكن الذي لم يُعجبْه هو ما قرأه بن باديس في هذا الموضوع في جريدة الشهاب، إذ ‏بدلاً مِن التعبير عن موقفه من تلك المسألة في أعماقها، اكتفى الشيخ الإمام بالتأسف على سفك دماء إخوة ‏في الدين، ” وكأنّ الشيخ الجليل لم يُدرك خطورة الصراع بين المجهود الروحي والمادي للنهضة ‏الإسلامية مُمَثّلاً في الفكر الوهابي، وقوى الانحطاط التي يُمثلها الإمام يحي الذي استفاد بضربة حظ مِن ‏دعم القوى الاستعمارية” (4).‏

فبن نبي كان يرى أنّ ردّ فعل ابن باديس، عندما وجّه عتابه لكلا الطرفين على السواء، موقف عاطفي ‏في وقتٍ كان عليه أن يفهم المَخاطر السياسية وأن يتخذ موقفه. والواقع أن بن نبي لم يكن يقصد ابن ‏باديس على وجه الخصوص، بل كان يريد أن يندد بتلك النزعة السائدة في العالم الإسلامي، والمتمثلة في ‏تحكيم العاطفة بدلاً من التحليل الموضوعيّ.‏

وتعليقاً على بعض الأحداث المشابهة التي جرت سنة 1949،يقول بن نبي في كتاب “وجهة العالم ‏الإسلامي” (1954): “تبعاً للانقلابات الثلاثة التي وقعت في سوريا في الآونة الأخيرة راحت الصحافة ‏العربية تتأسف على انعدام الاستقرار في جمهورية سوريا الفتيّة (تلك الانقلابات هي: انقلاب الزعيم، ‏وانقلاب حناوي، وانقلاب شيشكلي سنة 1949). ولم يُحاول أيّ مُراسل صحفيّ أن يتعمّق في فهم هذه ‏الأحداث. وكان بالإمكان الانتباه إلى أنّ وزارة الخارجية الأمريكية لمْ تَعُدْ تُسيّر الأحداث في العالم ‏العربي كما تُريد. فالعقيد الزعيم تربع على السلطة دون علم أمريكا التي لم يتمكن عميلُها العقيد الحناوي ‏من تفادي السقوط. أمّا انقلاب العقيد شيشكلي فقد جاء ليُثْبِتَ أنّ العالم العربي صار قادراً على إدارة ‏العمل السياسي تقنياًّ، وأن يُفسِد مؤامرات ذلك الجهاز المنظم تنظيماً مُحكماً، وهو المخابرات الأمريكية: ‏هذا هو جوهر القضية، وليس عدم الاستقرار في دولة حديثة النشأة”. ‏

ولمّا أعلن وفْدٌ برلماني متكون من جزائريين تحت قيادة الدكتور بن جلول السفر إلى فرنسا مِن أجل ‏تقديم “مطالب الشعب الجزائري” أعلنت الحكومة الفرنسية أنها لن تستقبله. وكردّ فعل عن ذلك أعلن كلّ ‏المُنتخبين الجزائريين استقالتهم. ‏

كانت تلك الاستقالة ـ وهي عمل جماعي بامتياز ـ ثورة حقيقية. وكان بن نبي يرى في ذلك منعرجاً ‏حاسماً. لكن الحركة فشلت لأنّ “فيدرالية المنتخبين” في قسنطينة تراجعت عن الاستقالة، بل وأعلنت ‏الحرب على الرافضين لقرارها الذي جاء بعد التهديدات التي أعلن عنها حاكِم قسنطينة. وكان هذا ‏التراجع صدمة كبيرة على بن نبي.‏

عاد فيلسوفنا إلى حنقه على “المُنحرِفين فكرياًّ “‏‎ intellectomanes ‎، وكان عنفه بقدر خيبته لأنّ تلك ‏الاستقالة الجماعية كانت في نظره “أول عمل سياسي في درجة كبيرة من العظمة في الجزائر. لكن هل ‏كان القادة رجالاً قادرين على الاستفادة مِن تلك الظروف غير المتوقعة التي جاءت لِتُبيِّن أن الشعب ‏الجزائريّ يستجيب لنداء الواجب إذا تعلّق الأمر بمسائل الشرف؟” . ذلك هو المنعرج الذي بدأ فيه ‏خلافه مع العربي التبسي الذي وقف بجانب “المُنتخَبين”، ومنذ ذلك الوقت صارت علاقته بجمعية ‏العلماء يسودها الاضطراب.‏

