Home مقالاتإشكالية الإسلام1999-1990الاسلام و الفكر الالماني

الاسلام و الفكر الالماني

by admin

ترجمة فضيل‎‎بومالة

إن الأمة التي وجهت الضربة القاضية للإمبراطورية الرومانية، وقسمت المسيحية إلى بروتستانت ‏وكاثوليك، الأمة التي جرّت الإنسانية إلى حربين عالميين، تتوقع اليوم أن تنفق في عشرية واحدة مليون ‏مليار مارك ألماني لترفع ألمانيا الاشتراكية سابقا إلى مستواها، لُقبت هذه الأمة بـ ” أمة الشعراء ‏والمفكرين “.‏

إن حصيلة كهذه ومسؤولية بهذا الحجم في الأحداث الكبرى للتاريخ، وكذا الرغبة الجامحة في الحرب ‏لا يُفترض أن تُنتظر من شعب أوّل ما يطبعه التعبير الشعري والتأمل الفلسفي‎.‎

غير أن قدر ‏‎(Fatum)‎‏ الألمان كان هو ذلك، في خضم الحرب الفرنسية البروسية عنّف فيخته ‏‏(‏Fichte‏)مواطنيه في كتابه ” خطب للأمة الألمانية ” (1807) قائلا لهم : “هذا هو قدركم : أن تقيموا ‏دعائم إمبراطورية على الروح والعقل ‏‎!‎‏”. في تلك الفترة لم تكن هذه الأمة قد تأسست سياسيا بعد.‏

‏ ولكن الأمة الألمانية التي كان يتصورها فيخته لم تكن لا عرقا ولا أرضا ولا لغة، بل كانت ” فكرة ‏ميتافيزيقية “، رسالة وتبشيرا، ولكن كلما خسرت تلك الأمة في الحرب كلما وجدت واحدا مثل فريدريك ‏غيوم الثاني (‏Frédéric Guillaume 2 ‎‏ 1744-1797 ) ليقول لها: ”على الدولة البروسية أن تعوض ‏القوة المادية الضائعة بطاقة روحية “.‏

إن الجرمانيين في تلك الفترة هم البرابرة إلى غاية اعتناقهم المتأخر والمتردد للمسيحية منذ القرن ‏الثامن على يد رهبان ايرلنديين اكتشفوا عبر احتكاكهم المنعش والمثير بالروح الإسلامية، آداب عيش ‏ومهارة يتماشيان ورؤيتهم للكون ‏‎(weltanschauung)‎، وسيكشفون نمطا في الوجود والاعتقاد يذكرهم ‏بالاعتقادات الشماليةلأجدادهم في أودين (‏Odin‏)أو “إله البشر المميزين البارزين ”. ‏

وسيحترم البرابرة الجرمان هذه الآداب والمهارات ويتعلقوا بها ويدخلوها في منظومتهم الروحية ‏والثقافية ثم يوفروا الشروط الضرورية لتبليغها إلى كامل أوربا المسيحية. كان هذا في نهاية القرن الثاني ‏عشر.‏

كانت الحروب الصليبية قد انتزعت مدينتي طليطلة (1085) وصقلية (1091) من المسلمين، وقد كان ‏فضلا من أفضال التاريخ أن الجرمان هم الذي أقاموا ملكهم وسلطانهم لأنه لولا ذلك لتأخر تطور ‏العالم. ‏

فقد حكم روجيه الثاني (‏Roger II‏)،وهو أول ملك من ملوك صقلية (1095-1154) تحت اسم المعتز ‏بالله، وبعده جاء غيوم الصقلي (‏Guillaume de Sicile‏ 1180-1190) وكان يجيد العربية قراءة وكتابة ، ‏كما أحاط نفسه بديوان يتشكل من مسلمين، لكن تحت ولاية فريدريك الثاني دي 

‏هوهانشتاوفن(‏Frédéric 2 de Hohenstaufen ‎‏ 1194-1250) تعززت الروابط و أقيمت قنوات اتصال ‏روحية بين الروح الإسلامية والروح الألمانية، وقاومت كل الظروف والتقلبات مما جعل كلود ليفي ‏ستروس (‏Levi Strauss- Claude‏) ثمانية قرون بعد ذلك يكشف عما في مكوناته في ” المآسي ‏الاستوائية ” (‏TristesTropiques‏) ويبرز ألمه حيال “هذين الصنفين الفريدين سوسيولوجيا، المسلم ‏المتألمن و الألماني المسلم ”.‏

