ترجمة ساعي عايـــدة
وُلد النظام السياسي الذي حكمنا إلى وقت قريب خارج حدود الجزائر المكافحة سنوات قبل الاستقلال.هو نموذج لسلطة مزدوجة خاصة بالجزائر، تستند على تعايش بين قطبين أحدهما عسكري ثابت اشتُهر بصعوبة قسمته والثاني مدنيّ متغير هش لا يستند على قوة اجتماعية أو سياسية حقيقية. يمثل الأول حقيقة السلطة بينما الثاني هو وجهها الظاهر، وما يربط بين الاثنين يشبه ما يربط مالكا بمستأجره.
تكمن خاصية هذا النظام الأساسية في كونه تشكل في ظروف تاريخية ميزها غياب كلي للمجتمع الجزائري. كان الجزائريون قبل وأثناء ثورة نوفمبر المجيدة رعايا مستعمرين وليس فاعلين في حياة وطنية لا يمكن تصورها حينها، لكونهم رجالا ونساء غرباء في وطنهم لا مواطنون ذووا سيادة، واعون بواجباتهم وحقوقهم، لاسيما السياسية منها. لقد عاشوا خارج أُطر المواطنة ومعاييرالجمهورية لفترة طويلة في تاريخهم، مما جعلهم يجهلون هذه القيم وكيفية دمجهما في تصرفاتهم الفردية وتجسيدها في حياتهم الجماعية.
لا يمثل مفهومي “الشعب” و “المجتمع” الشيء ذاته، برغم المظاهر والخطابات الديماغوجية. فمن السهل للغاية الإعلان عن قيام دولة، في حين يصعب كثيرا بناء مجتمع متجانس، مؤدب، متنور، مسؤول، خاصة عندما يكون المنطلق مجرد غبار أفراد توحّدهم مشاعر انتماء ديني أفرزته قرون عديدة من الانحطاط والاستعمار، وتحكمهم مصالح عتيقة لا اجتماعية في علاقتهم اليومية.
“النظام” هو السبب الرئيسي في تشويه و تحريف سير المؤسسات المدنية و العسكرية ، في تبديد آلاف الملايير من الدولارات، في فساد الدولة ، في تزييف الحياة السياسية، في تخريب القيم الأخلاقية للوطن، في الاغتيالات أثناء الثورة، في مجازر الأيام الأولى من الاستقلال و أخيرا في الأحداث التي قادت البلاد للعشرية السوداء.
نال النظام القنصلي – أو الثنائي- من الحكومة الجزائرية المؤقتة، ثم من كل من بن بلة والشادلي وبوضياف و زروال، أي من أولئك الذين، بعدما انتموا إليه أو استفادوا منه، أرادوا في يوم من الأيام، لدافع أو لأخر، من اجل مصلحة الوطن أو الأكثر تأكيدا مصالحهم هم، إنهاء هذا النظام المؤسس على توزيع سلطة القرار فيه بين قطبين بشريين (كما كان الحال في روما العتيقة) أو ثلاث (كتلك التي أعقبت الثورة الفرنسية).
يغيب عن قائمة الرجال الذين ترأسوا و قادوا مصير الجزائر منذ 1962 اسمين:اسم بومدين، الأب المؤسس للـ”النظام” ، و بوتفليقة الذي لم يتوقف يوما عن الإعلان انه “وريثه الطبيعي” و أن السلطة كان من المفترض أن تسند إليه لولا أن “الأجهزة” لم تعترض مصيره، الأمر الذي كان سببا في ضياع عشرين سنة من حياته خارج “النظام”.هذين الاسمين هما ألفا و اوميقا – أي بداية و نهاية – “النظام”، احدهما كان السند و الثاني عاقبة الاستبداد الجزائري.
كانت للوجوه البارزة في واجهة السلطة اليوم (بوتفليقةوقايدصالح) والتي كان فيها إلى فترة وجيزة (الجنرال توفيق)، مكانة إلى حد ما في “النظام” في نهاية خمسينيات القرن الماضي، مع مكانة أكثر رفعة لبوتفليقة نظرا لموقعه كرجل ثقة بالنسبة لبومدين. أما في الفترات الأخيرة، لعبت الأسماء المذكورة دور البطولة في صراع نهاية العمر، والذي انتهى بعزل الأخير(توفيق) من طرف الأولين، و بهذا انتصر لأول مرة “المتغير”على“الثابت” لأنه وجد الوسيلة لكسر وحدة هذا الأخير، وتمثلت في استخدام هيئة الأركان العامة ضد المخابرات، ومع انشقاق الذرة بنجاح انطلقت طاقة تدميرية هائلة.