كان بن نبي يتفق مع العلماء في نقطة واحدة، وهي كون الإسلام عنصراً أساسياًّ في نفسية الجزائريين. ‏ولهذا فهو لا يرى في “الإصلاح” كلاماً أو خطباً تحثُّ على مزيد من العبادة، بل هو تدابير عملية تهدف ‏إلى إخراج الجزائريين من العقلية القدرية، وتلقينهم معنى العمل الجماعي الكفيل بجعلهم عناصر واعية ‏وفعالة تحمل النهضة الحضارية على عاتقها.‏

لقد اندهش بن نبي من قلة اهتمام بن باديس بالمسائل التي طرحها عليه في أول لقاء جمعه به سنة ‏‏1928، حيث حدّثه عن مشكلة الأراضي التي لم تمتدّ إليها أيدي المستعمرين في أفلو، معبّراً له عن ‏مخاوفه على مستقبلها. فابن باديس لم يكن يرى أية علاقة بين تلك المشكلة ومسألة الإصلاح. خرج ‏فيلسوفنا من ذلك اللقاء متذمِّراً لأنه كان يرى أن هناك علاقة بين المسألتين، فالإصلاح يُفترض ألاّ ‏يستهدف إلاّ العمل على ما هو ملموس، وأن ينشغل بالمشاكل العملية المطروحة في الحياة اليومية، ‏كمشكلة الوضعية القانونية للأراضي، والمحافظة على أراضي “العرش”، ومحاربة زحف الرمال.‏

وكان هذا الاختلاف في كيفية معالجة إشكالية النهضة هو سبب عدم تفاهمه مع جميع العاملين في مجال ‏الحركة الوطنية (العلماء، وفيدرالية المُنتخَبين، ونجم شمال إفريقيا، والشيوعيين): “كُنتُ أنظر إلى ‏المشاكل من زاوية النظر الحضارية، وهم ينظرون إليها من زاوية النظر السياسية”. وسيزيد من حدّة ‏خطابه مع خصومه عندما يقول إنّ ما يعتبرونه (سياسةً) لا يعدو أن يكون (بوليتيك)، أو ضرباً من ‏الديماغوجيا الخاوية ونزعة مُطالبة عقيمة، ودفع بالمواطنين إلى التخريف…‏

سيكون بن نبي في أقصى درجات القساوة في كلامه عن زعماء مختلف تيارات الحركة الوطنية، بما ‏فيهم العلماء، مع أنّه يعتبر نفسه قريبا منهم. غير أنّ ذلك القرب منحصر في الجانب الأخلاقي، لأنه من ‏الناحية الفكرية أحسّ بأنّ الشرخ يزداد اتّساعاً بينه وبينهم: ” كانوا يريدون أن يُصلحوا اعتماداً على ‏وسائل الفصاحة العربية، وأن يقودوا الإصلاح بطريقة النحويين… أمّا لُبّ المأساة الإسلامية القديمة فقد ‏غاب عن إدراكهم غياباً كُلِّياًّ” (5). لكنه مِن جهة أخرى قد وجد صعوبة كبيرة في تجاوز المخاوف التي ‏جاءته مِن “الحداثيين” و”المتحضّرين” و “مرضى الفكر”. وسينتقمون منه جميعاً في الوقت المناسب. ‏

كان بن نبي يُتابع المحاضرات التي كان يُلقيها ماسنيون من حين لآخر في اتحاد الطلبة المسلمين أو في ‏الودادية. وهو يقول عن هذا المستشرق في مذكراته غير المنشورة: “كان يرى أني أمثّل أخطر عقل ‏أنديجانيّ خرج من شمال إفريقيا لأنّ أحكامي لا تنصبّ على أشكال الأشياء بل على جواهرها”.‏

