بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
عندما عاد مالك بن نبي إلى الجزائر طلب من الشيخ الطيب العقبي أن يُعبّر له عن انطباعاته حول المحاضرة التي ألقاها حمودة بن ساعي. لم يكن الشيخ راضيا عنها، ولقد تعجب بن نبي من ذلك خاصة وأنه يعرف مرتبة صديقه الفكرية وثقافته، إذ استطاع أن “يحقق إنجازاً كبيرا باستنتاج مبادىء سياسة الفاعلية التي لم يأْلَفْها العلماء الجزائريون الخاملون”.
وكانت تلك هي الحادثة التي بدأ فيها الشيخ العقبي يفقد مكانته عند بن نبي. وهو يذكر ذلك في مذكراته غير المنشورة قائلاً: “كنتُ أثق في صديقي ثقة تامة، حتى أني كُنتُ أظن نفسي كفيلاً بأن أكون سنداً له أو مستشاراً لِما وجدْتُ فيه مِن براءة وطيبة وصدق وثقافة، في حين كُنتُ أنا أمتاز بالشدة والحصافة العملية. وكُنتُ أجد في هذا الكُلّ المتكامل ما مِن شأنه أن يُحدِث ثورة روحية، فكرية وسياسية في الجزائر”.
عاد بن نبي رفقة زوجته إلى باريس. كان يُحبّ فصل الخريف، ولذلك كان مشهد تساقط أوراق الأشجار يُثير وجدانه. قضيا بضعة أيامٍ في مدينة درو Dreux في بيت أم زوجته السيدة مورناس Mme Mornas حيثُ استُقبِلا استقبالاً ممتازاً. كان بن نبي منسجماً تماماً مع حماته التي كان يناديها “ماما”. وفي هذا مشهد آخر لفرنسا أتيح له أن ينظر فيه، إنها فرنسا الريفية، والحضارة التي تستمد جذورها من الريف ومن العبقرية العملية.
ومما قاله في ذلك لاحقاً: “ذلك الريف هو الوجه الحقيقيّ لفرنسا. إنها المرة الأولى التي بدأتُ أعرف فيها تلك الأسباب التي ألهمتْ لـ سولي (Sully) شعاره الشهير: “الحرث والمرعى هما ضرْعا فرنسا”. فالحضارة الفرنسية هي أولاً نتاج ذلك الرضاع. وأنا أعرف اليوم، وقد مرّتْ ثلاثون سنة على زواجي بخديجة، أني أتحْتُ لها الاحتكاك بالإسلام في حين أتاحت لي هي الاحتكاك بأكثر مظاهر حضارة بلادها أصالةً” (م.ش.ق).
كان يرى حماته وهي تعمل من الصباح إلى المساء لخدمة مزرعتها، وتُرتّب بيتها أحسن ترتيب. وفي كل ذلك كان يلاحظ ما في هذه الأسرة المتواضعة من ولع بالتنظيم وحبّ لكل ما هو جميل. وهذا ما ساعده على معرفة المصدر الذي أخذتْ منه زوجته ميلها إلى الدقة وهيامها بالنظافة، وتفنّنها في تنظيم كل شيء حتى ولو كان المكان ضيقاً.
وإذا كان بن نبي قد قرأ بالزاكBalzac في الماضي، فإنه الآن يرى بين عينيه شخصيات روايته. وكان لذلك بالغ الأثر في نفسه لأن الشعور بالتمزق الذي أحدثه تأثره بالثقافتين (الشرقية والغربية) لمْ يزدَدْ إلاّ حدّةً وضراوةً في مثل تلك اللحظات.
