بقلم نور الدين بوكروح
ترجمة عبد الحميد بن حسان
ما هي العناصر المُهِمّة التي يجب الوقوف عندها ملِياًّ في هذا القسم الأول من حياة مالك بن نبي، والتي تمتدّ مِن سنة 1905 إلى سنة 1930؟ إنه يبدو لنا شابّاً مِن عائلة شريفة رغم ظروفها المادية المتواضعة، إنْ لم نقُل الصعبة. وُلِدَ في مدينة من المدن الداخلية، إذ لم تكن قسنطينة في تلك الفترة إلاّ واحدة منها في بداية القرن العشرين، ثُمّ نشأ بينها وبين مدينة تبسة وتلقّى تعليماً مُخصّصا للأهالي (الأنديجان)، ممّا هيّأه لتولّي وظيفة مُلحقة بالعدالة المختصة بشؤون الأهالي.
وممّا يمكن أن يُلاحظ في سيرته الذاتية أنّ أباه “سعد” المُلقّب بـ “عمر” لم يكُنْ حاضراً بقوّة، على عكس أمّه “زهيرة” المولودة “حواس”، التي كانت امرأةً ذات شخصية قوية، وهي التي كانت تُسيِّرُ شؤون الأسرة رغم عاهتها. فهي حاضرة في كل ثنايا تلك السيرة الذاتية.
لقد كان فضوله الفطريّ ومُلاحظاته والاستنتاجات التي وصل إليها من مُقارناته بين المجتمع الاستعماري والمجتمع المُستعمَر، وكذا التّمييز الذي سُلِّطَ عليه كما سُلِّط على بني جلدته، كل ذلك كان من العوامل الخفية التي دفعته إلى البحث عن تفسير لتلك الحالة. كان يبحث عن ذلك في حياة الناس اليومية، وفي المناقشات، وكذا في الكتب التي يقرؤها.
لقد استيقظ وعيُه في هذه المرحلة عندما رأى الاستعمار في شكل وضْعٍ اجتماعي مُنظّمٍ، وعندما رأى ظاهرة الانحطاط بمختلف صور النظام التقليدي المُستسلم والمُشتت المُحيط به. كانت تتراءى له الفاعلية من جهة، والاستسلام من الجهة المُقابلة. ولمّا راح يُقارن بين المجتمعات الثلاثة (العربية والفرنسية واليهودية) قاده ذلك إلى التفكير في العوامل المُحدِّدة للسلوكيات الاجتماعية التي تُظهِرُ البعض في صورة مجتمع حي ونشيط، وتُظهِرُ البعض الآخر في صورة مجتمع مُحْبَط تنعدم فيه الوحدة وتسود فيه “الأفكار الميّتة”.
ولولا تلك التساؤلات وذلك البحث لكان شأن مالك بن نبي كشأن تلك النخبة القليلة الخارجة من المدارس الفرنسية بشهادات علمية تهيِّئها لشغل مناصب مُعيّنة والمرور على مسار تُسطره الإدارة الاستعمارية. لقد تلقى بن نبي، بل اكتسب ثقافة تؤهِّلُهُ لاحتلال مكانه بين صفوف ما كان يُسمى بـ ”فدرالية المنتخبين الأنديجان الجزائريين” التي تأسست في الجزائر العاصمة سنة 1927، أو بين أعضاء الحركة الإصلاحية التي كان يقودها ابن باديس والطيب العقبي والعربي التبسي والإبراهيمي (1889-1965) وآخرون، والتي ستتخذ اسم “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” سنة 1931.