وكانت الأحداث على الساحة الدولية من دواعي اطمئنانه، ممّا جعله يعود إلى صياغة المُعادلات ‏والبيانات. وقد كتبتْ إليه أمه في تلك الحقبة طالبةً منه أن يرسل بزوجته إليها في تبسة، فلبّى لها طلبها. ‏ثُمّ حاول أن يلتحق بهما في آخر السنة الجامعية، لكنه وبمجرّد نزوله من القطار علِمَ بوفاة أمّه. اسودّت ‏صفحة السماء في عينيه، وانتابه اضطراب شديد لأنه كان متعلّقاً بها أشدّ التعلّق. أمّا والده فلمْ يبقَ منه إلاّ ‏أثرٌ ضئيل ممّا كان عليه في سالف عهده، خاصة بعد وفاة زوجته والفراغ القاتل الذي سلّطتْهُ عليه ‏الإدارة الاستعمارية. وهكذا كانت تلك العطلة ألماً في كل أوجُهها على بن نبي.‏

وازداد سوء الطّالع ضراوةً عندما نشبتْ مواجهات بين اليهود والجزائريين في قسنطينة بتاريخ 05 ‏أوت 1934 بعد أنْ تطاول يهوديّ على حرمة أحد المساجد بالتبوّل على جداره. وامتدّت المواجهات إلى ‏مدينة تبسة حيث توسّط بن نبي بين المتصادمين، ولم يكتفِ بذلك، بل بادر رفقة بعض أصدقائه بوضع ‏حزام أمنيّ حول مساكن اليهود حمايةً لهم من الغضب الشعبيّ: “وقفْفنا مُعارضين لكل مساس بسلامة ‏الأقلية اليهودية في تبسة. وبلغ بنا الأمر إلى وضع حراسةٍ تحت شرفة يهوديّ اسمه مورالي لأننا قدّرنا ‏أنه الأكثر تعرّضاً لخطر الانتقام. وكان إمام المدينة رائعاً عندما أمّنَ أحد اليهود بإيصاله إلى بيته في ‏الوقت الذي كان تحت تهديد أحد الصّعاليك. كما كانت مواقف الشيخ بن باديس خلال تلك الأحداث في ‏أعلى درجات الشجاعة والشرف والأنفة”.‏

ولمْ تتفق المصادر، حتى اليهودية منها، على حصيلة تلك الأحداث. فـ بنيامين ستورا ‏‎ Benjamin Stora‏ ‏‏(6) يقول إن عدد الضحايا كان 22 قتيلاً من جهة اليهود، و21 في الطرف الجزائريّ. أمّا ر.عيون و ‏ب. كوهن (7) ‏R. Ayoun ‎‏ و ‏‎ B. Cohen‏ فيُصرِّحان بأن 25 من اليهود قُتِلوا، بينما لم يتجاوز عدد ‏الضحايا المسلمين 3 قتلى. وأمّا أحمد مهساس فيقول أن هناك 23 قتيلاً من جانب اليهود و 4 قتلى من ‏جانب المسلمين (8). ‏

وخلال تلك العطلة تعرّف بن نبي على شاب جزائريّ أنهى دراسته الثانوية، وهو يُعِدّ العُدّة للسفر إلى ‏مدينة تولوز الفرنسية لمتابعة دراساته العليا في الطب، ولم يكن ذلك الصديق الجديد غير عبد العزيز ‏خالدي (1917-1972)، وهو الذي سيبقى وفياًّ لصداقته حتى يوم وفاته.‏

وكان عبد العزيز خالدي آنذاك متأثراً باليسار الاشتراكي الذي كان ينتمي إليه أحد أساتذته. وبُغية ‏إخراجه من تلك النزوة دعاه بن نبي إلى قراءة كتاب أهداه له، وعنوانه:”هكذا كان يتكلّمُ زرادشت” ‏Ainsi parlait Zarathoustra ‎‏ للفيلسوف الألماني نيتشه. وعند تذكّره لذلك الظرف أنشأ بن نبي ‏قائلاً بمسحة من الظرْف: “إنّ ما يميّز تلك الفترة هو روح المسؤولية الجماعية تُجاه كلِّ مواطن… وفي ‏كلمة واحدة، كانت في تبسة نعجة ضالّة، وهو الدكتور خالدي لمّا كان طالباً. ونيتشه هو الذي تولّى ‏إعادتها إلى القطيع الذي كان الشيخ العربي التبسي يرعاه أحسن رعاية”.‏

