Home مقالاتإشكالية الإسلام1999-1990ماذا نفعل بالاسلام؟

ماذا نفعل بالاسلام؟

by admin

ترجمة فضيل بومالة‏

تُذكرنا محاولات كل محتلّ أجنبي أو مستبد محلي، على مرّ الزمان واختلاف المكان، وهو يحاول طرد ‏الإسلام من الحياة العامة أو يُضيِّق عليه الخناق ليجعله كأثر في متحف، بالمثل الفرنسي القائل” ‏اطردوا الفطرة، إنّها تعود بسرعة البرق!”.‏

لطالما أُسقِطت هذه الفكرة على الإسلام، وكأنّها حكمة إن لم نقل قاعدة، إلاّ أنّ النتيجة دائما ما تكون ‏عكسية وردة الفعل قويّة، لأنّه من الصعب إقتلاع ما هو متجذر ومتأصل في الأعماق.‏

عندما كتب، منذ ثلاثة قرون، مونتسكيو‎‎‏(‏Montesquieu‏) أطروحة بعنوان “‏‎‎

تأملات في أسباب عظمة ‏الرومان وانحطاطهم”، أراد أن يشرحها بأمثلة تناقض موضوعه، فقال:”‏‎‎يستطيع ملك من ملوك ‏الفرس أن يجبر ولدا على قتل أبيه، أو أن يجبر أبا على قتل ولده، لكن لا يستطيع أن يجبر رعيته على ‏شرب الخمر. توجد في كل أمة روح عامة تبنى عليها السلطة، عندما تريد هذه الأخيرة زعزعة هذه ‏الروح، فإنها تهتز هي بدورها، وتنهار لا محالة”.‏

لو اخذ شاه إيران بعين الاعتبار الرُؤى السديدة لمؤلف “رسائل فارسية” (مونتسكيو) لأنهى أيامه في ‏وضع غير وضع قابيل الهارب من عقاب جيوفا-الرب‎-‎، لكن في غمرة نشوته بالاحتفال بطقوس ‏داريوس‎ Darius، لم يشعر أن الأرض الإسلامية تتزلزل تحت قدميه.‏

وها هو الفرنسي كلود ليفي ستروس (‏Claude Lévi-Strauss‏) يأخذ العبرة 

من الأحداث بدلا عنه ‏فيقول‎:” ‎هناك شيئان، لا يمكن أن نجعلهما يتراجعان: الإسلام والتبغ”. و ها هو أيضا المؤرخ ‏السويسري يعقوب بورخاردت‎‎‏(‏Jacob Burckhardt‏)‏‎‎الذي كتب في نهاية القرن التاسع عشر قائلا: “من ‏لا يريد إبادة المسلمين، أو لا يجد الوسائل لفعل ذلك، الأفضل أن يتركهم وشأنهم، لأنه يمكننا ‏الاستيلاء على أراضيهم الجرداء لكن لن نستطيع أبدا إخضاعهم لدولة غير دولة القرآن” (تأملات في ‏التاريخ العالمي).‏

كما يشهد شارل أندري جوليان‎‎‏(‏Charles-André Julien‏)‏‎‎في كتابه «إفريقيا الشمالية تسير: القوميات ‏الإسلامية والسيادة الفرنسية” على أن الجزائر لم تسجل ما بين 1865 و1934 إلا 2500 حالة تجنيس، ‏أي بمعدل 36 حالة كل سنة‎.‎

وليست الأربعين ضحية التي سقطت الأسبوع الماضي في تركيا، أثناء مظاهرة إحتجاج على نشر بعض ‏الأجزاء في الصحف من كتاب سلمان رشدي “آيات شيطانية”، هي التي ستنعش ذكرى أو أعمال ‏أتاتورك. 

