Home مقالاتإشكالية الإسلام2016-2011ماذا يحدث للمسلمين

ماذا يحدث للمسلمين

by admin

ترجمة وليد بوكروح

لم يوجد قبل ثورات الربيع العربي ما يمكنُ قولهُ عن البلدان العربية لأنه لم يحدُث فيها شيءٌ يُذكر منذ الحروب الإسرائيلية العربية التي تُوّجت جميعها بالهزيمة النكراء. فبابُ الجدال الفكري أُغلقَ منذ “المعتزلة”، والساحة السياسية أغلقت منذ الاستقلال، والشعوب لازالت منذ عصر “النهضة” تنتظرُ متى تَتَحوّلَ إلى بلدان متقدمة.   

في العام الماضي تحطم هذا الوضع الجامد على نحو شبه سحري: الشعوب التي سئمت من الحلم بالعالم الحديث أدارت ظهرها له، و “أجيال الإنترنت” التي مهدت الطريق للأنظمة الإسلاموية صارت تتساءل عمّا سيكون مستقبلها. فهل الثورات التي فجّرتها ستسير في اتجاه التطور أم أنها ستضيّع عليها بضع عشريات أخرى قبل أن تعيدها إلى نقطة البداية؟ نقطة بداية قد لا تكون قبل عام من اليوم لكن منذ عدّة قرون مضت.

حتى وقت قريب، كانت زاوية التحليل الفكري لظاهرة الإسلاموية لا تزال ضيقة ومحدودة. فالتجربة الجزائرية لم تُحَرّك في وقتها تفكيرا عميقا في الموضوع، إذ كان العَالَمُ يَنظرُ إليها كحالة شاذة وفريدة من نوعها و بالتالي لم تظهر له ضرورة أن يستخلص منها دروساً تُعَمَّمُ على بلدان أخرى. لكننا نحن الجزائريين نشعر اليوم بأننا لم نعد نواجه مرآة التاريخ لوحدنا. فنحن عندما ننظر إليها نرى في مكاننا التونسيين والمصريين، ويراودنا الانطباع بأننا نعيش من خلالهم مواقف عشناها من قبل ونسمع شعارات سمعناها من قبل.

لكن التاريخ الجزائري ليس هو الذي أعاد نفسه في تونس ومصر، بل نفس الظواهر التي لوحظت عندنا منذ عشرين سنة هي التي عادت للظهور هنا وهناك، في أجزاء مختلفة من منطقة الثقافة العربية المسلمة، وذلك وفق توقيت لا يمكننا تفسيره لكن انطلاقاً من نفس المنابع الذهنيّة. 

واتسعت الزاوية أكثر لاحقا لمّا برزت الأحزابُ الإسلامية بعد “ثورات الربيع العربي”، وفرضت نفسها كقوة سياسية رئيسية وتمكنت عبر الحركة الجماهيرية التي خلقتها من سحق التيارات الإيديولوجية الأخرى التي لم تعد تجرؤ على التفوه معها بكلمة. لم تتمكن النخبُ العربية من تجاوز حالة الذهول التي تَجَمَّدَت فيها من هول ما أصابها. وسيتطلب بروز أفكار جديدة وقتا طويلا، وانتشارها في المجتمعات وقتا أطول، لكن جميعنا معنيٌ بالأمر ومطالبٌ بالتفكير في إشكالية اليوم: الإسلاموية، وإشكالية الغد: ما بعد الإسلاموية. 

نحن نحاول ضمن هذه الأعمدة أن نساهم في هذا التفكير الناشئ دون أن ندّعي القدرة على الإقناع أو تملّك الحقيقة. من منّا يتذكر رابح بن شريف، الرئيس الأول والمرح لحزب  PNSDفي أوائل التسعينيات؟ كان قد أدخل على الحياة السياسية في بدايتها ببلادنا نبرة الفكاهة بلكنته القسنطينية الشيقة وتصوراته المذهلة، لكن الفكاهة بعد ذلك اختفت لأنّ السياسة لم تعد منذ ذلك الحين تضحكنا، بل حتى أصبحت في الوقت الحالي تبكينا. 