نتيجة لاختلافات غير معروفة أو “خيانة” على حد تعبير سعيداني مؤخرا، تفكك “النظام”،: حول العهدة الرابعة، ملفات الفساد، خلافة السلطة، الدستور أو السياسة الخارجية ،لا أحد يعرف. وعليه، فان ” نظام الحكم القنصلي” سيكون قد مات مع طرد قنصل لآخر كما فعل نابليون عندما أعلن نفسه قنصلا مدى الحياة سنة 1802 ثم امبراطورا سنتين بعد ذلك.
من الواضح أن “النظام” يعيش مرحلة حاسمة من وجوده، والتييمكن أن توقع نهايته أو استمرار يته بوجوه جديدة، لفترة اقل مما سبق لكنها على الأرجح ستكون الأخيرة. أخيرة بمعنى، مع أو بدون المحروقات، سيغرق الوطن بسبب تراكم آثار العشائرية، الفساد الذي أصبح معيارا للوصول إلى السلطة، تسيير المال القذر للدولة والاستفزازات المستمرة لنفسية الشعب.
الحال في ذلك يشبه الكوكب في نهاية حياته عندما ينفجر إلى نيازك صغيرة تنجذب حولها مجموعة جسيمات بأحجام مختلفة وعدد كبير من الجزيئات في حركية تراكمية يتولد من خلالها نجم جديد، في” النظام” الذي سيفرض قوة جاذبيته على الآخرين.
في النظام الكوني تتنازع الصخور الكبيرة مع غبار الجزئيات من خلال لعبة قوة الجاذبية للوصول إلى الكتلة اللازمة “للبقاء على قيد الحياة”.أما في النظام الإنساني فالمصالح المادية و الاجتماعية، الذاتية و السياسية، هي التي تمثل قوة الجاذبية : تُشترى الذمم، الولاءات ،الأصوات الانتخابية ،المقاعد البرلمانية التي تقود إلى المناصب الوزارية أو أعلى من ذلك.
أي نظام سياسي سيخرج من جزائر ما بعد جيل نوفمبر وتفكيكالنظام القديم؟ سيكون نظاما جديدا ببقايا وطباع النظام السابق السيئة، كما كان الحال عندما خلف الاستبداد الأهلي الاستعمار الخارجي.
كان بومدين يكرر في خطاباته تخوفه من أن تصل “البرجوازية العميلة” إلى سدة الحكم والتي ستكون عديمة الشفقة إلى أقصى درجة، وأكثر من الاحتلال الخارجي، مع أغلبية الجزائريين. هذا ما نعيشه بالضبط، وفيعهد” الوريث الطبيعي”. اخذ الخطر مكانته بأن صار حقيقة جلية، ملموسة، رنانةومترنحة: هناك في الجزائر المستقلة ميلياردرات مئة مرة أكثر مقارنة مع عهد الاستعمار الذي دام مائة وثلاثين سنة. صار اليوم من ألثمي و مناوشي فقراء الجزائر القدامى من هو أغنى من بورجو Borgeaudو فور Faure مجتمعين، في حين لم يجمع أي مستوطن ثروته في سنوات قليلة بالأسلوب الآلي الخفي الذي سمحت به امتيازات الصفقات العمومية .
إذا لم يمتلك المستوطنون الأثرياء سوى جرائد، فان من تلوُهم من جزائريين امتلكوا قنوات تلفزيونية، أحزابا سياسية ومقاعد في البرلمان. هم يتطلعون إلى التسلط على حياة وفكر “الأهالي”، الصورة التي ينظرون بها للجزائريين. معيارهم الوحيد في تقدير القيمة الإنسانية واحترام الآخر هو كمية الأموال المعروضة في داخل الوطن وتلك المخبأة في الخارج.
نحن نعرف ميزات وعيوب النظام القديم. فماذا ستكون يا ترى تلك المتعلقة بالنظام المستقبلي الذي يصنع مكانه حاليا بلمسات صغيرة، نظام يستند على المحاباة، الولاء غير المشروط، الفسادوالنهب؟ كل علامات الطفل غير الشرعي والضالللـ” النظامالقديم” بادية عليه، و بهذا يؤكد من جديد غياب “مجتمع” في الجزائر، والذي لو وُجد لكان بإمكانه أن يعرقل تقدمه نحو الاستيلاء المطلق على السلطة، السياسية الاقتصادية و الأخلاقية. لقد لاحظ أن الجزائريين بقوا على حالهم، كائنات حساسة لكل عاطفة دينية دجالة، وسحابة جزيئات مستعدة مجددا للانجذاب حول النواة الأكثر جاذبية.