وهاهي المستشرقة الألمانية زغريدهونكه(‏Sigrid Hunke‏)،صاحبه الكتاب الشهير ” شمس الله تسطع ‏على الغرب ”(1963)، تصف تفاصيل تلك الفترة بدقة وتستنتج في خاتمة كتابها :” إن الغرب ‏الحديث قد ولد من أم هي صقلية النورمانديين ومن أب هو فريدريك حيث لعبت الروح العربية ‏دور القابلة في هذه الولادة، فقد التقت في هذه المملكة الواقعة بين عالميين اثنين العبقرية ‏الجرمانية والعبقرية العربية في شخصية فريدريك الثاني، لقد صالح بين الشرق والغرب على ‏المستوى السياسي لفترة قصيرة ولكن لقرون عدة في الميدان الثقافي.”‏

و إذا كان من المجمع عليه، إن الراهب الألماني ألبير الأكبر ‏Albert le Grand ‎‏ (1206-1280) وتلميذه ‏توماس الاكوينيThomas d’Aquin ‎‏ (1225-1274) هما مفجرا وشُعلتا الصحوة الفكرية والعلمية للغرب ‏المسيحي حيث نفخا فيه المبادئ و الطروحات التي صاغها العقل المسلم، فان الفضل كله يعود ‏لفريدريك الثاني الذي لولاه ما كان بإمكان هذين اللاهوتيين الكبيرين البحث والتعلم.‏

هو الذي جهز لهما مائدة التراث الإغريقي واللاتيني الذي اكتشفه وترجمه وأثراه المسلمون. ولذلك ‏فقد كفرته الكنيسة مرتين اثنتين.‏

ولكن من كان يسميه البابا بـ ” الكافر”، كان يعتبره أكبر عدو للتقاليد من الفلاسفة الألمان لعان ‏المسيحية فريدريك نيتشه (‏Nietzsche‏)‏‎‎‏: “عبقري الأباطرة الألمان” حيث كتب في “المسيح الدجال” ‏‏(‏l’Antéchrist‏) هذه الأسطر النادرة التي تعبر عن بصمات الرضا التي تعرف عنه‎‎‏:‏

‏” حينما يزدري الإسلام المسحية، فهو محق ألف مرة: لان الإسلام يقتضي الرجولة بينما ‏المسيحية حرمتنا من ثروة الثقافية القديمة كما حرمتنا بعد ذلك من الثروة الثقافية الإسلامية، ‏فقد داست بأقدامها الثقافية الموريسكية الإسبانية التي تعد في جوهرها اقرب منا وأكثر تأثيرا على ‏الفكر والوجدان من ثقافة روما واليونان … لان الفضل في ميلادها يعود للفطرة الإنسانية… لأنها ‏كانت تستقبل الحياة بأجمل وأثمن و أبدع ما كان …و قد حارب الصليبيون بعد ذلك شيئا كان في ‏الأجدر بهم أن يغمسوا رؤوسهم في التراب ساجدين له… حاربوا ثقافة كان يجدر بالقرن التاسع ‏عشر ذاته أن يشعر هو نفسه عاجزا متخلفا حيالها ….” الحرب كل الحرب على روما ‏‎!‎‏ والسلم ‏السلم والصداقة مع الإسلام “‏‎!‎‏ هكذا كان شعور وعمل هذا المفكر العظيم الحر… عبقري ‏الأباطرة الألمان فريدريك الثاني…”‏

و انتهى الأمر بانتصار الكنيسة على التقارب الإسلامي -الجرماني المبكر الذي قادته عائلة ‏هوهانشتاوفن(‏Hohenstaufen‏) ، ولكن الأفكار والروح والوفاق النفسي و الفكري الذي سمح له ‏فريدريك أن يتجذر في الثقافة الألمانية الجديدة سيكون مصدر قلق و إزعاج لروما مدة طويلة.‏

‏ البداية كانت مع المعلم ايكارت (‏Maitre Eckhart ‎‏1260-1328) أب الصوفية في منطقة الراين هو ‏الذي سيدان بتهمة الزندقة والكفر لأنه قال أن الإله واحد وان الإيمان به ليس تفضلا، و أن الإيمان ‏الحقيقي هو في التجرد من الذات و الزهد حتى في الثواب الأخروي، وستسجل لجنة التحقيق ‏والتفتيش التي كفرته بعد وفاته بكل جدية:” لقد أراد أن يعلم أكثر مما يجب”.‏