وقد سرد عليّ في إحدى المرّات عن موقف عاشه في ذلك الوقت: حيث قام مرشح بارز من جبهة التحرير الوطني للانتخابات التشريعية التي جرت في ديسمبر 1991، بتنظيم “زردة” بمناسبة الحملة الانتخابية في مسقط رأسه، وقد لبّى دعوته جمع غفير. وبما أنّ في تقاليدنا لا نطعم الضيوف بشكل فردي عندما يكثر عددهم بل نجمعهم في مجموعات حول “قصعة” من الكسكس، فقد كان ذلك في تلك الزردة. لكن أحد الضيوف المجهولين قام بعد أن أكل جيدًا في ضيافة مرشح الأفالان، برسم ثلاثة حروف كبيرة بإصبعه وبحبات الكسكسى التي بقيت في أسفل القصعة:FIS. 

هذا ما فعله التونسيون والمصريون خلال أول انتخابات حرة في تاريخهم. الفرق أنهم لم يشاغبوا مرشحًا منافسًا بل ثلاثين عامًا من البورقيبية بالنسبة للأوائل، ونصف قرن من الناصرية للأواخر. فقد جرفت نتائج هذه الانتخابات في الواقع قرنًا ونصف من الجهود التي بُذلت في سبيل تحديث هذه البلدان، وهذا ما تسبب في إثارة دهشة عالمية مشابهة للتي أثارها شعبنا في ديسمبر 1991. لم يكن أحد يتوقّع انتصاراً بهذا الحجم لحركة النهضة في تونس. ناهيك عن التسونامي المصري الذي صوت به 85٪ من المصريين (كلهم باستثناء الأقباط) لصالح الإسلاميين؟

كما نجد أيضا أنفسنا نتساءل أين ذهب الآخرون: دعاة العقلانية والحداثة، الوطنيون والثوريون، وناشطوا العالم الثالث والتقدميون والاشتراكيون، الشيوعيون، البعثيون، الليبراليون، الديمقراطيون، الحركات النسوية و اللائكيون؟ 

أين اختفى هذا السراب الذي كان يُخَيَّلُ إلينا عندما ننظر إليه من بعيد في سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات؟ سراب هؤلاء الذين كانوا وقتها واثقين بأنهم تمكنوا من بناء ضمير وطني صلب، ومن صقل إنسان جديد، وإقامة مؤسسات “لا تزول بزوال الرجال والأحداث “. أين ذهبت “القاعدة الشعبية” التي كانت تؤمن بالتطور؟ أين ذهب التأثير المدني والوطني للمئات من الأفلام والروايات والمسرحيات والمهرجانات الثقافية ودواوين الشعر والأغاني المدعمة بريع النفط؟ أين هي المؤسسات التي لم تصمد أمام اقتراع حر واحد؟

أين اختفت “الطلائع التقدمية” التي كانت تعتقد أنها تَجُرُّ الجماهير الشعبية ورائها أفواجا أفواجا، بينما نرى اليوم أن الدواب كانت في واد والعربة في واد آخر؟ هذا العهد يذكرني بأول مقال نشرته على صفحات المجاهد اليومية في شهر نوفمبر 1970: “الإسلام والتقدمية”، في زمن كان فيه مُجَرَّدُ الربط بين المصطلحين يُصنّفُ في خانة “الرجعية” و “اللاثورية”. اتُّهمتُ بسبب هذا المقال ومقالات أخرى نشرتها من بعده بالانتماء إلى “الإخوان المسلمين”.

لكني أَوَدُّ اليومَ سؤالَ مُتَّهمي ذلكَ الوقت: ” كيف حال التقدمية يا إخواني الأعزاء؟”. اليوم أقول لهم أن التقدمية لو اعتَنَت بالجوانب الروحية والثقافية للشعب في الماضي بدلَ الاهتمام بمصالح “طبقات اجتماعية” فقط، ولوكان في إسلاموية اليوم شيء من التقدمية، بمعنى أوسع من ذلك الذي يعنيه المصطلح في التصور الماركسي، لما عرفت المجتمعات العربية الإسلامية ما تعرفه اليوم من أبارثيد (apartheid) فكري ينخر جسدها ويفرق صفوفها. ولكانت السياسة في مجتمعنا تمثل اليوم ما تمثله في الدول الديمقراطية والعقلانية: مجرد ميدان تَتَنافَسُ داخله أحسنُ البرامج وأكفئها لتسيير شؤون العامة. 