كان الصيف في أواخر أيامه لمّا بدأ فيلسوفنا يستعد رفقة زوجته للعودة إلى فرنسا على ظهر السفينة، ‏انطلاقاً من ميناء سكيكدة. لكنه قرر قبل السفر أن يتوقف في قسنطينة لرؤية الدكتور بن جلول وفرحات ‏عباس. ولم تكن نتيجة اللقاء إيجابية، وواصل بن نبي طريقه إلى سكيكدة وهو يجترّ أفكاراً سوداء حول ‏أنصار الإدماج. أمّا الرحلة البحرية فلم تكن سهلة، إذ تعرّضت السفينة لعاصفة هوجاء كادت أن تُغرِقها. ‏أمّا بن نبي فقد تأسف على أنه لم يمُتْ غريقاً في البحر.‏

قرر بن نبي عند بداية السنة الدراسية أن يُسجل نفسه لمتابعة دراسة بالمراسلة حول الأشغال العمومية. ‏كان ذلك يندرج ضمن مشروعه المتمثل في الانتقال إلى الحجاز، فهو يأمل أن يشارك في تهيئة شبكة ‏الطرق في تلك الدولة الناشئة. وكانت بداية السنة صعبة عليه لأنه كان في أسفل درجات الانهيار. ذلك ‏هو الظرف الذي جعله يغادر باريس ويُقيم في مدينة دروDreux‏ رفقة زوجته.‏

قام المستشرق ماسينيون بنشر كتاب ” شغف الحلاج” ‏la Passion d’al-Hallaj ‎‏ ، وهو في الأصل ‏أطروحة دكتوراه ناقشها سنة 1922 وأهداها لشارل دوفوكو ‏Charles de Foucauld‏ ، المُبشِّر ‏الفرنسي الذي أقام في تامنراست من أجل تنصير التوارق. ومِن أحداث تلك الساعة كذلك اندلاع الحرب ‏الأهلية بإسبانيا، وغزو موسوليني لإثيوبيا. أمّا حمودة بن ساعي فكان منهمكا بإعداد أطروحته تحت ‏إشراف ماسنيون. وفي ” جمعية الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين”، كان الطلبة التونسيون والمغاربة ‏يستعدون للعودة إلى الوطن بعد نيل شهاداتهم.‏ (يتبع)