ومع ذلك فإنّ بن نبي لم ينجذب إلى التيار الأول لأنه متكوّن من “الإدماجيين” المستسلمين للثقافة الغربية، كما أنه لم يجد ما يكفيه مِن التفاهم مع أعضاء التيار الثاني كي ينضم إليهم. وعلى أية حال فملمحُه العام لم يكن مناسباً لذلك التيار لأنه من الصعب تصوّر بن نبي كـ “عالم” من العلماء بالصورة المألوفة. وكان ينتابُهُ إحساس واهي بأن الأوائل يمارسون “البوليتيك”، بينما انبرى الآخرون لضربٍ من النضال الاجتماعي الذي لا غاية له. ورغم هذا فإن بن نبي كان يتفادى وضع التيارين في زمرة واحدة.
لقد كان يجد عند العلماء تلك الأصالة التي افتقدها الإدماجيون. ومما كتبه حول العلماء في كتاب ”شروط النهضة”: “إنّ العلماء، رغم النقائص التي لم يَسْلَمُوا منها، ورغم ذلك الاندفاع الفكري الذي وقعوا فيه، كانوا رواداً للنهضة الإسلامية الحقيقية، وهم يُمثِّلون طاقتَها الحية التي لا تنضب”. إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه من انتقادهم بشدة كما سيتّضح لنا.
وبعدَ هذا العرض الموجز لسيرة بن نبي في مرحلتها الأولى، يتراءى لنا التوجهُ الفكري العام عنده، أو المصادر التي استلهم منها فكره على الأقل. فهو منذ البدء يبدو لنا في ملتقى الطرق بين الفكر الإسلاميّ والفكر الغربي، وهذا ما تسبّب في نبذه مِن كلتا الكُتلتين.
فالإصلاحيون الذين يمكن اعتبارهم عاملاً حاسماً في يقظته هم بلا شك محمد عبده والكواكبي وأحمد رضا وابن خلدون وجبران خليل جبران. ومِن بين هؤلاء مَنْ كان مصدراً استلهم منه توجّهه الفكريّ (نقصد ابن خلدون والكواكبي)، ومِن بينهم مَن أثّر في توجهه الوجداني وفي أسلوبه (نقصد جبران خليل جبران). أمّا الغربيون، فمِن بينهم مَن أيقظ إحساسه وعواطفه (مثل لوتي وفارير وهيجو ولامارتين)، ومِن بينهم مَنْ يَدِين لهم بأثرهم فيه عندما سينكب على دراسة مشكلة الأفكار مثل جون ديوي (John Dewey) وكاندياك Condillac)).
وبالإضافة إلى هؤلاء الأعلام ينبغي ألاّ ننسى طاغور (Tagore) والأفق الذي فتحه له، والذي سينكبّ بن نبي على تعميقه لاحقاً بفضل احتكاكه بغاندي واهتمامه برسالة “ساتياغراها)”(Satyagraha. ومهما يكن، فإنّ الهندوسية كانت في مركز اهتماماته، وهذا ما دفع به إلى البحث عن القواسم المشتركة بين أقدم الديانات، وهي الهندوسية، وأحدثها، وهي الإسلام، وذلك في إطار النظرية التي اقترحها حول “النزعة الأفروآسيوية”( L’afro-asiatisme ).
لمْ يُشِرْ بن نبي في سيرته الذاتية ولا في كُتبه إلى مواضع تأثره بأيِّ كان، كما أنه لم يذكرْ ما قرأه لغيره. لكننا إذا كُنّا نعرف أعمال الكُتاب الذين ذكرهم أمْكَنَ لنا أن نتبيّن ذلك التأثير وأنْ نرسم تطور إنجازه الفكري بشيءٍ من الدقة. أمّا ما هو مِن إنتاجه هو، وما لا نجده عند غيره من المسلمين في القرن 20، فهو ذلك الدمج وذلك الانسجام والاتساق الذي نجح في تحقيقه بين النفس الإسلامية والعقل الغربي.