اليوم نصل إلى الاستنتاج بأن التسرع في إقامة دولة وطنية تقليدا للبلدان العصرية، كانَ أسهل من البدء بإصلاح عميق للذهنيات، ومن البناء على أسس صحيحة وواقعية بتأسيس تعليم منسجم ومتوازن خال من الإيديولوجية، وتشجيع ثقافة مبنية على العقلانية والقيم.

لكن الأنظمة “التقدمية” فضلت بدل ذلك المَضيَّ في سياسة مدح الجماهير الشعبية، من أجل إبقائها على شكل “غاشي” يقبل الاستبداد والتفكير الأحادي وتوريث السلطة. لكنها بذلك أهانتها وخدرتها وتلاعبت بمشاعرها الدينية وشجعت فيها الإسلاموية، تماما كما كان الاستعمار في الماضي يُشجّعُ الشعوذة. و اعتقدت بذلك أنها سَتُبعدُ “الغاشي” عن الاهتمام بالسياسة و مراقبة تسيير الشؤون العامة، لكن أفعالها لم تلبث أن عادَت لتصفعها على وجهها كما يعود البومرانغ  (boomerang) إلى من رماه.  لكن مثل هذه المهمة لم تكن في متناول الأنظمة بل كانت مسألة روح ومسألة رؤية تاريخية لم يكونا لديها. ما كان لديهم بدل ذلك هو قصر النظر وحبّ التسلق والحساب بالخشيبات، وكانت مع ذلك تعتقد أن بإمكانها بناء المستقبل بهكذا رصيد هزيل.

تُشابهُ مسيرةُ التاريخ حركةَ البحار، يتخلّلها المدُّ تارةً والجزرُ تارةً أخرى. تقدّمٌ وتأخّر، انتصارٌ للحاضر ثم انتقامٌ للماضي… ونحنُ اليوم في قلب حركة جزر تَأَخّريّ يعيشها المسلمون، تَشهَدُ انتصارًا للظّلمات على النور، وعودةً لماض جاء ليُصفّي حسابهُ مع الحاضر.

رأينا في مساهمات سابقة كيف أنّ الإسلام بدأ خلال عهد الخلفاء الأوائل بروح نوعا ما ديمقراطية، أو على الأقل بنوع من الاستشارية، تحول بعد ربع قرن فقط بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نظام سياسي ملكي. وبَعدَ أن وَضعَ الإسلام من بدايته إلى غاية نهاية عصره الذهبي أُسُسَ فكرعلمي وتكنولوجي نيّر، فإنه غرقَ بعد ذلك في الظلامية والانحطاط بعد أن أغلقت أبواب الاجتهاد فيه بإحكام.

وأودُّ في هذا السياق أن أُلفتَ الانتباه إلى مصادفة غريبة بعض الشيء: أبو موسى الأشعريالذي كان وال على البصرة والكوفة (توفي سنة 44-666- هجرية) لعب دورا حاسما في انقلاب معاوية. أما أبو الحسن الأشعري (مؤسس “علم الكلام” وصاحب تفسير للقرآن، توفي سنة 324 هجرية-936- ) هو من أَسَّسَ لأول تيار فكري في الإسلام يُعارض الحرية في جميع المجالات، تيارٌ جبريٌّ مدّع للعلم، أدى مع مضي الوقت بطرق مختلفة إلى ظهور الشعوذة ثم الإسلاموية. يمكن القول بأن هذين اليمنيين لوحدهما قد تمكنا من إغراق الإسلام كاملا، الأول في المجال السياسي والثاني في المجال الفكري.  

لقد قضى معاوية ونسخٌ أخرى منه عَجَّ بها تاريخ الإسلام بَعدَهُ على امتداد القرون والقارّات، على روح الديمقراطية والشورى السياسية ليتمكَّنوا من حُكم الشعوب. بينما تَكَفَّلَ آباء الإسلاموية الأوائل من “العُلَماء”، بالقضاء على حرية الرأي والفكر والإبداع ليتمكنوا من حُكم العقول والقلوب. وقد تعاونَ الاثنان مع بعض من أجل مصلحة مشتركة ومتبادلة، وعملا اليدَ في اليد في تحالف مشبوه بين “قيصر” و “الله”، وبين السيف والمسجد. 