المراجع:‏
‏1)‏ ارجع الى :”السياسات الاستعمارية في المغرب” منشورات‎ PUF، باريس 1972‏
‏2)‏ ‏”الثورة الافريقية” عدد 25 سبتمبر 1965‏
‏3)‏ ‏” عالمية اللاعنف”، ” الجمهورية الجزائرية” عدد 18 ديسمبر 1953‏
‏4)‏ ارجع الى ” وجهة العالم الاسلامي”‏
‏5)‏ كانت علاقة حمودة بن ساعي بالعلماء حميمية جداًّ، وخاصة مع الشيخ ابن باديس الذي قال عنه في ” من أجل ‏عقيدتي” ‏Au service de ma foi ‎‏ أنه كان شغوفاً بمتابعة دروسه في المسجد وقراءة صحفه وزيارته في مكتبه ‏الموجود في شارع آليكسي لامبير في قسنطينة، من أجل طرح بعض الأسئلة عليه. وهو يقول في ذلك: “في يوم من ‏الأيام، وبمناسبة ردّي على مقال نشره محمد زرقين، وهو طبيب أسنان جرّاح، ومستشار محلّي بقسنطينة، عبّرتُ ‏عن انتقادي الشديد لسياسة الإدماج. ولمّا وضعت الرد بين يدي الشيخ قرأه بعناية وقال لكاتبه وهو يمتدحني: «لم أكن ‏أظنّ أنّ بين شبابنا عناصر تتمتع بالقدرة على التفكير الجيّد مثل هذا الشاب”.لو أن بن نبي كان في موقف ابن ساعي ‏لكان خطابُهُ أكثر حدّةً، أمّا هذا الأخير فقد اكتفى بقوله: “لقد قدّر الشيخ، وهو المعروف بعدم تسرعه وبحصافة رأيه، ‏أن الظرف لم يكن مناسباً لنشر مثل تلك الدراسة. ولقد تأثرت كثيرا لثنائه عليّ لأنها كانت أول دراسة أكتبها ‏بالعربية… وفي مناسبة أخرى، في شهر أفريل سنة 1929، إذ كُنتُ مُكلفاً بمهمة التحرير والترجمة في جريدة ‏‏”النجاح”، أعددْتُ تقريراً مُطوّلاً حول ندوة أقامها الكاتب بيار باراف ‏Pierre Paraf‏ حول “اليهودية في الأدب ‏الفرنسي”… كان ذلك العمل مفاجأة في الصحافة الإخبارية باللغة العربية، إذ أبْديْتُ عدّة ملاحظات تشهد بسعة ‏الاطّلاع وبالاقتدار الأدبي… طلب الشيخ لقائي شخصياًّ وهنّأني تهنئة حارة. كان يُحبّ الثقافة. وبعد ذلك بوقتٍ ‏وجيز حررتُ مقالاً طويلاً تحت عنوان: “وهمُ السياسة ودعوة إلى حُسن تدبُّرِ القرآن ‏Mirage de la politique ‎et appel à la bonne direction du Coran ‎‏ ” ، حيثُ ندّدْتُ بالسياسة الانتخابية التي عمادُها الكذب والتي ‏تشبه المتاجرة بالخيول، فجاءني ابن باديس مُجدّداً، وكان وجهه مُشِعاًّ. لقد تمكّنتُ مِنْ ترجمة أفكاره الكامنة ترجمة ‏رائعة… وحدّثْتُهُ يوماً خلال إحدى زياراتي ـ فقد كُنتُ أزوره في مكتبه عادةً ـ عن بيتهوفن، فقال لي إنه يعرفه. ولمّا ‏كلّمتُهُ عن سقراط قال لي: “إنه سيدُ الحُكماء ‏‎!‎‏”.. فمع أنّ مظهرهُ كان يوحي بأنه شيخ مُنطوي في الدراسات الدينية، ‏فهو في الحقيقة كان يتمتع بنظرة واسعة. وهو يستحق أن يكون في مراتب كبار الإنسانيين الغربيين…”. ‏
‏6)‏ ارجع الى :” تاريخ الجزائر المستعمرة” منشورات الرحمة، الجزائر العاصمة 1996 .‏
في كتاب تحت عنوان “فرحات عباس. جزائر أخرى‎ Ferhat Abbas‏” من تأليف بن يامين ستورة و ز. داود ، نجد ‏حصيلة قريبة من الحصيلة السابقة: 23 قتيلاً يهودياًّ، و3 قتلى مسلمين، و 81 جريحاً”. ويعود بن يامين ستورة بعد ذلك بـ 8 ‏سنوات إلى تلك الحصيلة في مقال له حول الجزائر، إذ يقول: “في ذلك اليوم نزلت على قسنطينة وضواحيها مذبحة دون أنْ ‏تُحرِّك الشرطة ولا الجيش ساكناً. فكان عدد الضحايا 27 قتيلاً، 25 من بينهم يهود، 5 منهم أطفال، و6 نساء، و14 رجلاً”. ‏‎(Cf. « Le Monde » du 07 juillet 2004). ‎‏ (جريدة لوموند 7 جويلية 2004)‏

‏7)‏ ر.عيون و ب. كوهن:” يهود الجزائر:2000 سنة من التاريخ”منشورات القصبة الجزائر العاصمة 1994‏
‏8)‏ ارجع الى أحمد محصاص:”الحركة الثورية في الجزائر” منشورات بركات، الجزائر العاصمة 1990‏

You may also like

Leave a Comment