لقد علّموه في صباه أنه ينتمي إلى “خير أمة أُخْرِجَتْ للناس”(آل عمران الآية 110)، لكن ما عاشه منذ مولده كان بعيداً جداًّ عن تلك الصورة. فلماذا كانت معظم البلدان الإسلامية تحت نير الاستعمار؟ وما سبب تأخرها التقني والعلمي والاقتصادي؟ لماذا كانت مواقف المسلمين و سلوكاتهم وأفكارهم مختلفة عما يراه هنا؟ وما هي الحضارة؟ وما السبيل إلى الخروج من الانحطاط؟
وبالإضافة إلى دراسته في مدرسة الميكانيك والكهرباء كان بن نبي يُتابع ضروباً أخرى من التكوين (الكيمياء الصناعية، وكيمياء الألوان، والحياكة والنسيج…). وكان يسكن مع زوجته في غرفة صغيرة تقع في ممرّ من ممرّات الدائرة “15” بباريس، ناحية باب فرساي Porte de Versailles. كان يعمل بجدٍّ كلَّ أيامِ الأسبوع، ويسهر الليالي، ولم يكن يخرج إلاّ يوم السبت إلى “الهقار”، وهو مقهى في الحي اللاتيني، وصاحبه جزائريّ، أو إلى “اتحاد الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين”. ومورده المالي الوحيد هو المبلغ الزهيد الذي كان يُرسله له أبوه مِن منحته المتواضعة.
نحن في مطلع سنة 1933، ولم تكن الأخبار الآتية من الجزائر سارّةً. فلقد أصدر والي الجزائر العاصمة منشوراً وزاريا يتمّ بموجبه تكليف “مجلس استشاري” تحت رئاسة فرنسيّ غير مسلمٍ بإدارة شؤون الديانة الإسلامية، ومنع العلماء من الدخول إلى المساجد. وكان مصالي الحاج يتحدث عن حق الجزائريين في “الدفاع عن مساجدهم والأسلحة في أيديهم”. أمّا فرحات عباس فقد نشر مقالاً بنبرة حادة (1). الشيخ الطيب العقبي من جهته يُحرر لائحة في ألف نسخة ويُرسلها بالكامل إلى بن نبي. وعلى الفور قام بن نبي بتجميع الطلبة، ثُمّ حرّر بدوره رسالة مفتوحة وقّعها باسمهم وأرسل بها إلى السلطات في فرنسا، وإلى المُنتخَبين، والمثقفين، وإلى كل مَن كان يُمثل جهةً نافذة في فرنسا..
إن هذه الرسالة التي يمكن اعتبارها أول نص كتبه بن نبي ووجهه إلى الجمهور منشورة في جريدة ”العلماء المسلمين الجزائريين” الناطقة بالفرنسية، المُسماة ” La Défense” التي كان يُديرها الأمين العمودي (1891-1957)، وهو الأمين العام للجمعية، كما أنها منشورة باللغة العربية في جريدة لا يتذكر بن نبي إلاّ اسم صاحبها، وهو عبابسة (1892-1953) (2). لكنه يتذكر أن بومنجل طلب منه أن يلين من حدّة لهجة الرسالة. ولقد وُزِّع نص الشيخ الطيب العقبي في صناديق البريد، لكن بن نبي أرسل إليه رسالة يطلب فيها من العلماء ألاّ يكتفوا بهذه الخطوة كردّ فعلٍ (3).
كان اسمُ أحمد مصالي الحاج يشقُّ طريقه نحو الشهرة في الأوساط العربية بباريس آنذاك. كان يرغب في إعادة بعث “نجم شمال إفريقيا”، ولذلك عمل على الاتصال ب”اتحاد الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين”. وهكذا عُقِدَ لقاء في فندق “الهقار” بين مصالي ورجاف (1909-1989) وسي جيلاني (1886-1956) وعمار عيماش (1895-1960) مِن جهة، ومالك بن نبي وبن سليمان وبن ميلاد من جهة أخرى.
عَرض مصالي مشروعه على الطلبة، ثُمّ تمّ الاتفاق على تنظيم لقاء ثانٍ من أجل تسطير التدابير الخاصة بانشاء ـ أو بالأحرى بعث ـ أول حزب سياسي وطني جزائريّ. وجرى اللقاء في حجرة يُقيم فيها أحد العمال في شارع سان جاك (4)، وتقرر تنظيم تجمّعٍ وأمسية مسرحية – موسيقية كعلامة مُخلِّدة لأول ظهور ب”نجم شمال إفريقيا” في ثوبها الجديد.
