ترجمة ساعي عايـــدة
يجب إعادة بناء الجزائر يوماً ما، لأنها بُنيت بشكل خاطئ عند نقطة الانطلاق. لا نعرف متى بالضبط ولا الثمن الذي سندفعه لكن يجب أن يُعاد كل شيءٍ تقريبا. ولأن الأضرار الكبرى تكمن في تصور وذهنيةوأفكار الجزائريين، فالبداية لابد أن تكون منها بالضرورة.
لكن قبل ذلك لابد من الإجابة على سؤال جوهريّ: هل يريد هذا البلد، شعبٌ ودولة، أن يصبح يوما ما أمة؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، فليس ما يحدث حاليا هو الطريقة الأمثل لتحقيق ذلك،لذا من المستعجل أن نغير النظرة ومنفذيها. أما إن كان الجواب بالنفي، فيجب ترك الأمور تسير على ما هي عليه إلى أن يأتي اليوم الذي نجد فيه أنفسنا تحت رحمة قانون جديد للأهالي (الأنديجينا)”، يفرضه علينا “أبناء جلدتنا”، أو الأجانب، أو على الأرجح، يُتفق عليه بين الاثنين.
لا بد أن نعرف الحقيقة وبشكل قاطع: هل نحن شعب مصنوع لأن يكون مُستعمرا في وطنه كما كان عليه على مدى قرون، أو مشردا لدى الغير كما هو حال ربع الجزائريين تقريبا، والبقيّة التي لم تستطع ذلك تتحين دوما فرصتها.
أمة مزيفة هي أمة ترعرعت على أفكار خاطئة، أو سُلّمت خلال تقلبات تاريخها إلى مسيرين يجهلون”الخيمياء” (l’alchimie) التي تصنع وتحفظالأمم، بما في ذلك أهميّة القيم الأخلاقيّة والاجتماعية في تسيير الدولة والتي بدونها تصبح هذه الأخيرة في حد ذاتها عائقا لبناء أمة حقيقية. هذا الجهل الواضح تعكسه صور الرجال الذين يسيروننا حاليا من خلال تقاسيم وجوههم أو بين ثنايا طرحهم.
تمثل الجزائر الحالية مثالا حيّا لدولة خاضعة لحاجات” نظام” متآكل بكل أشكال الشرور، لا يُعتبر العائق الأكبر لقيام أمة دائمة فقط، بل المخرب اللاواعي أو المتعمّد للمكونات التي تم تجميعها أصلا في عجالة ولكي تعطيها صورة الأمة للناظر إليها من بعيد.
مع كل الإمكانات الاقتصادية التي نمتلكها وعزة النفس أو”النيف” الكبير الذي يميزنا، فنحن لا نحتل سوى ذيل الترتيب في التصنيفات العالمية ما عدا تلك المتعلقة بالفساد والحياة المتردية. ماذا سنفعل يا ترى عندما يتخلى عنا البترول؟ ببساطة سنجد أنفسنا خارج كل تصنيف.
ما بُني على باطل لا يملك إلاّ أن ينهار بفعل مساوئه. لم يصل هذا اليوم بعد رغم كل ما نعيش ونرى، لكنه آت لا محالة، وسيحمل معه كل شيء في زوابعه العدمية والانتقامية: الحسن والسيئ، البريء والمجرم، الكبير والصغير، المصلي وتارك الصلاة، الدولة المزيفة وشبه الأمة.
أعرف جيد كما يعرف الجميع أن هذا الشعب حارب سبع سنوات ضد قوة استعمارية وأنه ضحى بعدد كبير من أبنائه ليحصل على استقلاله، لكن في النهاية ماذا فعل به؟ لقد وضع وطنه في يد عصبة من الجهالة واللصوص متنكرين في زيّ حكّام، رؤساء أحزاب، ثكنوقراط ورجال أعمال وهم يعملون على تخريبه أخلاقيا واقتصاديا كما لو أنّهم يُحَضرون أرضية “قانون الأهالي” المقبل.
أيّهما عليه بناء الآخر، الدولة أم الأمة؟ عَلّمَنا التاريخ أن مجموعة أفراد اجتمعوا تحت تأثير قواسم طبيعية (عائلية، جغرافية) لتشكيل أولى التجمعات الإنسانية.هذه القواسم المشتركة تطورت على مرّ الزمن مع نمو الذكاء الإنساني و التجارب الاجتماعية، تم تبلورت في منظومة قيَم ( القوانين، الدساتير السياسية، فلسفات الحياة) و توسعت دائرة التجمع تدريجيا إلى أن صارت فضاءات للحضارة ومجتمعات متمدنة تعمل على كل ما فيه خير و ديمومة الأمم.