نحن مرة أخرى أمام منطق الاختيار بين السيئ والأسوأ الذي عرضته في كتاب لي سنة 1997. بدت لي، آنذاك، الاسلاموية كمرادف للاسوأ. اليوم تولت الاوليغارشيا الإمساك بزمام مراقبة البلد. الأسوأ من الأسوأ لدى الأسوأ هو أن أصبح يُنظر للاستعمار على انه أفضل من نظام الحكم الذي بدأ يلوح في أُفقنا.عكس كلّ من المحتل الأجنبي أو المستبد المحلي القيم كي يضيعنا، فلا يوجد ما هو أفضل من عكس القيم، من الرعاعة كإستراتيجية تمهيدية لقتل وطن أو الحيلولة دون تقويته و توطيد دعائمه.
منذ الاستقلال، لطالما كانت مخرجات ومشتقات” النظام” فيما يتعلق بحقوق الإنسان والحريات العامة (حرية التفكير والتعبير، الانتخاب، النضال، المعارضة، البحث والتبليغ عن الإضرار بالمال العام…) حقيقية ومتعددة الجوانب. تداخلاتها في المؤسسات والاقتصاد كانت يومية ومجحفة في حق الصالح العام. ضغوطاتها المتواصلة ضد النشاط المستقل للعدالة تسببت في العديد من المظالم والتجاوزات. كل هذا معروف، مرفوض، ولابد أن يُصحح وتُعوض ضحاياه.
كنا سنكون سعداء جدا لو أعلمنا بنهاية” نظام” مضر كهذا ومجيء نظام حكم سليم، شرعي، قانوني، ديمقراطي، يعمل لمصلحة البلد ويساهم بجدية في بناء دولة “مدنية” حقيقية. لكن هل هذا فعلا ما ينتظرنا؟ كل الأمور تدعونا للشك عندما نرى من يتولى الإعلان عن ذلك ويبشرنا بعهد “جديد”: أفراد ليس لهم مكان لا في الفكر السياسي ولا في ممارسته، لا في الأعمال ولافي مؤسسات الدولة، لكن مكانهم الأفضل كان سيكون في السجن لو كانت هناك عدالة. رجال خدموا من سقطوا عن السلطة بالأمس بنفس المراعاة المفرطة التي يخدمون بها سادة اليوم، وسيظهرون نحوهم نفس الشراسة التي يهينون بها “رب الدزاي” أو آخرين قبله.
خلف الثرثرة المنحطة التي نشاهدها و نسمعها اليوم يلمسالجميع حالة انعدام القيم، الخديعة و الكذب… “النظام” القديم هو الذي افرز هذه العينات التي انقلبت ضده ليس لمثاليتها بل لسفالتها.لم يكن بإمكانه أن يعين حلفاء مؤتمنين لممارسة عمله الحقير إلاّ من فصيلة رجاله من الجاهلين ،المتشردين و الخانعين. من العدل أن يكون وقت القصاص قد حان، اليوم، ليكون بدوره ضحية.
إذا كان التغيير يرمي إلى الانتقال من أوتوقراطي إلى اوليغارشي، من صانع الرؤساء إلى صانع لصوص سوقيين، من رجال أعمال مشبوهين في جبهة إلى نظرائهم في الجبهة المضادة، أين مصلحة البلد، مصلحة أبنائنا ومستقبلهم؟ لماذا نغتبط لهذا التغيير؟ ما هي الأسباب التي تجعلنا نصدق “المنتصرين” إذا ما نظرنا إلى ماضيهم، حاضرهم، مسيرتهم، رداءتهم، سوقيتهم وانعدام كفاءتهم؟
كان النظام القديم يغلف نفسه في برنوس الوطنية المزعومة وفي خطابديماغوجي لمخادعة “شعب الدوار” الذي كنّا على عقليته، لإخفاء جهل الفاعلين فيه، عقدة الحرمان لديهم، تعطشهم للسلطة ورغبتهم في تحصيل الثروة. ولا يمتلك نظام الحكم الذي يرتسم ليحل محله أي ايديولوجية، أو خطاب متناسق، ولا مشروع مجتمع، كما لا يقترح قيّما خارج البرنوس نفسه وبعض الصيغ الصنمية الموجهة لنفس شعب الدوار لكن بذهنية تعود إلى عشرينيات القرن الماضي.
هرم الباشاغات، أميّة القياد، انقياد المساعدين الإداريين، وهن رؤساء القبائل وأشباه شيوخ الزوايا، تم تفعيل كل عيوب الحقبة الاستعمارية هذه وشوائب الشعوذة، بعثها، نفض الغبار عليها لاستعمالها من اجل إعادة روح الدوار من جديد.
لم تعد تقتضي الحاجة للبحث عن مزيد من الشروحات التي كانت تنقصنا لفهم ماضي شعب استُغل عدة مرات بأشكال مختلفة من الاحتلال في تاريخه المنصرم بل هي في حاضره، في واقعه، يمكن قراءتها بسهولة. لا داعي للبحث في كتب التاريخ، فهي تطفو على السطح أمام ناظرينا.