كُلِّفَ بن نبي بكتابة نص المسرحية، على أن يقوم هو نفسه بتمثيلها رفقة بن ميلاد وأفراد آخرين. وقد وقع اختياره على موضوع “الظّلم الاستعماري”. نُظِّمت الأمسية في قاعة كادي Cadet التابعة لمقر الإقامة الماسونية Le Grand Orient (5). كانت القاعة تعُجّ بالجمهور الحاضر أثناء عرض المسرحية، وممّن ظهر في الصفوف الأولى إمام مسجد باريس، وكانت زوجة بن نبي جالسة بجوار زوجة مصالي الحاج التي كانت تبدو على ملامحها علامات الشرف والطيبة مع سحابة خفيفة من الحزن. وكان كلّ ذلك مثار إعجاب بن نبي.
جرتْ أحداث المسرحية في مشهدٍ واحدٍ، وقُدِّمتْ كما كان اتُّفِقَ عليه، ثُمّ حان وقتُ الخطاب السياسي الذي تداول عليه كلّ من سي جيلاني وعيماش ومصالي، حيث تمّ الإعلان عن ميلاد تلك التشكيلة السياسية. وكانت تلك الليلة هي التي قال فيها مصالي مقولته الشهيرة: “ليس هناك شعوب متفوقة، بل هناك رجال متفوقون” (6). واخْتُتِم اللقاء ببعض الأنشطة الترفيهية.
عندما بدأت الموسيقى والرقص انسحب بن نبي رفقة زوجته. وسُرعان ما بدأ يكره بعض الجوانب من شخصية مصالي، ومن بينها ولاؤه للماسونيين والتروتسكيين، وحبّه لحياة البذخ. وبقدر ما كان يستحسن خطابه التحرري المُضاد للاستعمار، كان يكره نزعته الشعبوية. ومع ذلك فقد أبقى على علاقته بهذا الرجل، لكن في حدود ضيّقة. كان مِن أهداف هذا التشكيل السياسي الناشىء: استقلال الجزائر التام، وانسحاب قوات الاحتلال بشكلٍ كُلّيّ، إنشاء جيش وطنيّ، تشكيل حكومة وطنية ثوريّة، ومجلس تأسيسيّ عن طريق الاقتراع العام.
ألقي القبض على كلّ من مصالي الحاج وعمار عيماش وبلقاسم رجاف في شهر نوفمبر 1934، وحُكِمَ عيهم بستة أشهر سجناً بتهمة “إعادة تأسيس رابطة منحلّة”. وسيقترح عليه بن نبي والإخوة بن ساعي لاحقاً أن يفتح قاعة دروس مسائية لتمكينهم من إعطاء دروس في محو الأمية لفائدة العمال الجزائريين على غرار ما هو معمول به في الجامعة الشعبية التي افتتحها الحزب الشيوعيّ الفرنسي لفائدة البروليتاريين.
ويذكر بن نبي ذلك في مذكراته غير المنشورة قائلاً: “لكن واقع الحال أن الشيوعية مذهب يريد أن يستغلّ الإنسان، فيُكوّنه ويزيد من حسن أدائه حتى يصير فعالاً. أمّا “الوطنية” التي شرعنا في تأسيسها فهي مجرد تجربة شعورية لا توظف إلاّ الكلمة. وبما أننا لسنا بحاجة إلى الكلام جميعاً، فإننا نكتفي بالاستماع والتصفيق لكبير الوطنيين الذي لا يُريد، على أية حال، أن يتقاسم امتيازه مع ثرثارين آخرين” (7).
وفي تلك الأثناء دعا الماريشال هندنبرغ هتلر إلى الاستشارية الألمانية. و أنشتاين اختار الانتقال إلى سويسرا. وفي الجزائر ظهر الدكتور بن جلول (1896-1986) وفرحات عباس والدكتور بومالي والدكتور سعدان على رأس “فيدرالية المُنتخَبين بقسنطينة”. وبجانب النزعة الإصلاحية الهادئة، و شعبوية مصالي الحاج، ظهرتْ طائفة من المثقفين أطلق عليهم بن نبي اسم المنحرفين فكرياًّ (intellectomanes ). وبذلك تكتمل التشكيلة القيادية لما يُسميه البوليتيك (boulitique ) في الجزائر.
كان بن نبي شديد الانتقاد تُجاه هذه الطائفة المنتمية إلى الحركة الوطنية التي يُمثلها جناح العمال من جهة وجناح البورجوازيين من جهة ثانية، وبينهما جناح الإصلاح الذي يسعى إلى إيجاد توازن بين الجناحين السابقين لِيميل في النهاية إلى طائفة “المُنتَخبين” حتى سنة 1939 على الأقل.