ويعود ذلك إلى تشبث المسلمين أينما كانوا، بالوصية الأخيرة للنبي صلى الله عليه وسلم “لا ترجعوا ‏بعدي كفارا…”.‏

يبدوا أن دور الجزائريين حان ليواجهوا السؤال الكبير والوحيد الذي ينخر الوعي الإسلامي في صراعه مع ‏إشكالية الحداثة: “ماذا نفعل بالإسلام؟”‏‎‎هل علينا إدماجه أم تفكيكه؟ هل نمزجه في الاسمنت ‏المسلح الذي نبني به الأساس أم نعتبره أمرا ثانويا لا يتجاوز الطلاء والديكور؟

في الجزائر، الكل يعلم أن الإسلام يُعد، بعد الأوكسجين، العنصر الأكثر ضرورة للحياة، المتجذر في ‏أعماق اللاشعور الجماعي، والأكثر تقديسا في الجينات العميقة، لا يمكن المساس به في أي خصومة. لا ‏يمكن تبديله ولا العبث به، و مع مرور الزمن تزاوج مع الطباع و السلوكيات، ليتجسد في النهاية ‏ممزوجا بمحاسن و مساوئ سكان هذا البلد‎.‎

إن الحياة الدنيا في المنظور الكوني للجزائري البسيط، رغم إغراءاتها، ليست سوى مرحلة امتحان ‏للولوج إلى عالم الخلود. الأربعة أو الخمسة ملايير سنة من عمر النظام الشمسي لم تكن في نظره سوى ‏مضيعة للوقت مقارنة بالألف وأربعمائة سنة بعد مجيء الإسلام.‏

بالنسبة له الأمة الوحيدة التي لها قيمة لديه هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومقامنا فوق الأرض ‏فقط ليحاسبنا الله على كل أفعالنا وحركاتنا‎: ‎فالرحمة والعفو و السكينة للمسلمين، و القصاص و ‏العقاب لغيرهم.‏

‏ بالنسبة‎‎للإنسان الجزائري”الحل الإسلامي” الذي اخفي وابعد عنه “ظلما” هو المدينة الفاضلة التي ‏تختفي فيها المظالم و المتاعب تلقائيا‎.‎

كان الجزائري، قبل دخول الإسلاموية في الثمانينيات، بطبعه متفتحا، متسامحا، يحترم عقائد ‏الآخرين، حتى وإن بدى غافلا أو مبتعدا عن الإسلام، لكن من المستحيل أن يتقبل التخلي عنه نهائيا.‏

وإذا تهيأت له ظروف خاصة تستفز حماسه الديني، فسيتحرر فجأة من كل التزاماته الأسرية أو ‏الاجتماعية، ويترك عالم المادة المدنس ليعيش العهد المدني في عصر النبي صلى الله عليه وسلم. 

يستشعر بذلك أنه يحمل روح صحابي يسير على خطى الرسول، وتسمو به الروح ليتقبل الشهادة ‏ويتشكل لديه حصن منيع ضد الإغراءات المعاصرة‎.‎

إنسان كهذا تغلغل الإسلام بداخله إلى هذا الحد، لن يتقدم في التاريخ إلا به، بدونه سيفضل أن يعيش ‏خاملا، يتراجع، أو حتى يزول. لقد تسجل في نظامه الجيني أنه لن يتقدم إلا بالإسلام أو لا يتقدم أبدا‎.‎

في الحقيقة، هذا البورتريه ليس فريدا وخاصا بالمسلم عموما والجزائري خصوصا، لكنه يتعلق بكل ‏حالة نفسية نراها تتحدد بقوة بفضل نوعية التفكير والتوظيف الديني، وهذا لا يعني أن هذه الحالة ‏عندما تتعلق بحالات فكرية معقدة أو توظيف عقلي أنها تفقد خصائصها و دوافعها الأصلية‎.‎

