Home مقالاتإشكالية الإسلام1999-1990اي مستقبل للاسلام؟

اي مستقبل للاسلام؟

by admin

ترجمة فضيل بومالـــة

غداة الحرب العالمية الأولى، نشر المفكر الألماني، أوزفالد شبنغلر‎‎‏(‏Oswald Spengler‏)، كتابا ‏رغم انغلاقه الشديد وتشدده الصريح، هز الرأي العام الذي لم يزل بعد في فترة النقاهة من اثر ‏الصدمة المعنوية والمادية التي أصابته من جراء الحرب التي أثارتها أوروبا ضد نفسها، كما كان ‏الحال قديما في حرب البيلوبونيز التي إصطفت فيها المدن الإغريقية ضد بعضها البعض في ‏مواجهة انتحارية شاملة.‏

لقد تمت ترجمة هذا الكتاب لأول مرة من الألمانية إلى الفرنسية سنة 1933 (‏Gallimard ‎Paris,1933‎‏)‏‎‎من قبل أحد أصدقاء المفكر الألماني، وهو الجزائري محند تازروت، تحت عنوان” ‏أفول الغرب، نظرة إجمالية عن تشكل التاريخ”.‏‎ Le déclin de l’Occident : Esquisse ‎d’une morphologie de‏)‏‎‎‏(‏l’Histoire

أراد شبنغلر منذ الأسطر الأولى من كتابه أن يشير إلى الطابع العلمي والاستثنائي لعمله، فنجده ‏يتحدث بنفس النبرة التي تحدث بها ابن خلدون سنة 1377 عندما بدأ في كتابة ” المقدمة” في ‏مدينة بسكرة الجزائرية فقال: 

هناك لحظات معينة في التاريخ، قوة التحولات فيها تعطينا ‏انطباعا أننا نعايش نشأة جديدة، نهضة حقيقية وبداية بروز عالم جديد، و هكذا هو الأمر في ‏الساعة الراهنة، و حتى الحاجة تشعرك أن أحدا ما على موعد مع التاريخ لتغيير أوضاع البشرية “.‏

لم يرى شبنغلر في تنبؤاته الكارثية سوى نهاية الحضارة الغربية التي اعتبر أنها تقف على “أرضية ‏انتهت روحيا” ” كما كان قد رأى أن الإسلام” على أبواب تفكك شامل”.

لكن فيلسوفنا بقدر ما هو واع باستبدال ” نظام بطليموس” الذي سرى مفعوله إلى عهده ‏بـ”اكتشاف كوبرنيكي”، بقدر ما بقي رهين فلسفة التاريخ التقليدية، خاصة رؤية هيجل الذي يرى ‏استحالة العودة، أي” نهضة” الثقافات الكبرى التي تحققت و تحولت إلى حضارات.‏

لكن كيف سيكون شعور شبنغلر اليوم، وهو يرى الغرب أكثر قوة من أي وقت مضى تملأ حضارته ‏و قوته كل العالم، و مشهد تقدم مستمر لإسلام رغم ما يحمله من ثقل ستة قرون من التخلف؟

‏ كيف ستكون ردة فعله اتجاه اليابان، الصين وحتى إسرائيل، وهي ثلاث ثقافات قديمة عادت إلى ‏التاريخ في زيّ غربي؟ وهو الذي كان يعتقد جازما بـفكرة ” الانفصال المطلق للحضارات بعضها عن ‏بعض”.‏

جاء بعد شبنغلر (الذي توفي سنة 1936) مالك بن نبي، و توينبي (‏Toynbee‏)، اللذان لم يتناسيا ‏التطورات السريعة للتاريخ التي كانا شاهدين عليها، كما أدخلا آخر النتائج العلمية في تحليلاتهما و ‏التي عوضت ” الأسباب الطبيعية” التي كرست في عقل لوكراس(‏Lucrèce‏) و ابن خلدون فكرة ‏موت الحضارات بـ”الأسباب العرضية”، و كأن هذه الأخيرة أمراض نقص المناعة في أجسام ‏المجتمعات التي تسبب تفكك نسيجها الاجتماعي فتنقض خيوطه أنكاثا.‏

بالنسبة لكليهما تتوقف حضارة عن النمو والتقدم، بمجرد ما يطعن في منظومتها القيمية ‏‏(‏Ethos‏) التي تؤسس ذاتيتها وأناها، حيث يتوقف الأفراد عن الاعتقاد في الأشياء نفسها، العمل ‏للصالح العام، الثقة في النخب الفكرية والسياسية. وعندها تنتشر الفرقة والانقسام والبحث عن ‏المصالح الخاصة وضياع الحس الجماعي، هنا يفقد التجمع البشري المعني ديناميكيته ‏الاجتماعية تدريجيا، روحه الجماعية، وتناغمه الاقتصادي، فينهار يتراجع و يفقد البوصلة، ثم ‏يسقط في التخلف. 