السمات التي كنا نُعرّف القابلية للاستعمار بها (تشرذمالمجتمع، خيانة“النخبة”، المشاركة الشعبية في قبول العيش تحت مظلة أي دولة قادمة من الشرق أو الغرب) هي نفسها التي يتغذى منها الاستبداد الأهليّ. نحن لا نحمل عناصر مُؤسسة للوطن بل لدينا مكونات أمة ملتفة حول الخطأ بدل الفضائل والقيم. بل أسوء من ذلك، فنحن لم نكن أبدا مرشحين لنُصنف في مصاف وطن حتى ولو أقسم النفط على عكس ذلك. لم يُحضر النظام القديم بديلا له لان مشروعه لم يكن أبدا في أن يترك خلفه الأفضل وإنّما الأسوأ. ولا حتى النظام الذي يتبلور حاليا سيفعل ذلك،وربما قد جاوز القديم في أذاه وخزيه.
أحضر “التوفيق” بوتفليقة، وهذا الأخير سيحضر من يخلفه، ربما سيكون شكيب خليل، الرجل الذي رأى فيه سعيداني بنظرته الخارقة” أفضل وزير في تاريخ الجزائر”. وعلى أية حال، لم تُنظم أي مسابقة لاستخراج اسم الأفضل بين 500 وزير الذين وظفتهم الدولة منذ الاستقلال.
أفضل وزير للطاقة حسب المعايير المعمول بها حاليا، ربما. الأقرب إلى قلب بوتفليقة، لا أقول أكثر. من اشتبه فيه في أكبر قضية فساد، أكيد. لكن أفضل وزير منذ 1962، لا يدري سعيداني ما يقول. فلو كان الحال كذلك لانتبه إلى انه أقصى بوتفليقة من وجه آخر، والذي كان وزيرا من 1962 إلى 1981.
كان يتوجب على سعيداني أن يظفر ورق الغار ويخترع ألقابا فخمة لان الوقت يمر سريعا ونداء التراب يمكن أن يصرخ عاليا ويبلغ أسماع بوتفليقة في أية لحظة.
بوتفليقة وخليل من نفس السن، ثمانين سنة، وولدا في نفس المدينة المغربية، وجدة، درسا في نفس المدرسة، مدرسة بلدتيهما ومدرسةالحياة، لديهما نفس القامة، تم متابعة كل منهما من طرف العدالة الجزائرية في قضايا اختلاس أموال دون أن يمنع الاتهام الأول من أن يصير رئيسا للجمهورية، ولن يمنع الثاني، بدوره، بأن يصل للمنصب ذاته. كُلفت الزوايا بصبغه بالقداسة و سعيداني بصقله بلمعة الكفاءة و ستتكفل تقنيات الـ”الاستفتاء الشعبي” الموروثة عن الجنرال توفيق بالباقي و بالرغم من ذلك ،الأمر لم يحسم نهائيا و يمكن لقطار أن يخفي قطارا آخر.
يبدو أن بوتفليقة سيرحل كما جاء: في جو من العراك، تصفية حسابات و” فرقة”وأذكر أني كتبت عنه سنة 1999 عندما تقدم كـ” مرشح إجماع”. فهو يحضر من يخلفه في جو من إعادة الترتيب، الانقسامات والمواجهات. كان سعيداني موجودا خلال تلك الفترة كالجنرال توفيق وأكيد تحت أوامره. كان رئيسا للجان دعم بوتفليقة لان حزب جبهة التحرير والذي كان يسيره بن حمودة رفض أداء هذا الدور.لم نسمع أحدا يتحدث عن هذا الأخير، فقد تم إقصاؤه بالرغم من تقلده مناصب عدة من بينها منصب وزير للمجاهدين. سبعة عشر سنة بعد ذلك ها هو سعيداني لا يزال موجود وعلى رأس حزب جبهة التحرير و “لجان الدعم”، في حين أصبح الجنرال توفيق، الذي شُبه إلى وقت قريب” بالخالق”، مجرد مخلوق ضعيف.
ماذا علينا أن نفعل مع توقعنا لهذه التطورات الخطيرة التي لاحت طلائعها؟ مواصلة التفرج مكممي الأفواه، كل محشور في زاويته؟ الوقوف مع معسكر ضد آخر؟ أو التفكير في رسم طريق للسلام بعيدا عن كل أفكار” النظام” القديم أو المقبل؟ اعتقد أن الأختيار الثالث يفرض نفسه، لكن هل سيجد أبطاله والمرافعين من اجله؟
(“لوسواردالجيري” 26 ماي 2016)
(موقع “الجزائر اليوم“ 25 ماي 2016