كل ما سيحدث هو تركيبة جميلة للــ”الروح العامة المحلية” و”الحداثة العالمية” كما رأيناه في حالة ‏اليابان، والصين أو النمور الجدد التي نجد بينها”ماليزيا” وهي دولة مسلمة. و هذا ما أشار إليه خوسيه ‏اورتيغا إي غاسيت (‏‎ Jose Ortega Y Gasset‏)‏‎‎في كتابه ” أفكار و معتقدات”(‏‎ Idées et croyances‏): ‏‏”نحن لا نملك معتقدات بل نٌجسدها”.‏

من البديهي انه لا يمكن لنفسية أي شعب أن تُرتجل حسب الموضة، كما لا يمكن أن نزرع نظاما فكريا ‏مستخلصا من ثقافة معينة في جسم ثقافة أخرى من دون أن ترفضها‎.‎

لقد رأى العالم بأم عينيه نتائج “المثالية الشيوعية” التي حاول البعض أن يفرضها على نصف الكرة ‏الأرضية، وكانت تمتلك الزمن والوسائل، لكنها لم تترك وراءها شيئا غير الحروب الأهلية والخراب ‏المدمر‎.‎

لا يوجد في تاريخ البشرية أفكار انتشرت بين الناس كما انتشرت الديانات. منذ الأزل كان قادة الأديان ‏والأساطير هم الأكثر قدرة على جمع الناس، والأكثر فعالية وديمومة.‏

‏ وما العالم الحالي إلا حاصل جمع الحضارات، بداية من اليهودية والبوذية، والهندوسية، والمسيحية ‏والإسلام أو بعض الطقوس التيمية الأخرى‎.‎‏ منذ البداية جاءت الديانات لتكون إقرارا شرعيا و روحنة ‏للبعد البيولوجي.‏

‏ حيث صور الله الحياة حسب النظام الذي يصفه العلم ثم أخضعها إلى “معنى”‏‎‎تعبر عنه الديانات كل ‏بطريقتها‎.‎

الأفكار الدينية تتغلغل بعمق إلى أن تستقر في عمق الروح الإنسانية وفي العقل البشري كالأحجار الصلبة ‏في أغوار المحيط. حضورها بمثل هذا العمق، ومنذ أمد بعيد، تترجم في شكل معان، وصور أساسية ‏وشبكات تفسير وقيم‎…‎فكأنها أُضيفت إلى المحتوى الجيني المعلوماتي داخل الحمض النووي لتخرج ‏من خلال التاريخ على شكل نماذج، وأنماط وانساق ومظاهر الحضارات قادرة على الإنتقال بشكل ‏وراثي، وتشكل بالتالي خصائص الشعوب والأمم‎.‎

نعتقد أحيانا أن الغرب يدين بحضارته لرفضه للفكرة الدينية، لكن في الحقيقة، و من خلال مساعي ‏النهضة وعمليات الإصلاح التي قام بها قبل خمسة قرون، ثم حركة التنوير، والروح العلمية و ‏الصناعية، وضعت أوروبا كل مراحلها، الإغريقية و اللاتينية و المسيحية و المرحلة الحديثة جنبا إلى ‏جنب.هذا المزيج هو الذي أعطى لها الوحدة الأخلاقية و الحضارية التي نلاحظها من باريس إلى ‏أوتاوا‎.‎

في كتاب “مقتطفات تاريخية‎‎‏”(‏‎«Fragments historiques‏)‏‎‎يروي لنا يعقوب بورخاردت‎‎‏(‏Jacob ‎Burckhardt‏)‏‎‎هذا المقطع من المؤرخ ورجل الدولة الفرنسي أدولف تيير‎‎‏(‏Thiers‏):”عندما سقطت روما ‏مهزومة تحت ضربات البرابرة، رحبت الكنيسة بالجنس البشري كولد ينهار في حضن أمه المذبوحة، ‏فوضعته في أمان تحت ذراعها المقدس وعلمته الإغريقية واللاتينية، أي كل ما تعرفه حتى كبر الولد و ‏صار هو المسمى، بيكون (‏Bacon‏)، ديكارت (‏Descartes‏)، غاليليه (‏Galilee‏)”.‏