فالحكام المستبدون وجدوا ضالتهم في كون العلماء يساهمون في تنويم الجماهير، بينما استفاد العلماء في المقابل بأن أصبحوا “هيئةً نظامية” مهمة وقوية، وركيزة أساسية في نظام الحكم. فصار كلاهما يضفي الشرعية على الآخر لأن مصلحتهما الموضوعية مشتركة ومتضامنة. لقد تقاسموا الأدوار لبلوغ غاية واحدة ومشتركة هي الهيمنة السياسية والفكرية على الشعوب، عبر إبعاد وتهميش الذين يفكرون ويكتبون، وإسكات النقد، وتقييد الحريات… 

لم يكن أبدا من مكان للتغيير وتحرير العقل وتشجيع الإبداع على أجندة ديكتاتوريات الجهل و”علماء” الاستبداد. الصراع بين الأفكار الحداثية ونظيرتها المحافظة ليس بجديد اليوم، وما يشهده العالم العربي الإسلامي حاليًا من تقهقر متجذّر كان قد عاشه كذلك عدة مرات في الماضي. وهكذا انتقمت الأفكار الوهابية التي تأسست عليها أيديولوجية الأحزاب الإسلامية المصرية، من الأفكار الحداثية التي أدخلها محمد علي إلى مصر في القرن التاسع عشر.

انشقَّ العالمُ الإسلامي ابتداءً من القرن العاشر ميلادي إلى أقاليم سياسية عديدة ومختلفة. ولم تَعُد للخلافة العباسية سلطة على الفرس التي ظهرت بها خلافة الطاهريين ثم الصافريين، ولا في المغرب العربي أين برزت عدة سلالات حاكمة من الخوارج. حتى مصر استقلت أيضا بمجيء ابن تولون، قبل أن تصبح عاصمة لخلافة الفاطميين في عهد صلاح الدين، ثم يحكمها بعد ذلك المماليك من 1250 حتى مجيء العثمانيين في 1517. أمّا خلافة العباسيين فزالت تماما بغزوات المغول التي أدت ثاني حملاتها، والتي قادها تيمورلنك، إلى إنهاء الهيمنة العربية على الإسلام بصفة نهائية.  

في عام 1798 نزل جنرال في التاسعة والعشرين من العمر، نابليون بونابرت، في الإسكندرية. وكان ذلك أول تواصل يحدث بين مصر والعالم الغربي منذ عهد الرومان. واستحوذ محمد علي، وهو ضابط من أصل ألباني خدم في الجيش العثماني، على السلطة في عام 1804 وأعلن نفسه “باشا” مصر. ودفعه تأثره بالحضارة الفرنسية التي كوّن عنها نظرة عامة من خلال الحملة العلمية التي رافقت نابليون، إلى الطموح ليجعل من بلده بالتبني، مصر، دولة حديثة ومستقلة.

فأبتعد تدريجيًا عن “الباب العالي”من خلال استغلال التنافس الفرنسي البريطاني، وتمكن في بضع سنوات من إنشاء جيشه وبحريته الخاصّين، وقام في 1811 بتصفية المماليك، ثم استولى في 1812 على المدينة المنورة وجدة ومكة والطائف وأطاح بالسلطة الوهابية. وقام في 1820 كذلك بغزو المحافظات المجاورة للحجاز: سوريا ولبنان والسودان. 

ثم شرع هذا الرجل الذي أفاد مصر أكثر من ناصر والسادات ومبارك مجتمعين، في عمل تحديثي لم يسبق له مثيل في العالم العربي. فأعلن قيام “النظام الجديد”، ونظّم مصر في 14 محافظة و64 دائرة، وأنشأ وزارات ومجلس دولة وصناعة عسكرية وبحرية. قام بإدخال التلغراف وأطلق أشغال توريد وتوزيع مياه النيل، وحفر قناة في بورسعيد، وبنى مئات السدود لمنع الفيضانات الموسمية للنهر.

قام بثورة زراعية حقيقية من خلال تقسيم أملاك “الوقف” وفق نظام “الفدان”، وقام بتوزيعها على الفلاحين، ووضع السجل العقاري على النموذج الفرنسي وأنشأ عملته الخاصة. أحاط نفسه بمتعاونين أوروبيين، وأنشأ مدارس للمشاة وللفنون التطبيقية وللإدارة وللترجمة وللجسور والطرق وللكيمياء التطبيقية وللمناجم وللهندسة وللجغرافيا، ومدرسة بيطرية وكلية للطب إلخ. 