وفي آخر هذه المرحلة كان بن نبي في الخامسة والعشرين من عمره، وكان على وعيٍ تامٍّ بهويته، ويُصرح بذلك في مذكراته قائلاً: “كان باستطاعتي منذ تلك الفترة أن أعتبر نفسي ثورياًّ من الناحية السياسية ومُحافظاً من الناحية النفسية… ومع ذلك فإنّ وصفي بأني كنت ثورياًّ محافظاً لا يفي بالصورة الحقيقية لكياني. فالمسألة أكثر تعقيداً. أنا مُرهف الإحساس تُجاه الحدث. أتلقى صدمته بالكامل وبفيضٍ عاطفي يمكن أن أذرف فيه دموعي الحزينة حتى ولو كان الحدث كفيلاً بإسعادي”.
أمّا على الصعيد الاجتماعي فأفكاره “يسارية” لأنه كان طيلة حياته متعاطفا مع بني جلدته الفقراء، فلقد ذاق لفح النار التي يكتوون بها. ولا تكاد تخلو كتاباته من فقرة حول الجزائريّ البطّال الذي ينام خاوي البطن، أو حول الأرملة في شقوتها، أو اليتيم الذي يرتعش من البرد في الشارع…
في الصعيد الفكري يمكن اعتبار أفكاره أفكاراً مُحافظة، كما يصرّح هو بذلك. لكن ما حدود هذه النزعة المُحافظة عنده؟ إنه يؤمن بالله، وهذا واضح، وهو مسلم مُطبق للشعائر، وهذا مفروغ منه، وهو يؤمن بقوة الأفكار ويرى أن الأفكار هي التي تقود العالم، وهذا أمرٌ بيّنٌ. لكن فكره سيكون في مجمله مُراجعة مُعمّقة لما يُسمّى بـ “الثقافة الإسلامية”، وهذا ما لم يكن يقبل فيه بأية مُساومة.
انْتَابَتْهُ الرغبةُ في الكتابة، خاصة وأنه كان قد اختار عنوان الكتاب الذي استهواه حيناً من الوقت. ونحن نعرف كذلك أنه ألّف بعض القصائد الشعرية بالفرنسية بين 1925 و1930، لكننا لا نملك أي أثرٍ لها (1). أمّا في عقله الباطن فلم يَعْقَدْ نيته على الكتابة بعدُ. لم يكن يعرف ماذا سيكون شأنُه، ولا ماذا سيفعل. ومهما يكُنْ فإنّ المُكوِّنات القاعدية التي ستُوجِّه فكره وستحدد مواقفه كانت موجودة في ذاته خلال تلك الفترة. ومِنْ نبوءاته أنّ القرن العشرين سيكون “قرن المرأة واليهود و الدولار” (م.ش.ق).
وخَمْسَ سنوات بعد فشل محاولته الأولى للإقامة بفرنسا بسبب عدم التحضير، ها هو ذا يعقد العزم على مُغادرة الفضاء الاستعماري. كان إصراره على قراره بقدر إصرار جوليان سورال (Julien Sorel) (2) لكن الدافع لم يكن واحداً: فالأول كان يسعى إلى كسب الثروة والتكريم، والثاني كانت مشكلتُهُ مع التاريخ.
إذا كان الشاعر يرى أن “الذهاب هو الموت إلى حدٍّ ما” فإنّ الذهاب عند بن نبي كان من أجل حياة أفضل. وبالفعل، فهو يمضي لِلِقاء مصيره، وكان مصيراً قاسياً. ولقد تكهّن هو بنوعٍ من العلم المُسبق بأنه سيكون كمصير المنبوذين. ولم يكُن يُساوره أيّ شك في أنه سيكون منبوذاً فعلاً.