لكن المؤرخ الفرنسي لم يقل إنه لولا فضل الإسلام بين الحضارة الرومانية والعصر الحديث لكان هؤلاء ‏الثلاثة في جهل تام، لكن هذا بالنسبة إليه ليس له أهمية‎.‎

يكمن سر الصناعة في الغرب، كما في اليابان أيضا، في تحويل القيم اليهودية المسيحية بالنسبة للغرب، ‏والقيم الشينتاوية‎‎‏(‏Shintoistes‏)‏‎‎بالنسبة لليابان، إلى أنماط حياة وقواعد عمل فكري وصناعي مرنة‎.‎

خلال الفترة بين المعلم إيكهارت(‏Maitre Eckhart‏)‏‎‎و ستيوارت ميل‎‎‏(‏Stuart Mill‏)، بالنسبة للغرب، ‏وتحت إمرة الإمبراطور مايجي‎‎‏(‏Meiji‏)‏‎‎بالنسبة لليابان، تمت عندهما عملية رائعة في التغيير، تغيير ‏الاسطوانة الذهنية. 

وقد ظهر بذلك الإنسان “الفاوستي” من وراء ملامح الأوروبي الآثم المُدان والياباني المُهان‎.‎‏ إنه الانتقال ‏إلى العقلانية، إلى الثقة في القدرة الإنسانية الهائلة لتحقيق السعادة الأخلاقية والمادية، إلى الفكر ‏النقدي و التحكيم الحر الذي يحرر الطاقات ويفجر ديناميكية اجتماعية هائلة‎.‎

إذا كان الغرب قد استغرق خمسة قرون حتى يصل إلى المستوى الذي هو عليه اليوم، فإن اليابان قد ‏احتاج فقط قرنا من الزمن، والبلدان الصناعية الجديدة لن تحتاج أكثر من عشرين أو ثلاثين سنة، لأن ‏ظاهرة “النمو” لم تعد تعتمد على عامل الزمن بقدر ما تعتمد على الكيمياء الاجتماعية، ففي اليوم ‏الذي تجد فيه الصيغة المناسبة تكون لحظة الإقلاع‎!‎

ليس هناك في العالم مثال لدولة متطورة خالفت” الروح العامة” لشعبها حين نتكلم بمنطق ‏مونتسيكيو.‏

‏ لكن المسلمين، لازالوا يضيعون فرص انبعاثهم و ميلادهم الجديد كل مرة منذ أكثر من قرن.عليهم أن ‏يفهموا أنهم بعيدون كل البعد عن الطرق التي تحقق لهم النهضة لأنهم بدل أن يقفزوا للأمام، فهم لا ‏يتوقفون عن القفز إلى الخلف، و ما لم يحدثوا ثورتهم الفكرية الإصلاحية فلن يجدوا الصيغة ‏الكيميائية الملائمة‎.‎

إن هذا الخطأ المزدوج هو الذي ضرب الجزائر بقوة، وأدى بها إلى السقوط في حرب أهلية.‏

إلى أولئك الذين يتساءلون عن المجال الذي يجب تخصيصه للإسلام في المؤسسات و القانون ‏والتعليم العام في إطار جمهورية “حديثة”، ملايين‎‎من الأصوات ترد عليهم بقوة: “انه هو-أي الإسلام- ‏الذي يحتويهم ويجب أن يكون مصدر إلهامهم‎!‎‏”.‏

بالنسبة للجزائري، المشكلة جد بسيطة: إذا كان الإسلام “جيدا”، فعلينا أن نستلهم منه كل الحلول ‏التطبيقية، أمّا إذا كان “سيئا”، فلا بد أن نقولها بصراحة ونرى مباشرة بعد ذلك كيف يمكن استئصاله ‏من الروح الجزائرية‎.‎

‎‎

la Nation” 14 جويلية 1993

جريدة الخبر ركن “إجتهادات” 15 جويلية 1993

موقع الجزائر اليوم 07 ماي 2020

You may also like

Leave a Comment