كما ظهرت أولى المطابع والصحف ابتداءً من 1828. وأرسل بعثات دراسية إلى أوروبا مثل تلك التي أشرف عليها الشيخ طهطاوي الذي تحدّثنا عنه في مقال سابق. وقام ابنه إبراهيم باشا بتوسيع سياسة التحديث هذه إلى سوريا ولبنان وفلسطين، وأقام فيهم المساواة بين الأديان الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية). وبعد غزوه لليمن وجزيرة كريتيا، التفت إلى قلب الإمبراطورية العثمانية واستولى على قونية، وكان قد وصل إلى بعد 100 كيلومتر عن اسطنبول حين أمره والده بالتوقف والعودة أدراجه. وكان ذلك خطأً من جانبه.

توفي محمد علي عام 1848 وهو في الثمانين من العمر. وبما أنّ ابنه إبراهيم باشا كان هو الآخر قد توفي قبله ببضعة أشهر، فإن ابن هذا الأخير عباس الأول هو الذي اعتلى العرش، وسرعان ما فكّك في وقت قصير ما أنجزه جده في 44 عامًا. وأقدم تحت تأثير الأوساط الدينية على إغلاق المدارس العليا، وإيقاف سياسة الأشغال الكبرى وطرد المتعاونين الأجانب. فبدأ التعليم العام في الانهيار ومصر في العودة إلى الوراء. فانتصر الظلام مرة أخرى على النور في أرض المسلمين.

نفس حركة التحديث حدثت في الإمبراطورية العثمانية تحت اسم “التنظيمات”، وقادها السلطان عبد المجيد الأول: ففي عام 1839قام هذا الأخير بوضع مرسوم يساوي بين جميع المواطنين (المسلمون والمسيحيون واليهود) أمام القانون؛ وفي 1840 اعتمد قانون عقوبات مستقل عن الشريعة الإسلامية؛ وفي 1856 أصدر مرسوماً يلغي “الجزية” (الضريبة الخاصة بغير المسلمين) … وقوبلت آنذاك هذه الإصلاحات بنفس رد الفعل من قبل الدوائر الدينية الوهابية، فشنّ “العلماء” انطلاقاً من مكة هجومهم ضدها ودعوا إلى الجهاد ضد السلطان. وبعد بضع سنوات ماتت ديناميكية التقدم هذه من تلقاء نفسها تحت ضغط الأفكار الرجعية. 

ثم توسعت “النهضة” في نفس الفترة إلى تونس، حيث عيّن الباي فيها خير الدين باشا كرئيس الوزراء، وهو رجل الدولة الذي يعتبر بمثابة مؤسس تونس الحديثة. فكان هو الذي أنشأ على وجه الخصوص كلية “الصدّيقي” التي شهدت لأول مرة تدريس العلوم الدقيقة واللغات الأجنبية في تونس، والتي تخرّجت منها لاحقا الأجيال التي كانت ستنشط حركة التحرير في تونس وتبني دولتها المستقلة.

وتحت الاستعمار أحرز المسلمون (حتى ولو كانوا أقلية فقط) بعض التقدم ودرسوا العلوم واللغات الأجنبية وقاموا بتبنّي ما وجدوه صالحا عند المستعمر. فهل يعني هذا أن قادة القرن التاسع عشر كانوا أكثر رؤية وجرأة من قادة القرنين العشرين والحادي والعشرين؟ أم يجب أن نستنتج استحالة تحقّق نهظة عند المسلمين من جديد؟

يبدو أن اختطاف دوّامة التخلف والتقهقر للعالم الإسلامي لا يُبَشّرُ بعد بنهايته. فالثورات العربية لم تنفجر في الممالك أولا بل في الجمهوريات. والأغرب من ذلك أنَّ الممالك البالية كانت في آخر الأمر الرابحَ الأكبر في العملية: فما الذي يمكن أن يدفع بشعوبها للانتفاض عليها بما أن ما سينتظرها في آخر الأمر هو النظام الإسلاموي، وهو ما تعيش فيه دون ثورة؟ وأكثر من ذلك، فأولئك الذين يبحثون عن إقامة “الخلافة” لا يحتاجون إلى الثورة لأن تحالف الملوك والعلماء يناسبهم، بينما يُفَضّلُ من لا يريدونها أن يعيشوا تحت أنظمة مستبدة بدل الوقوع في يد أنظمة إسلاموية جديدة تأتي بها الثورة. هذا ما يسمح بالاعتقاد بأنّ الثورة السورية ستكون الأخيرة.