تفاعل الأفراد مع القيم التي تحركهم هو ما يُنتج أشكال الدولة الملائمة لمعطيات الراهن والمتجهة نحو الكمال. الأمة هي الجمع المتناسق بين الشعب و الجهاز (الدولة) الذي يعمل على تسيير شؤون المجتمع في شفافية و أوسع توافق ممكن: التربية، العدالة، الاقتصاد، الصحةالعمومية، المرور، الدفاع ضد التهديدات الخارجية…
للجزائر خصوصية أنها ورثت دولة جاهزة من القوة المحتلة القديمة والتي كانت تعمل على خدمة مصالح الفرنسيين في الجزائر من خلال إدارة كُفئة وفعّالة. لكن سرعان ما تدهورت إلى مقر عام(QG) لسلطة يتنازع عليه مجموعات تتفق، حسب الظروف، على توزيع تلك السلطة أو تتصارع على إعادة توزيعها.
فقد جُرّدت هذه الدولة من قيمها الأصليّة لكيلا تجسد سوى مصالح مجموعات صغيرة وحَّدها التواطؤ والتستر على هامش الثورة التحريرية. كان أولئك الذين قدموا الأقل من أجل الثورة أكثر المستفيدين منها، ويمثلون بذلك حالات الثراء بغير سبب بالمعنى المزدوج للكلمة (لا سبب للثراء ولا لحمل قضية).
لا تحتاج الدولة الموازية التي نتجت عن ذلك للأمة بل تكتفي بحقول البترول والغاز وحوالي مائة ألف شخص لاستغلالهم وكذا لأسلاك أمن لحمايتها من الخطر الذي يمثله العدد الهائل من الشعب “الساذج” الذي تتمنى أن تتخلص منه. لهذا، و منذ 5 جويلية 1962، يتأكد انقسام واضح و تباين صارخ بين مصالح هذه الدولة و هذا الشعب، و يشهد عليه انعدام تفاهم متبادل لا يمكن تجاوزه.لا تجسد الدولة الأمة ، و يلعب الشعب لعبة القط و الفأر مع “البايلك” أو “الطاغوت” على حسب وجهة النظر، اللائكية أو الثيوقراطية .
لا أعلم، بمناسبة فضيحة الباكالوريا الأخيرة، من تبادر إلى ذهنه لأول وهلة وصل الرابط بين الغش “الكبير” و” الصغير” في وطننا، بمعنى غش الحاكم و المحكوم (اللفظ الأنسب بدلا من “الدولة”و”المواطن” الذي لا يصلح توظيفه في حالتنا). لقد كشف هذا الربط عن ذكاء يستحق التوقف عنده لأننا نملك دائما موهبة إغراق معاني الأشياء في محيط من الأكاذيب لـ”حفظ ماء الوجه”. من قام بذلك فقد استخلص الخاص من العام، المقرر منذ زمن، أو أنه قرأ العام من خاص متكرر، والأمر سيّان.
كان من الطبيعي في بلد “الزعماء” المزيفين، و “العلماء” المزيفين و الوطنيين المزيفين أثناء الاستعمار أن ينتشر المجاهدون و الاشتراكيون المزيفون، وفي زمن التعددية و الليبرالية الاقتصادية الأحزاب المزيفة، المنتخبون والأثرياء المزيفون، وفي زمن الشعوذة الأمراء المجرمون و”رجال الدين” المحتالون.
كما نجح القناصة ذووا اللغة الركيكة والمكسرة في أخذ زمام قيادة الثورة بعدما إغتالوا أو نفوا من أشعلوا فتيلها، إذن فمن طبيعة الأشياء أن يسلك خلفاؤهم نفس الطريق في الاستيلاء على الدولة والاقتصاد.
في جزائر اليوم، لا يمكن العيش دون غش، كذب، احتيال،سرقة،تقديم أو أخذ رشوة. تقريبا كل المسؤولين متورطون في قضايا جنائية، يحتل السوقيون والجهلة واجهة المشهد، ويعمل أولئك الذين وصلوا إلى السلطة عن طريق التزوير والخديعة على ترك الأمر لحثالة الأمة. عفوا، العبارة كانت ستكون مقبولة لو كنا أمة،من الأصح القول:” النخبة المزيفة في الأمة المزيفة “.
لم يكن للجزائر رئيس حقيقي أبدا، فلم يمتلك كل من تقلدوا هذه المسؤولية المستوى الفكري أو تجربة الحياة أو الثقافة… كانوا أفرادا مجردين من كل شيء، وصلوا للقيادة متذرعين بشعار الثورة أو من خلال لعبة حسابات، نظرة قاصرة أو توافق المصالح الفئوية، فصاروا نماذج حيّة لخلفاء منذ الولادة غشاشين بطبيعتهم.
فيما يمكن أن نعتبر الغش في الباكالوريا أخطر من الغش في الدستور؟ تأسيس أحزاب مزيفة والتلاعب في صناديق الاقتراع؟ألن تُزوّر الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة ككل التي سبقتها منذ الاستقلال؟
غَشَّ الأولاد في الباكالوريا كما غش الآباء والأجداد في ثورة الفاتح من نوفمبر، في الديمقراطية والتلاعب بالإسلام…الغشاشون هم من نجحوا،” الماكرون” هم من نجوا وفصيلة”جحا” هي من كسبت الرهان. الجاهلون الذين لا يخنقهم وخز الضمير تقدموا، “زدموا”، في حين الشرفاء الذين يرتعشون من الخوف أمام الابتذال و الإجرام انسحبوا،”وخّروا” .
