ترجمة فضيل بومالة
“انك ميت و انهم ميتون” (الزمر-30)
”من كان يعبد محمدا، فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت” ابو بكر الصديق –رضي الله عنه.
يبدو أن المسلمين، إذا تأملنا أحوالهم من زاوية معينة، مازالوا لم يتعافوا بعد من اثر صدمة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا لم يكن هناك شك أنهم من الناحية التاريخية قد سلموا بوفاته الجسدية، إلا أن أشياء كثيرة في طرق تفكيرهم و أساليب عملهم تبين أنهم لم يتجاوزها لا نفسيا و لا فكريا.
إنهم يعيشونها دائما كاللحظة المقدرة التي رسمت معالم القطيعة الأبدية مع نظام مثالي، حيث كانت لهم الميزة التي لا نظير لها أن يعيشوا في كنف الله عز وجل وبالقرب من ملكوته.
لقد عرف المسلمون خلال السنوات الثلاثة والعشرون التي استغرقتها الرسالة النبوية، الفرصة الوحيدة من نوعها، كونهم عايشوا الوحي ونزول القران آية آية، وشهدوا بأم أعينهم المعجزات ونعموا مباشرة بعون الله كما حدث في معركتي بدر وحنين، لقد كان لهم إن أرسوا قواعد مجتمع جديد وأقاموا نظاما دوليا جديدا.
لقد كانوا يغالبون كل شيء ولم يعرفوا سوى النصر والنجاح بتوفيق ربانيّ. لقد كانوا يعيشون في جنة من جنات الله، ولكن ما إن وافت المنية أفضل خلق الله حتى وجد المسلمون أنفسهم مجبرين بغتة على توديع العهود الأولى والالتحاق بالعوالم الدنيا من الحياة المدنسة.
ويبدوان وقع الأمر كان شديدا على المسلمين عندما يجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة ذواتهم ومواجهة الآخرين بدون أي مساعدة تساندهم أو وساطة تشفع لهم أو نموذج يحتدون به، لا سيما و أنهم كانوا في العليين على سلم المقدس حتى انكسر بهم وكانت خيبة الأمل كبيرة بعودتهم إلى الأرض.
وازدادت الصدمة حدة لما علموا أن لا ضمانة تحميهم، مما أجج من قلقهم كونهم مطالبون من لحظة القطيعة تلك إلى يوم البعث أن يجدوا الدواء لكل الأدواء بأنفسهم بعقولهم بأيديهم، أدواء عديدة وأحيانا تكون غير متوقعة.
ويمكننا القول أن ادم وحواء -عليهما السلام- هما وحدهما الذي عرفا مثل هذه الأهوال والآلام بعدما هبطا من الجنة، وحينما نتأمل الفوضى التي يعيشها المسلمون اليوم، و رغبتهم الجامحة في أن يتكفلهم “شيخ” مع تفضيل أن يكون ” ضريرا اغشي الله بصره”، نتساءل عما إذا لم يكونوا أجدر بالشفقة من أولئك الذين عاشوا في ظل بردة النبي صلى الله عليه وسلم- وتكبدوا لوعة فراقه والحرمان من صحبته الطاهرة.
ويجدر بنا القول حتى نخفف من مسؤولية المسلمين الأوائل ألا خلافة لنبي بعد وفاته!
بمجرد ما انقضت فترة الرسالة والتبليغ وأدب الدين حتى حلت ضرورة أدب الدنيا: أي كيف ندخل الإسلام في عالم الشهادة دون رسول الله؟ كيف نجسد المقدس؟ وكيف نحول وننفذ المبدأ الواضح والواجب الحتمي: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”؟
متى يجب الاكتفاء بالتقليد، ومتى يجب الإبداع والتجديد، ومتى يجب التريث و الامتناع؟
وبينما كان الإسلام يشق عباب العالم شقا، تحركه في ذلك طاقة روحية شبيهة بالطاقة النووية والتي ستمكنه من ريادة العالم والحداثة لسبعة قرون، كانت التوازنات التي أحدثها الرسول صلى الله عليه وسلم، والإجماع الذي توصل إليه يعرفان الضربات العنيفة الأولى بالمدينة المنورة.
أن الأثر العميق والبعيد لتلك الطعنات سيظهر في عجز الطاقة الحضارية للمسلمين عن التجدد، الأمر الذي لن يسمح للعالم الإسلامي بالنهوض كما نهض الغرب واليابان بعد انطفاءة أولى.
المرور من المطلق إلى النسبي لا يتم أبدا دون أن تنجر عنه أضرار كما الأجسام القادمة من الفراغ الموجود بين النجوم والتي تتحطم بمجرد تصادمها مع المحيط الجوي.