ويتواصل الأمر بعد ذلك مع ألماني أخر هو مارثن لوثر (‏Martin Luther ‎‏ 1483-1546)، الذي نستطيع ‏القول اليوم، انه استطاع ببساطة أن يفجر المسيحية من الداخل ويحدث فيها الانشقاق الذي يعرف ‏بالإصلاح. ‏

لقد كان لوثر (فيلسوف التنوير) ذلك الإنسان الفاوستي (‏Faustien‏) المفعم بروح النقد، ‏والتنويرالتحرري (‏Aufklarug‏).‏

وستلقي سلسلة من المفكرين (ليبنتزLeibniz، لسنج ‏Lessing،‎‎كانطKant‏ ، شوينهاورSchopenhauer‏ ، ‏هيغل ‏Hegel ‎‏…) على العالم نظرة جديدة، نظرة يقينية متفحصة لمعنى الأشياء و الأفكار، منقبة في ‏الديانات عن الأعمدة الأساسية المواتية لبناء روح تتماشى والعقل والفطرة الإنسانية.‏

وسينتهج أولئك الفلاسفة نهج البحث عن مصالحة الإنسان مع خالقه تحركهم في ذلك إرادة قوية، ‏مؤمنين 

بقوة الإنسان وقابليته للكمال، وغالبا ما ستعتبر هذه الحيوية الألمانية ” إرادة للقوة ” خطيرة ‏من قبل جيرانهم. غير أن التفكير والتأمل الفلسفي الإسلامي لم يكن سيرى في ذلك سوى دفعة نحو ‏‏”التوحيد”.‏

و حتى أسطورة غرال “‏‎ Graal‏” لها مصدرها في الفترة المثالية و المُؤسّسة التي حكم فيها فريدريك ‏الثاني دي هوهانشتاوفن، الـ ” غرال ” ما هي إلا سرا خفيا من أسرار التقاليد الأصيلة التي تعتبر ‏النصوص المنزلة تعبيرا علنيا عنها، بمعنى تجليا تاريخيا لها.‏

قدم المتصوف الألماني فولفرام فون ايشانياخ (‏Wolfram Von Eschenbach‏) و لأول مرة تفسيرا لمعنى ‏ذلك في كتاب صدر في نهاية القرن الثاني عشر تحت عنوان ” البارزيفالParzival‏ ” حيث يعترف أنه ‏وقف على الأسطورة من معلم مسلم صاحب كتاب: الفلك الثاني ‏Flégétanis‏”. و غالبا ما استشهد ‏بقوله تعالى :‏

« قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ… ” (آل عمران الآية 64) ‏لإثبات أسطورة البحث عن غرال “‏Quête du graal‏” (و يمكن أن نقابل ذلك في العربية بما دأب ‏الصوفية على استعماله في تأملاتهم و نقله عنهم جمال الدين الأفغاني في فلسفته الباطنية بما يعرف بـ ‏‏” البحث عن الجوهر الفرد “). في الوقت الذي كان فيه القرن الثاني عشر كان قرن “التصوف” بالنسبة ‏للمسلمين.‏

و نُأكّد كذلك أن ” النظام التوتوني” (‏Ordre Teutonique‏) الذي رأى النور في الفترة نفسها قد قلد في ‏طريقة تنظيمه طائفة شيخ الجبل حسن الإسماعيلي السفاح، و لم يتعجب الأخصائيون في العلوم ‏الباطنية و المجتمعات الخفية حينما اكتشفوا العلائق الوطيدة و المستترة التي كانت توجد في الفترة ما ‏بين 1910-1930 بين مجتمع خفي “‏Gesellshaft-thule‏” يتزعمه ألماني من جنسية تركية اعتنق الإسلام ‏و المسؤولين الكبار في الرايخ الثالث (‏Reich3‎‏)، و لم يستطع أحد أن يفسر لحد الساعة لماذا كان ‏هيملر (‏Himmler‏) يضع دائما على مكتبه نسخة من القرآن الكريم و قلما أخضرا و طبعة راقية من ‏كتاب هتلر “كفاحي” (‏‎”« Mein Kampf‏).‏