ومما كتبه بن نبي في مذكراته غير المنشورة: “وهكذا تبلورت الصورة التاريخية للحركة الوطنية الجزائرية بجناح عُمّاليّ على استعداد للتحول إلى البورجوازية وللتقارب مع جزء من اليسار الفرنسي، وجناح بورجوازيّ مستعدّ للإسفاف بالتعامل مع الاستعمار. أمّا حركة “الإصلاح” فكانت تُحاول أن تشقّ طريقها بين هذين الجناحيْن، دون أن تشكّ في أنها ستُضطرّ يوماً إلى التبرّؤ الأخلاقيّ من الجناح البورجوازي، وأنّها ستذهب هباءً منثوراً أمام الجناح العمالي”.
ويُضيف في فقرة لاحقة قائلاً: “لم أكن أجد عند المثقفين الجزائريين الضمانات اللازمة للدخول في معترك السياسة ـ دون الإضرار بالخط الإصلاحي ـ ولا أستثني من ذلك إلاّ حمودة بن ساعي وأنا معه. ذلك أني كُنتُ أعتقد أنه من الواجب تفادي إحداث أي اضطراب في حركة الإصلاح مهما كان الثمن… ذلك أني كُنتُ دوماً مُقتنعاً باستحالة تأسيس نسقٍ سياسي دون تأسيس نسق أخلاقي قبل ذلك”.
في الوقت الذي كان فيه حمودة بن ساعي مُبتعداً عن كلّ تلك الحركات لأنه يعتبرها أدوات تُحرّكها الإدارة الاستعمارية، كان بن نبي مُرتبطاً بجمعية العلماء التي لا ينتمي إليها رسمياًّ، لكنه كان يدعم أطروحتها بقوة، وهي تتمثل في: تجديد الإنسان، والتربية، وإصلاح أخلاق المجتمع…
فبن نبي كان يرى أنّ الجانب الحضاري ينبغي أن يسبق الجانب السياسي، وهذا ما لم يفهمه رجال السياسة في الحركة الوطنية. ولم يكن يُساوم أحداً من الجانبين، لكن ذلك لم يمنعه من المشاركة في كل المبادرات التي تنحو إلى معاداة الاستعمار في تلك الفترة. فالأمر يتعلق بسوء تفاهم بين ”الفيلسوف” و”السياسي” أكثر مما يتعلق بخصومة بين رجلٍ وتيارات سياسية مُحيطة به.
كان بن نبي في تلك السنة شديد الاهتمام بالفيلسوفين نيتشه Nietzsche وسبينوزا Spinoza، إذ كان مدار مناقشاته المُطوّلة مع حمودة بن ساعي حولهما. كان يقرأ كثيرا كعادته على الدوام، لكن تأثره بهما كان أكبر من تأثره بغيرهما. وهو يُسجّل ذلك قائلاً: “كُنتُ شديد الاهتمام في تلك الفترة بأفكار نيتشه ببروقها ورعودها، وبأفكار سبينوزا الصعبة والموحية”. وليس غريباً أن نجد عند بن نبي ذلك الاندفاع النيتشي وتلك الدقة الفكرية السبينوزية في بعض أطروحاته.
وبطريقة اعتباطية راح بن نبي يذكر بعض الكتاب الذين قرأ لهم في تلك الفترة، وهم: داروين، أندري جيد، طه حسين، جاك ماريتان، هنري ماسيس، وسيرة الملك ابن سعود (8)، وكذا بعض الكتاب في الاختصاصات العلمية مثل (جورج كلود ودو بروقلي…). كان اهتمامه بالعربية السعودية يزداد باستمرار لأنه كان يرى أن هناك “دورة حضارة” في طور الإعداد بهذا البلد.
قام رفقة زوجته بجمع كلّ ما يُكتب حول ذلك الملك وبلاده الحجاز التي بدأ ينجذب إليها كما انجذب إلى تومبوكتو والريف المغربي والسودان وأستراليا أيام شبابه. كانت أذنه تُنصِتُ على الدوام لصوتٍ آتٍ من بعيد لأنه كان يأمل أن يعيش بعد دراساته في بلد إسلاميّ. فوجوده في فرنسا لم يكن إلاّ من أجل الدراسة، ولأن الجزائر ليس فيها مؤسسة تعليمية تُعادل ما هو موجود في فرنسا.