الإسلام لم ينزل على أناس جدد خلقوا في نفس زمن بعثه لكنه أوحي به خلال رحلة كونية ممتدة، إلى شعوب بقيت منذ الآلاف من السنين حبيسة عاداتها وطبائعها ومصالحها وخصوماتها الإنسانية. من هذا المنطلق، كان معتنقوه في المعظم كبارا في السن، منهوكين ومطبوعين نفسيا. لقد كان الإسلام هو وحده الجديد..وبالرغم من ذلك، كان النبي –ص- يقول دائما بتواضع مؤثر انه لم يأت إلا ليتمم مكارم الأخلاق.
كل عظمة الإسلام وتسامحه يكمنان في كونه لم يعتبر أبدا أن العالم الذي كان قبله بملايير السنين سيزول بدونه، ولكنه اعتبر فقط أن ذلك العالم سيعيش أحسن به.
العلاقات التي كانت تربط صحابة النبي صلى الله عليه وسلم تنوّعت بتنوع الطبائع والأمزجة، إجمالا يظهر صدق و إخلاص كل واحد منهم لكن الجزئيات لم تكن تخلو من نزعته الإنسانية ليتعارض مع الآخرين ولا من رؤيته للعالم و الأشياء فيختلف معهم عنها فبقدر ما كان أبو بكر لطيفا وديعا، بقدر ما كان عمر مندفعا وقويا، مات عثمان وتهمة محاباة الأقارب عالقة به، ومات علي وحيدا.
لقد خدموا جميعا النبي صلى الله عليه وسلم بكل تفان وتضحية، وكان كل واحد منهم “خير خلف لخير سلف”، غير أن الثلاثة الآخرين عرفوا نهاية مأساوية كما كان مصير الآلاف من المهاجرين والأنصار الذين فتكوا ببعضهم البعض بسبب خلافهم حول عما إذا كان النبي صلى الله عليه و سلم سيفعله لو لم يمت.
لقد شكلت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فيزيائيا قطيعة كونية، حيث لن يتحدث الله بعدها أبدا إلى بني ادم ولن يبعث إليهم لا رسالة ولا رسولا.
أما من الناحية الميتافيزيقية، فقد شكل رحيله “ابتعادا عن المبدأ”، عن الجوهر كما يقول العالم الجليل عبد الوحيد رينيه غينون (Abdlwahid René Guénon) ، سقوطا في المدنس، وتراجعا من السامي نحو المتدني.
ففي فترة التأسيس أو بالأحرى في فترة الوحي، من الضروري أن تكون أفعال المصطفى صلى الله عليه وسلم مع نفسه أو في حضرته مثلا يقتدى به لم يسبق لها مثيل وذات معنى جليل.
ومن الطبيعي أن يكون من تلك الأفعال ما هو مقدس و منزّه، ولكن فيها أيضا ما يندرج تحت باب الذكاء، والإرادة الحرة للإنسان.
ولكن كيف يمكن التمييز بين هذه وتلك، خصوصا إذا اعتبرنا المسافة البعيدة وما أنزلته صروف الدهر بها؟
وحتى وان كان من البداهة بما كان، أن هدف تلك الأفعال لم يكن إلا من اجل تجاوز وضعية عادية أو إيجاد حل لمشكلة مبتذلة أو تقديم إجابة عفوية على سؤال عرضي، فان الوعي الديني الذي سيحل محل الوحي باختصار – أي العقل والرشاد- يستحوذ عليها كما هي ويصورها للأجيال القادمة على أنها نماذج يجب تقليدها وإعادة بعثها كقواعد نهائية.
وفي غياب توجيهات دقيقة نص عليها القران الكريم أو استنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي توظيف روح الاجتهاد و الذكاء الإسلامي متحجرا أمام المستجدات التي تعترض المسلم في طريقه.
ولذلك يبدو مسلمو الأمس واليوم وكأنهم لم يتخطوا بعد الأزمة المعنوية والفكرية الناجمة عن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
إن التقديس المفرط الذي دفع إليه علماء الدين منذ البداية، وفشل المدرسة العقلانية المعتزلية بعد ذلك قد أديا إلى سقوط الحضارة الإسلامية، وحكما عليها ألا تنهض وتنطلق مرة أخرى كما انطلقت أول مرة.
وبذلك أصبح العامل الديني ليس هو الذي يساهم في ترقية الوضع الإنساني، ولكن الإنسان هو الذي تلاشى في غمرة وضع غير منتج أمام نفسه وأمام الله.
فحيثما كان يجب وجود مؤسسات لم يوجد سوى أشخاص، وبذلك بقي الإسلام رهينة النزوات والعواطف والذاتية.
وإذا كان القران الكريم يحظ على إتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فانه لا يجبر الإنسان ألا يفعل سوى ذلك، خصوصا في حالات عدم وجود إسناد واضح من القران والسنة.