لكن، بالنسبة للاثنين، أي توينبي و بن نبي، فإن الإقلاع نظريا و تقنيا يبقى دائما ممكنا، كما أنه ‏يمكن لأمة أن لا تعرف أبدا الحضارة و لا التطور أن تبقى في الوجود ملايين السنين‎.‎

من جهته عبر رينيه غوسيه‎‎‏ (‏René Grousset‏) بطريقة أجمل عن مغامرة الحضارة الإنسانية ‏حيث كتب في “حصيلة التاريخ”(‏‎Bilan de l’Histoire‏)‏‎‎يقول:”كانت الإنسانية، و عبر ‏محاولاتها اللآمتناهية تسير مرحليا نحو مثالية جديدة، و انتهت بالوصول إليها، و تحقيقها في ‏نجاحات قصيرة و فردية، لكن عوض أن تتمسك بها، فقد خربتها فجأة، تركتها وراحت تغامر بلا ‏مسار و لا دليل، حتى يتراءى لها في الأفق خطة مجتمع آخر متكامل فتهرع نحوه لتقيم بنيانه”.‏

بدأ مفكرنا مالك بن نبي، من خلال تشخيصه القوي، يبحث عن “شروط النهضة ” للعالم ‏الإسلامي، بينما يكتب توينبي بشكل أكثر تحفظا فيقول في كتابه” الحضارة على المحك”(‏La ‎civilisation à l’épreuve‏)‏‎‎‏ : 

“يواجه الإسلام الغرب مرة أخرى، لكن حالة الإسلام هذه المرة ‏أكثر خطورة و حرجا مما كان عليه حينما كانت الحروب الصليبية على أشدِها، لأن الغرب لا يتفوق ‏فقط عليه بالسلاح، ولكنه يسيطر عليه أيضا بتقنيات الحياة الاقتصادية ،وفضلا عن ذلك ‏بثقافته الروحية ، تلك القوة الداخلية الوحيدة القادرة على خلق و مساندة كل المظاهر الخارجية ‏لما يسمى بالحضارة “.‏

في الحقيقة، الإسلام لا يواجه العالم، بل يواجه نفسه وأتباعه، انه لم يعد في صراع مع أحد، بل ‏مع نفسه فقط، حكام ضد مواطنيهم، حداثيون ضد تقليديين، دعاة تطبيق القانون المدني ضد ‏دعاة التطبيق الحرفي للشريعة…‏‎

فهو لا يطمح في إخضاع دولة أجنبية، بل بالعكس هو الذي ‏يخسر أقاليمه كما في فلسطين و السودان، فهو لا يبحث إطلاقا عن فتوحات جديدة لأنه يعرف ‏أن العالم صار محكوم من القطب إلى القطب، ومن أعالي الفضاء إلى أعماق البحار.‏

لا يزعم الإسلام أنه يطمح لغزو أراض جديدة، لكن فقط، وهذا ما يحلم به، أن يغزوا القلوب ‏والنفوس. إن الإسلام كما وصفه هيجل في كتابه ” العقل في التاريخ”: ” أسمى إدراك للتوحيد ” ‏يريد أن يقترح نفسه منهجا روحيا لعالم في طريقه إلى التوحد. ‏

و الآية القرآنية واضحة في الحث على إيجاد هذا الأخير، بحيث يكون منهاج حياة مشترك:”وَلَا ‏تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ ‏إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”.(العنكبوت، الآية 46).‏

إن المسلمين واعون بالتحولات التي تنتظر العالم الذي سيشهد أنماط حياة ليس لها سابقة في ‏التاريخ، تتميز عموما بقيادة دولية فيدرالية، متحدة أو بصيغة أخرى، ولذلك فهم يبحثون عن ‏وسيلة يتكيفون من خلالها مع التطورات الجديدة، من دون أن يتخلوا عن معتقداتهم، أو أن ‏يذوبوا في أنماط حياة وضعت أساسا لغيرهم، لكن أي هامش عمل في متناولهم؟ 

و ماذا بقى من ‏الإسلام قابلا للتفاوض إذا رجعنا إلى الآية الكريمة التي تقول “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ‏اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا ‏مُّبِينًا”(الأحزاب الآية 36).‏