لكن، ماذا عساه يكون لولا هذه الغطسة في الحضارة الغربية التي تُعدّ فرنسا أحد ممثليها البارزين، ليس بسياستها الاستعمارية، لكن بموروثها الروحي والتقني؟ كان شغفه بالعلوم والتقنيات يتزايد حتى صار ضرْباً مِن النّهم. أحبّ علم الديناميكا الحرارية. أمضى عطلة عيد الفصح في مدينة درو حيث أعجبته الوحدة والبساطة في نمط العيش الريفي.
وما إنْ حلّ الصيف حتّى عاد إلى الجزائر متلهِّفا لرؤية والديْه اللّذيْن أدّيا فريضة الحج. نزل من الباخرة في ميناء عنابة، وكان عليه أن يجد وسيلة نقل لمواصلة الطريق إلى تبسة. وقد لاحظ طيلة الرحلة بين عنابة وتبسة أنّ حضور الاستعمار كان محصورا في المزارع الكبيرة التي تمتدّ من سهل عنابة إلى بوشقوف. ثُمّ تبدأ ملكيات الجزائريين الأصليين بصخورها الصغيرة وأكواخها بسقوف القش، وقطعانها الهزيلة المتكونة من الخِراف والماعز، وطرقها الوعرة. كانت الطريق تعجّ بشاحنات صغيرة من طراز سيتروين في طرقٍ تمّ توسيعُها على حساب الحقول الزراعية. وكان كعادته ينظر إلى الأشياء من زاوية النظر السوسيولوجية، لكنه كان يُتْقِنُ التعبير عنها في عبارات جميلة.
فقد وقع بصرُهُ على طبيعة متنوعة حسب المناطق وقال: “اختفى الغطاء النباتي بالتدريج. فبعد السهول الخضراء بدأت الغابة بأشجار الزان والفلين التي تمتد إلى ما بعد سوق اهراس. وهي تنتهي بشُجيرات سنوبر مُنكمشة ومتناثرة، لِتصير متفرّقة أشدّ التفرّق على مشارف سهل تبسة الموحِش. وبداية من كليرفونتين يتغير المشهد كُلّيةً. فالخيمة بدأت تُزاحم الكوخ ثُمّ تأخذ مكانه، والبداوة الموروثة بدأت تزحف على حساب مظاهر الحياة الفلاحية القاسية”.
لكنّ بن نبي، كما نعرف، تهفو نفسه لرؤية الطبيعة العذراء: “لقد حافظتِ البداوة على شرف مقامها رغم أنّ الوجود الاستعماريّ بأدرانه قد قلّص من مجالها شمالاً، وأنّ التصحّر بما يجره من أضرار يُضايقها جنوباً. فالجمل لا يزال يسير الهوينى بجلال، مثله مثل البدوي نفسه، وهو بذلك يعطينا انطباعاً بأنّ الحياة هنا حِكْرٌ للأشياء التي لا تُقيّمُ حسب حركة عقارب الساعة. فالناس في السهول يجمعون محاصيلهم الضئيلة كأنهم يجتثونها اجتثاثاً مِن أرْضٍ جدباء. وهُمْ يعودون بعد ذلك إلى معسكراتهم عند الغروب لتبدأ حكاياتهم التي لا تُنسى حول قبيلة أولاد سيدي يحي أو مُغامرات سيدي علي بن الحفصي… كُنتُ دوما أشعرُ بفيضٍ شعريٍّ لطيف عندما أرى سهل تبسة بعد غياب طويل كغيابي هذه المرة الأخيرة، خاصة في هذا الفصل بالذات. إنني أتفهّمُ ذلك السحر الذي كان يُصيبُ إيزابيل إيبرهارت عندما تمُرّ على خيام البدو في الهضاب العليا المتناثرة بين شُجيرات الزعتر والحلفاء”.