وفي شهر سبتمبر من سنة 1930 نزل بن نبي في محطة ليون(gare de Lyon) للسكك الحديدية. وكان قد ودّع عائلته منذ أسبوع دون أن يكون قد حدد لوجهته مكاناً مُحدّداً. وعندما كان في شوارع باريس لمدة وجيزة سنة 1925 تذكّر صديقه السوقهراسي الذي جرّب حظه قبله بسنوات والذي عاد من باريس مسلولاً مخذولاً. كان منقبض القلب هذه المرة لأنه لم يكن يجهل ما ينتظر أيّ جزائريّ” أنديجان ” بدون مالٍ كافٍ ولا سندٍ. قادتْهُ رجلاهُ إلى الحيّ المنحوس الذي عاش فيه صديقه، وهو حي سان دوني Saint- Denis واختار فندقاً صغيراً لإقامته.
بدأ يخرج يوميا من أجل اكتشاف “مدينة الأضواء”، وزار متحف الفنون والحرَف، ووقف مُطوّلاً أمام الأبنية الشامخة والصّروح التي صَنَعَتْ شهرةَ تلك العاصمة العظيمة. لم يكن يبدو كأجنبيّ تائه في شوارع عاصمة كبرى بدون هدف، بل كان يبدو بمظهر شاب ذي أفكار مرسومة، باحث عن طريقه وواثق في أعماقه من الثقافة العميقة التي اكتسبها في قسنطينة. إنه هنا من أجل مواصلة دراسته وينوي أن يصير مُحاميا حسب ما نصحه به أبوه.
ووقعت عيناه يوما على هذه اللافتة: “مدرسة اللغات الشرقية”. دخل إلى المؤسسة وسجل نفسه للمشاركة في امتحان الدخول الذي سيُجرى في شهر أكتوبر. وبعد أن نجح في التسجيل اطمأنّتْ نفسه إلى أنه حقّق الغاية التي جاء من أجلها إلى فرنسا. وعاد إلى تجواله في الأحياء الباريسية لعدة أيام، وهو سعيد بالتأمل في الحضارة الفرنسية بكلّ مداها. وجديرٌ بالذكر أنه كان حريصاً على النظام وعلى حسن تسيير نقوده.
في يومٍ مِن الأيام دخل إلى أحد المحلاّت ظاناًّ أنه مطعم مُتواضع، فوجد نفسه في مقرّ “الاتحاد المسيحي للشباب الباريسي “l’Union chrétienne des jeunes gens de Paris(3) حيث يوجد بالفعل مطعم بأسعار معقولة. وأكّد له الشخص الذي جاء لاستقباله أن لائحة الأسعار التي رآها في المدخل هي فعلاً لائحة مطعم الجمعية، ورحب به في المكان. ثُمّ أتاحوا له زيارة قاعة المحاضرات والمكتبة وقاعة الرياضة، إلخ. كانت المؤسسة تحت إدارة السيد هنري نازال Henri Nazelle ويرتادها الطلبة، كما كان يُسمّيها المتعوّدون على التواجد بها باسم République de Trévise ، وهو اسم الشارع الذي تقع فيه في الرقم 14 من الدائرة التاسعة(9e arrrondissement).
وسُرعان ما صار بن نبي يذهب إلى ذلك المكان مُنجذباً بانخفاض أسعار الوجبات والنظافة المثالية. وكان في ذلك فرصة عرّفته ببعض الطلبة الأوروبيين ومكّنتْهُ من استغلال المكتبة. ومن العوامل التي جعلته يتعلّق بتلك المؤسسة المتسامحة والمتحررة لمدة عشر سنوات حسنُ الاستقبال الذي حظيَ به، والاحترام الذي ناله، والتفتح العقلي الذي لاحظه. وسيقول عن كل ذلك في وقتٍ لاحِقٍ: “ ذلك المكان هو الذي تفتّح فيه وعْيي تُجاه كلّ المشاكل التي شغلَتْ حياتي” .
لقد اندمج بسهولة مع هذه الجماعة المتكوِّنة من شبان ذوي أصولٍ مختلفة، وكوّن مجموعة من الأصدقاء منهم مارسلان(Marcellin) وريمون(Raymond) وسانشاز(Sanchez)، وحنوّز(Hanouz)، وهو جزائري مُتنصِّر. ولقد امتدّت تلك العلاقات إلى خارج المؤسسة بفضل صديقه الرّسام روني (René)، ممّا مكّنه مِن اكتشاف حياة العائلات الفرنسية المثقفة والبورجوازية والاطلاع عليها من الداخل.