لماذا لا تفعل الأجيال المكونة في مدارس الغش وتوظيف الباطل نفس الشيء على اعتبار أنها لم ترَ سواه؟ فقد تربت في كنف“القفازة” و “الشطارة” ولم تتعلم احترام قواعد الحياة الاجتماعية، أجيال لم تعرف أصلا ماهية هذه الأخيرة، هم يشعرون أن لديهم كامل الحق لاستعمال مبرر أنّ من سبقوهم فعلوا أسوء منهم، فهم يقرؤونه ويسمعون عنه كل يوم.
الباكالوريا، الدراسة، الاستحقاق، النظام، احترام الآخرين والقوانين، كل هذه المعاني بالنسبة لهم هي الوصفة المثالية لتجعل من أي كان مجرد أحمق،ضحية، حقيروفقير في حيّ للاجئين رغم حيازته على الدكتوراه.
نحن عالقون في فخ كبير تسحبه سفينة تحمل اسم “التاريخ”. لقد حُمِلنا صدفة في شبكته، نحاول الخلاص لكن عبثا. لقد وُجدنا وسنموت من أجل لا شيء، دون أن نقدم شيئا للإنسانية، اللهم إلاّ التعصب الديني ومُلازمُه“الإرهاب” خلال العقود الأخيرة. يمكننا، إن أردنا، عدَّ الجزائريين المشاركين في أعمال “جهاد” وأولئكالذين نالوا جوائز في كل المجالات مجتمعة: رياضة، غناء، أدب، علوم…
لقد عوّلوا لـ “تأمين” الباكالوريا على الدرك والشرطة، لكن ماذا كان بإمكانهم أن يفعلوا؟ يجب 40 مليون دركي وشرطي ليمنعوا 40 مليون جزائري من عمل الشر في كل الميادين، وبنفس الطريقة نرمي للـ” العدالة” السلوك السيء لهذا أو ذاك و كأنه بإمكان بضعة آلاف قاض أن يحلوا مشاكل 40 مليون جزائري تأذوا من 40 مليون جزائري.
نرى حياتنا الوطنية مجسدة في حركة المرور لدينا، والتي تُعتبر مرآة عاكسة لحقيقتنا. فلنتأمل فقط كيف تنتظم هذه الحركة و كيف يحدث التجاوز على سبيل المثال،لا نتجاوز بمعنى “السبق” على اليسار، لكن ” غدر” الغير بمفاجأتهم على اليمين ، نعرضهم للخطر فقط لنظهر لهم الاحتقار و أنهم لا يمكن أن يفعلوا ما فكرنا نحن فيه.
ما الذي نكسبه من تصرف كهذا؟ متعة” تجاوز” الآخرين، ترويعهم، كي نظهر أننا لا نريد تطبيق قوانين اخترعتها الدول الذكية لتنظيم العلاقات بينها، لتسهيلها وتليينها نحو الصالح العام دائما.
ثلاث و ثلاثون قتيلا في حادث واحد، حصيلة وضعها التدين الجاهل و المثير للإشمئزاز سريعا على عاتق الله الذي اصطفاهم من بين كثيرين ليدخلهم فسيح جناته، في حين أنهم ضحايا الوقاحة و اللإنتباه وعدم احترام قوانين المرور.نفس الشيء إذا كان هناك طابور في زحمة ما: نحاول دائما التسلل كي لا ننتظر، متجاهلين بهذه الصورة وجود الآخرين، لا نحسبهم من بين الأحياء ،نعتبرهم كخيالات شفافة أو مجرد عدم.
يكفي بضعة ألاف شخص سواء كانوا مسيّرين سيئين، سائقين متهورين أو إرهابيين، ليلوّثوا الحياة في بلد سكانه يُعدّون بعشرات الملايين، كما يرعب قطيع من الذئاب منطقة بكاملها ويفرض عليها حضر التجول.
لماذا لا نتحدث عن القطار الذي يأتي في التوقيت المناسب، ولانتوقف عن الحديث عن ذلك الذي يأتي متأخرا؟ لأن كل الجزائريين وباستمرار، متأخرون. نحن أمة مزيفة، نفتخر بذلك،ونعتقده أمرا جيدا، نحن “مصنوعون هكذا”، ولا نتطلع إلى أن نصبح أمة حقيقية لأن الأمر صعب جدا بالنسبة لنا. أقصد خاصة بالنسبة لمسيرينا الجهلة منذ 1962.
(“لوسواردالجيري” 09 جوان 2016)
(موقع “الجزائر اليوم“ 09 جوان 2016)
(جريدة “الحوار“ الجزائرية 02 فيفري 2017)