وحتى يضمن خلود الإسلام وحرية المسلمين، وضع إطارا أوسع لا حد له، إطار الخير والمنفعة والجمال، ولكن المسلمين في كل زمان ركزوا كل إعجابهم على شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وغفلوا عن الإطار الذي قدمه الله عز وجل من خلاله.
وهكذا قسمت مسالة خلافة النبي صلى الله عليه وسلم وممارسة السلطة في المجتمع الإسلامي الجديد، المسلمين على أنفسهم في الوقت الذي لم يدفن فيه النبي بعد.
فالسلطة على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بمقدورها أن تكون سوى فردية وروحية ورمزية، لقد كانت إمامة أكثر منها سيادة، حيث وضعت هكذا في شخص النبي المختار.
إن طرق تدبير الله عز وجل لا يمكن أن تكون هي نفسها ما عند البشر، كما لا يمكنها أن تكون إدارة لشؤون البشر بعونه بالتوازي مع تسيير بشري ضيق.
وذلك ربما هو سبب عزوف النبي صلى الله عليه وسلم عن الإدلاء والخوض فيما يخص خلافته بالرغم من ضغوط و إلحاح كل من العباس وعلي –رضي الله عنهما- عليه في الكثير من المرات كونهما استشعرا قرب اجله. لقد بقي صلوات الله وسلامه عليه ملتزما بمبدأ القران: “وأمرهم شورى بينهم”.
إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك أن السياسة، بما انه قد مارسها، هي فن تسيير المتغيرات والمستجدات. وليست موقفا ثابتا جامدا إلى الأبد في إطار قواعد، بإمكان الزمان أن يتجاوزها.
إن الحلول التي سرى مفعولها على عهد الخلفاء الأربعة الأوائل لم تكن في الحقيقة سوى تسويات قاومت مع أبي بكر وعمر وأخفقت مع عثمان وانهارت مع علي –رضي الله عنهم جميعا-.
ومن معاوية إلى آخر سلطان في اسطنبول، عاش المسلمون يرزحون تحت الأنظمة المستبدة والملكية.ولم تنظر نخبة من المسلمين و مجتهديهم سوى في مسائل طيبة أو قساوة أصحاب الحق في الملك والسلطات، بدلا من بحثها عن نموذج مؤسساتي صالح ومستقر، وذلك يرجع لخوفها من السقوط في “البدعة” ومنها
في النار.
إن “الموروث الجاهلي” سرعان ما تغلب على “المكتسب الإسلامي” وما كان يحمله من قدرات وإمكانات.
هذا هو وضع العالم الإسلامي…
مصاب بتعطل التاريخ ومريض أمام النجاح الباهر الذي حققه “الكفار” وعاجز عن بناء نظام حياتي مجد بالإعتماد على نفسه دون توجيه نبوي أو تدخل مباشرة لله عز وجل في شؤونه اليومية، ولذلك تراه يختفي وراء بعض الأوهاموالجدال الفارغ.
إن العالم الإسلامي هذا، إذا استطعنا أن نبرر استعمالنا لهذه العبارة، يجب أن تصلى عليه صلاة الجنازة لأنه لن يعود في التاريخ ككيان موحد جغرافيا وسياسيا.
وأقصى ما يمكن للمسلمين أن يحلموا به هو “كومنولث إسلامي” إذا افترضنا أن كل بلد من البلدان العضوة في “منظمة المؤتمر الإسلامي” (وهي الشيء الوحيد المشترك في العالم الإسلامي)، يستطيع أن يضمن بقاءه الخاص في الألفية القادمة.
يمكننا أن نبالغ في الحلم حدّ الغبطة، ونتخيل أن العالم نفسه سيصبح كلّه مسلما تباعا لقرار إلهي.
ولكن في انتظار ذلك، على المسلمين أن يعلموا أيضا انه ليس بإمكان أي مؤسسة من مؤسساتهم النموذجية(الخلافة، الحسبة، الجهاد ضد غير المسلمين، النظام الخاص بالذميين بالنسبة للأجانب) أن ترى النور من جديد كما حدث في الماضي.
وهناك من ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يعتبرها العارفون بعلم الحديث والجرح والتعديل “موضوعة”، تتعلق بمجيء وعودة الإسلام: الذي”جاء غريبا” و”سيعود غريبا”.
من المفيد الأخذ بمقولته هذه –و إن اختلف أيضا في نسبها فمنهم من يعتبرها حديثا للرسول و منهم من ينسبها لسيدنا علي بصيغ متعددة لكن المعنى لا يختلف اثنان في صحته-:” لا تربوا أولادكم كما رباكم آباؤكم، فقد خلقوا لزمان غير زمانكم”.
“la Nation” 21 جويلية 1993.
جريدة الخبر ركن “إجتهادات” 22 جويلية 1993
موقع الجزائر اليوم … 2020