عند وصوله إلى تبسة استُقبِل استقبالاً حاراًّ. ولم يكن يخرج من البيت، كعادته، إلاّ مساءً لِلِقاء أصدقائه. كانت أياماً كُلُّها سعادة. راح يُقيِّمُ التطورات التي تحققت خلال سنة واحدة: فلقد شيّد أهل تبسة مدارس أخرى ومساجد جديدة… وهو يرى في تلك المبادرات وفي ذلك الاتكال على النفس ما يدلّ على أن المجتمع بدأ يتحرّك.
بلغتْ إلى مسامعه قصة ذلك الرجل المسمى “مختار”، وهو سكّير مُدمن على القمار ولعبة “راي- راي”( ray-ray، من العاب الحظ) على الخصوص، كما أنه لصّ مشهور. قيل أنه جاء في صباح يوم من الأيام يُريد مقابلة المسؤولين عن بناء مدرسة ليتبرّع بمبلغ قدره 10.000 فرنك، وهو مبلغ يمثل ثروة طائلة في ذلك الوقت. والمهمّ في قصته أنه منذ هذا التحوّل المفاجىء لم يعُد يشرب الخمر ولا يلعب القمار، بل إنه صار مناضلاً نشطاً في حركة الإصلاح.
أمّا في البيت فكان يُضايق أمه ويطاردها على الدوام كي تحكي له قصة حجّها بكل التفاصيل، وتصف له البقاع المقدّسة والمشاعر التي يجدها الحاجّ عندما يكون في ذلك المكان القريب من قبر الرسول (ص). وعادة ما كانت الأم تحكي له في المساء حيث لا يبقى من الإنارة إلاّ ضوء باهت. كان يُنْصِتُ بخشوعٍ تامّ وعيناه تسُحّانِ الدموع سحاًّ. كانت لحظات ساحرة تنفصل فيها روحه عن جسده وتذهب بعيداً لتُحلّق في سماءِ مكّة والمدينة. كانت لحظات تتواصل فيها روح الأم والابن في عالم القداسة والصفاء والعاطفة الدينية الفياضة. وعندما قدّمتْ له الهدايا التذكارية التي أتت بها له ولزوجته راح يتساءل كيف عرفتْ أنه قد تزوّج ! وهكذا قضى بن نبي ثلاثة أشهر متتابعة في تبسة في تلك الأجواء البهيجة.
لمّا ودّع أمّه عائداً إلى فرنسا لم يكن يعرف أنه لن يراها بعد تلك المرة. وقبل سفره تعرّف على الشيخ البشير الإبراهيمي الذي كان ينوي إلقاء درس في المسجد. ولقد بدا له أن هذا الشيخ هو” أقلّ ”العلماء” تقليداً. لقد سحرني بفصاحته. و الأهم من هذا أني لاحظتُ طرافة تفكيره عندما يُعالج مشكلة اجتماعية بطريقة لم أكن أعرف أن “عالِماً” يستطيع فعل ذلك… والحقّ أنّ كلامه هو الذي عمّق جذور السلفية في كياني”. (يتبع)
المراجع:
1) وممّا جاء في ذلك: “إنّ المساجد لله ويجب أن تبقى مفتوحة لكل واحدٍ مِنّا. والإسلام للمسلمين. وعلى أية حال، فهو الشيء الوحيد الذي بقي لهم في الجزائر. وما دامت الولاية La préfecture لا تتدخل في شؤون الكنيسة ومعابد اليهود، فلماذا تتدخل في شؤون المساجد؟ وما دُمنا قد مُنِعْنا مِن اختيار أئمتنا، فلم يبق لنا إلاّ أنْ نُغلق المساجد…”. (“صوت الأهالي” عدد 23 مارس 1933)
2) الأرجح انّ الأمر يتعلّق بـ “المرصاد”، وهي أسبوعية تأسست سنة 1931 على يد بيار جوقلاري Pierre Juglaret وأُسْنِدتْ إدارتُها لمحمد عبابسة. وسيتمّ غلق هذه الجريدة سنة 1934 بسبب عدائها للاستعمار. ويقول حمودة بن ساعي في هذا الشأن: ” بيارمحمد الشريف جوقلاري (باريسيّ دخل إلى الإسلام ومتزوج بجزائرية)