إنها فرنسا “ الأخرى” و” الحقيقية ”، فرنسا القيم الأخلاقية والروحية، وهي التي ستكشف له عن وجه جديد لم يكن يتصوّر وجوده. وسيكون لهذا الاكتشاف بالغ الأثر في وجهته العقلية. لكنه في الوقت الراهن لم يتجاوز حدود ذلك الشعور اللّطيف ببُعْدِهِ عن الفضاء الاستعماريّ العنصريّ الذي لا يُقيمُ وزناً للجزائري (الأنديجان) مهما تكن رتبته وقيمته. فعلاً، لقد كانت علاقته بهذا الاتحاد سبباً مباشرا في اكتشاف الطريق التي كان يبحث عنها في الظلام الدامس. لمْ يَعُدْ يُحِسّ بأنه مُسافر تائه في عاصمةٍ أسلوبُ حياتِها لا يرحم، ولم يكن غارقاً في الشعور بغربة المدن الكبرى كما يجري لكثير من الناس حتى يؤول مصيرهم إلى الضياع والتهميش.
كانت هويته، التي لم يكن يُخْفيها على أحدٍ، تحظى بالاحترام والقبول بوصفها عنصر إثراء داخل الاتحاد الذي كان بن نبي هو أول مسلم يُقْبَلُ فيه بفضل ثقافته. فيجب ألاّ ننسى أنه قرأ الأناجيل في قسنطينة، وأنه ذو ثقافة واسعة في مختلف الأديان. والدليل على هذا أنه لم يكن ليثير إعجاب أعضاء الاتحاد إلاّ بفضل إحدى المناقشات حول كتاب الفيداLes Védas))، مما فتح له أبواب الاتحاد على مصراعيه.
أجرى بن نبي امتحان الدخول إلى مدرسة اللغات الشرقية، ولم يجد أية صعوبة في الإجابة عن الأسئلة، لكنه عندما عاد للاستفسار عن النتائج اتّضح أنه لم يكن ناجحاً. وأكثر من ذلك فإنّ مدير تلك المؤسسة الشهيرة التي درس فيها معظم المستشرقين استدعاه وطلب منه عدم تجديد طلبه.
لم يفهم صاحبنا في الأمر شيئا. وها هو يعيش لحظات انهيار أمله في حيرةٍ من أمره، وهي لحظات أعادت إلى ذهنه تلك الصورة القاتمة التي تركها في تبسة حيث كانت الإدارة توصِد الباب في وجهه كُلّما حاول أن يحصل على شيء. لقد عاوده الشعور بأنه في مأزق واستحوذ على كيانه كُلّيةً. وبما أنه لم يكن له أي خيار فقد اكتفى بتسجيل نفسه لمتابعة دروس في اللغة التركية، لكنه لم يلبث أن تخلّى عن ذلك من أجل متابعة دراسات أكثر فائدة لمستقبله (4).
عاد بن نبي بعد ذلك إلى جولاته في أحياء باريس، وقد قادته هذه المرة إلى جسور نهر السين حيث اكتشف الحيّ اللاّتينيّ وما فيه من باعة الكُتُب. ولم يكن المكان ببعيدٍ عن مقرّ إقامته ولا عن مقر الاتّحاد المسيحيّ. ولقد انجذب إلى السحر الثقافيّ الذي يُميّز هذا الحيّ الشهير. و لم يطُلْ به الوقت حتى وجد الطريق المؤدّية إلى الوسط الطُّلاّبيّ الإسلاميّ، حيث كانت له علاقة صداقة مع العديد من الطلبة. وذلك هو الوسط الذي سيقضي فيه الفترة الباريسية من حياته.