الإسلام كلٌ لا يتجزأ، وعقيدته غير قابلة للذوبان في أي حداثة، فلا يمكن تقسيمه كما أشارت له ‏الآية الكريمة:” …أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ …»(البقرة الآية 85).‏

لكنه أيضا رخص ويسر فها هو النبي صلى الله عليه و سلم يطمئن المسلمين بقوله:‏‎‎‏”إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ ‏يُحِبُّ الرِّفْقَ ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ.. ” وَكَانَ يَقُولُ: ” خُذُوا بِالنَّاسِ الْمُيَسَّرَ وَلا ‏تَمَلُّوهُمْ”، و قد نقلت عائشة عنه قائلة: “مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا ‏أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ‏وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا”.‏

سبق لي و أن قلت أنّ الإسلام في نمو مستمر، و كأني أكذب ما ذهب إليه شبنغلر بخصوص خطر ‏الزوال الذي يترصده.‏

لنكون منصفين علينا أن نضيف كلمة “ديمغرافي” لأنه يبدو أن المسلمين اليوم قد خسروا كل ‏المعارك التي خاضوها في العشريات الأخيرة، سواء ضد إسرائيل، أو ضد التخلف، أو ضد الاستقرار ‏السياسي..‏

إن الإسلام من الناحية الروحية مازال يستقطب الناس وفي كل القارات، الجنس الأسود و الأبيض ‏و الأصفر، وكل الأعراق، يغزو قلوب الكبار كما يغزو قلوب البسطاء، العلماء والأميين، لكن تبقى ‏مشكلته الجوهرية في النظام الوظيفي.‏

منذ أن أوقف الأشاعرة حركة المعتزلة في القرنين العاشر‎‎والحادي عشر‎‎ميلادي، أصبح الفكر ‏الإسلامي مدرسة عقيمة لم تنتج إلى اليوم رؤية بملامح مفكرين مسلمين على شاكلة ديكارت ‏قادرين على تحرير الروح النقدية و الفكرية و يدفعون باتجاه فلسفة تنويرية توضح مسيرة ‏الإسلام نحو آفاق لم يعرفها بعد و الذي ينتظر هذه النوعية من الرجال في الألفية الجديدة.‏

عندما تنبأ شبنغلر بتفكك كامل للإسلام، لم يكن بدافع العداء للإسلام، بل بالعكس، فقد كان ‏أقرب أصدقائه فكريا و إنسانيا مسلم جزائري، لكنه في الحقيقة، بين أسباب ذلك في مثل هذه ‏الجملة ” الإسلام بصراحة هو عجز الأنا البشرية في أن تقف في وجه ما هو إلهي كقوة حرة ” .‏

وماذا يمكن القول إذا عرفنا أن ديكارت، الرجل الذي يدين له الغرب بكل شيء، كان مؤمنا يرى أن ‏عليه واجب ” أن أطيع قوانين و تقاليد وطني، و أن أبقى دوما متمسكا بديني، كان من فضائله أن ‏كنت متعلما منذ طفولتي”، وفي كتابه “رسالة في المنهج” يقول” أنه لابد من جعل الألوهية ‏كقاعدة، وسعادة الناس كهدف”‏

‏ 

فما الذي يمنع من ظهور مثل هذا الموقف في بلاد الإسلام؟

الأسئلة الكبرى التي تنتظر من المسلمين مراجعات وأجوبة، وبعيد عن أي إلتباس، تعود بالأساس ‏إلى تنظيم الدولة والسلطات، العلاقات الدولية (مع غير المسمين)، فوائد البنوك، و قضايا المرأة ‏‏…الخ.‏

وإذا تأملنا الطريقة التي نظم بها اليهود مجتمعهم داخل إطار دولة ثيوقراطية لكنها ليست أقل ‏ديمقراطية وحداثة، نميل إلى الاعتقاد أن تعاليمهم الدينية ليست متشددة كما هو الحال مع ‏تعاليم الإسلام.‏

لكن الحقيقة أن القيود الموجودة في القران الكريم نجدها في التوراة و كمثال هذه الآية ” لا ‏تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه شيئا، لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا ‏أوصيكم بها”.(سفر التثنية، الإصحاح الرابع- الآية الثانية‎‎‏/‏Deutéronome, IV-2‎‏).‏

la Nation” 28 جويلية 1993

جريدة الخبر ركن “إجتهادات” 29 جويلية 1993

موقع الجزائر اليوم 09 ماي 2020

You may also like

Leave a Comment