عاش فقيراً في الجزائر العاصمة واشتغل ككاتب عموميّ، كان هو المُسيِّر المسؤول عن جريدة الدفاع (La Défense ) التي كانت سببا في متابعته قضائياّ مثلما حدث للأمين العمودي. وقبل ذلك كان هو المسيّر المسؤول عن جريدة صوت الشعب (La voix du peuple )التي نُشِرتْ بين 1933 و1935، وفي أجواء بطولية، بفضل شاب ينبض حيوية، وذي تكوين مزدوج اللغة، ، إنه صديقي المرحوم علي بن أحمد، وهو أحد أقارب مالك بن نبي. في فيفري 1933، وتبعاً لمنع الشيخ الطيب العقبي من إلقاء درس في المسجد الكبير بالجزائر العاصمة، أقْدَمَ بشجاعة تامة، وبإيمان مَن كان حديث العهد بالتديّن، على توزيع منشور شديد اللهجة ضد هذا المساس بحرية المسلم في دينه. ألْقي عليه القبض ثُمّ اختفى نهائياً، مثلما جرى للأمين العمودي وكثيرين مثله. ذلك أن الاستعمار في روحه الانتقامية العمياء وحقده لم يتسامح معه في أفكاره ولا في عقيدته، ولا في اختياره الزواج من (مسلمة تعيسة)، واختياره أن يُقاسم الأنديجان الأشقياء حياتهم، وهو الفرنسي الذي يتمتع بكامل الحقوق (ارجع الى حمودة بن ساعي ” من أجل عقيدتي”، دار البعث، قسنطينة 1984)
ويضيف حمودة بن ساعي قائلاً:” تعرّفتُ على جوقلاري لمدة قصيرة في قسنطينة أيام شبابي. كُنتُ أسعدُ بالاستماع إليه ! بل إني تبادلتُ معه بعض المراسلات !”
3) اندلعت مُظاهرات احتجاجية وإضرابات في مختلف أرجاء الجزائر. وفي قسنطينة طلب كلّ من ابن باديس والدكتور بن جلول إلغاء ذلك الإجراء خلال تجمّعٍ شارك فيه 10.000 شخص.
4) لقد سجّل التاريخ أنّ إعادة تأسيس نجم شمال إفريقيا جرى في الجمعية التأسيسية التي عُقِدتْ في باريس بتاريخ 28 ماي 1933 في هذا العنوان: 49، شارع بروتاني 49, rue de Bretagne في باريس، والتي عُيِّن فيها مصالي رئيساً لها ومديراً لجريدتها (الأمّة).
5) يؤكد جي برفيي Guy Pervillé أنّ هذا اللقاء قد تمّ بالفعل، إذ يقول: ” في سنة 1933 تمكّن مصالي من الاتصال بجمعية الطلبة المسلمين الشمال إفريقيين التي يرأسها محمد الفاسي. واحتفل يوم 4 جوان 1933 بميلاد (اتّحاد المثقفين والعمال ) تلبية لدعوة الجمعية إلى مأدبة”.
6) استعار مصالي هنا عبارة لجورج كليمانصو الذي كان يُعارض امتلاك المُستعمَرات، قالها أمام البرلمان الفرنسي: “الأمم التي تُوصف بأنها كبيرة لا حقّ لها على الأمم التي تُوصف بأنها صغيرة. فلْنُقْلِعْ عن تمويه العنف تحت ستار اسم الحضارة نفاقاً”.
7) ويؤكد صالح بن ساعي في “ملاحظة عن حياة مالك بن نبي” هذه الحقيقة: “إن ظهور الجبهة الشعبية عام 1936 واستيلاء ليون بلومLéon Blum والعنصر اليهودي والماسوني على السلطة تمنحنا جميعها مواضيع للتفكير و التأمل. قررنا مع بن نبي وبعض الأصدقاء الوطنيين، الاعتناء بإخواننا العمال من خلال تنظيم دروس مسائية ونوع من الجامعات الشعبية. مشروعنا الذي قدمناه لقادة “نجم شمال أفريقيا ‘المجيدة’ ” ، و التي لها اتصال بالطبقة العاملة و يتوفر على المحلات، نسفه مصالي الحاج واتباعه الذين تصب اعمالهم في خدمة المستعمر”
8) على الارجح يتعلق الامر بكتاب ه.ك. ارمسترونغ ” سلطان الجزيرة العربية: ابن سعود”، باريس 1935