وأحبّ بن نبي”جُدران نُصُبِها، وأحبّ البانتيونPanthéon الذي ينام فيه عباقرة الماضي التّليد، والسوربون والكوليج دوفرانس اللّذيْن يستيقظ فيهما عباقرة الغد” (م.ش.ق). كان يشعر في أعماقه بالإشعاع المنبعث من تلك الحجارة السوداء، وينهمك في قراءة البرامج الجامعية حتى يغرق في تفكير عميق حول الشرخ الواسع بين العالم الإسلاميّ والعالم الغربيّ.
لم يكن بن نبي سائحاً مندهشاً أمام عظمة أماكن مشحونة بعظمة تاريخها، بل كان نفساً مُضطربة تتساءل وتريد الإجابة عن لغز الحضارة الذي سَحَرَهُ منذ الطفولة. لم يكُنْ مُغترباً عابراً وغير آبه بما يحيط به، بل كان فكْراً مُنفتحاً على معاني الأشياء، متسائلاً ومُتأثّراً أمام “ المشهد العجيب للحضارة”.
الطلبة السوريون والمصريون والمغاربة الذين تعرّف عليهم يبدو عليهم أنهم يعيشون في أوطانهم، وهُمْ يقضون أسعد الأيام وأبهجها في راحة وهدوءٍ تامّيْن. أمّا هو فلمْ يكُنْ باستطاعته أنْ يمتنع عن صياغة ”مُقارنة تحصيلية بين الحضارتين” كما صاغها قبله جبران خليل جبران عندما أقام في باريس وأسرّ بذلك في مذكراته غير المنشورة(5): “كُنتُ أجد كثيراً من الهوان عندما أحسّ بمدى تأخُّرِنا. لكنني لم أكن أرى أيّ طالبٍ ينظر إلى هذه الاعتبارات، وكُنتُ لذلك أشعر بأسف أشدّ (6).”
اقترح عليه صديقه الرّسام أن يترشح في مدرسة TSF المركزية حيث سجل نفسه فعلاً. واضطُرّ لتغيير مكان إقامته لكي يكون قريباً من المدرسة في شارع rue de la Lune وباشر دراسته. لقد أعجبه الفضاء العلمي في ورشات العمل والمخابر، وكان يجد راحة تامة في تعاطيه مع العلوم الدقيقة وما تمتاز به من دقة وقواعد وصرامة.
تحوّل مالك بن نبي إلى عامل مُجتهدٍ مُنكبٍّ على رفع مستواه العلميّ. راح يتشبع بالرياضيات والفيزياء والكيمياء والميكانيك… وهذا ما مكّنه من اكتساب “روح النظام” الذي يعني: المنطق، والاستدلال الخطابي، والولع بالدقة، والمصطلح الدقيق… و اكتشف “عالماً جديداً يخضع فيه كلّ شيء للقياس، حيث تُمثل الدقة والملاحظة والعمل أهمّ السِّمات”.
وكان ذلك كله مما أحدث تغييرا جذرياًّ في الأفكار التي جاء بها إلى فرنسا: “لم أعُدْ أحلُمُ بما هو بعيد أو بشهادةٍ أو بمقام محترم. صرتُ لا أحلم إلاّ بالعلم. صحيح أن المدرسة (في قسنطينة) كان لها بالغ الأثر في شخصيتي، لكنها لمْ تُحدد لي أية وجهة. كُنتُ مُلزماً باكتساب المعرفة وبالتعلّم في إطار الجهل والانحطاط الذي كُنتُ أشاهده في بلدي وفي العالم الإسلاميّ كلّه”(م.ش.قll).