لم تكتفي الدّوامة التقهقرية بإصابة الجماعات بل أصابت حتى الأفراد المنفصلين عن مجتمعاتهم والذين يعيشون ضمن بيئات ثقافية أخرى. فلم يكد جثمان “الجزائري-الفرنسي” محمد مراح يوارى التراب حتى افتُتحت في باريس محاكمة “جزائري-فرنسي” آخر.

لكن هذا الأخير لم يكن، خلافا للأول، مجرد حرفيّ بطال في الثالثة والعشرين، بل دكتورا في الفيزياء النووية في 37 من عمره، وباحثاً في المركز الأوروبي للأبحاث النووية (CERN)في جنيف الذي خرج منه خمسة فائزون بجائزة نوبل في الفيزياء، وربما كان بإمكانه هو أن يصبح سادس هؤلاء لو تحصل عليه هو الآخر ذات يوم، محققا مجداً مشتركاً للجزائريين والفرنسيين والمسلمين. إلّا أنّ هذا اليوم لن يأتي لأنه اعتقل قبل ثلاث سنوات بتهمة التخطيط لهجمات إرهابية في فرنسا، على صلة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وطالبت النيابة العامة بحبسه ست سنوات (وهو في السجن بالفعل منذ ما يقارب الثلاث سنوات كإجراء وقائي)، وسيصدر الحكم عليه الذي هو قيد المداولة في 4 ماي المقبل.

إنه فعلا مسارُ تقهقر فريد من نوعه ويتحدى كل قوانين الطبيعة والعقل والعلم. فما يعيشه المسلمون اليوم هوالتفنيد الوحيد في التاريخ لنظرية قانون الانتقاء الطبيعي: ليس الأفضل هو من يتغلب على الأسوأ و يلغي بذلك وجودَه، و ليسَ دكتورُ الفيزياء النووية هو من يُعيدُ الإسلاميَّ الجاهلَ إلى الطريق المستقيم؛ بل الإرهابيُّ هو من يَجُرُّ معهُ العالم إلى طريق الجهل و القتل والهلاك.كما أن هذه ليست أول حالة و لن تكون آخر واحدة. لحدّ أنّي أوشكت من جهتي أن أعنون هذه السلسلة: “الإسلام والتقهقر”.  

لقد أصبح الإسلام معضلة في بيته وفي بيوت الآخرين على حدّ سواء، أينما تعيش جاليات مسلمة وهو ما يعني تقريبا العالم أجمع. كما أصبح مشكلا عويصا للأمن العالمي والدولي أيضا بسبب الإرهاب الذي ينشطُ باسمه. لن يَذهبَ المسلمونَ بعيدا ما لَم يُحدثوا تعديلات مهمة في طريقة تفكيرهم، وما لم يُدخلوا تغييرات جذرية على مستوى تصرفاتهم سواء فيما بينهم أو مع باقي أجناس وأديان العالم.

لكن لمن يجب أن تعود المبادرة للشروع في هذه الإصلاحات؟ فالمسلمون من الفلاسفة والمؤرخين وخبراء علوم الاجتماع أو تاريخ الديانات، لا يُعتَرَفُ بهم كأهل للحديث في مسائل الإسلام وشؤونه، ويمنع عليهم حتى الاقتراب منها. ضف إلى هذا أن المثقفين العصريين يخافون من “العلماء” ولا يجرؤون على تحدّيهم بسبب ما يمارسه هؤلاء من تأثير وهيمنة على قلوب الناس وعقولهم. فأي فتوى يطلقها أحدهم قد تتحول سريعا إلى إهدار لدَم من يجرؤ على تجاوز “الخطوط الحمراء”.  