و إذا كان للألمان أن يرفعوا اسما واحدا ينوب عنهم منذ وجودهم على وجه البسيطة فإنهم سيهتفون ‏بصوت عال كرجل واحد: ” غوته (‏Goethe‏) !”‏

لأنه لا توجد شخصية ألمانية واحدة بجلت وقرت أكثر منه، و لم يحي احد من الأوائل أو الأواخر حياة ‏ألمانية نموذجية مثله، أنه ” الإنسان الكامل ” الذي تلتقي فيه كل المراحل الألمانية.‏

انه مبدع فاوست “‏Faust‏” الذي أعلن عنه المعلم ايكارت، انه ملهم نيتشه في ” هكذا تحدث زرادشت ‏‏”، ويشهد كل من شبنغلر (‏Spengler‏)، يونغ (‏Yung‏)و توينبي (‏Toynbee‏) في أعمالهم انه هو الذي ‏ألهمهم و حفّزهم، هو صاحب ” الإنسان السامي” (‏Ubermensch‏)، لقد قدم للعالم نبي الإسلام محمد ‏صلى الله عليه و سلم، و كذلك برميثيوس (‏Prométhée‏)، و كرس النصف الأخير من حياته للتأمل في ‏‏”دين الفطرة”، دين إبراهيم الحنيف. 

‏ حينما نتصفح كتبه ” ديوان الشرق والغرب ” و ” مآسي الشباب ” أو ” فاوست “، نستشعر انبعاث ‏فترة فريدريك الثاني من جديد، تقطر بماء الحداثة الإسلامية لأن الإسلام في تلك الفترة كان هو ‏الحداثة.‏

كشف حكيم فيمر (‏Weimar‏) في مراسلاته، ميولاته الفلسفية بوضوح أكبر حيث صرح لماير ‏‏(‏Meyer‏) : ” علينا أن نتشبث بالإسلام ” (29/07/1816) ، وأسر إلى فيليمر(‏Willemer‏): ” علينا أن ‏نعلم و ننشر إسلاما معقولا إن عاجلا أو آجلا ” (15/06/1818) ، وكتب إلى تسيلر(‏Zeller‏): ” أجد ‏أفكاري الخاصة معبر عنها بشكل أفضل في الإسلام “.‏

إن ” فاتحة السنوات ” التي استهل بها ” فاوست ” من وحي إسلامي.‏

‏ حيث لم يجد غوته الذي يكن الكره والاحتقار لفكرة الإلحاد، نفسه في المسيحية، فذهب يبحث عن ‏معنى الحياة في التصور الإسلامي الذي لا علاقة له بحقيقة المسلمين الاجتماعية الحالية.‏

بالنسبة إليه ” تعمل الألوهية عملها في الذين ينعمون بالحياة وليس في الأموات، أنها تكمن فيما ‏يتغير ويتحول، وليس فيما تحول وجمد.‏

إن الواجب المزدوج للإنسان براية هو في تحقيق وظيفته و رسالته في الحياة الدنيا و إعطائها ‏معنى كونيا”.ذلكم هو الاعتقاد الراسخ المشترك بين الإسلام و الفكر الألماني.‏

تقول السيدة دي ستال (‏De Staël‏) الفرنسية صاحبة كتاب ” حول ألمانيا ” عن هذا الشعب الند ‏لفرنسا في القرن التاسع عشر: ” مثل الألمان كمثل كشاف الجيش بالنسبة للفكر الإنساني، يجربون ‏السبل الجديدة ويختبرون الوسائل المجهولة، فكيف بنا لا نكون فضوليين من أجل معرفة ‏روايتهم بعد عودتهم من رحلاتهم الى المجهول؟”‏

وقد روى النمساوي ليوبولد قابس (‏Leopold Weiss‏) (محمد أسد) في كتابه ” الطريق إلى مكة ” ما ‏الذي دفع به إلى اعتناق الإسلام فقال: ” كلما تعمقت في فهمي للإسلام كلما تجدد الإحساس ‏بحقيقة كامنة في نفسي دون وعي مني، تنكشف شيئا فشيئا وتتأكد …”‏

la Nation” 04 أوت 1993

جريدة الخبر، ركن ” إجتهادات”، 05 أوت 1993

موقع الجزائر اليوم 10 ماي 2020

You may also like

Leave a Comment