راح عقله يستوعب الروابط الموجودة بين المواد التي يدرسها في المدرسة وبين القيم الاجتماعية التي تقف وراء سلوكات الناس في حياتهم اليومية. و كان في كل سبت يذهب للقاء أصدقائه في الاتحاد المسيحيّ حيث كانت تُنظّمُ مُحاضرات ومناقشات حول مختلف الأفكار. بدأ يتشجع وينظر إلى المستقبل بعينٍ مُتفائلةٍ وراح يُخطط للمستحيل. (يتبع)
المراجع:
1) جاء في مذكرات بن نبي أنه التقى بأحد أقاربه (علي بن أحمد) في عنابة قُبيل سفره إلى فرنسا للمرة الثانية سنة 1930، وقرأ عليه قصيدة شعرية ألّفها في الحين، وعنوانها “الوداع”
2) هو الشخصية المركزية في رواية ستاندال Stendhal التي عنوانها “الأحمر والأسود” Le rouge et le noir ).
3) لا تزال هذه المنظمة غير الحكومية موجودة في عدة بلدان في شكل فصائل مُجمّعة في إطار ما يُسمى (Alliance universelle des UCJG)). وهي تنشط في تنفيذ البرامج التنموية “في إطار احترام المعتقدات الدينية لجميع أعضائها وقدرتها على منح فرص العمل لأفراد من مختلف الديانات في المناطق التي فيها مصالح مشتركة”.
4) نشر أحد المثقفين اللبنانيين، وهو إبراهيم عسي، نص الحوار الذي أجري مع بن نبي سنة 1973، حيث جاء في إجابته عن بعض الأسئلة: “حاولتُ أنْ أدرس الحقوق سنة 1930 في معهد الدراسات الشرقية بباريس كي أصير مُحاميا، لكنني أُقْصيتُ منه لاعتبارات سياسية استعمارية. فكوني جزائريا مسلماً كان سببا كافياً لطردي” (ارجع الى ” آخر حوار مع مالك بن نبي: شهادة و استشراف” منشورات الفرقان، الجزائر العاصمة 2003).
5) مرجعنا فيما سبق ذكره هو الجزء الأول من كتاب “مذكرات شاهد على القرن: الطفل Mémoires d’un témoin du siècle : l’Enfant ” والذي يُغطي الفترة الممتدة من 1905 إلى 1930. أمّا فيما سيأتي من فصول فسنعتمد على الجزء الثاني من المذكرات في نسختها العربية التي ظهرت سنة 1970 تحت عنوان ”الطالب”، وعلى مخطوط غير منشور تحت عنوان “العفن” ( Pourritures ) والذي يغطي الفترة الممتدة من 1930 إلى 1954 من حياة بن نبي، وهذا ما سنُشيرُ إليه بهذا العنوان: “مذكرات غير منشورة Mémoires inédits ” كُلَّما اقتضتْ الحاجة.
6) أقام هذا الفيلسوف الشاعر والرسام اللبناني، مثل بن نبي، في الحي اللاّتيني سنة 1908، وعاش في فقر مُدْقِعٍ. كان يهوى أن يذرع جسور نهر السين وأن يتنزه بين الكتب التي يعرضها العارضون هناك. كان يحب كتب نيتشه وتولستوي. وبعد سنتين من إقامته في باريس قرّر جبران خليل جبران السفر إلى الولايات المتحدة مكسور الوجدان. وسيكتب عن ذلك لاحقاً: “سُعداء هُم الذين يكسبون مأوى في باريس ! و سعداء هم الذين يذرعون ضفاف السين ويُحملقون في الكتب القديمة والرسوم القديمة… باريس، مسرح الفنون والأفكار، ومصدر إلهام و أحلام. لقد وُلِدْتُ مرةً ثانية في باريس، وفيها أحلم أن أقضي بقية حياتي… ولو أسعفني الحظ وكانت لي ثروة سأعود إلى باريس لأُشبِعَ قلبي الجائع وأُروي نفسي العطْشى…”. توفي جبران في نيويورك سنة 1931 أشهراً قليلة بعد وصول بن نبي إلى باريس.