لقد لغّم “العلماء” مجال الاقتراب من الإسلام، و أحاطو ميدانه بالأسلاك الشائكة، و أغلقوا كل الطرق و المنافذ التي توصل إليه. هم يحكون قبضتهم على المدارس الشرعية (المذاهب)، والجامعات الإسلامية، وبرامج تدريس الشؤون الدينية، وهيئات الفتوى، واختصاصي “التفسير”، والأئمة ودعاة البلاطوهات التلفزية. 

هم وحدهم المؤهلون للاجتهاد، لكن بما أنهم أغلقوا أبواب هذا الأخير منذ آلاف السنين، فإن لا أحد أصبح بإمكانه إعادة فتحها. حتى العلماء مثل الكواكبي وعبده وعبد الرازق ومحمد الغزالي الذين جربوا ذلك لم يتمكنوا من فرض آرائهم الإصلاحية. وكان مصير الأول الاغتيال، والثاني النبذ، والثالث الاضطهاد، والرابع التهميش.

لو قمنا بمقارنة عدد الكتب التي أُلّفت في اتجاه الجمود، بتلك التي كانت مؤيدة للتغيير فستكون النسبة ب 1 إلى 10000 أو أكثر! إنّ إسقاط استبداد الأنظمة أسهل من تحدي هيمنة العلماء. فهؤلاء ليسوا فقط لا يريدون التغيير، بل كذلك لن يمكنهم إجرائه حتى إن شاؤوا ذلك. فتكوينهم وكفاءتهم هما بالضبط في اللاتغيير. لقد تكوّنوا على ذلك و من أجل ذلك. إنهم حراس “التقليد” والمحافظون على الماضي. كذلك لهم مصلحة في الحفاظ على الوضع الراهن لأن فيه كذلك منصب عملهم وسبيل معيشتهم. 

يحفظون عن ظهر قلب آلاف الصفحات ويضنون أن في ذلك بلوغ الغاية، وأسمى درجات التمكّن في “العلوم الدينية”، بينما هي مجرد مضيعة للوقت والطاقة. فهل هل من الضروري في عهد تكنولوجيات التواصل الجديدة حفظ آلاف الصفحات وتخصيص مليارات الخلايا العصبية لادّخار “علم” يمكن استدعاؤه في لحظات بنقرة على جهاز كمبيوتر أو هاتف جوال؟

الطرق التي ينبغي سلوكها للوصول إلى الحلول صعبةٌ لأنها تبقى مجهولة. إنّها مسالكٌ وعرةٌ وغير مُعبَّدَة، اتجاهاتٌ فكرية لم يَستَكشفها أحدٌ بعد. لم يتمكن أحدٌ إلى اليوم من التعرف على هذه الحلول: لا الإسلاميون يعرفونها ولا السياسيون ولا المثقفون العصريون. 

وفي غياب إصلاحات ضخمة وصعبة يجب أن تُدخَلَ عليه في العمق، فإن الإسلام يَتَوَجَّهُ نحوَ صعوبات جمّة وخطيرة. الأمثلة والسوابق لذلك عديدة، فصفوفه تزداد تفرُقا بين “مسلمين إسلاميين” و “مسلمين عاديين”، وأراضيه تتقسم في السودان وفلسطين والعراق وسوريا واليمن، ودُوَلُهُ تضعفُ الواحدة تلو الأخرى…

العرب المسيحيون والعرب المسلمون أصبحوا لا يثقون في بعضهم البعض. ولا العرب الشيعة والعرب السنة يطيقون بعضهم البعض. المصريون الإسلاميون يريدون التخلص من المصريين الأقباط، والغرب بدأ ينفذ صبره من أمثال مهرّجي “فرسان العزة”، الذين يقومون باستفزازه على أرضه، ويستخدمون قواعده الليبرالية حجّة لرفض قوانينه ورفع لواء الخلافة في عقر داره. 

هل يبحث المسلمون عن الحرب العالمية ضدهم؟ اليوم أصبح معظمهم إسلامويين، ومثلما كان الحال بالنسبة لعالم الفيزياء “الفرانكو-جزائري”، لا يعرف أحد متى يمكن للإسلامي أن يتحوّل إلى “مجاهد”، ويبدأ في التخطيط لتنفيذ الهجمات الإرهابية إما ضد بلده الأصلي أو ذلك الذي يستضيفه.

لوسوار دالجيري” 08 أفريل 2012 جريدة “الحوار” الجزائرية 03 نوفمبر2016

You may also like

Leave a Comment